كأنها لي الحياة بقلم سيلا وليد من الفصل الاول للسابع والثلاثون
وأردف بابتسامة جانبية
_عقبالكم يا بنات.
ضحكت رولا بخفة وقالت بمشاكسة
_إنت الأول يا كابتن!
قالتها وتركتهما ومضت على رنين هاتفها لتبقى شمس في مكانها تنظر إليه بحيرة وتردد
قطب جبينه بخفة وابتسامة صغيرة تلعب على شفتيه
_عايزة تسألي عن حاجة
ترددت قليلا ثم قالت بصوت خافت لكنه ثابت
_الصراحة أيوه. هو انت اللي اتصلت بيا من كام يوم
استند على السيارة وراح يتأمل عينيها بعمق قاتل للصبر
_آه أنا.
ثم أضاف بابتسامة غامضة
ولو عايزة إجابة سؤال تاني هقولك معرفش.
رفعت حاجبها بدهشة
_يعني إيه معرفش حضرتك اتصلت وقلت زوج المستقبل! ممكن أفهم يعني إيه الكلمة دي
تحرك بخطوات هادئة نحو باب سيارته فتحه ثم التفت إليها وهو يلوح بكفه بابتسامة ثقة
_هتشوفيني في الفرح وبالمناسبة بحب اللون الأرجواني جدا هيكون قمر عليكي واثق في ذوقك بس بلاش روج ما بحبوش.
_راعي أني بغير مش معنى اني متكلمتش هسمح لا..
اتسعت عيناها وافترقت شفتاها بدهشة من جرأته بينماهو استقل السيارة وغادروقفت تهمس لنفسها
_معقول العسل دا يطلع مجنون
وصلت إليها رولا
_واقفة كدا ليه يا شمس
التفتت إليها تشير إلى تحرك حمزة وقالت
_معرفش حساه مش طبيعي.
ابتسمت وسحبت كفها
_هو بس علشان ميعرفكيش المهم أنا خارجة نص ساعة لو ماما سألت عليا قولي لها فوق في الحمام المهم متعرفش إني خرجت.
_وبعدين يا رولا..أنا بقيت بكذب كتير بسببك كفاية يوم ماقولتي لها جاية تذاكري عندي وأنا معرفش عنك حاجة خمس ساعات لو سمحتي لازم تقولي لوالدتك إنتي بتروحي فين مادام مابتعمليش حاجة غلط.
_خلاص يا شمس مش عايزة منك حاجة أنا كنت هروح لواحدة صاحبتي بس عملت حادثة وماما دايما بترفض حتى من غير ماتعرف.
اقتربت وربتت على كتفها
_طيب أنا آسفة روحي ومتتأخريش.
هزت رأسها سريعا وأشارت إلى آخر الشارع
_لا هي ساكنة قريب هاخد عربية ضي تمام.
أومأت لها بهدوءوتحركت سريعا للخارج وهي تراقبها بعينيها.
بالداخل مازالت البهجة والسعادة تعم المكان..جلست ميرال بجوار رحيل الصامتة
_مالك يا رحيل من وقت ماجيتي وإنتي ساكتة وبعدين إنتي قولتي هتيجي بعد الضهر إيه اللي أخرك كدا.
هزت رأسها ورسمت ابتسامة
_آسفة يا ميرال نمت وراحت عليا نومة المهم ألف مبروك حبيبتي ليوسف عقبال شمس يزن احتمال كبير يجي بكرة ربنا يسهل ويلحق يخلص بكرة.
_إن شاء الله حبيبتي هي إيمان بقت كويسة
_أه الحمد لله هتفك الجبس أسبوع كدا في تلك اللحظة دلفت شمس بمفردها.
نهضت رحيل متجهة إليها تبحث بعينيها عن رولا
_حبيبتي فين رولا مش كانت معاكي
ارتبكت تفرك بكفيها ثم ابتسمت بتردد تشير إلى الأعلى
_أه..طلعت فوق قالت عايز تغير الميكب..ماتقلقيش شوية وتنزل.
_يعني هي فوق
أومأت شمس بعيون متربكة حائرة من شدة رحيل بسؤالها تعلم أن علاقتهما ليست على مايرام.
عدة ساعات مضت الى أن انتهى حفل الحنة صعدت شمس أولا..وقامت بإزالة مكياجها واتجهت إلى فراشها تهمس لنفسها
_هتنامي على نفسك يا شموسة آااه يا رجلي..قالتها بدخول ضي التي أنير وجهها بالسعادة حدجت تلك التي تلمس قدميها بتألم
_مالك يا شمس
أشارت إلى أقدامها
_رجلي يا ختي من الصبح وأنا بجري زي مايكون أنا العروسة.
ضحكت واقتربت منها
_يوم فرحك صدقيني هنام لحد المغرب.
هبت من فوق الفراش تلكمها بشقاوتها الطفولية
أه يا ناكرة الجميل يا كلب البحر.
ارتفعت ضحكاتها إلى أن صمتوا ثم اعتدلت ضي تنظر إليها
_ماتوقعتش الليلة هتكون حلوة أوي كدا.
وضعت شمس
_أنا فرحانة أوي يا ضي علشان هتكوني مرات أغلى شخص في حياتي.
أغمضت عينيها فراحت ملامحه في خيالها كحلم جميل ابتسمت وتنهدت تتمنى لو أن المسافة بينهما تمحى بلمح البصر.
اعتدلت شمس بعد لحظات من صمتها تنظر إليها باستغراب
_ضي مالك ساكتة ليه
هزت كتفيها بابتسامة واهية ثم نهضت ببطء خلعت فستانها بحركة مترددة.
تقدمت نحو خزانتها وضعت الفستان داخلها بعناية تمرر أناملها عليه برقة
ثم توجهت إلى الحمام وحين خرجت كانت شمس قد استسلمت للنوم.
جلست ضي بجوارها تراقب ملامحها الهادئة والابتسامة تملأ عيناها فوجه شمس يشبه يوسف حد الوجع.
اقتربت منها ببطء تهمس كأنها تخاطبه
_وصلي دي
تحركت شمس بتململ وابتسمت بخفوت وهي تهمهم
_حاضر...
عادت ضي إلى فراشها المقابل تتأمل السقف بصمت فمنذ عودة ميرال وشمس وهي تشارك شمس بغرفتها في زياراتهم المتكررة لجدتهم.
سحبت هاتفها من فوق الوسادة فتحته فظهر أمامها اسمه...يوسف.
عدة مكالمات فائتة.
ارتجف قلبها وضغطت على زر الاتصال.
على الجانب الآخر...كان يوسف قد غفا منذ دقائق بعد سهرة طويلة مع أصدقائه.
