كأنها لي الحياة بقلم سيلا وليد من الفصل الاول للسابع والثلاثون

لمحة نيوز


لكنه وجدها من أرهقت قلبه عشقا وندما.
جلست على طرف الأريكة وهمست
_اعدل راسك علشان متتعبش..نايم هنا ليه
حاول بقاء عيناه مفتوحتان ولكن غلبه النعاس مجددا.
_آسفة..ماتزعلش مني.
لم يرد في البداية ثم خرج صوته الخافت
_لو زعلان..
ابتسمت وسط دموعها وقالت
_بس أنا زعلانة منك أوي
رفعت رأسها قليلا عيناها تلمعان تحت ضوء الليل
هل اعترف..أم خيل لها..كرر حديثه مرة أخرى 
_معرفش إيه اللي حصل بينا بس اللي أعرفه إنك بقيتي مهمة أوي. 
_أومال ليه قلت لعمو إنك مش عايز فرح
_دا اللي كنت عايز أقوله لك يوم المستشفى.. 
_طيب قول أنا سمعاك بلاش قلبي يوجعني. 
تنهد ثم قال
_حبيبتي ممكن نتكلم الصبح مش قادر دلوقتي عايز أقولك على موضوع مهم.
رفعت عينيها إليه وقالت بصوت متهدج ممزوج بالوجع 
_مرتين النهاردة تقولي حبيبتي..أنا مش عارفة إنت عايز إيه يا يوسف.
أدار وجهه عنها يغالب الإرهاق
_عايز أنام..وبس.
ثم أضاف بنبرة منخفضة وهو يغمض عينيه
_علشان لو صحصحت
ابتسمت رغم وجعها على كلماته
مرت فترة من السكون 
حتى دلف أرسلان من الخارج
فتجمدت عيناه على المشهد..
ارتفع صدره بانفعال مكتوم ثم رفع هاتفه واتصل
_انزل تحت دلوقتي قبل ماأولع في ابنك اللي محدش قادر عليه ده!
كان إلياس يغلق مصحفه بعد أن أنهى ورده بجوار نوم والده مصطفى 
رفع رأسه بهدوء وقال
_فيه إيه يا أرسلان
_انزل وإنت تعرف.
بعد لحظات كان إلياس يقف بجواره
نظر أمامه فشاهد يوسف نائما
تبادل النظرات مع أرسلان ثم قال بهدوء شديد يغضب 
_عايزني أعمل إيه يعني
اقترب أرسلان منهما ورفع صوته
_إنت يا حضرة الدكتور المحترم!
فتح يوسف عينيه بتثاقل رمش قليلا حتى استوعب عمه ووالده..
ابتعد برفق بوقال
_فيه إيه
ابتسم إلياس لبرود ابنه ثم قال ساخرا
_فيه إن عندك أوضة فوق يا حبيي
توسعت عينا أرسلان غضبا وزمجر
_والله العظيم...
ثم اقترب من ابنته يصيح
_ضي.
فتحت عينيها بخضة تنتفض من نومها لتجد الجميع واقفين.
تسارعت أنفاسها فاندفع يوسف واقفا واردف بنبرة حادة لكنها متماسكة
_فيه إيه يا عمو
نايمين في الليفينج
صرخ أرسلان
_إلياس سكت الواد ده!
لكن إلياس ظل صامتا يراقب.
مد أرسلان يده يسحب ابنته لكن
وقف يوسف أمامه يمد ذراعه يمنعه
_إنت مش شايفها كانت نايمة هتاخدها كده إزاي
وبعدين أنا جوزها..واخد بال حضرتك جوزها.
قالها بنبرة حاسمة
ضحك إلياس أخيرا ضحكة نادرة منذ خطوبة ابنه بينما أرسلان احمر وجهه من الغضب يشير إليه صارخا
_شفت الواد بيقول إيه وصاح على ابنته
_ضي إياكي تسمعي كلامه!
لكنه أكمل طريقه بخطوات ثابتة نحو غرفته وأغلق الباب بقدمه خلفه.
قائلة بغضب مكتوم
_اتجننت إيه اللي عملته ده قدامهم هيقولوا علينا إيه دلوقتي
اقترب منها بخطوات هادئة
_هيقولوا إيه
شهقت وارتجفت الكلمات على شفتيها
_يوسف أنا مش مراتك..
متستهبلش أنا خطيبتك مراتك لما أكون في بيتك.
قال بصوت صار همسا
_وإحنا فين دلوقتي
تأففت بضجر وقالت
_في أوضتك.
_طيب اعتبريها بيتي.
_آه!.بتعمل إيه يا مجنون
رفعت نظرها إليه بعينين يملؤهما الارتباك والضعف معا
_أنا تعبانة منك ومش عارفة أعمل إيه..مش عايزة علاقتنا تبقى مرهقة علاقة الحبيبين
لو كانت مرهقة يبقى الأفضل الانسحاب.
شعرت بخوفه يسكن نبرته فابتسمت بحب يسكن وجعه
_يوسف أنا بحبك أوي..مستحيل أبعد عنك وعد مني طول ماإنت بتحبني مستحيل أسيبك.
ساد الصمت لحظة قبل أن يهمس كمن يحدث نفسه
_هي كمان كانت بتحبه..وسابته.
حاولت أن تشتت أفكاره
_قلبك اسود يابت لسة فاكرة دي اللي هزت يوسف 
ثم أشار نحو الباب وهو يهمس مازحا
_يلا روحي أوضتك
هزت رأسها بخجل وغادرت بهدوء بينما بقي هو يراقبها بابتسامة نصفها حب ونصفها خوف لا يريد الاعتراف به.
مرت الأيام سريعا حتى جاء اليوم المتمم للحنة بعد الاتفاق على إتمام الزفاف قبل عملية مصطفى وشرط يوسف ألا يسافر إلا بعدها.
دلف إلى غرفتها يحمل فستانا من اللون الأحمر وضعه فوق فراشها وهو يبحث عنها فالتقته شمس بابتسامة خبيثة
_تحت يا حبيبي بنرسم حنة.
ثم اقتربت تهمس له مازحة
تجه لغرفته مع ارتفاع رنين هاتفه
_أيوه يا ببلاوي
_إيه رأيك نعمل الحفلة في بيتنا
_لا خليها بكرة النهاردة مينفعش بس هرجع على البيت متأخر
_ليه بقى إن شاء الله
ابتسم ورد
_بعمل مفاجأة لأختك.
_أممم..كدا ماشي.
صمت لحظة ثم أضاف
_يوسف أنا فرحان أوي علشانك..ربنا يسعدكم يا رب.
_عقبالك يا حبيبي.
تنهد ثم أغلق الهاتف متجها إلى غرفة والده.
بعد أكثر من ساعتين ومع محاولات اتصال منه إليها بلا رد نزل بعدما استمع لحديث والدته
_حفل الحنة هيبدأ على تسعة..الجو برد الليلة مش عايزين نتأخر.
