شظايا 7
المحتويات
انت قولت مش عايز انا
وقال بصوت دافئ
_ نامي يا حبيبي.. ولا انزل الشغل
هزت رأسها بالرفض
_لا.. مش هتنزل النهاردة كله خاص بيا.
أغلق عينيه مستسلما لعشق يعرف أنه مهما حاول الهروب منه... سيعود إليه دائما.
بعد عدة ساعات
توقفت الخادمة امامهما
_الفطار برة ياباشا
اومأ برأسه وتحرك للخارج بينما استدارت الخادمة فتوقفت أمامها زهرة اشارت الى المطبخ
_روحي اعملي قهوتهم وحضريها وانا هخرجها واياكي تخرجي برة المطبخ دا
_ياسلام.. ومين هيعمل كده إن شاء الله
_والله هقول للمدام وده آخر تحذير.
قالتها الخادمة بنبرة حاسمة ثم انسحبت بينما ضربت زهرة الأرض بقدمها في غيظ مكتوم.
في الخارج جلست جواره وضعت الطعام أمامه بحرص ثم قالت بصوت خافت
_امبارح قلقت عليك وكلمت بلال... كان جاي بس بعدين اعتذر وقالي إن رولا وقعت في الحمام.
رفع عينيه إليها فجأة نظرة تحمل شيء من القلق
_يعني إيه وقعت اتجرحت
هزت كتفيها بجهل وقالت بصدق
_مافكرتش في حاجة يا يوسف غير إني أطمن عليك وبس.
زفر بضيق وأدار وجهه قليلا
_هو أنا طفل وليه تقلقيهم أصلا
ضغطت عليها كأنها تستمد منها الأمان
_إنت ماكنتش شايف نفسك عامل إزاي... أنا كنت هموت من الخوف حسيت حياتي كلها بتضيع.
ابتعد بنظره عنها شعر بذلك الإحساس الخانق يلتف حول صدره... ذلك الإحساس القاتل حين تحاول أن تتنفس وأنت متيقن أن أنفاسك توشك على التوقف.
_إنت مخبي علي حاجة
طالعها بصمت طويل... قلبه يصرخ يتوسل أن يبوح أن يلقي بحمله الثقيل عند قدميها.
لا تعلم أنه يغرق في أحزان تشبه الرماد تحرق بلا لهب تخنق بلا صوت.
لكنه قرر... يجب أن يسعدها حتى لو كان الثمن أن ينكسر وحده.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه
_عايزك دايما سعيدة... وموضوع الأطفال اديني وقت يا ضي أنا مش مستعد.
قطبت جبينها بخوف تسلل لقلبها
_يعني إيه هو إنت اللي مأجله...
قاطع كلماتها رنين الهاتف فانتفض كأن المكالمة طوق نجاة أنزل عليه في اللحظة الأخيرة هربا من اعتراف كان سيقتلهما معا.
_أيوة يا بابا.
_إنت فين
_في البيت...
_عدي علي ضروري.
نظر إلى ساعته ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتا
_دلوقتي.
_أيوة... ضروري. سيب كل اللي في إيدك وتعالى لي.
_حاضر.
توقفت خلفه تساءلت بقلق لم تستطع إخفاءه
_فيه إيه وعمو ماله
_مش عارف... صوته كان حزين. هروح أشوفه.
تحدثت بنبرة غاضبة تخفي خوفها
_افطر الأول... الدنيا مش هتطير.
_أكلت.
أشارت إلى المقعد بعينيها في إصرار صامت فجلس دون حديث يعرف عنادها جيدا ولا يملك له مفرا.
مرت دقائق ثقيلة وهو يتناول طعامه جوارها في صمت مشبع بالقلق حتى ظهرت زهرة تحمل القهوة.
اتجهت إليه مبتسمة بخفوت
_قهوتك يا دكتور.
أشار إلى ضي بنظرة سريعة
_هشربها مع بابا... هتيجي معايا ولا هتفضلي
_روح إنت... هغير لسه شوية وجاية.
بعد دقائق كان جالسا أمام والده في مكتبه.
الصمت بينهما كان أثقل من أي كلام.
