كأنها لي الحياة بقلم سيلا وليد من الفصل الاول للسابع والثلاثون
بالنفي وقال بوجه شاحب الملامح
لا مش عايز سبيني شوية لو سمحتي
طيب إنت مأكلتش بقالك يومين إيه رأيك أجهزلك حاجة خفيفة
لم يجب رفع ذراعيه ووضع المصحف في مكانه بعناية ثم نهض بخطوات متثاقلة
أنا خارج خلي بالك من نفسك والولاد
أمسكته سريعا وتكورت عينيها بالدموع
رايح فين حبيبي
رايح أشوفها
قالها بصوت يختنق وتقطع بالحروف ثم استدار يمضي إلى المكان الذي لا عودة منه
وصل بعد قليل توقف أمام القبر كأن الأرض كلها توقفت معه هنا انفجرت عينيه بالدموع حتى غامت الرؤية أمامه سقط جاثيا على ركبتيه يضغط صدره بيده وكأن الألم يحفر داخله
جلس أمام القبر صامتا يحدق في ترابه بعينين متورمتين ودقات قلبه تصرخ بلا صوت دقائق مرت عليه ببطء قاتل كأنها سنوات عمره التي بدأت تنهش روحه دون رحمة
كيف يفعل ذلك وهذه الحقيقة الوحيدة التي كلنا سنلتقي بها هنا لايوجد فرق بين غني وفقير متعلم وجاهل بين طفل وعجوز كلنا سواسية نعم عزيزي القارئ
أمام هذا الصمت الأبدي الذي يقف عند الحقيقة الوحيدة في دنيا الوهم ألا وهو القبر هذا الباب الذي نعبره جميعا ولا نرجع منه أبدا بيت الغربة الذي لا جدران تحميه ولا أبواب تغلق حفرة ضيقة لا يسكنها سواك وعملك حيث تتساوى الملوك والعبيد وتذوب الألقاب ويسقط كل ماكان يوما يشعرك بالسلطة والقوة ولا يبقى لك سوى ما قدمته يداك رهبة القبر ليست في ظلامه وحده بل في صمته الذي يسألك بلا صوت ماذا جئت به
أخيرا خرج صوته متهدجا مثقلا بآلام تجثو فوق صدره كثقل جبال
آسف آسف ياماما بعدت عنك في آخر أيامك والله لو كنت عارف ماكنت فارقتك لحظة واحدة ليه ماقلتيش إنك تعبانة ليه خبيتي عني
إيه اللي حصل احكي لابنك مش أنا ابنك ياماما وحشتيني أوي قولي لي إزاي هتحمل فكرة إنك مابقتيش موجودة
تدفقت دموعه كالسيل
زعلانة مني عارف إنك زعلانة
بس أنا كنت عايز أخليكي معززة مكرمة مفكرتش إنك هتضيعي بس وحياة كل وجع عليكي لأجبلك حقك من أحلام
رغم إنها قدمتلي أحسن هدية بس هاخد حقك نامي وارتاحي ياست الكل صمت ولم يقو على النهوض كيف يتركها وحيدة هنا أطبق على جفنيه رافضا تركها شعر بنخر عظامه
ضغط على صدره وهو يهمس بحشرجة مميتة
قلبي وجعني ومش قادر أتنفس مش قادر أتنفس في الدنيا من غيرك إزاي أنا ضعيف كدا!