رن الهاتف ففتح عينيه نصف فتحة مد يده بتثاقل وأجاب بصوته المبحوح بالنوم
_ألو...
تصلب جسدها للحظة ارتبكت ثم همست باسمه بخجل
_يوسف. وصوته بدأ يفيق
_يعني..
ضحكت بخفوت وارتبك صوتها وهي تهمس
_لقيتك متصل بيا كتير... الفون كان فوق.
رد بابتسامة تنضح عشقا
_ولا يهمك يا حبيبتي كنت بس عايز أطمن..أشوفك عاملة إيه.
مش كويسة...
قالتها بصوت خافت مهزوم لتتسلل شهقة بكاء خانتها قبل أن تكمل.
اعتدل يوسف سريعا وارتجف جسده بالقلق
_ضي فيه إيه مالك مين زعلك
خرجت منها الكلمة كطعنة ناعمة مبللة بالدموع
_إنت...
قطب جبينه يحاول التذكر وقال مستنكرا
_أنا! مش فاكر زعلتك في إيه وبعدين إحنا مااتكلمناش أصلا..ممكن أفهم زعلانة مني ليه لو قصدك على الفستان اخبطي دماغك في الحيطة بقى.
لكنها قاطعته بصوت مبحوح موجوع
_علشان وحشتني..وعايزة أشوفك وإنت مش موجود.
هل شعر أحدكم يوما بصراخ القلب حين يعجز اللسان عن الرد
_ صمت.. من خلال الهاتف كأنها أمواج ترتطم بقوة تريد أن تصل إليها بأي شكل.
دقائق من الصمت الموجع...
ثم أغلقت الهاتف بخفة مرتجفة وارتمت على وسادتها تضم نفسها بذراعيها
همست لنفسها لائمة
_إيه يا ضي..اتجننتي! أول مرة تبقي ضعيفة كده!
تقلبت على الفراش كمن يهرب من نار تشتعل تحته ثم نهضت مرة واحدة.
خرجت من الغرفة بخطوات مترددة..
هبطت السلالم بهدوء حتى دلفت إلى غرفته..وكأن قلبها المتحكم الأول.
توقفت عند الباب فتحته لتقابلها رائحته تتسلل إليها كأوكسجين الحياة الذي تختنق بدونه.
دخلت تتأمل كل تفصيلة في المكان
.
عند يوسف
نظر للهاتف الذي بيده بعد إغلاقها وشعور جحيمي بداخله يريد أن يصل إليها بالحال ولكن عقله تمرد عليه
_اهدى..متبقاش ضعيف كدا مش كل حاجة تقولها تجري عليها..الصبح يبقى روح لها.
صمت لدقائق ثم رفع هاتفه يتصل بها مرة أخرى ارتفع رنين الهاتف التي تركته بغرفتها عدة مرات حتى استيقظت شمس..نهضت تبحث عنها فرفعته وردت بعدما وجدت أخيها
_أيوة يا جو
صمت للحظات..يشعر بالضيق ظنا أنها لا تريد محاكاته فقال
_أهلا شموسة عاملة إيه حبيبتي
_مفيش كنت نايمة صحيت على رنين التليفون ومعرفش ضي راحت فين.
_هي مش عندك
_لا..ممكن تكون نزلت تحت.
_طيب حبيبتي تصبحي على خير.
_لو عايزها أنزلها.
_لا يا شموس كنت بطمن عليكم بس.
فرك وجهه يشعر بالضيق ثم نهض من فوق فراشه واتجه إلى غرفة بلال وجده مازال مستيقظا
_يوسف إنت لسة صاحي فكرتك نمت.
_ماجاليش نوم.
بقولك حجزت في شرم زي ماقولت لك ولا لأ
كان بلال مندمجا بشاشة جهازه أومأ له وقال
_أيوة..الفندق اللي قولت عليه.
سحب مقعدا وجلس بمقابلته متأففا يشعر بالضيق التفت إليه بلال
_مالك فيه حاجة
تراجع بجسده ورفع قدمه فوق المقعد المقابل
_قلقان من عملية جدو خايف مؤشراته ماتتقبلش العميلة.
أغلق جهازه واعتدل ينظر إليه
_إنت ماشفتش التحاليل وراجعت على كل حاجة وكله كان تمام
رفع يوسف رأسه وأومأ له
_بلال العمليات دي صعبة هو أنا اللي هقولك الكبد مصاب بجزء كبير جدا.. خايف يكون المرض خرج عن
السيطرة في مكان تاني ولسة في أوله ومش واضح إنت عارف دا معناه إيه
ربت على ساقيه
_أنا عارف إن ربنا كبير وفي الأول والآخر دي أعمار يا يوسف ولو له نصيب يعيش مش محتاج عملية.
_يارب يا بلال يارب..أنا خايف أوي عليه مش متخيل نفقده أصلا غير إن تيتا ممكن تموت وراه.
ابتسم بلال بحزن
_فكرتني بتيتا صفية الله يرحمها كنا بنقول هنموت وراها وشوف عشنا كام سنة..الأعمار بيد الله حبيبي..سيبها على ربنا فكر بس في فرحك دلوقتي
وبعد كدا كل حاجة هتكون تمام.
تنهد ثم اعتدل واقفا
_كمل شغلك عطلتك هروح أنام.
قالها وخطا للخارج أوقفه بلال
_يوسف..توقف واستدار إليه لينهض من مكانه مقتربا منه ينظر لعينيه
_ضي..ضيق يوسف عيناه منتظرا بقية حديثه..ابتسم يربت على كتفه
_ضي أغلى من روحي زي ماشمس أغلى من روحك كدا أوعى تزعلها يابن عمي هي بتحبك أوي وأنا اكتشفت إنك كمان بتحبها..مش هضحك عليك عارف إنك زعلان على جدو مصطفى
بس أنا عارف يوسف كويس أوعى تكسر بخاطر أختي يا يوسف علشان منزعلش من بعض إلا ضي.
استدار يوسف دون أن يرد عليه وغادر الغرفة بصمت مريب جعل بلال يشعر بالخوف..ليهمس
_ياترى ناوي على إيه يابن عمي
صباح اليوم التالي..
استيقظت لتجد نفسها نهضت من مكانها وتحركت للخارج بنزول شمس من الدرج
_ضي كنتي فين قلقت عليكي.
_نمت في أوضة يوسف..فيه حاجة
غمزت شمس بشقاوة تهز رأسها ثم وضعت الهاتف في يدها
_أه فيه..الدوك اتصل إمبارح بالليل واتصل الصبح.. طمنيه.
سحبت الهاتف وصعدت إلى غرفتها.
مرت عدة ساعات إلى أن وصل إلى الفيلا يبحث عنها دلته شمس
_صباح الخير على مراتي الحلوة.