دخل غرفة والده بعدما علم أنها ستتجهز هناك
_إنت إزاي دخلت!
_برجلي..مشيت كدا وفتحت الباب المكتوب عليه غرفة عروستي القمر.
جزت على أسنانها
_طيب اطلع برة عيب يا دكتور..لو حد شافك يقول إيه
_متخافيش هردمه دلوقتي جردل ألوان وهيبقى عسل.
_هو إيه ده
_وشك.
أنا بتاع جردل ألوان يا يوسف. طيب يلا اطلع برة يا محترم.
تمتمت بنبرة خجلة في محاولة للتهدئة
_يوسف حبيبي
رفع حاجبه ساخرا
_أنا والاحترام في خانة واحدة دا أبوكي ضحك عليكي علشان توافقي عليا.
صرخت
_إنت عايز إيه دلوقتي
اقترب الياس منهما..فابتعد بظهره
_هو أنا كل شوية هقولك اطلع برة يابابا
جز إلياس على أسنانه وهدر بنبرة حادة
_أومال لو مش مجوزينكم غصب عنكم كنتوا هتعملوا إيه
عند عمران 
خرج من منزله ينظر بساعته متأففا ثم رفع هاتفه
_ايوة ياجيلان انتي فين 
امشي قدام شوية انا شيفاك.. 
تحرك الى ان وصل إلى وقوفها
_ايه فيه ايه خضتيني لازم نتقابل دلوقتي 
اقتربت منه بدلال انثوي مدروس
_عمران أنا فكرت في موضوعنا ولقيت حل 
صمت ينتظر حديثها فقالت 
_نتجوز وبكدا نكون مع بعض على طول 
_ايه نتجوز 
عند بلال
خرج من المشفى ينظر بساعته..ارتفع رنين هاتفه
_أيوة يا دكتور لا أنا خرجت من المستشفى لسة ماركبتش العربية
استمع إلى الجانب الآخر فرد 
_حاضر..خمس دقايق وأكون عند حضرتك..قالها وصعد إلى الأعلى.. 
دلف للداخل وجد أستاذه يقف أمام جهاز الأشعة أشار إليه 
_تعال علشان الكلام اللي كنا بنقوله من شوية.. 
تقدم منه ينظر إلى تلك الصور التي تتحرك على الجهاز وحديث الطبيب عن بعض الأشياء التي تخص الأعصاب. 
أومأ بلال يهز رأسه وقال
_أيوة كنت متأكد بعد ماشوفت الصورة مالوش علاقة خالص بالغضروف..
خرجت المريضة من الغرفة..توقف بلال ينظر اليها بذهول يحدث نفسه
_هي نفس البنت..قاطعهم صوت حركاتها متجهة إلى المقعد جلست تنتظر حديث الطبيب..مع نظرات بلال إلى الصور التي بين يدي أستاذه ثم اتجه بنظره إليها مرة اخرى 
_هو الوجع فين بالظبط
أجابته بنبرة متألمة وهي تشير إلى رقبتها 
في الرقبة يا دكتور بس مش بيخف خصوصا لما أرفع راسي فجأة.
نظر بلال الى أستاذه
الوجع ده ممكن يكون من العضلات.
صمت وانتظر يستعلم من المريضة استدار إليها
_ بتحسي بيه مع الحركة أو بعد مجهود ذهني
أومأت وأجابته 
_شغلي على الكمبيوتر وطبعا ممكن أقعد ساعات طويلة. 
مازالت نظرات بلال في الصورة التي بين يديه فقال
كدا احتمالية يكون في شد عصبي أو ضغط على أحد الأعصاب العنقية.
قطبت جبينها 
يعني حضرتك شايف المشكلة عصبية مش عضلية
أجابها بثقة 
ممكن يكون الاتنين مرتبطين بس خليني أسألك بتحسي بتنميل أو وخز في الكتف أو الذراع
أجابته 
أيوه ساعات خصوصا في الإيد اليمين كأن في كهربا خفيفة ماشية فيها.
نظر إلى أستاذه وقال
_ ده مؤشر إن في ضغط بسيط على جذر عصبي في الفقرات العنقية غالبا من وضعية جلوسها.
تسألت بقلق
يعني دا حاجة خطيرة
رد بهدوء
هنعمل فحص بسيط للأعصاب والحركة ولو لقيت إن الألم ممتد أو التنميل بيزيد ساعتها نطلب رنين مغناطيسي على الفقرات العنقية.
طيب هو ممكن أتعالج من غير عمليات وكده
أجابها بابتسامة
_أكيد تسعين في المية من الحالات دي بتتحسن بالعلاج التحفظي زي جلسات علاج طبيعي تعديل وضع الجلوس وتمارين للرقبة وأحيانا مسكن بسيط أو باسط عضلات..الأهم إنك تريحي أعصابك لأن التوتر بيزود الألم العصبي أكتر من أي حاجة.
ابتسمت بخجل
واضح إن أعصابي فعلا محتاجة دكتور قبل رقبتي.
رد ضاحكا
يبقى ابدئي خففي الضغط النفسي وخدي بالك من وضعيتك الأعصاب بتتعب من اللي بنفكر فيه قبل اللي بنحس بيه.. 
أومأت بحزن 
_شكرا ثم رفعت عيناها الى الطبيب
_تلميذك شكله شاطر أوي يا عمو. 
ابتسم إليها يومئ برأسه
_مش قولت لك متقلقيش.
قطب بلال حاجبيه
_عمو!.هي المريضة تقرب لك
_أيوة بنت صديق.. 
_تمام..طيب اللي قولته صح ولا فيه تعقيب لحضرتك. 
_لا يادكتور برافو عليك..قالها واتجه بنظراته إلى تلك التي تجلس وقال
_وإنتي يا كارما اعملي زي ماالدكتور قالك..حرق الأعصاب بيوجع جسمنا كله يا بنتي. 
توقفت تسحب حقيبتها وقالت
_شكرا لحضرتك يا دكتور ممكن تكتب لي على المسكن اللي قال عليه أوقات الألم بيكون شديد. 
أشار إلى بلال الذي دون اسم دواء إليها مع ذكر كيفية استخدامه. 
بعد دقائق خرج من المشفى متجها إلى سيارته ولكنه توقف على صوت مرتفع جانب سيارته التفت إلى الجانب الآخر وجد تلك المريضة التي كانت قبل قليل يسحبها شخص ما بعنف..في محاولة الفكاك منه اقترب دون تفكير
_فيه حاجة أستاذة كارما 
التفت ذاك الرجل ينظر إلى بلال وأجابه ساخرا
اقترب بلال كالمجنون
_إنت مجنون يابني ولا إيه!.
توقفت كارما بينهما 
_خلاص ياأسامة بطل فضايح ثم استدارت إلى بلال
_شكرا لحضرتك يادكتور. 