بقي هكذا لوقت ينظر صامتا للقبر وضع رأسه على القبر ومرر كفيه حتى غفا بمكانه لا يشعر بما يدور حوله
بعد قليل وصلت فريدة وإلياس إلى المقابر كانت فريدة قد مرت على بيته أولا ومن خلال كلمات غرام علمت بوجوده هنا
خطت بخطوات متسارعة عيناها تبحث عنه بلهفة توقفت فجأة تشير نحو إلياس
هو فين مش هنا مش دا القبر
دارت أعينهم في المكان حتى خرج مسؤول المقابر فاقترب إلياس يسأله
فين صاحب العربية اللي هناك دي
أشار الرجل إلى قبر صفية فاتجه إلياس نحو والدته يطوق أكتافها ليقودها إليه وقال
قدام مش دا القبر
وصلوا بعد دقائق معدودة دفع إلياس الباب ليقف مذهولا ينظر إلى فريدة التي انفجرت بالبكاء لرؤية وليدها غارقا في حزنه بجوار القبر وتحركت نحوه بخطوات مرتعشة صوتها يختنق بالدموع
اسم الله عليك ياروحي
اقتربت منه هاتفة
تعال شوف أخوك ماله ياإلياس
جثا إلياس على ركبتيه بجواره رفع رأس أخيه برفق يهزه محاولا إفاقته
أرسلان فوق ياحبيبي
فتح عينيه ينظر حوله بتيه وكأنه تناسى ماصار له
ساعده إلياس على النهوض وهو مازال تحت الصدمة هل هو غفا بجوار القبر دون أن يشعر!
كدا تقلقني عليك هونت عليك توجع قلبي كدا يابني
هنا فقد كل الشعور ولم يتبق سوى إحساس الفقد ليهمس ببكاء
آسف متزعليش مني هي كانت هي كانت ظل يتمتم بها وكأنها لم تبك من قبل شهقات مرتفعة
أنا إزاي ضعيف كدا ياماما قوليلي أعمل إيه علشان أتقبل إني مش هشوفها تاني!
كدا ياأرسلان كدا تعمل زي العيال أومال لو مش راجل ياحبيبي ينفع نعترض على ربنا! أنا بجد مصدومة فيك
أنا
اللي ودتها هناك ياماما
مفيش حاجة اسمها إنت اللي ودتها دا عمرها وقدرها ياحبيبي لازم نرضى بالقضاء والقدر أومال لو مش صفية الله يرحمها مربياك على الحلال والحرام هي دلوقتي بتتعذب من كلماتك دي
خلاص ياماما مش وقته ولا مكانه أردف بها إلياس لأنه يشعر بكم الألم الذي يطبق فوق صدر أرسلان
أشار
إليهم بالتحرك
ياله الدنيا هتليل وكمان غرام زمانها قلقانة عليك
روح إنت ياحبيبي وأنا هرجع مع أرسلان
اتجه بنظرة مترددة إلى أرسلان وقال برفض
لا بلاش يسوق بحالته دي هنرجع مع بعض وأبعت حد ياخد عربيته
لا أنا كويس
إنت تمشي وتسكت وبس مش شايف نفسك عامل أزاي مش هينفع تسوق كدا وكمان الست فريدة عايزة ترجع معاك هرجع بيكم مش ناقص خوف عليكم
أومأ بصمت فهو بحالة لايريد الجدال
جلس بجوار فريدة وعيناه تنظر بضياع للخارج
هي مكنش ليها غيري ياماما انتي كان عندك إلياس ابنك مش هقول ميرال بس ابنك طول السنين دي كلها قدامك حتى لو مكنتيش تعرفي بس عيشتي معاه الأمومة لكن هي مكنش عندها غيري حياتها كلها ارسلان وبس ولما ملك مامتها ماتت مكنتش بتقدر تقربلها بسبب احلام اللعينة تقولها ابنك عندك حاولت تبعد ملك عنها فكانت تقولي اه زعلانة على ملك بس ربنا عوضني بيك دا قبل مااعرف انها مش امي
رفع رأسه ينظر بأعين فريدة الباكية
عارف انك هتزعلي مني بس انا معرفتش حنان غير معاها حياتي كلها كانت في امي صفية تلاتين سنة وكل الحب والحنان لارسلان بس