_يعني إيه
تنهد الياس ومرر يده على جبينه وكأن الكلمات تؤلمه قبل أن تقال
_هو حجز وهيسافر النهارده. مينفعش نسيب عمتك لوحدها وجدك عنده مراجعة مع الدكتور ولازم حد يكون معاه. وكمان أختك داخلة على امتحانات... شوف بقى هتسافر مع عمتك ولا هتفضل مع جدك بس لازم تروح تقعد معاه كام يوم هناك.
خفض يوسف عينيه وقال بهدوء متحفظ
_مش موضوع أقعد معاه يا بابا... المشكلة في الشغل.
فكر للحظات ثم رفع رأسه بحسم بدا وكأنه قرار ينقذه من صراع داخلي
_هسافر أنا مع عمتي وإنت خليك مع جدو. وبعدين أنا كنت ناوي أسافر الأسبوع الجاي يوم ولا حاجة.
تفرس إلياس في وجهه طويلا ثم سأله بقلق أبوي
_فيه حاجة
هز رأسه نافيا صوته خرج متماسكا على غير الحقيقة
_حاجة تخص شغلي.
زفر الأب ببطء كأنه استسلم
_خلاص... سافر مع عمتك واعمل اللي إنت عايزه. وأنا أخلص مع جدك تكون شمس خلصت وأجيلكم هناك.
تردد يوسف قليلا قبل أن يسأل
_طيب... فريدة كويسة فيه نجاح للعلاج
ليه مش عايز يعالجها هنا غلطان... مستشفى 57357 كويسة جدا.
ابتسم إلياس ابتسامة حزينة وقال بصوت مكسور
_يا حبيبي... هو أبوها وأولى بيها. محدش هيحس بالألم قده.
خرج يوسف فوجد والدته تهبط درجات السلم توقف يتابعها ابتسامتها الحنون وهي تتجه اليه اتخذ قراره بأنها الوحيدة التي ستساعده فتوجه إليها بابتسامة حاول أن يخفي بها ما ينهشه من الداخل.
_صباح الخير يا
بادلته بابتسامة دافئة
_صباح النور يا حبيبي... بابا في المكتب.
أومأ لها كفيها برفق وتحرك بها نحو غرفة المعيشة.
عقدت حاجبيها وقالت بقلق بدأ يتسلل لقلبها
_فيه حاجة ولا إيه
_عايز اشرب القهوة معاكي طعمها وحش مع الياس
رفعت حاجبها بترفع حلو
_من امتى يابن الياس دا انت وابوك عاملين زي الست وجوزها
ضحك يوسف بصوت مرتفع متناسيا مايشعر به
_بتغيري ياميرال طيب بذمتك فيه حد يغير من الست وجوزها دا لو الياس سمعك مش عارف هيعمل ايه
ابتسمت وجلست تشير اليه
_اقعد وبطل شغل ابوك دا وقولي عايز ايه
صمت يطالعها بنظرات تنطق بالكثير ثم قال
_عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
انتفض قلبها بخوف غريزي وعيناها لا تفارقانه
_فيه إيه
تنفس بعمق وتغيرت حالته كليا كأنه يجمع شتات نفسه
_عايزك تتكلمي مع ضي في موضوع.
قطبت حاجبيها أكثر
_موضوع إيه
ابتعد بنظره وصوته خرج محملا بحزن ثقيل
_ماما...
لو بتحبيني اقنعيها تأجل موضوع الأطفال دلوقتي.
توسعت عيناها ولمعتا بالدموع في لحظة واحدة
_ليه يا يوسف ليه مش عايز تفرحني بابنك
أغمض عينيه وجز على شفتيه بقهر.
كان يريد أن يحكي... أن ينهار أن يبكي كأنه طفلا لكنه لم يعد يملك رفاهية الضعف.
_ماما أنا مش جاهز يبقى عندي أطفال دلوقتي... وهي مصرة. مش عايز الموضوع يكبر بينا.. مش عايز ازعلها
قالت بصوت مرتعش
_وليه يا ابني ده كله ولو إنت مش عايز... أنا نفسي أشيل ولادك. ده أنا بنام وبحلم باليوم ده.
هز رأسه ببطء وقال بنبرة مكسورة لا تخطئها أذن
_مش عايز دلوقتي يا ماما...