ذاك الذي يدعى أسامة بعيدا عنه 
_إنتي بتعتذري

لمين وتعرفيه منين. 
أثار غضب بلال فاقترب يلكمه 
دارت معركة عنيفة بينهما مع اقتراب أمن المشفى حتى سيطر عليهما.. أشار أسامة إلى بلال 
سحبه أستاذه الذي كان مغادرا هو الآخر 
_بلال ابعد عنه دا إنسان مش طبيعي وإنت مش قده. 
أعاد خصلاته للخلف وهدر بغضب
_جوزها. 
تجمد بمكانه وفشل بالنطق يستدير إلى تحركها وهو يسحبها بعنف تجاه سيارته 
_دي متجوزة الحلوف دا!
تنهد الطبيب وتحرك إلى سيارته يشير إليه 
_روح يابني وبطل تندفع على أي حاجة تشوفها.
بمنزل طارق.. 
أنهت زينتها وتحركت إلى مكتبه
_ياله ياطارق هنتأخر على حفلة الحنة عايزة أشوفها من الأول. 
توقف يجمع أشيائه وقال
_هوصلك حبيبتي..وأرجع لحد ماتخلصوا.
_أوكيه..المهم نروح الأول. 
فتح الباب متجها للخروج ولكنه توقف فجأة بعدما وجد تلك التي تقف أمامهما
_إزيك يا طارق 
_إنتي!..بتعملي إيه هنا وجاية ليه 
ابتعدت إلى سيارتها تفتح الباب لينزل طفلا يبلغ من العمر سبع سنوات
_ليك أمانة عندي.
بغرفة غادة بمنزل والدها.. 
انتهت من زينتها سحبت عقدها لترتديه ولكن فتح الباب ودلف للداخل التفتت تنظر للذي دلف ولكنها توقفت ليسقط العقد من بين أناملها ودمعة شريدة عبرت وجنتيها أزالتها سريعا ثم استدارت تنظر إلى المرآة تسحب حجابها بأنامل مرتعشة اقترب وانخفض يسحب عقدهاعقده
_آسف..عارف إنك زعلانة وغضبانة مني بس إنتي متعرفيش حاجة وعد بعد فرح يوسف هقولك كل حاجة أدارها إليه 
_وحشتيني أوي.
في غرفة ضي..
انتهت من ارتداء فستان حنتها..
كان فستانا أحمر
قانيا بلون يشبه الغروب..ضيقا من الخصر ينسدل بعده بانسيابية تغري النظر
نسيجه من حرير ثقيل يلتصق برهافة الخصر والبطن ليظهر خصرها النحيف برشاقة الانثى 
التفتت أمام المرآة بدا وكأن اللون الأحمر 
وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاسها تبتسم بخفة لا تدري أهي رضا أم خوف إذا رآها وقعت عيناها على الفستان الذي أحضره لها ثم حاولت تهدئة أنفاسها
_الحفلة كلها ستات اهدي مش هيقول حاجة..دلفت شمس إليها.. أطلقت صفيرا
_أوووه..تحفة يا ضي الفستان روعة حبيبتي. 
أومأت تنظر لنفسها بدقات عنيفة
_خايفة من يوسف يقلبها غم. 
اقتربت تناولها عقدها
_لا حبيبتي..كلنا بنات عادي يعني ياله علشان صحباتك جم تحت ويوسف أصلا هيروح على البيت بابا أمره بكدا قاله مايرجعش غير ليلة الفرح. 
زمت شفتيها وقالت
_يوسف..يبقى قابليني دا عايز أي حاجة علشان يفرسني وخلاص فستان الفرح رجعه أربع مرات. 
ضحكت شمس عليهما رفعت خصلاتها تنظر إلى جمالها
_معذور برضو يا دودو الصراحة أنا بنت وغيرانة عليكي. 
أبعدتها بخفة
_هتقولي إيه مش أخته. 
وضعت مجوهراتها ثم رفعت احمر الشفاة القاني بلون فستانها لتزين شفتيها.. طالعتها شمس بانبهار ثم سحبت كفيها وتحركت للخارج..
_عايزين سيشن كثير اه وعايزة حاجة محتشمة انزلها على الاستوري
نزلت بعض درجات السلم بصعوده وهو يتحدث بهاتفه
_مين دا وإزاي يمد إيده عليك إنت مجنون إزاي تسمح له إنت فين أصلا 
أجابه بلال على الجانب الآخر
_وصلت الكمبوند خلاص المهم إنت هتيجي إمتى 
عشر دقايق هجيب حاجة من أوضتي وأجي لك البيت هنا قلب سوق البط والفراخ...والوان الهند الحمراء عايز اصولك تيتا قلبت الفيلا حديقة دماء 
ضحك بلال متأوها
_يخربيتك بقولك مضروب.. 
رفع عيناه على الدرج بعدما استنشق رائحتها فتوقف قائلا
_ماشي يا ببلاوي اتصل بآسر لحد ماأرجع.
قالها ووصل إليهما بعدما توقفت تنتظر صعوده لحظات فقط ينظر إليها حتى شعر بتوقف أنفاسه
دمتم في رعاية الله وامن
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
تبدو السعادة على ملامحه كأنه امتلك الدنيا
غير أن في أعماقه ضجيجا لا يهدأ...
كأن شيئا خفيا ينغص صفو روحه كلما ابتسم.
هو سعيد نعم... لكن بعض الفراغ يسكن قلبه
وبعض الذكريات تأبى أن تدفن مهما حاول نسيانها.
فالسعادة في داخله لكنها لا تكتمل...
فبعض القلوب تحسن التمثيل كي لا ترهق من حولها
وبعض الفرح يأتي ناقصا لأن الوجع ما زال يقيم في الظل.
فالسعادة ليست غياب الألم بل القدرة على الابتسام رغم وجوده.
وكأن النقص قدر القلوب التي عرفت الوجع...
وها هو اليوم يبتسم لأجلها لكن هل سيجرؤ أن يطلب منها أن تداويه
تراجعت بجسدها بعدما وجدت نظراته أشارت إليه
_يوسف طنط ميرال برة افتح لها عيب.
خطت للوراء مترددة وهي تراه يتقدم نحوها نظراته مشتعلة كجمر لا يهدأ.
_يوسف افتح الباب..أنا مش هغير الفستان عايزة ألبس اللي يعجبني وبكرا ألبس فستانك. 
كان صامتا لكن عينيه تنطقان بعاصفة نارية فابتلع المسافة بينهما بصمته القاتل..وغرز عينيه بعينيها وقال 
_رميت المفتاح تحت يا ضي وريني بقى هتنزلي إزاي...ومفيش لا حنة ولا فرح 
شهقت وكأن الهواء انقطع عن صدرها..وارتجفت أنفاسها وهي تهمس
_إنت أكيد..مجنون.. فصاحت باسم ميرال.
رفعت عيناها الدامعة وقالت
_بس كلنا بنات كان نفسي أكون بحريتي. 