التفت تنظر إليه
_لسة فاكر عليك.
أشار على وجهها
_إيه الطين اللي إنتي حطاه دا
_طين!! دا طين دي ماسكات علشان أعجب الباشا
_الباشا عاجبه أي حاجة فيكي والله.
رفعت حاجبها وقالت
_أه بدليل جيت إمبارح.
_كنت نعسان يا بت مالك فيه إيه وبعدين لسة دافع لك فاتورة تقطم الضهر وأنا لسة ببني أوضة فوق السطوح علشان شوية الطين دول والله لو أعرف كنت عجنتهم من الجنينة.
دفعته وابتعدت بعناد طفولي
_إيه..مااستهلش يا دوك ولا إيه
_أنا ومالي ومال أبويا وأبوكي والواد بلال والعيلة كلها في شنطتك.. توصليهم لحد باب بيتي.
ضربت الأرض بقدمها غيظا
_بطل هزار وقولي ماجتش إمبارح ليه أنا بت في أوضتك على فكرة.
ضحك وهو يرفع حاجبه بمكر
_احمدي ربنا إني مجتش
ضحكت رغما عنها ثم استدارت تكمل جمع ملابسها.
اقترب منها بخطواته الثقيلة وسأل
_بتعملي ايه
_هدوم..طنط ميرال بعتتهالي الصبح علشان أشوف اللي يعجبني بس كلهم واو يا يوسف فقولت فرصة أخدهم
_اطلع برة إزاي تدخل هنا كده عايزة أجهز فيه حفلة بالليل ولسه ماعملتش ساونا.
_ساونا!
ارتبكت وهي تهز رأسها
_ساونا إيه قصدي أكمل الحاجات اللي ناقصاني.
ابتسم بخبث خافت
_تمام همشي ومش هتشوفي وشي غير يوم الفرح.
_أحسن برضو.
قالتها بسرعة لكنها لم تتوقع عودته المفاجئة
وخرج صوته خافتا لكنه مهتز بالغضب
_يعني منمتش طول الليل وقلقان ومضايق على زعلك دا يكون ردك واستدار يغادر بصمت موجع.
تبعته بعينيها حتى اختفى تنهدت بوجع مكتوم.
بغرفة مصطفى كان الصمت يعم المكان لا يسمع سوى خرير جهاز الأكسجي.
دلفت فريدة بخطوات هادئة حتى وصلت إلى مالك الجالس بجوار مصطفى
_عامل إيه يابني
نهض سريعا بابتسامة لطيفة
_الحمدلله يا طنط فريدة إزاي حضرتك
ابتسمت وهي تجلس مقابله
_الحمدلله يا ابني دايما منور المكان..
من يوم المستشفى مشفتكش إلياس قال لي إنك كنت في السويس.
أومأ لها وقال
_أه كان فيه مشكلة في الشغل وإلياس بعتني والحمد لله..
في تلك اللحظة انفتح الباب ودلفت غادة تحمل طبقا من الشوربة بين يديها تفوح منه الحرارة برائحتها الشهية
_أحلى شوربة لأعظم أب في الدنيا.
ابتسم لها مصطفى بحنان متعب
_تسلم إيدك حبيبتي..بس ماليش نفس.
أمالت فريدة رأسها نحوه بلهجة عتاب خافتة
_هتكسف غادة قدام جوزها ينفع كده
نظر إليها بعينيه المرهقتين وقد فهم مقصدها فابتسم بخفوت.
جلس مالك يسانده كابن لا كزوج ابنته
_يلا يا عمو علشان غادة متزعلش وتنكد عليا.
ضحكت غادة بخفة
_لا والله أنا اللي أنكد عليك.
ابتسم مصطفى بهدوء وربت على ذراع مالك
_غادة جوهرة غالية على أبوها وعارفة قد إيه غلاوتك عندي ومستحيل تزعلك مش كده يا بنتي
_متخافش يا بابا حضرتك عارف بنتك..حضرة الظابط بس بيحب يتدلع.
ضحكت فريدة وهي تتناول الصحن منها
_قومي يا بنتي افطري إنتي وجوزك مع أخوكي تحت.
_حاضر
_حبيبي محتاج حاجة
_لا يا حبيبتي..بس طلعيلي فارس وفريدة لما يرجعوا من النادي نفسي أشوفهم.
_عيوني يا بابا أول مايجوا هطلعهم.
غادرت الغرفة بخطواتها الهادئة ونظرات والدها تلاحقها لعل النظر إليها يخفف من ألم المرض..
_هي كويسة حكت لي مالك كان شد مع والدته علشان عمه وإنت عارف بنت عمه رجعت غادة متعرفش بس أنا فهمت من كلامها إنها زعلان منه علشان مبيشركهاش.
كان يستمع إليها بصمت ثم قال
_إلياس عارف إنها زعلانة
هزت رأسها بالنفي وقالت
_إسلام بس وميرال إلياس مفكرها زعلانة علشانك بس لما شوفت مالك مجاش من أسبوع وبيسأل عليك عن طريق إسلام عرفت فيه بينهم مشكلة واتكلمنا بس.
بمنزل طارق..
فتح الباب ودلف وجدها تجلس بالشرفة تنظر بشرود في الفضاء.. اقترب منها هبت كالملسوعة..
_اهدي أنا.
أزالت دموعها وأومأت برأسها تتجاوز وقوفه قائلة
_هشوف علي
وأوقفها
_هند من إمبارح وإنتي قافلة على نفسك.
_طارق ممكن نأجل كلامنا معنديش طاقة أتكلم في حاجة دلوقتي
_هند أنا آسف سامحيني مقدرتش أمنع عنك آثار الماضي.
انسابت دموعها بغزارة وارتجف جسدها بالكامل رفع رأسه ينظر إلى عينيها الباكية بتألم..
_آسف.
رفعت رأسها إليه وقالت ببكاء
_هتعمل إيه أنا مقدرش أتقبل واحدة في حياتك وفي نفس الوقت ابنك مقدرش أمنعك عنه..أنا تعبانة يا طارق
_ألف سلامة عليكي حبيبتي.. متقلقيش وعد مني يا هند هفكر في حاجة ترضيكي أنا مستحيل أستغنى عنك..مقدرش أبعد عنك يوم واحد.
سبحت بعيونه الباكية
_وأنا كمان بحبك أوي واتقبلت ماضيك بس مش ولد يا طارق دا تقيل عليا علشان كدا بقولك سيبني يومين.
بمنزل يزن
دلفت غرفة ابنتها وجدتها تجلس أمام المرآة تضع بعض الكريمات.. تحركت إلى الفراش وجلست عليه تراقبها استدارت رولا إليها
_خير ياماما.