ولما ظهرتي خافت تتحرم مني وعدتها مش هبعد عنها وكان كل كلمة بسيطة تزعل وتقولي ماهو بقى ليك ام تانية
محبتش اكسر بخاطرها عارف انتي زعلانة بس انا حياتي كلها كانت معاها هي دي وقفت لجوزها علشاني اخترتني انا وتركت حياة عاشتها مع جوزها علشان ارسلان وفي الاخر انا وديتها للموت
وقالت بصوت مبحوح
مش زعلانة منك ياحبيبي لأنك ابن حلال وعملت بأصلك وتربيتك ادعي لها ياارسلان هي مش محتاجة غير دعواتك
بمنزل يزن
دلفت رحيل بقهوته
________________________________________
وجدته مكبا على جهازه وضعت القهوة وجلست بمقابلته
كلمت إلياس يايزن
أومأ لها وهو يتابع عمله تنهدت وقالت
إنت فعلا عايز تدخلها مستشفى المجانين يايزن إنت مقتنع بدا
لا طبعا استدار بكرسيه إليها
بصي يارحيل مهما عملت رؤى فهي أختي ومينفعش أتخلى عنها فتحت فاهها لتتحدث ولكنه أشار إليها بالتوقف
رؤى مرضها حقد عيونها على اللي في إيد غيرها غير أنها مستكترة على ميرال حياتها يعني دي أختي عقلها المريض صورلها لو ميرال اختفت من حياتها هتكون ملكها وخصوصا إنها تعرضت لتاخد المكان دا الغلط مش على رؤى بس إلياس كمان غلط فتح لها الباب من الأول ودي رسمت خيالات سواء مرضية أو سليمة في الأول والآخر هي عايزة تاخد الحياة دي طبعا رانيا عرفت نقطة ضعف رؤى ولعبت على الحتة دي علشان كدا الراجل استخدمها صح
بس اللي أعرفه إن إلياس مش هيسامح
ميسامحش حقه بس دي بنت ومستحيل ارميها في الشارع ترضيها على جوزك ومهما عملت هتفضل أختي وزي مابخاف على ميرال لازم أحميها من نفسها وكمان أحمي إلياس من غضبه
بس هي مش محتاجة مستشفى يايزن
عندك حق هي فعلا محتاجة تفوق من الحقد والغضب ماهو لو إلياس حبسها وعذبها هيستفاد إيه بالعكس كرهها وحقدها هيزيد إنما لو اختلطت بالناس المريضة بعقولها ممكن تفوق وتعرف قد إيه إنها كانت عايشة في نعمة
هزت رحيل رأسها باعتراض
مش موافقة ولا قادرة أقتنع
بس أنا مقتنع وعارف هعمل أيه وميرال عارفة وموافقة
زفرت أنفاسها بيأس وأشارت إلى قهوته
اشرب القهوة لما أروح أشوف الولاد آسر كان مقموص عايز ينزل النادي
ارتشف قهوته ونهض من مكانه
هشوف أرسلان لما تراجعي مع الولاد عايز أرجع نقعد مع بعض شوية
اقتربت منه وأردفت بارتباك
عايزة أشوف إلياس عمل إيه في قضية الشركة بتاعة مختار زفت دا
لا أنا هعدي عليه وأسأله وأشوف ميرال كمان
في منزل طارق كان واقفا أمام نافذته يتأمل الحديقة بصمت ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة حين تذكر حديثها بمكتبه منذ عدة أيام بعدما طلب مقابلتها
اتخطبت تلات مرات وحقيقي تعبت بابا كل يوم سين وجيم وعيون ماما فريدة كلها اتهامات الفترة اللي فاتت إلياس كان مشغول بميرال مرعوبة من فكرة إنه يعرف ولا إسلام هيبقى شكلي وحش
نهض من مقعده واتجه إليها بخطوات هادئة
وأنا كمان تعبت من نظرات الاتهام دي ياغادةقولي مطلوب مني إيه أعمله عشان أريحك
نهضت من مكانها حدقت في عينيه برجاء