_حتى ولو..عايزك ليا أنا وبس رفع عيناه ينظر لمقلتيها 
_ينفع دا.. ليه هتستفادي ايه مش التزين دا بيكون من الست لجوزها
_النهاردة حنتي يايوسف وطبيعي البنات تلبس كدا 
_ممكن عندك حق من وجهة نظرك بس انا على قد حبي على قد غيرتي ياضي
تراجعت قليلا تلكزه بخفة
_ليه بقى إن شاء الله حضرتك هو أنا وحشة
_ بالعكس قمر
فتحت ميرال الباب ودلفت تنظر إليهم بذعر..حمحم بمزاح 
_مليون مرة نقول خبطوا قبل ماتدخلوا معرفش العيلة دي بتموت بفتح الباب من غير دستور. 
قالها وخرج..بينما تجمدت ميرال بمكانها تحدق في ضي وارتفع صوتها غاضبا حانقا 
فصرخت به تلعنه وتضم ضي المرتجف كمن يحمي بقايا روح مهشمة
_آسفة حبيبتي..متزعليش منه مش هيجيبه من بعيد. 
كانت ساكنه ميرال تغمض عيناها تراجع حديثه بابتسامة..لا تريد شيئا آخر سواه. 
أبعدتها ميرال تتفحصها بعين الأم.. 
_أول ماشمس قالت لي..عرفت إنه هيعترض على الفستان بالطريقة دي.
_أنا قولت لك أول ماشفت الفستان بس ياله الحمد لله إنه ماقطعوش 
متزعليش منه حبيبتي الراجل اللي بيحب أوي بيغير أوي والله يابنتي ماتحكم ولا حاجة هو بيحبك أوي اسأليني أنا. وتبسمت 
_مش زعلانة منه أنا كمان بحبه أوي وهو عنده حق أنا اللي غلطت..ياله انزلي وهغير وآجي وراكي.
أومأت لها مبتسمة ثم أشارت 
_عدلي مكياجك
_مش تشتميه يا طنط ميرال لو سمحتي. 
رفعت ميرال حاجبها ساخرة
_شوف إزاي وأنا اللي هتجنن منه علشانك ودلوقتي مش تشتميه..هبلة زيي كان بينضحك عليا والله إحنا عبط..هقول ايه ابن الياس وحركات ابوه خليكي عبيطة كدا
توردت وجنتيها تبتعد عن نظرات ميرال.. 
_ربنا يسعدكم حبيبتي يارب ضي..يوسف دا نور عيوني ونبض قلبي إنتي عارفة يعني إيه عانى كتير ومهما يعاني مش بيحكي حبيه أوي يا بنتي.. صدقيني هيديلك حياته كلها ماتغلطيش غلطتي متخليش شيطانك يسرق سعادتكم. 
_ادعي لنا يا طنط. 
_مش عايزة غير سعادتكم...قاطعهم دخول شمس 
_ماما اتأخرتوا ليه
سحبتها ميرال سريعا حتى لا تنتبه لحالة ضي وغادرت الغرفة بعدما قالت
_ماتتأخريش يا حبيبتي. 
نهضت من مكانها وقامت بتبديل فستانها وارتدت ماجلبه لها دقائق قليلة وانتهت من زينتها بالكامل توقفت تنظر إلى هيأتها بالمرآة تبسمت بحب وكلماته مازالت تتغنى بها أذنها.. 
اتجهت إلى حجابها ورفعته كي تضعه على خصلاتها ولكنها توقفت ورفعت هاتفها لتحاكيه ولكنها تراجعت وسارت خارج الغرفة متجهة الى غرفته..
فتحت الباب بخفة وتسللت إلى الداخل تبحث عنه بعينيها المتلهفتين حتى وجدته يقف أمام المرآة يجمع أشيائه الخاصة.
رفع رأسه على صوت الباب فتجمد لحظة يتأملها كما لو رآها أول مرة وهمس في داخله بإجلال صامت
_سبحان من أبدع الخلق جمالا بهذا الصفاء.
اقترب منها ببطء عيناه تتجولان على الفستان الذي يلتف بانسياب ساحر ثم ابتسم وقال بنبرة هامسة
_حورية من الجنة...
ضحكت بخجل رقيق
_قلت أوريهولك قبل ما أنزل.
تاركا خصلاتها تتساقط بحرية على كتفيها
_خليكي كده...مش مهم الحجاب الليلة..خليها علي أتحمل أنا نظراتهم بس ممنوع التصوير أي واحدة تتصور معاكي..مش هقولك هعمل إيه.
_هتعمل إيه
قال بعينين تلمعان بالعشق
_مش هقولك..
_أسيبك بقى علشان اتأخرت.
توقفت عند الباب التفتت نحوه كأنها لا تريد المغادرة
_مش هتبات هنا
أومأ مبتسما وقال بنبرة دافئة 
_هقعد في البيت لحد الفرح.
_ليه باقي أربع أيام!
_بلاش يا يوسف...إيه اللي بتقوله دا! إ
ابتسمت بخجل ناعم تركت كفيه كمن ينتزع قلبه ثم خرجت تاركة خلفها رائحتها معلقة بملابسه..راقب مغادرتها أغلقت الباب هنا شعر وكأنها أغلقت قبره دونها جلس على الفراش ينظر لمحرمتها التي سقطت منها
بالأسفل وصلت مع دخول رحيل ورولا دنت منها رحيل 
_ألف مبروك حبيبة خالتو.
_الله يبارك فيكي يا خالتو رحيل التفتت تنظر إلى رولا الصامتة
_لسة فاكر عليكي تيجي طيب يوم فرحك هروح على الزفة.
ابتلعت رحيل جمرة غصتها ورسمت ابتسامة 
_ يبقى اعملي فعلا كدا حبيبتي..اللي قدرك قدريه. 
قاطعتهما رولا 
_حلوة الحفلة أوي يا ضي بس ليه كلها بنات. 
رمقتها رحيل باستياء وقالت
_هي الحنة بيكون فيها شباب!!
تأففت وتحركت دون أن تنظر إلى والدتها بينما سحبت رحيل كف ضي تديرها 
_فستانك تحفة تحفة يا أجمل عروسة.
_ميرسي يا طنط رحيل..هو ليه حضرتك حزينة وشك شاحب. 
فلقد لاحظت ضي حالتها بينما ابنتها لم تكترث..قالت
_شوية اإرهاق يا خالتو...تعالي ندخل جوا..دلفوا للداخل..
كان المكان يتلألأ بأضواء خافتة تمتزج
فيها أنغام

الطبول مع ضحكات الفتيات جلست ضي على مقعد مرتفع فستانها الأحمر المطرز ينساب من حولها.
اقتربت غرام وعيناها تلمعان بمزيج من الفخر والدموع همست وهي تمسح على شعرها
كنت لسه إمبارح بشيلك بين إيديا والنهاردة بقيتي عروسة.