_إيه رأيك نتكلم شوية زي أي أم وبنتها..ألقت مابيدها واستدارت إليها
_ماما عايزة إيه أنا تعبانة وماليش نفس أتكلم وبعدين هنزل لبنت عمتو وهبات هناك بما إن الفرح بعد يومين ولا حتحرميني من الفرح كمان
توقفت رحيل وحاولت السيطرة على نفسها حتى تصل إلى ماتريده
_إنتي حبيتي حد يا رولا
نهضت بتأفف
_يوووه أنا قولت لك تعبانة ولا أقولك أنا ماشية وماتخافيش هخلي آسر يوصلني.
قالتها وتحركت سريعا من أمامها بينما ظلت رحيل بمكانها تبعد خصلاتها عن وجهها بغضب تنظر حولها بتيه
_ياربي إعمل إيه أقول إيه لأبوها طيب دي أفهم منها إزاي.
بمنزل إسحاق
دلف حمزة إلى عمران يسحب من فوقه الغطاء وصاح بغضب
_عمران قوم كدا.
نهض من نومه يمسح على وجهه انحنى يضع الهاتف أمام عينيه
_إنت بتعمل إيه مع البت دي
تراجع عمران بجسده على الفراش وقال
.
هدأ حمزة قليلا وجلس بجواره على الفراش
_عمران البنت دي مش كويسة
_لا متخافش..فهمتها.
نهض من فوق الفراش وغمز إليه
_أنا أخو حمزة الجارحي يابني مش عبيط منكرش الأول شدتني بس لما عرفت حقيقتها بعدت وطبعا إسحاق باشا لما هددها علشان تبعد عني.. حاولت تتذاكى .
توقف حمزة بمقابلته وقال
_برافو عليك..أنا من وقت ماماما قالت إنك معجب بواحدة بدور علشان أعرف مين دي بس لما عرفت كنت هتجنن.
لكزه عمران وأردف بمزاح
_ألف سلامة عليك من الجنان يا عاشق يا ولهان أخبار شمسك وقمرك إيه
دفعه فوق الفراش وتحرك للخارج يسبه..بينما ارتفعت ضحكات عمران بالداخل.
مضى اليومان سريعا كأن الدقائق كانت تعدو لا تمشي إلى أن جاء اليوم المنتظر...يوم الزفاف.
في الفندق كانت الغرفة المخصصة للعروس تنبض برائحة العطور والورد الأبيض
جلست أمام المرآة تنهي زينتها..
دلفت رولا وشمس بخفة ومرح تسبق ضحكاتهما نبرات صوتهما.
رفعت رأسها إليهما مبتسمة ثم أشارت إلى وجهها وهي تسأل بتردد خجول
_حلو ولا أوفر
وقالت بمرحها المعتاد
_أحلى وأجمل عروسة في الدنيا يابخت جو
بيكي.
وغمزت لرولا التي تنظر إليها من شدة الإعجاب.
لم تمر دقائق حتى ارتدت فستانها... فستانا كأنه حكاية تروي عشقهما يتلألأ مع كل حركة يلامس الأرض بخفة..يكتب حروفهما على بعض نقوشه ينساب عليها ليجعلها أميرة متوجة على عرشها.
توقفت شمس تحدق فيها بانبهار حقيقي اقتربت منها والتقطت صورة خاطفة قبل أن تنطق
_دي علشان جو.
شهقت ضي بسرعة وهي تلوح بيديها
_لا لا يا شمس وحياتي لا خليها مفاجأة.
رفعت شمس حاجبيها بخبث
_ليه أوعي تكوني غيرتي الفستان ده كمان
ضحكت بخفة وقالت
_غيرته فعلا بس الباشا رجعه وقالي إياكي تغيريه دا معمول ليكي إنتي.
أشارت إلى حروفهما التي تنقش على الفستان.
نظرت إليها شمس بدهشة ثم ابتسمت بسعادة وهمست
_الدوك طلع عشقان من الدور المية
توردت وجنتيها بخجل تتنهد بحالمية فلقد عشقته بجنون.. واصبحت الدقيقة بعيدا عنه كعمرا فوق عمرها
مر وقتا الى اعلان المسؤلة عن مكياجها باالانتهاء
بغرفة يوسف
توقف أمام المرآة يراقب هيئته كأنه يراقب انتهاء عذابه..ارتعاشة خفيفة تهز أطرافه يحاول أن يسيطر عليها لكن القلب يخرج من محبسه بخطا مرتعشة لا يعرف ماذا سيحدث وكل شيء بدا له الآن عكس مايشعر به.. طرقات خفيفة على الباب ثم دخول والده
حبيبي خلصت.
ابتسامة باهتة تتصنع الصمود بينما العاصفة تلتهم صدره رفع قنينة العطر ونثر قليلا منه على ياقة بدلته كأنه يحاول أن يجمل وجعا لا يرى.
اقترب منه إلياس ابتسم بحنان أبوي متماسك ثم مد أنامله يصلح رابطة عنقه بعناية ثم احتواه من كتفيه وقال بصوت خافت متردد
_تعرف شعوري إيه دلوقتي
زم يوسف شفتيه وهز رأسه ثم نظر إلى انعكاس صورته في المرآة وقال بصوت مبحوح
_متقلقش يا بابا... أنا عارف إنك خايف مني بحاول... صدقني بحاول.
_متأكد..
_مالك ياحضرة الظابط فيه ايه
أنا النهارده عايز أشوف يوسف اللي ربيته على إنه يكون راجل بحق فاهم قصدي أوعى يا يوسف تخذلني... وتكسر قلب بنت عمك.
ارتجفت أنفاس يوسف وضغط شفتيه بقوة كأنه يكمم ارتعاشة داخله ثم همس
_ايه اللي بتقوله دا يابابا ضي بقت اغلى من روحي
تبادل الاثنان نظرات طويلة كأنها وعد مكسور قاطعهما دخول بلال بابتسامة خفيفة تخفي شيئا من الريبة.
_ألف مبروك يا يوسف جاهز هنزل بضي دلوقتي.
أومأ يوسف بصمت فظل بلال يراقب ملامحه لحظة ثم قال مترددا
_يوسف... انت تمام
ابتسم يوسف ابتسامة قصيرة تشبه جرحا
_مالك يابني ماانا كويس اهو
استدار إلياس يسحب بلال
_انت مش مخبي عليا حاجة مش كده
هز بلال رأسه بالنفي
_أبدا يا عمو هو اليومين دول كان في بيته وكل ما اتصل يقولي مشغول وأنا محبتش أضغط عليه.