ثم تابع بصوت منخفض وكأنه يستجديها
_وأتمنى بابا ما يعرفش إني طلبت منك حاجة...
رفع عينيه إليها يحاول ألا تنكشف دموعه أمامها
_أتمنى محدش يعرف إني طلبت منك تقنعيها.
تطلعت في عينيه بعمق أم لا تخطئ حدسها
_إنت مخبي علي حاجة.
هز رأسه نافيا لكن عينيه خانتاه ولمعتا بالدموع.
انسابت دموعها وهي تهمس
_والله مخبي يا ابن إلياس... ومتأكدة من كده.. انت لسة خايف يايوسف من الماضي
أغمض عينيه
رغم كل ما يعصف بقلبه من ألم ذاب وجعه في ...وكيف لا
الأم وحده قادر أن يسكت الألم ولو إلى حين.
نعم قرائي فالأم تعرف وجع أبنائها قبل أن يبوحوا قبل أن تنطق شفاههم قبل أن يهتز صدرهم.
قلبها يشد على ألمهم كما يشد الحديد على النار... لا يكسر لكنه يحترق معهم.
هل ينكر احدكم ان في الأم يتنفس الصغير والكبير يشعر أن العالم كله قد تخلى عنه إلا هي.
ففيه تتوقف الحياة عن قسوتها وينكسر الخوف على كتف الحنان ويتراجع الألم خطوة للخلف ولو للحظة قصيرة.
تأكدن عزيزاتي ان الأمومية ليست مجرد دفء فقط...بل إنها سلاح ضد الوحدة ضد الألم ضد كل ما يحاول قلب الإنسان أن يتحمله وحده.
وحين يغوص الابن في أمه يذوب العالم من حوله ويصبح الألم مجرد وهم والخوف مجرد ذكرى...
ويبقى الحنان هو الحقيقة الوحيدة التي لا تخون.
اعتدل فجأة على صوت ضي التي وقفت عند المدخل عاقدة ذراعيها وملامحها لا تخلو من الغيرة
_ والله يعني حضرتك جاي هنا تتدلع مع الست ماما وأنا رحت فين بقى
ضحكت ميرال وهي تشير إليها بيدها
_ تعالي يا غلباوية... إنت يا بت بتغيري مني
رفعت ذقنها بتحد مصطنع.
_ أيوه طبعا! هو دلوقتي ملكي أنا يا ست ميرال ولو فكرتي تعملي حمى عليا صدقيني مش هتقدري.
ضحك على زوجته لكنه توقف على رنين هاتفه.
_ باباكي بيتصل... هشوفه وراجع.
تأففت وهي تزفر بضيق.
_ وبعدين بقى هما مستقصديني ولا إيه مرة أبوك ومرة أبويا!
_ مالك يا بت ما تتلمي على الصبح!
قالها إلياس وهو يقف عند عتبة الباب ثم التفت إلى يوسف بنبرة ساخرة
_ شوف عمك عايز إيه وسيبك من الهبلة دي.
رفعت حاجبها وهي تشير إلى نفسها بدهشة مصطنعة.
_ أنا هبلة يا عمو إلياس!
_ يا عبيطة بقولك اتقلي شوية عليه... ما تخلهوش يتغر.
نظرت إلى يوسف بعينين لامعتين وقالت بمكر لطيف
_ أنا عاجبني نفسي... وهو عاجبه كمان مش كده يا جو
هز رأسه بابتسامة خفيفة فتحرك إلياس
_ هتيجي ولا هتفضل مع الغارقة بعشقك يا أخويا!
ابتسم يوسف.
_ لازم تفضحينا عند الباشا يعني
كانت ميرال تراقبهم بعينين تلمعان سعادة إلى أن خرج يوسف متجها إلى منزل أرسلان.
أوقفه إلياس فجأة وصوته هذه المرة فقد خفته.
_ كنت تعرف إن بلال اتجوز على بنت عمك
تجمدت ملامحه وكور قبضته بقوة وهمس بصوت خرج محملا بالغضب
_ أوووه... إزاي ما عملتش حساب
اقترب من والده وعيناه تشتعلان.
_ بابا أنا قلت لحضرتك قبل كده... بلال بيحب واحدة وبلاش نضغط عليه.