حاول مع بابا تاني يمكن يوافق خايفة من الغلط اللي عملناه
هز رأسه بأسى وأجاب بصوت منخفض
مرتين ورفض ياغادة عايزة تكسريني
صاحت بغضب يائس
لو بتحبني اتصرف شوف أنا بعمل إيه وإنت
أوعدك هحاولبس عندي اقتراح نجربه يمكن باباكي يزعل شوية بس في الآخر هنكون مع بعض
في اليوم التالي
وصل إلياس إلى المنزل الذي تقيم فيه رؤى وصديقتها تقى أشار إلى مالك
ارجعواعمل اللي قلت لك عليه
طيب مختار هتزوره
أكيد عنوان المستشفى فين
تمتم مالك بالعنوان فاكتفى إلياس بابتسامة قصيرة وأشار إليه بالذهاب
طرق الباب مرارا الى أن فتحت تقى تجمد جسدها المرتعش وهي تحدق في قامته المهيبة
فين رؤى
أشارت بصمت نحو الداخل فدلف بخطوات باردة عيناه تمسح المكان كالصقر
خرجت رؤى تحمل قهوتها تهتف
تقى ولكنها صمتت بعدما وقعت عينيها عليه تجمدت في مكانها وسقط فنجان القهوة من يدها وتمتمت باسمه بصوت مبحوح
إلياس
ابتسم بسخرية مخيفة واقترب خطوة وهو يقول ببرود متوحش
إلياس والله أنا بس
من إمتى وانتي حية كدا يابت دا أنا لميتك من الشارع ويكون جزاتي كدا
ارتفع بكاءها وهي تتوسل
اسمعني بس ياإلياس
ليه ليه تعملي كدا يوسف ماصعبش عليكي
والنبي ياإلياس
دا كله ليه واحدة ماشكرتش ربنا على حياتها ليه هي اللي الكل بيجري وراها حتى إنت ياباشا وقعتك على وشك
حدجته بنظرة نارية وتابعت سمومها
شوف مين اللي واقف بيدافع عنها مش دي اللي المفروض تموتها خلتك أضحوكة ياإلياس باشا بس طبعا مش قادر تعترف بكدا فقولت أما ليسحب هاتفه صارخا
إيه اللي حصل يامالك
أستاذة غادة في شقة مع طارق
مرت أيام العزاء ثقيلة كالجبال على صدره كل نفس يلتقطه ينتزع من روحه انتزاعا كان بعيدا عن الدنيا بعيدا عن كل مايدب فيها من حياة لا يسمع سوى صوتها ينساب في أذنيه ضحكاتها كلماتها حتى صمتها
طرقات خفيفة دوت على باب غرفته لكنه لم يحرك ساكنا كأنه لا يريد أن يسمع دلف إلياس إلى الداخل وقف يراقبه لحظة طويلة ثم تقدم بخطوات مترددة وجلس إلى جواره مد يده يسحب صورة صفية من بين أنامله المرتجفة وجمع ببطء بعضا من ملابسها وحليها في صندوق صغير ثم أغلق الصندوق هنا شعر أرسلان بأنه أغلق معها صفحة حياته كاملة
أشار إلياس إلى بلال الواقف على عتبة الغرفة يراقب بصمت مهيب
خد ياحبيبي إدي الحاجات دي لمامتك
لكنه خطف الصندوق من يده بعنف وأردف بصوت يتهدج بغضب مكلوم
لا! محدش هياخدهم أنا أولى بيهم
لم يستسلم إلياس رفع الصندوق مجددا يحاول تهدئته ونظر إلى بلال
حبيبي اسمع الكلام
في تلك اللحظة وصل يوسف اقترب من والده فأشار له إلياس أن يساعد بلال في حمل الأشياء بينما عينا أرسلان تتابع حركاتهم كأنهم يسحبوا حياته مرة أخرى التفت إلى صوت إلياس الذي قال بحدة ممزوجة بالحزن
وبعدين هتفضل كدا لحد إمتى لما إنت تعمل كدا أومال سبت إيه لملك
رفع أرسلان رأسه
ملك ماكنتش بنتها أنا بس اللي ابنها
ابتسم إلياس بسخرية مرة وهز رأسه
أممم وإيه تاني ياراجل ياكبير هو فيه حد عاقل ومؤمن يعمل اللي إنت عامله دا دا لو طفل مايعملش كدا!