ضاق ما بين حاجبي إلياس ثم سأل بنبرة حادة قليلا
كان بيعمل إيه عند دكتوره
اتسعت عينا بلال بدهشة حقيقية
_هو راح للدكتور امتى أنا معرفش والله.
ربت إلياس على كتف بلال بتنهيدة ثقيلة ثم أشار برأسه قائلا بهدوء متعب
_خلي ضي تجهز.
قالهاثم التفت إلى يوسف ينظر إليه
_جاهز لو جاهز ادخل لماما... كانت عايزة تيجي بنفسها.
أومأ بصوت واهن
حاضر هعدي عليها هي وعمتو.
اقترب إلياس منه
_عقبال لما أبارك لك على ابنك يا حبيبي.
ارتجفت شفتا يوسف في محاولة فاشلة لإخفاء ارتباكه فالتقطها إلياس بعين الأب فابتسم محاولا التخفيف
_دي بقى الفرحة اللي بجد... شوف إحساسك دلوقتي يوم ما ربنا يرزقك بابن هتعرف هتحس فرحتك دي كانت نقطة صغيرة من بحرها.
هزة عنيفة أصابت يوسف حتى فقد النطق كأن الكلمات اخترقت قلبه مباشرة فسحب قدميه بصعوبة وتحرك نحو الباب دون أن ينطق بشيء...
بغرفة ضي
دلف بلال بعد طرق خفيف على الباب. توقفت الفتيات عن الضحك حال دخوله فامتلأت عيناه بسعادة أخوية نادرة وهو يراها في ثوبها الأبيض.
نهضت ضي من مكانها بمساعدة شمس التي رفعت طرحتها بخفة فاقترب منها بلال بانبهار صادق
_ألف مبروووك يا روح قلب أخوكي!
زي القمر يا ضي القمر... والله خسارة في الواد الدكتور.
لكزته شمس بسرعة
_أنا هنا يا ابن عمي
ضحك وهو يرفع حاجبيه بمكر
_امشي يا بت عند بيتك شوفتي القمر هينور بيت أخوكي المتخلف.
ردت شمس بحدة مصطنعة وعينها تلمع بالمرح
_نعم يا دكتور! بيت أخويا منور بيه يا حبيبي.
_ماشي يا شموسة... نخلص الفرح ونشوف مين اللي بينور مين.
تدخلت رولا بخفة وهي تعبث بهاتفها دون أن ترفع نظرها
_عقبالك يا بلال
_وانتي يابت يارولا
رفعت رأسها نحوه برفعة حاجب متعالية
_نعم ايه يا بت يا رولا! أنا مهندسة قد الدنيا يا دكتور
ضحك بلال وهو يعقد ذراعيه
ربت على ذراعها بحنان وهو يتحرك نحو الباب
بغرفة ميرال قبل دقائق
دلف للداخل.. نهضت سريعا بعد دخوله تنظر الى هيئته بعيونا سعيدة ثم همست
_الله اكبر.. ماشاء الله عليك ياحبيبي بدر منور..
_فكرتني بيوم فرحي لما باباك دخلي كدا.. بس علشان يقول قوانينه
ضحك بخفة
_ربنا يخليكوا ليا ياحبيبة قلبي
_لازم ابوس الخد الناعم دا شوية
ضحك على مشاكسة والدته دخلت فريدة تتمتم ذكر الله
_بسم الله عليك ياحبيبي..
التفت اليها بابتسامة
_تيتا حبيبة قلبي
_بكاش يابن الياس أنا كنت عند عروستك اوعى بس يغمى عليك ومتنساش انت اخدت قمر العيلة ياواد
رفع حاجبه ونطق بسخرية
_مالك ياتيتا انا أمير برضو تحمد ربنا اني اتنازلت ورضيت بيها
لكزته بحنان
_ألف مبروك ياحبيبي.. ربنا يتمم فرحتكم على خير ياحبيبي
_اللهم آمين.. طيب ايه.. مش هنزل لعروستي ولا يفكروني هربت
تحركت تسحبه من ذراعه قائلة
_امشي معايا يادكتور اعتبرني العروسة
توقف يشهق بتصنع
_انا عايز ادخل دنيا ياست فريدة مش اخرة
ضحكت بصوت مرتفع مع مراقبة ميرال اليهما باابتسامة سعيدة
بعد فترة وقف عند أول الدرج
دقائق معدوة حتى أطلت العروس تهبط بخطوات ملكية على درجات الفندق المتحركة كأنها آتية من عالم آخر..
وقف يتأمل نزولها بعينيه الصقريتين لا يرى سواها رغم الحشود والتصفيق الذي دوى في الأرجاء..
وصلت إليه بخطوات بطيئة قلبها يضرب كطبل حرب داخل صدرها.
رفعت عينيها نحو والدها فابتسم أرسلان تلك الابتسامة التي كانت تهدئها يوما
_حبيبة بابا ألف مبروك يا صغيرتي.
قالها بنبرة تفيض دفئا ووجعا في آن واحد
_مبروك يا حبيبة بابا.
_الله يبارك فيك يا حبيبي.
ردت بها بصوت مرتجف كأن الكلمات خرجت من بين دموع خفية.
اقترب إلياس وعينيه تلمعان بالسعادة
احتوى وجهها
_مبروك يا حبيبة عمو.
_الله يبارك فيك يا عمو. ثم ابتسم برقة وانسحب.
التفتت الى يوسف الذي لم يقل شيئا فقط ينظر اليها
نظرات اراد أن يحرق المسافة بينهما قابلت نظراته وصهرت الزمن في لحظة واحدة.
كان ارسلان يراقب نظراته فاقترب منه وربت على كتفه وقال بصوت مبحوح بالامتنان
_بالرفاء والبنين يا حبيبي.
_شكرا يا عمو.
قالها بصوتا دافئا لكن عينيه كانت عليها في صمت يعجز الكلام عن تفسيره.
اقترب منها بخطوات بطيئة يشعر بأن العالم يحتفل
ابتعد نصف خطوة
_نورتي حياتي... يا ضي حياتي.
ابتسمت بعينين دامعتين وردت بصوت متردد بين الخجل والارتباك
_حاسة هيغمى عليا... هخرج إزاي
_مد ذراعه نحوها بثقة صافية
أنا جنبك متخافيش.
تقدمت
_واثقة فيك أكتر ما بثق في نفسي
_وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
في تلك اللحظة صدحت الموسيقى وفتحت القاعة ذراعيها لهما.
سارا معا بخطوات بطيئة الضوء يرقص حولهما والعيون تتبعهم بذهول ودهشة.