تنهد إلياس بقلق وقال بنبرة مشحونة بالغضب
_ طيب يا أخويا روح لعمك... لسه ما كملش شهرين جواز.
عقلك كان فين يا دكتور وانت عارف اللي عمله ممكن يقلب الدنيا!
بمنزل يزن
جلس الجميع على طاولة الطعام.. كان يراقب صمتها قطع الصمت يزن
_اسر خد معاك اسيا خليها تساعدك في المواعيد
_بس إنا عندي سكرتيرة يابابا يعني مش محتاج
رفعت رأسها الى يزن
_خالو قولت لحضرتك انا مش هشتغل
التفت كريم اليها
_طيب جربي مش يمكن الشغل يعجبك اهو تدربي لحد مالكلية تقبل ورقكم
_انا مش موافقة داد وكمان مش عايزة اشتغل شغل مكتب انا مفهمش شغله
_جربي يااسيا لو بتحبي خالك
نهضت متأففة.. افكر وارد.. مش عايزة اضطهاد في شغل وفي كلية
قالتها وتحركت للداخل.. قاطعهم دخول بلال ملقيا تحية الصباح
_صباح الخير.. حماتي بتحبني
توقفت رحيل تشير اليه
_طبعا حبيبي.. اقعد هجب لك طبق
هز رأسه بالرفض
_لا.. انا هفطر مع رولا اتجه بنظره الى يزن وقال
_عايز حضرتك في موضوع.. لما تفطر
نهض يزن من مكانه وقال
_رحيل هاتي القهوة على المكتب
بينما توقف كريم
_ايمان هنزل اشوف الاجهزة بتاعة المستشفى وصلت ولا لا وانتي خلصي مع البنات
_حاضر.. رفعت سدن نظرها لوالدها
_بابي انا مش حابة مصر عايزة ارجع انا محبش كدا
ارتدى نظارته واشار اليها
_خلصي اكلك وانزلي انتي واختك مع ماما علشان تقدموا في الكلية
هبت من مكانها
_أنا قولت مش عايزة اقعد هنا
قالتها وتحركت لغرفتها.. خطت ايمان خلفها إلا أن كريم اوقفها
_لا.. سبيهم احنا خلاص رجعنا واللي كنا خايفين منه هناك خلاص انتهى
استدارت اليه
_خايفة يعاندوا اكتر ياكريم انا تعبت
_حبيبتي.. اهدي يمكن غلطنا لما اتأخرنا في الرجوع لكن متأكد هنا كل حاجة هترجع لوضعها اقنعت انس كمان وخلال كام شهر هيرجع هنا سفر تاني مش هينفع
اومأت متفاهمة ثم رفعت رأسها إليه
_يزن قالي خليهم يقربوا من بنات العيلة هيفرق معاهم
_المهم عيونك عليهم واحسن حاجة تليفوناتهم اللي ضاعت
_تليفوناتهم اللي ضاعت ولا انت اللي اخدتهم
اقتربت رحيل منها
_حبيبتي كل حاجة هترجع عايزة صبر علشان البنات تتحسن لازم يقربوا من ربنا لازم يرجعوا يصلوا زي زمان
بكت
_تعبت اوي معاهم ومهما نقول ونعمل مفيش فايدة
ربتت على ظهرها
_حاسة بيكي بس صدقيني فترة وهتعدي
بأحد السجون... داخل إحدى غرف الضباط
دلفت إلى المكتب بخطوات مترددة وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانتها قوتها وانسابت دموعها بصمت موجع.
لأول مرة تشعر بالقهر الحقيقي... لا على ما خسرته بل على نفسها.
نهض طارق ببطء يحدق بها بصمت ثقيل صمت كان أقسى من أي صراخ.
اقتربت منه بساقين مرتعشتين كأن الأرض تسحبها إلى هاوية لا قاع لها وهمست بصوت مكسور
_كنت خايفة... متجيش.
جلس دون أن ينظر إليها فزاد انكسارها. توقفت أمامه تحدق بملامحه الجامدة ثم هزت رأسها بوجع صادق
_عندك حق... ليك حق تزعل وتاخد على خاطرك.