ضحكت ضي والدمع يوشك أن يسبقها وسط تصفيق الحاضرين.
تقدمت إحدى السيدات المختصات برسم الحنة تحمل صحن الحنة المزين بالورود والياسمين قالت بمزاح
يلا يا عروسة الليلة دي ليلتك... هنرسم الحنة على إيدك..صمتت وقالت
_عايزة إيدك بس
مدت ضي كفها بخجل وقالت
_أه إيدي بس. 
انطلقت الزغاريد من كل ناحية وضحكات الفتيات ورقصهم حولها في مشهد غمره الدفء والأنوثة والفرح الطفولي الذي يسبق الخطوة الكبرى في العمر...وهو الزفاف.
دلف أرسلان بعد دعوة فريدة اليه وقف يتأملها بصمت يبتسم بحنو يخفي خلفه وجع الفراق رغم أنها لن تبتعد كثيرا ولكن فكر تجعل قلبه يأن بصمت ثم همس لنفسه وهو يراها بتلك الحالة
_كبرتي يا ضي أوي كدا..وأنا لسة حاسس إنك طفلة بتجري ورايا تناديني بابا استناني.
رفع رأسه والتقت عيناه بعينيها فبادلته نظرة امتنان عميقة كأنها وعد أنه سيظل حبيبها الأول.
اقترب أرسلان منها 
_مبروك يا أميرة بابا 
_حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا يارب. 
وقف بأحد الأركان مبتسما
_مبروك يا أم العروسة. 
_الله يبارك فيك يا حبيبي..عقبال لما نفرح ببلال. 
_إن شاءلله..بلاش ترهقوا ماما إنتي شايفة حالة البيت يعني سعادة بينكم على الضيق ليه الحفلة دي كلها. 
اقتربت تنظر إلى وجهه الحزين
_حبيبي ماما قالت محدش له يتدخل حتى ميرال قالت لي إلياس حاول يتكلم معاها وهي رفضت قالت فرح أحفادي لازم مصر كلها تتكلم عنه حتى عمو مصطفى كمان..قالنا إنه متابع كل حاجة ومش عايز تقصير وإحنا الصراحة محبناش ندخل. 
وتحرك بجوارها يشير إلى السلالم المزينة والزينة التي تعلق على الجدران بإنارتها
_بس الحاجات دي مكلفة أوي يا غرام ليه ماما تعمل كدا
توقفت أمامه تعقد ذراعيها وقالت بتذمر 
_إنت نسيت إن دول أحفاد الشافعي ولا إيه بلاش أقولك حفيد السيوفي اللي عمو مصطفى مصر على كدا وبعدين إنت بقيت بخيل ولا إيه يا أرسو إحنا بنجوز كل يوم. 
ابتسم بحنان وقال
_إنتي عارفة عني كدا أنا قصدي مهما كان دول ولادنا ومادفعناش حاجة فمكنش لازم يدفعوا كدا. 
_والله يا أرسلان..تمتمت بها فريدة خلفهم فاستدار إليها سريعا
_ماما..لا مش قصدي. 
_ولا قصدك يابن جمال دا هدية مني لأحفادي محدش له دعوة إن شالله أدفع ملايين محدش يتدخل
_ربنا يخليكي لينا يا ست الكل وعقبال لما تجوزي ولادهم هو أنا خسران حاجة. 
لكزته بخفة وابتسمت 
_ربنا يتمم فرحتهم على خير حبيبي عايزاك تتواصل مع الفندق مش عايزين تقصير.
_حبيبتي منظم الحفلات الخاص بينا متولي الأمر متقلقيش وأنا كلمته إمبارح والنهاردة إسلام كلمه كمان. 
ربتت على كتفه بدخول ليال والدة مالك فأشارت بعينيها إلى غرام 
_قابلي حبيبتي مامت مالك..وإنت شوف أخوك فين خرج من فترة ولسة مرجعش.
_في بيت يوسف كلموه هناك وقال هيعدي يشوف خلصوا فرش ولا لسة. 
توقفت تتطلع إليه بتساؤل
_هو يوسف مش هيقعد مع باباه 
هز أرسلان رأسه بالرفض وقال
_لا أخد اللي جنبه.
_ليه ساب بيت أبوه إلياس مقاليش حاجة زي كدا. 
_ماما إحنا بنزق يوسف بالعافية وهو عايز كدا خليه براحته وبعدين البيت جنب البيت مجرد جدران بينهم إلياس اتفاجئ أصلا لأن يوسف هو اللي اتصل بشركة الديكور واتفق على كل حاجة من غير ماحد مننا يعرف اتفاجئنا بشغلهم محبش يزعله وخلاه يعمل اللي عايزه. 
أومأت بتفهم ثم قالت
_خلاص اطلع عند إسلام فوق لوحده مع مصطفى علشان مش هعرف أطلع دلوقتي.
بغرفة إسلام 
انتهت ملك من زينتها ثم تحركت للمغادرة..دلفت مربية أطفالها 
_مدام ملك إلياس مش مبطل عياط. 
تأففت بضجر وألم معا حتى تكورت دموعها من طفلها الذي أرهقها نفسيا وبدنيا تراجعت تتنهد بعدما شعرت بتهاوي جسدها وأردفت بصوت واهن
_هو مش دا شغلك أنا تعبانة ومش قادرة أتعامل معاه.
_والله يا مدام حاولت معاه بس هو ممكن دوشة الفرح مخوفاه.
أشارت إليها بالخروج 
_خديه وانزلي الحنة وأنا جاية وراكم.
بعد فترة صعدت إلى غرفة مصطفى بخطوات مترددة لكن ماإن فتحت الباب حتى تجمدت في مكانها.
نظرت إليه بذهول فها هو يستعد للنزول بينما يقف إسلام إلى جواره يحاول مساعدته.
ارتجف صوتها وهي تقول
_عمو مصطفى حضرتك هتنزل إزاي وإنت تعبان
ابتسم بلطف رغم الإرهاق الذي يسكن ملامحه وأشار إلى إسلام قائلا
_هات لي السكارف يا حبيبي.
ثم التفت نحو ملك بخطوات بطيئة متعبة
_عايز أنزل للعروسة تحت.
عقدت حاجبيها باستنكار
_إسلام إنت إزاي توافق على كده!
اقترب إسلام من والده يضع الوشاح برفق حول عنقه وعيناه متشبعتان بالحزن
_شوفت يا بابا حتى ملك مش عجبها اللي بتعمله...قولت أجيب لك ضي هنا.
ضحك مصطفى ضحكة خافتة ممزوجة بالوجع
_اسكت يالا...ودي تبقى فرحة..لازم تدخل عندها وهما محنيين إيديها زي ما عملت مع غادة.
_بس حضرتك تعبان يا بابا...
وضع يده على كتفه وخرج صوته دافئا رغم ضعفه
_أنا كويس يا حبيبي مش عايز فريدة تحس إنها بلا ضهر.