كانت تمسك بذراعه كملكة تتوج في مملكتها وكان ينظر إليها كما لو لا يوجد غيرها
خفتت الأضواء فجأة فصار كل ما حولهما عتمة والاضاءة فقط حولهما
تطايرت فقاعات صغيرة من البريق وتلألأت البلورات المعلقة في السقف لتنعكس الاضاءة على وجههما وجهه الهادئ المحمل بطمأنينة الرجولة ووجهها المرتجف بين الخوف والسعادة.
رفعت عينيها نحوه بخجل طفولي وابتسامة صغيرة زينت شفتيها مما جعلت قلبه يضطرب حد الوجع.
لم يكن يرى الحضور لم يسمع تصفيقهم كان كل ما يراه هو وجهها وخجلها
ارتفعت الموسيقى تعزف نغما هادئا نغمة تشبه همس البحر..
ليبدأ برقصتهم الاولى.. تحركت بجواره للمكان المخصص وفي كل خطوة كانت فستانها الأبيض يتمايل بانسياب خفيف يلتف حولهما كوشاح من السحر
اقتربا من مكان الرقص تعلقت بها الأنظار جميعا راقبتهما ميرال التي لم تكن تراهما مجرد عروس بل قصة مكتوبة بأنفاس العشق.
تابعت ابنها الذي كان يتراقص مع عروسه كملك ظفر بعرشه بعد حرب طويلة مع
القدر.
توقفت الموسيقى لحظة وصار الصمت أبلغ من أي نغمة..
_بعترف للكل اهو أني بحبك
هنا دوت الموسيقى من جديد وبدأت القاعة تصفق بحرارة والورد يتساقط من الأعلى كزخات فرح مقدس.. دار حول وقوفها وعيناه ترسم ملامحها
التفتت نحوه بنظرات تفيض بالعشق فابتسم وقال بصوت خافت لا يسمعه غيرها
بلال قالي عايزة دا في فرحك
قالها وهو يشير الى الورود التي تتساقط فوقهما
_أنا فرحانة اوي حاسس زيي
بعد دقائق اندمج الاثنان وسط الموسيقى والفرح كأن القدر بنفسه فتح أبوابه لهما وأعلن أمام الجميع
هنا يبدأ الحب الحقيقي.
بعد فترة
نهض بلال واسر وبعض أصدقائه واقتربوا منه لتنقلب القاعة على موسيقى شعبية محببة وارتفعت الزغاريد في جو من البهحة.. وبدأ الجميع يتراقص مع العروسين
دقائق معدودة حتى انتهت تلك الرقصة التي ارهقتهم
ابتعد بها الى مكانهم المخصص ولكن سحبه بلال مرة اخرى وبدأو يتراقصون رقص شبابي حتى خلع جاكيت حلته البيضاء وبدأ يندمج معهم.. ليرفعه الشباب للاعلى مع شهقات ضي خوفا عليه
كان الجميع يراقب المشهد بسعادة صادقة تصفيق خافت ابتسامات دافئة وضوء ذهبي يتهادى على القاعة
مرت دقائق لتعود الموسيقى الهادئة
اقترب بلال من شمس بخطوات مليئة بالمشاكسة يمد يده لها بابتسامة ماكرة
_يلا يا شموس عايز أرقص معاكي.
رفعت حاجبها بتحد طفولي ثم وضعت هاتفها أمام والدتها التي تراقب من بعيد وأشارت إليه بخفة دمها المعتادة
_أنا أطول أصلا يا دكتور.
قهقه بلال وصفق بحرارة مصطنعة
_أوووه! شموسة وافقت تتكرم وترقص معايا! ده يوم للتاريخ.
ضحكت تتحرك بخفة على إيقاع مبهج ضحكاتها تتلألأ مع أنغام الموسيقى
لم يلبث أن وصل أسر إليهما بابتسامته المرحة ونظراته المليئة بالدهاء
الدور عليا بقى! لازم أرقص مع الصغنن رحت أرقص مع العروسة أخوكي الجنف رفض.
قهقهت شمس تضع كفها على فمها تغمز ليوسف بشقاوة واضحة فلوح لها بيده قائلا بصوت عال
خفي يا بت! بيضحكوا عليكي.
انفجرت بالضحك وازدادت ضحكاتها .. ونظرات رولا تراقبهما وصل بلال إليها
_قومي نرقص..
تشبثت بكفيه وتحركت اليهم
لكن خلف كل هذا البهاء كانت هناك نظرات جحيمية تحاول أن تطفئ الفرح بنارها.. كانت تلك أعين حمزة راقب إسحاق المشهد بعين لا تفوت حركة ابنه.
نهض سريعا حين رأى حمزة يقف فجأة
مد يده نحو دينا وسحبها قائلا بلهجة مشدودة
_تعالي نرقص ابنك مش ناوي على خير.
قالها بابتسامة مشدودة وهو يرى حمزة يصعد بخطوات سريعة نحو المنصة التي يتراقصون عليها بينما أسر ما زال يضحك دون أن يشعر نيران حمزة
وصل حمزة إليهما وجهه كالصخر عيناه تشتعلان.
لم يتكلم فقط أمسك بذراع أسر وابتسم بتصنع يبعده برفق ظاهري بينما الغضب يغلي تحت جلده.
_ ممكن تسمح لي ارقص مع شمس أو حتى مع رولا عادي.
نطق إسحاق الكلمة الأخيرة وهو يخفي ضحكة كادت تفلت من فمه على نظرات ابنه المشتعلة.
تحرك أرسلان بخطوات ثابتة حين لمح ما يحدث نظر إلى إسحاق وقال بصوت منخفض محسوب
_ابنك مش ناوي يعدي الليلة وأنا لسه ما اتكلمتش مع إلياس. عمو فبقول دا فرح سيبه عادي عمايلك دي هتلفت العيون.
أومأ إسحاق بتفهم وهو يرى حمزة يمسك بشمس ويتمايل معها ثم مد يده نحو دينا
كانت ابتسامته أمام الجميع واسعة لكن صوته وهو يهمس لها حمل المعنى كله
_خلي عيونك على حمزة الليلة طويلة.
عند حمزة
وكأنه امسك النجوم بيده .. حمحم محاولا جذبها للحديث
_مش قولت مش عايز روج!
رفعت عيناها إليه سريعا
_وبصفتك
رفع حاجبها مزهوا بحديثها
_حضرتك بتعمل ايه مش بقول مجنون
_مجنون بيكي ياشموس
وقعت عيناها على والدها الذي يراقبها بصمت حاولت الابتسام كي لا تربكه فتصنعت الارتياح ورفعت رأسها الى حمزة
_انا معرفش تقصد ايه بس اللي بتعمله دا مينفعش
تمايل وعيناه تخترق عيناها
_اه مش فاهمة بس ترقصي مع دا ودا كويس على العموم هنتحاسب بعد كدا دلوقتي مضطر اسكت علشان الفرح بس
_لو سمحت ياكابتن بابا بيبص علينا كفاية رقص كدا.. قالتها وتراجعت لكي تغادر.. ولكنه اوقفها عندما
وقعت عيناه على احدهم ليومئ برأسه له.. لحظات قليلة لتتغير الموسيقى
إلى الموسيقى الهادئة التي عمت المكان كأنها تهمس للقلوب أن تتقارب.