رفع رأسه ببطء وعيناه تقدحان قسوة
_عايزة إيه يا رؤى إنت ليكي عين تطلبي تشوفيني
جلست أمامه تفرك كفيها بعصبية وأسقطت بصرها خجلا وخزيا
_عايزاك تسامحني... أكيد عرفت إني خلاص...
قالتها وهي تنفجر بالبكاء.
ضحك بسخرية جارحة ضحكة بلا روح
_والله ومكنتيش عارفة إننا كلنا هنروح في داهية حاولت معاكي... بس إنت شيطانة.
قال بصوت منخفض لكنه قاتل
_ليه نفسي أفهم ليه تعملي فينا كده
حدق في عينيها مباشرة وكأن كلماته خناجر
_عملت فيكي إيه عشان ترمي عليا بنت حرام ذنب أختك إيه تحرميها من ابنها وجوزها سنين
ذنب أخوكي إيه وانتي بتحاولي تشوهي صورة مراته في عيونه
جز على أسنانه وارتفعت أنفاسه بعنف
_واتهمتيني في مرات أخويا... عايزة حقارة أكتر من كده
شهقت ورفعت رأسها برجاء
_طارق لو سمحت..
_اخرسي!
قالها بحدة واقفا
_مش عايزك تنطقي اسمي... أنا قرفان إن اسمي بقى مرتبط باسمك.
انهارت وبكت بنشيج ممزق
_عارفة... كنت حقيرة. وليكوا حق تكرهوني.
رفعت عينيها الدامعتين
_بس خلاص يا طارق... هموت.
عايزاكوا تسامحوني.
صمت... صمته كان حكما
نهضت بسرعة واقتربت منه ثم هوت على الأرض تحت قدميه
_وحياة ابنك يا طارق... سامحني.
بكت أكثر وصوتها يتوسل
_وخلي ميرال تيجي... عايزة أشوفها.
وحياة ابنك هاتلي ميرال... أنا طلبت من إلياس ورفض.
رفعت رأسها برجاء يائس
_عايزة يزن وميرال... لازم أشوفهم قبل تنفيذ الحكم.
نهض من مكانه يطالعها بعينين متعبتين وقلب يتآكل وجعا رغم كل ما حاول إنكاره.
_هقولها يا رؤى...
تنهد بعمق
_بس مش أوعدك إنها هتيجي.
نهضت سريعا ومسحت دموعها بيد مرتعشة
_متقولش لإلياس... قولها هي.
رفعت عينيها برجاء يائس
_وهتيجي ميرال طيبة... وهتيجي.
هز رأسه ببطء
_هقولها..
_تقى عايزة تقتلك علشان تورثك!
قالتها بلهفة مذعورة
_خلي بالك من نفسك... وخلي بالك من ابنك. لازم تطلقها جوازها منك علشان الورث.
زم شفتيه ونبرته خرجت باردة تخفي إعصارا
_كنت متوقع...
رفع عينيه بقسوة
_فين الحيوانة دي
_معرفش... مشفتهاش من أسبوع.
ترددت ثم أضافت بخوف
_بس هي بتخطط لكده وخلي إلياس يتأكد من الخدم عنده.
خفضت صوتها
_معرفش بتخطط لإيه... بس متأكدة إنها تعرف حد جوه لأنها عارفة كل حاجة.
_ودي مالها ومالنا
نظر إليها بريبة
_تقرب مننا ليه
صمتت... أطرقت برأسها تنظر إلى الأرض والعار يكسو ملامحها.
أومأ متفهما وصوته اصبح أثقل
_ورطتيها مع الحيوانات اللي عرفتيهم عن طريق رانيا... صح
اقترب منها خطوة يكور قبضته حتى ابيضت مفاصله
_مش عارف أقولك إيه...
هتف بصوت منكسر رغم حدته
_إيه الكره اللي جوا قلبك ده ليه
نظر إليها بوجع
_عملوا فيكي إيه علشان تبقي كده
بكت بصمت... بلا صوت بلا دفاع.
دار في المكتب كوحش حبيس ثم توقف فجأة
_عايزين ينتقموا من مين
رفعت رأسها ببطء وعيناها حمراوان
_مقالتش...