_بابا...همس بها إسلام بصوت مبحوح وانسابت دموعه دون مقاومة.
اقترب مصطفى منه وقال
_أنا كويس.. يا ابني ربنا يخليك لمراتك فيه مناسبات ماينفعش تسيب فيها شريكة عمرك وكأنها يتيمة..علشان بعد ماتسلم روحك لرب العالمين تبقى الذكريات الحلوة دي هي اللي تصبرها على الفراق..
مش عايز دمعة منها وأنا لسه عايش يا إسلام..كفاية إنها ربتكم ومخليتكمش تحسوا بيتم الأم.
توقف ليلتقط أنفاسه ثم أكمل بصوت متهدج
_وصيتي يا إسلام..فريدة هسألك عليها يوم الدين.
تسلل إسلام وانفجر باكيا كالطفل
_بابا

لو سمحت...مش عايز أسمع منك الكلام ده.
ابتسم بحنان يستند على كتفه 
_إحنا مجرد ضيوف في الدنيا يابن مصطفى..نزلني قبل إلياس مايجي ويعملي محاضرة.
بالأسفل كانت الأغاني تصدح والضحكات تتناثر بين الفتيات بمشهد يسعد القلوب. 
سحبت رولا يد ضي بحماس
_قومي بقى ارقصي معانا متعمليش عروسة تقيلة.
تذكرت كلمات يوسف 
_ترقصي بس بهدوء مش عايز تنطيط زي العرايس المجنونة خلي فيه شوية حياء هراقبك على فكرة.. 
رفعت رأسها وهزتها قائلة برفض 
_رولا والله مش قادرة.
قالتها بدخول شمس التي لم تترك لها مفرا ضغطت عليها وهي تضحك حتى انسجمت ضي معهم تتمايل بخفة وسط دائرة من البهجة بينما شمس تلتقط فيديو لهن والفرحة تفيض من الوجوه.
دقائق قليلة والسعادة تملأ المكان إلا من قلب واحد كان يبتسم للوجوه ولكن داخله يصرخ و يناجي خالقه في صمت موجوع
ربي...إن زوجي بين يديك فاحفظه بعينك التي لا تنام.
هنا انقطع صوت الموسيقى فجأة حين دلفت ملك بصوتها الحنون
_عفوا يا حلوين... جد العروسة جاي يباركلها ممكن نوسع شوية
تجمدت فريدة للحظة قبل أن تهب واقفة عيناها تبحثان بلهفة من الردهة التي دخل منها فإذا به هناك... يستند على ذراع إسلام وخطواته مثقلة بوجعه لكنها تحمل من الكبرياء مايبكي القلوب.
اقتربت منه بخطوات مرتعشة 
وفي قلبها صرخة موجوعة لم تنبس بها الشفاه تهمس داخلها
آه يا حبيب الشباب والمشيب...
يا من سرق المرض منك قوتك ولم يسلبك مهابتك يا من علمتني أن الرجولة ليست صلابة الجسد بل ثبات القلب وقت الانكسار.
واليوم أراك تتهادى أمامي تسرقك الأيام من بين ذراعي وكأنها تنتزع من صدري أنفاسي واحدة تلو الأخرى...
آه يا وجعي الجميل ويا حبي الذي لم يخن وعده رغم وجع السنين.
رغم المرض وتأوهاتك كنت وستبقى الحبيب والزوج الذي لم يعرف إلا أن يصون سعادة زوجته.
_ضي..هتفت بها فريدة تقترب منه وتشير إلى ضي 
_تعالي لجدك حبيبتي. 
لكنه أشار إليها بالتوقف
_لا يا فريدة أنا عايز أروح لها لو سمحتي. 
ضغطت على شفتيها حتى تمنع دموعها وهي تراه يتوجه نحو ضي بخطواته الثقيلة 
_ألف مبروك حبيبة جدو ربنا يسعدكم يارب. 
احتنضنته بابتسامة بريئة وقالت بصوت متهدج تمنع دموعها
_ربنا يخليك لينا يا جدو.
دقيقتين حتى دلف الياس كالمجنون دون إذن بعد علمه بنزوله من غرفته 
_بابا..تمتم بها ليستدير إليه ببطء وهو مازال 
_تعال يا أبو العريس..باركت لعروسة ابنك 
كان يفتش بملامحه كالأم التي تفتش بجسد رضيعها
_إيه اللي حضرتك بتعمله دا مش قولنا كفاية الفرح! 
قالها وهو ينظر إلى إسلام باستنكار. 
رد إسلام 
_هو اللي أصر يا إلياس.
اتجه بنظره إلى ضي
_حبيبة عمو روحي مكانك هطلع جدو فوق علشان مايتعبش.
_حاضر يا عمو..تمتمت بها 
_نورت حنتي يا جدو ربنا يخليك لينا. 
ابتسم وهز رأسه 
_ربنا يسعدكم حبيبة جدو. 
حاوطه إلياس برفق وقال بين الحضور 
_آسف يا جماعة دخلت من غير إذن.. جد العريس والعروسة مش مريحني. 
اقتربت منه ليال والدة مالك 
_ألف سلامة عليك يا سيادة المستشار.
_شكرا يا أم مالك.. 
أومأ إسلام إليها
_شكرا لحضرتك يا طنط..اتفضلي جوا..قالها يشير برأسه إلى ملك بعد تحرك فريدة خلف مصطفى.
بمنزل إلياس
كان المنزل يضج بالحياة حيث اجتمع الشباب في بهو واسع تملؤه الموسيقى والضحكات.
أحضر بلال أحد العازفين ودعا مجموعة من الأصدقاء ليحيل المكان إلى سهرة حيوية خفيفة.
دخل يوسف متفاجئا بما فعله ابن عمه ألقى السلام على الجميع صافح بعضهم ثم سحب بلال من بين الجمع جانبا وهو يحدق فيه بضيق
_مش قولت دا بكرة! أنا هلكان الله يخرب بيتك يا بلال!
ضحك بلال مشيرا إلى وجهه
_بدل ما تقول ألف سلامة عليك وتقعد تضمد وشي يا متخلف جاي زعلان!

وضع يوسف كفه على وجهه يدفعه للخلف بملل
_تستاهل يا ابني علشان فعلا متخلف!
ثم أكمل متنهدا
_أنا طالع آخد شاور وأفوق وبعدين أنزل للفرح اللي هيفجر دماغي... واحد متخلف.
قالها وصعد الدرج بخطوات بطيئة بينما ابتسم بلال بمكر وهو يتابعه بنظرات ماكرة
_والله لاسهرك لحد الصبح مش هتشوف النوم ليوم الفرح!
اقترب أسر مستفسرا
_هو يوسف زعلان ولا إيه
أجابه بلال وهو يلوح بيده بلا مبالاة
_سيبك منه دا بغل... مكنش ناوي يعمل حاجة أصلا. بص بدل البوص سمح سيبك منه وتعالى برا.