تعرف باسم الرومبا الرومانسية Romantic Rumba
وقف أمامها بخطوة يمد يده ناحيتها بابتسامة خفيفة
الموسيقى اتغيرت التفت إلى إلياس واحرجه قائلا
_بعد إذنك ياعمو إلياس قالها بعد صمت القاعة جميعها
ضغط اسحاق على شفتيه يهمس
اومأ الياس بعدما وضعه بوضع حرج ثم اشار إلى يوسف.. الذي نهض يسحب كف عروسه حتى لاتنصب الأضواء على ابنته غمز ارسلان الى اسحاق
_ابنك معلم ومنه نتعلم حاسس الياس هيتعشى بيه من رأيي اخطفه بعد الرقصة دي
رفع اسحاق حاجبه
_ليه هو قليل ولا ايه ماتتلم يااخويا انت واخوك دا حمزة الجارحي
لطم ارسلان بخفة على وجهه
_ياختي عليك ياعمو اقسم بالله ماهيخليه يكمل الرقصة اخويا وحفظه لولا عملت ابنك الصايعة مكنش سمح له اصلا
اتجه اسحاق الى ابنه يراقبه بعيون فخر وتمتم
_ربنا يسعده بس الموضوع يمشي زي ماخطط له وبعد كدا مفيش حد هيوقف في طريقه
_انت عملت ايه!
تنهد وقال ونظراته على ابنه
_قدمت ورق بحاول اثبت إن شمس برة عيلة راجح ربنا يسهل الواد متعلق بيها.
_إن شاءلله ياعمو ربنا يقدم اللي فيه الخير
عند حمزة وشمس
مد كفيه إليها ينظر لداخل عيناها
_ياله ياشمس متخليش الناس تاخد بالها
نظرت نحوه لحظة
اقترب منها بهدوء. حاولت الابتعاد ولكنه بدأ يتحرك ببطء خطوة للأمام وأخرى للخلف وهي تتبعه بتناغم فطري كأنهما تدربا منذ زمن.
تناسا ما حولهما فقد كانت الرقصة تخطف العقول والجميع يشاهدهما ضحكت حين كادت تخطئ الخطوة فابتسم لها وقال بصوت خافت
متخافيش طول ما انتي معايا.
استدار بها برفق حتى خفق القلب بقوة افاق سريعا ثم عادا يتمايلان على الإيقاع بلا كلمات بلا تكلف.
كانت الرقصة بسيطة... لكنها قالت كل شيء لم يجرؤ على قوله.
علم الياس من نظرات حمزة اعجابه بابنته زفر ببط شعر مصطفى
_خليهم يعيشوا حبيبي..
_انت بتقول ايه يابابا مستحيل مش عايز قلب البنت يتكسر حمزة حربية
_حربية!!
تسائل بها مصطفى.. اومأ له بحزن والتفت إلى يوسف وقال
_كفاية يوسف هيكون شمس ويوسف كمان ضي طفلة لسة كمان الواد كبير عليها مستحيل لاسباب كتيرة
قاطعتهما فريدة
_مفيش حاجة مستحيلة ياالياس قول يانصيب صراحة الواد حلو وكمان جرئ اوي عجبني تصرفه يدل إنه بيحب البنت عايز يعلن قدام الكل انها تخصه عايز أكتر من كدا
_ماما بلاش نتكلم في الموضوع دا علشان مانتوجعش تاني
انتهت الرقصةورغم ذلك لم يتركا أيديهما فورا...
اقترب يوسف بخطوات هادئة ودنا منهما
همس بصوت خافت لكنه حازم
_حبيبتي كفاية رقص الكل واخد باله منك... وياريت متقربيش من حمزة تاني.
اومأت بخضوع وابتسامة
_حاضر يا يوسف.
توقف عند ضي يسألها بقلق ظاهر
_بلال فين
هزت كتفيها
معرفش... مش باين ورولا كمان.
لم تكد تكمل حتى ظهر بلال يسحب رولا بخفة وهو يتجه نحوهما
مرت الساعات حتى اقترب الفجر وبدأت القاعة تفرغ من ضجيجها.
قبل فترة غادر مصطفى بصحبة فريدة وإسلام وملك وبقي الآخرون حتى انتهى الحفل
خرجت العروس
_تعبت... عايزة أقرب سرير وأنام.
ابتسم بسخرية وهو يفتح لها باب السيارة
جلست بينما هو استدير ليأخذ مكانه خلف المقود.
_انت ماخلتش حد يوصلنا ليه
_لا... مش عايز حد معانا.
_ليه انت تعبان مكنش له لزوم تسوق الطريق كله.
طيب هنروح على المطار ولا البيت
_البيت... فرحتنا تبدأ في بيتنا
بعد فترة ترجل من السيارة واستدار يساعدها بالنزول
_لا والله.. وهخاف منك ليه ايكونش تخوف.. قالتها وانحنت تخلع حذائها
توسعت عيناه ينظر اليها بذهول
_هتعملي ايه يامجنونة والله كنت متأكد انك مجنونة
ألقت الحذاء بغضب فكل أعضائها تنتفض من الخوف ورغم ذلك اشارت الى قدميها واختنق صوتها
_الكعب عالي اوي ورجلي وجعتني اعمل ايه حضرتك طويل ماشاء الله.. حبيت اكون طولك بس جه على وجع رجلي
_رجلك توجعك وأنا موجود ينفع كدا اومال انا دوري ايه
_يوسف
_معلش خليني اذكي على صحتي بس
_روحوا على بيت عمو ارسلان كدا احنا هنسافر الصبح
تحرك الخدم بينما دلف للداخل يبحث عنها كانت تتوقف بالردهة تطوف بعيناها تتفحص المنزل
_حلو أوي يايوسف.. كان
نفسي في الألوان دي
_عجبك..!!
. توقف على الباب واشار للداخل
_سمي الله وادخلي برجلك اليمين خلي الفرحة ببركة
اومأت تبتعد عن نظراته لاتعلم ماذا يحدث لها رغم عشقها له ولكن هناك قبضة عنيفة كادت ان تزهق روحها
ابتلعت ريقها وتحركت للداخل وهي بين ذراعيه.. وقعت عيناها على الفراش المزين والغرفة التي تحكي قصة العشق من خلال زينتها
دخل الحمام بدل ثيابه ثم وقف أمام النافذة يحاول أن يتنفس بعمق. أخرج من جيبه شيئا تأمله وهو يهمس لنفسه
_أكيد مش هترفض... هي بتحبك.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
كم هو موجع أن تحارب نفسك وأنت لا تملك الانسحاب...