ابتلعت ريقها
_بس اللي فهمته... أرسلان.
جز بأسنانه وضرب قبضته بكفه
_آه... حيوانة!. صاح بغضب مكتوم
_عرفتيهم أسرار العيلة!
نظر إليها نظرة احتقار موجعة
_إنت الموت مش كفاية لعذابك...
ثم قالها
من قلب محترق
_ربنا ينتقم منك.
استدار وخرج وخطواته تأكل الأرض بينما ظلت هي جاثية في مكانها...
تنتظر حكما لا مفر منه.
بمنزل مالك
كانت غادة جاثية على فراش ابنتها عيناها تلمعان بالدموع ولم تجف منذ علمها بمرضها. شعرها بحنان كأنها تحاول أن تنقل لها بعض القوة
_غادة حبيبتي... سيبي البنت إن شاء الله هتكون كويسة.
هزت رأسها بعنف وارتفع بكاؤها مرة أخرى
_محدش هياخد مني بنتي ياماما!
تحاول أن تهدئها وفي عينها كان مزيج من الحزن والألم.. ثم أشارت إلى مالك
_تعالى حبيبي خد البنت علشان التحليل.
غادة بكف ابنتها الصغير تخشى أن تبتعد عنها ثانية وقالت بصوت مرتجف
_بنتي... ياماما...
تنهدت فريدة بعمق
_فين ايمانك بربنا ياغادة كدا... ينفع كدا دا قضاء وقدر ولازم نؤمن بيه... انا متأكدة إن شاء الله البنت هتبقى كويسة.
تذكرت غادة كلمات الطبيب لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخوف. كان الألم يختلط بالحب والخوف بالمقاومة في لحظة صمت ثقيلة بينما ارتعشت غادة بين دموعها وأملها تتشبث بصوت أمها... بصوت الأمان.. وكلمات الطبيب ترنو كعاصفة قاتلة
_بصوا... اللي عند بنتكم اسمه سرطان الدم أو اللوكيميا وده معناه إن نخاع العظم بدأ يكون خلايا دم بيضا مش سليمة.
توقف لحظة ثم تابع بلطف
بس خليني أطمنكم... إحنا اكتشفناه بدري جدا وده فرق كبير في العلاج ونسب الشفاء.
ثم قال بنبرة عملية
في المرحلة دي الخلايا السرطانية لسه محدودة ومفيش مضاعفات خطيرة. الطفلة محتاجة خطة علاج منتظمة متابعة دقيقة والتزام كامل بالعلاج.
رفع نظره إليهم بثبات
_العلاج هيبدأ غالبا بعلاج كيماوي بجرعات محسوبة تناسب سنها ومع الاستجابة الجيدة نسبة الشفاء بتكون عالية جدا بإذن الله.
ثم مال قليلا للأمام وقال بصوت هادئ
_الموضوع مش سهل نفسيا بس الأطفال أقوى مما نتخيل ومع الدعم والحب بنتكم
عندها فرصة كبيرة إنها ترجع طفلة طبيعية وتعيش حياتها بالكامل.
أنهى كلامه بابتسامة مطمئنة
_أهم حاجة دلوقتي الهدوء الالتزام والثقة... وإحنا معاكم خطوة بخطوة.
بمنزل كارما
استمعت كندا إلى جرس الباب أوقفتها كارما
_شوفي مين من العين السحرية.
أومأت كندا نظرت مليا ثم هزت كتفها
_اتنين رجالة معرفهمش.
صمتت للحظة ثم قالت
_على ما أظن أبو الدكتور.
توسعت عيناها وركضت للداخل رفعت هاتفها تتصل به كان يصعد إلى منزله
_دكتور.
توقف فجأة
_بابا... بيعمل إيه عندك
لم يكمل حديثه ليستمع الى صوت إلياس
_بلال... تعالى عايزك.
أومأ له ثم اخبرها
_طيب... شوفيه عايز إيه متتكلميش معاه في حاجة لحد ما أجي.
استدار بلال نحو إلياس الذي كان يقف بجانب سيارته يدخن سجائره اقترب منه مرتبكا
_نعم ياعمو
اعتدل الياس وعيناه تخترقان نظره
_سؤال وعايز إجابة
متابعة القراءة