ثم خرجا إلى الحديقة حيث تزداد الأضواء والموسيقى.
أما في الأعلى فقد ألقى يوسف أشياءه على المقعد وجلس على طرف الفراش يمسح وجهه بإرهاق ظاهر.
_أعمل في المتخلف دا إيه! أنا مش قادر أفتح عيني.
رن هاتفه التقطه بلا اهتمام لكن عينيه اتسعتا حين وقعتا على الاسم... شمس.
ضغط على الفيديو المرسل فظهر له وجه حبيبته المضيء بالضحك تتراقص بين صديقاتها كفراشة 
ابتسامتها... بريئة كضحكة طفل أول العمر وعيناها يا الله كم سلب عقله من أول نظرة.
همس بصوت مبحوح
_طلعت لي منين ظل يمرر عيناه على ملامحها يهمس لنفسه 
_ايه السر اللي بينا رغم كنا قريبين بس مكنش فيه مشاعر بينا ياترى ايه اللي حيحصلنا كل اللي قادر افهمه مبقتش قادر ابعد عنك حاسس قلبي بيوقف 
_اااه.. تمتم بها وقلبه يتراقص بين ضلوعه ليرفع الهاتف ويتصل بها انتظر طويلا لكن لا رد.
أغلق عينيه متسطحا على الفراش لتتراقص ملامحها في ذاكرته كحلم لا يريد أن ينتهي فابتسم رغم الألم
_جننتك خلاص... شهرين بس وعملت فيك كده أومال بعد الجواز هتعمل فيك إيه
اعتدل فجأة حدق في المرآة أمامه وكأنه يواجه نفسه العارية من كل دفاع
_جواز! فرحك بعد يومين يا مجنون هتكون جاهز ولا هتبقى زي الأهبل
مرر أنامله بعصبية فوق خصلاته يدور في الغرفة كمن

يحاول الهروب من فكرة تطارده.
_لا... لا أكيد مش متخلف عشان تفكر كده!
زفر بغضب يشد شعره بقوة ثم ركل الكرسي فانقلب أرضا ارتد أنفاسه العالية صدى على جدران الغرفة.
هدأ قليلا حتى ارتفع رنين الهاتف من جديد.
_أيوه يا بلال!
_خلاص نازل.
قالها بعنف مكتوم أغلق الخط واتجه إلى الحمام.
لم تمر دقائق حتى خرج بخطوات سريعة إلى الأسفل... كأنه يهرب من نفسه قبل أن تهرب منه.
بمنزل إسحاق خرجت دينا تقف على الباب تنتظر. توقفت تنظر بساعتها بعصبية صغيرة
_اتأخرنا يا حبيبي.
ابتسم إسحاق
_آسف يا قلبي... كان عندي شغل مع ناس مهمين هدخل أخد شاور على السريع وأنزلك.
في تلك اللحظة خرج حمزة من الداخل يرمق والديه بعيون مرحة ثم سأل مازحا
_رايحين فين اوعو تكونوا رايحين 
ابتسمت دينا وردت دينا
_حنة ضي النهاردة إيه نسيت
أشار إسحاق بإصبعه ورفع حاجبه
_هاطلع بسرعة ما تمشيش.
هنا تدخل حمزة بعفوية
_لو تعبان يا بابا أنا ممكن أوصلها.
خطى اسحاق نحو الباب ثم استدار إلي حمزة بنبرة فيها قليل من الاستخفاف والمحبة معا
_ومن إمتى خوفك على أبوك يا حنين
اقترب حمزة مزهوا يضع كفوفه في جيب بنطاله إلى أن وقف أمامه يغازل ويقلد حركات والده ثم رفع انامله وقام بإعادة ياقة قميص والده بتصنع ثم قال
_إسحاق باشا شمس وحشتني بقالي كام يوم ماشوفتهاش وكدا كدا هروح لها فخليك كريم وانا أوصل ماما وأشوفها.
قضم إسحاق شفته مشدودا ينظر إلى دينا بإشارة
_اتصرفي مع الواد دا بدل ما أضربه قلمين.
ضحك حمزة
_أحسن بابا في الدنيا كنت عارف إنك مش هتقدر تزعل ابنك.
التفت حمزة إلى دينا بلطف متصنع
_ياله يا دينا... قصدي يا ماما إسحاق زكي عن صحته.
تردد والده في صمت لثوان ثم رمى نظرة جادة باتجاه ابنه ثم أشار إلى دينا مجبرا وكأن القرار لم يعد بيده
_روحي معاه بدل ما يعملي مصيبة.
بمنزل طارق 
توقفت هند بجسد ينتفض ورمقته بصمت حارق كاد أن يشعل جسده بعدما بصقت تلك الدخيلة بينما طارق كان يتنقل بنظراته بينها وبين الطفل ثم تسائل 
_تقصدي ايه! 
اشارت الى طفلها وقالت 
_روح لبابا ياحبيبي... خطى الطفل الى ان وصل أمام طارق ينظر اليه بصمت كل هذا وطارق كاد أن قلبه يتوقف عن النبض يردد بخفوت 
_ابني.. عندي ولد طيب ازاي وامتى 
اخرجت ورقة الزواج واقتربت تضعها بيده 
_بالورقة دي ياطارق فاكر لما جيت لعندي بعد خناقتك مع الياس وطلبت نتجوز علشان تنسى غادة ايه نسيت
هز رأسه وتراجع للخلف يستند على الجدار بعدما فشلت ساقيه بحمله. 