أن تكون الجندي المدافع والمهزوم في آن واحد
كل سهم يطلق يصيب صدرك
وكل نداء نجاة يأتي من داخلك ليغرقك أكثر.
أحاول أن أمسك بزمام روحي
لكنها تنفلت من بين أصابعي كرماد هش لا يمسك.
أصالحني فأخونني أقنعني فأكذبني
أضمد جرحي بيدي التي فتحت النزف أول مرة.
يا لقلبي الذي أرهقه الحب
سكب حنانه في صدور مثقوبة
حتى جف ثم عاد يبحث عن قطرة دفء في صحراء الخذلان.
كم مؤلم أن تحب بقلب لم يشف من طعناته
وأن تبتسم وأنت تذوب ببطء تحت رماد الصبر.
كل ما أراده سكون لا يوجعه
لكنها حين نطقت انكسرت بداخله أشياء لا ترمم.
ومنذ تلك الليلة...
لم يعد يعرف أيهما أقسى النوم أم اليقظة.
نظرت لما وضعه بين يديها بقلب يئن كجرح مفتوح رفعت الذي بيدها بأنامل مرتجفة وراحت تقرأ ماكتب عليها مرارا وكأنها لا تصدق ماترى. رفعت رأسها نحوه وصوتها يتقطع كأن كل حرف يخرج ممزوجا بالدمع
_إيه دا يا يوسف
استدار ببطء عيناه تتنقلان بين دموعها حاول أن يبتلع غصة خنقته ثم قال بصوت خافت خال من الحياة
_مش عارفة تقري
اقتربت منه ونظرتها كسهام مسمومة مسحت دموعها بعنف وكالتي تقتلع وجعها ثم فتحت كفه ووضعت شريط بداخله بقوة
_وأنا مش موافقة..مش دا اللي كنت عايز تسمعه
تنهد بحدة وأردف بنبرة كزفرة ألم
_ليه مش بتقولي إنك بتحبيني عايزة إيه تاني
توسعت عيناها بغضب جحيمي وصرخت بصوت مزق سكون المكان
_إيه علاقة الحب إنك تحرمني من أبسط حقوقي!! لما كنت ناوي على كده ليه ماقولتليش قبل الجواز
ظل صامتا يراقب انفعالها بعين تخفي دمعها..لم يعد قادرا على الرد..لحظات ثم تمتم ببرود موجع
_وكانت هتفرق في إيه قبل الفرح أو بعده..النتيجة واحدة.
اشتعلت ثورتها الغاضبة واقتربت منه كمن فقدت عقلها وهتفت بحرقة تنزف من أعماقها
_كنت مستحيل أوافق أكمل الجواز! أنا مش لعبة في إيدك يا يوسف بحبك أيوه بس مش من حقك تلغيني قولت لك لو مش موافق هتكلم مع بابا وعمو بس إنت عملت إيه ولاحاجة
_انت ليه مصر تكرهني فيك
_عملت فيك ايه علشان تكسرني كدا دي
_ليه.. ليه توجعني كدا! لدرجة دي عايز تعاقبني على ذنبي اني حبيتك بس لا.. حتى لو روحي فيك ولو اعرف انك هتموتني كدا كنت مستحيل اوافق.. قالتها بدموعها التي خذلتها أمامه للمرة الثانية
هنا شعر وكأن كلماتها رصاصات تخترق صدره فوقف مذهولا صامتا يراها تنهار أمامه..تراجعت خطوة للخلف وجهها ممتقع بالغضب والخذلان عقلها يصرخ بأنه وضعها تحت الأمر الواقع ليجعل منها دمية في يده. هرولت إلى الداخل بينما ظل هو مكانه يراجع حديثها وقلبه ينزف بصمت.
لحظات مضت الى أن عادت ألقت
_دا ردي يا دكتور...قرر مع نفسك ناوي تعمل إيه بعد كده ولو مش مقتنع طلقني..مستحيل أكمل مع حد شايف نفسه وبس حتى حقي البسيط مش قادر يشاركني فيه.
نظر إلى الأرض ثم رفع عينيه نحوها نظرة طويلة ساكنة خالية من الحياة قبل أن يستدير ويغادر دون أن ينبس بكلمة...
بينما ظلت في مكانها لا تتحرك كأن الزمن تجمد حولها تشعر وكأن أحدهم انتزع قلبها من صدرها عنوة. استمعت إلى صوت الباب يغلق بهدوء قاتل فانهارت على الأرض تبكي بحرقة كمن فقدت نصف روحها.
مرت ساعات طويلة والليل ينسحب ببطء لتشرق خيوط الصباح على وجه أنهكته الدموع..رفعت رأسها نحو الساعة لقد تجاوزت السابعة ولم يعد.
تسارعت أنفاسها وأفكارها تتلاحق كعاصفة هوجاء
هل ذهب إلى منزل والده أم تركها كما طلبت منه في لحظة غضب
تجمد الدم في عروقها وشعرت وكأن قلبها توقف عن النبض فاندفعت للخارج بخطوات مرتجفة وهبطت السلالم لاهثة كأنها تهرب من موت وشيك..توقفت فجأة حين رأته مستغرقا في نوم عميق على الأريكة.
تقدمت نحوه ببطء وصدرها يعلو ويهبط من شدة الخوف..وقعت عيناها على علبة حبوب مهدئة للأعصاب إلى جواره..هنا انسكبت دموعها بصمت خانق وضعت كفها على فمها
لعنت غباءها واندفاعها كيف لم تر وجعه وهي تهاجمه بكل ذلك الألم
_يوسف...
كررتها مرتين..ثلاث..لكنه لم يجب فقد غرق في نوم اختاره هروبا من آلامه.
نظرت الى الحبوب التي توضع وابتسمت ابتسامة باهتة حزينة تحدث نفسها بصوت مبحوح
_كان بيهرب كده من حزنه يا غبية يا ضي...
ساعات مرت تتململ بنوم متقطع حتى فتحت عينيها..استدارت بعينيها تبحث عنه ولكنها لم تجده نهضت ببطء تمسح وجهها وتلملم خصلاتها المبعثرة.
صعدت إلى الطابق العلوي بخطوات مترددة دفعت باب غرفتهما لتتجمد في مكانها...
_إنت مش بترد علي ليه هو إنت اللي زعلان كمان دا وعدك ليا
التفت أخيرا بعد أن جفف خصلاته ألقى المنشفة جانبا