_إزاي يعني قصدك حملتي يومها طيب ليه ماجتيش بعد ماعرفتي
_خوفت منك تجبرني انزله وخاصة بعد حبس رؤى وخوفت من الياس لو عرف.. لانه شافني يومها بعد ماخرجت من بيتك 
كور قبضته يعض ندما أقسم إنها إحدى كوابيسه السوداء 
نظر للطفل بعيونا مترقرقة 
_عندي ولد.. في السن دا معقول 
رفع عيناه إليها ثم أقترب
_انتي ايه شيطانة سبع سنين ولسة فاكرة جاية تقولي لي 
دفعته بقوة وزمجرت بغضب 
_انت سافرت وانا هربت من البلد خوفت اهلي يعرفوا عيشت في الامارات كام سنة واتعرفت على واحد أمارتي وكنت هتجوزه بس طبعا رفض الولد واضطريت ارفض بسببك وسبب ابنك ابنك عندك اهو وعندك معامل مصر كلها شوف هتعمل ايه لازم نتفق هو مسؤل منك وحرام يعيش محروم وابوه عند اموال الدنيا 
مش كدا ولا ايه ياطارق باشا
كل هذا وهند تستمع إليها وكأنها داخل كابوس اسود سيقضي على حياتها رمقتها تلك الدخيلة تشير اليها
_وبعدين في الاخر اتجوزت بيئة ياطارق باشا.. واحنا مكناش عاجبين جناب البيه ليصرخ الطفل يركض الى والدته يتشبث بساقيها ثم رفع عيناه إلى طارق 
_انت شرير أنا مش عايزك 
هزة عنيفة اصابت جسد طارق وهو يرى الطفل يتعلق بوالدته وينظر اليه بكره هنا تدخلت هند برسم ابتسامة متصنعة 
_حبيبي ايه رأيك تيجي معايا نجيب تشكوليت... ولكن قطعتها تقى تصرخ بها 
_انتي مين انتي علشان تجيبي لابني حاجة نطقتها ثم رفعت عيناها الى طارق 
_متخلنيش اندم اني جبت لك الولد 
اقترب يجز على اسنانه يقول بهسيس اعمى 
_متخلنيش اندم اني توبت ودلوقتي خدي الولد وارجعي مكان ماجيتي وسيبي عنوانك مع البواب وانا يبقى اعدي عليكي 
رفع اصبعه واشار بتهديد 
_اقسم بالله لو كانت لعبة من العابك الحقيرة لاكلك التراب.. ياله غوري من وشي 
تحركت بعدما رمقت هند باشمئزاز ثم اتجهت الى سيارة الاجرة وصعدت بها 
بينما هو يتابع مغادرتها بعروقا منتفضة كادت ان تخرج من وجهه دنت منه قائلة 
_ممكن تهدى لازم تقعد وتفكر مع نفسك كويس قبل ماتاخد اي قرار فيه ولد في النص
التفت ينظر اليها بحزن 
_هند أنا مكنتش اعرف وبعدها ماقدرتش اتحمل لان غادة كانت... صمت ولم يتمم حديثه بعدما رأى دموعها تلمع بعيناها 
تحركت متجهة الى سيارتها
_هروح انا والدادة بتاعة علي انت ارتاح وخلص شغلك 
خطى يطبق على ذراعها برفق وقال 
_هند استني 
نظرت الى كفيه ثم اليه وقالت
_طارق لو سمحت مش عايزة اتكلم دلوقتي.
بفيلا السيوفي
وصلت دينا إلى الفيلا فتحت باب السيارة لتهم بالنزول إلا أن صوت حمزة أوقفها
_ماما لازم أشوف شمس... حاولي تتحججي بحاجة وابعتيها بره بس دقيقة واحدة.
استدارت إليه سريعا نظرتها تحمل توبيخا قاسيا
_حمزة عيب كده... افرض باباها شافك هيقول إيه! يا ابني امسك نفسك شوية.
لكن صمتت حين وجدته قد خرج من السيارة دون أن يلتفت
وقع نظره على تلك الفتاة الخارجة من بوابة الفيلا مع إحدى صديقاتها تلف وشاحا رقيقا حول كتفيها.
توقف الزمن لحظة...
طاف بعينيه

على ملامحها التي اشتاق إليها حد الجنون ملامح حفظها قلبه عن ظهر حب يومان فقط غابت عنهما لكنهما كانا كعمر كامل يقتلهما الشوق حتى خيل له أن أنفاسه تحترق.
اقتربت دينا بخطوات مسرعة وقبضت على كفيه برفق أم تخشى الخوف على ابنها
_يا بني المكان دا للبنات... عيب كده مش عايزين حد ياخد فكرة وحشة عنا.
لكنه لم يسمع كان مأخوذا بها...
يراها كنسمة ربيع أقبلت بعد شتاء عمره شعرها يتطاير حول وجهها المستدير وابتسامة صغيرة تضيء ملامحها وحركاتها البريئة 
ارتفع نبضه حتى كاد صدره ينفجر من شدته ثم تمتم بنبرة موجوعة
_بحبها يا ماما... بحبها أوي شوفي الطفلة دي عملت إيه في ابنك.
رفع نظره إليها برجاء طفل ضائع
_ماما لو سمحتي... عايز أكلمها كلمتين بس وامشي... رجاء.
هزت رأسها بالرفض عيناها تلمعان بحزن أمومي ثم استدارت نحو الفيلا لتخفي اضطرابها.
دخلت حيث استقبلتها شمس بابتسامة دافئة
_اتفضلي حضرتك الكل جوا.
توقفت دينا عند الباب وضغطت على حقيبتها متظاهرة بالبحث فيها
_يووه... نسيت فوني في العربية ولسه هرجع بالكعب العالي دا.
بادرتها شمس بلطافتها المعهودة
_هاتي المفتاح أشوفه أنا... وحضرتك ادخلي ارتاحي.
وهنا...أشارت دينا بخفة نحو السيارة لتتحرك شمس بخطواتها الهادئة وهي لا تعلم أن القدر ينتظرها هناك على بعد خطوات... بين أنفاس محبوسة وعيون تترقب اللقاء الأول بعد الغياب.
لتقول دينا على اثر حركاتها
_لا حمزة وصلني... مش عارفة مشي ولا لسه... الحقيه يا شموسة معلش قوليلي تليفون ماما في العربية... دور عليه ومتزعلش.
أومأت شمس برقة وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها
_تمام يا طنط ولا يهمك.
سارت بخطواتها الواثقة نحو السيارة كان حمزة قد استدار يهم بالمغادرة بعدما فقد أمله لكنه توقف حين لمح إشارتها من بعيد وابتسم ابتسامة تراقص على اثرها القلب وهو يهمس لنفسه
_كنت عارف يا ماما... مش هتهوني عليكي.
اقتربت منه بخطوات حذرة وقالت بصوت متزن ونبرتها مهذبة
_أهلا كابتن حمزة... طنط بتقولك فونها في العربية تشوفه كده
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الارض ويوم العرض عليك 
رفع حمزة حاجبيه بخفوت وقال
_بس
العربية مافيهاش حاجة.
أشارت بهدوء نحو الباب الأمامي
طيب دور هتخسر إيه
صمت ثقيل جعل أنفاسه تتوتر
نظر إليها طويلا ثم أشار إلى السيارة بنبرة متماسكة تخفي اضطرابه
_العربية قدامك دوري.
فجأة دوى صوت رولا وهي تلوح بمرح
_أوووه كابتن حمزة عندنا! وأنا بقول المكان منور ليه
ابتسم بخفة لكنه لم يزح عينيه عن شمس وقال وهو يختنق بعشق دفين
_المكان منور باللي فيه.
استدارت شمس محاولة الفرار من اضطرابها
_طيب هروح أقولها...
لكن اوقفتها رولا
_استني ياشمس لقيته! ماهي بعتتني أقولك لقيت الفون في العربية.
تطلعت شمس إليه بأسف مرتبك
_آسفة بس هي يعني...
اقترب خطوة لم يعد يخبئ نظراته كانت عيناه تتشبثان بها كمن وجد الحياة بعد موت
_ولا يهمك.
قالها ثم نظر إلى رولا
 

تم نسخ الرابط