تراجع بجسده للخلف وأغلق عينيه ليستريح من ثقل الدنيا كلها
سبني لوحدي مش عايز أسمع صوت حد روح بيتك جاي عندي ليه
أرسلان ليه بتعمل كدا
فتح عينيه وقال
أنا السبب في موتها هي كانت عايزة تفضل معايا بس أنا اللي ودتها للموت
إنت مصدق اللي بتقوله دا فين إيمانك بربنا هو فيه حد بيموت قبل عمره قوم يالا تعال معايا شوف بنت عمك المجنونة عاملة إيه
تمدد على الفراش يهز رأسه
لا مش عايز قوم وسبني في حالي
نهض إلياس واستدار إليه ثم سحبه
قوم مش هسيبك ياله علشان نتغدى مع بعض وعايز أقولك حاجة مهمة
إلياس سبني بقولك
قوم وبطل مناهدة لاحظ أنا قاعد مع ميرال ويزن في مكان واحد
ماله يزن عمل إيه مشفتوش من يوم العزاء
أوقفه وقال
تعال وهحكي لك تحرك معه بصعوبة إلى الخارج قابلته غرام وهي تحمل قهوة إلياس أشار إليها
لا هاتي الولاد ميرال عاملة غدا
كلمتني قالتها غرام وعيناها على أرسلان
التفت إليها وقال
هاتي الولاد عند إلياس ولو عايزة أوصلك عند باباكي
اقتربت منه بعدما تركهم إلياس
إنت عامل إيه دلوقتي
كويس اجهزي علشان أوصلك
لا أنا كلمت زياد هيعدي عليا بعد الشغل
قلبي وجعني عليك وعاجزة
متعمليش حاجة !!
طيب ممكن تقوى علشاني أنا صمت ينظر إليها ثم هز رأسه
بحاول صدقيني قالها وتحرك للخارج بينما هي ظلت تراقبه إلى أن اختفى
بعد فترة
ظل بجواره إلى أن غفا ثم رفع نظره إلى زوجته
فيه حاجة
أول مرة أشوف فيك إلياس الأخ
أردف
بلال وضي فين
أشارت للأعلى قائلة
في أوضة يوسف فوق وغرام نزلت تشوف باباها حالته متأخرة
أومأ بتفهم ومضى إلى الخارج وهو يتمتم
المصايب لما تيجي بتيجي مرة واحدة اقتربت منه تربت على كتفه
طيب اطلع ارتاح شوية وأنا هنا هفضل جنبه لو احتاج حاجة
لا والله يعني أنا أنام فوق ومراتي تحت بتواسي أخويا!
أديك قولت أخوك متنساش إنه ابن عمي مش واحد من الشارع أنا غلطانة خليك لما توقع من طولك قالتها وتحركت للأعلى بينما هو مسح على وجهه يستغفر ربه
غبية
سمعتك على فكرة ابتسم رغما عنه ثم هوى على الأريكة بجسد منهك توقفت واستدارت تبحث عنه اتجهت نحوه مرة أخرى كان مستندا بجسده إلى الأريكة مغلق العينين
جثت على ركبتيها أمامه
حبيبي قوم ارتاح
مش قادر أسيبه لوحده صعبان عليا أنا عشت يعني إيه فقدان حد بتحبه صعب أوي حتى لو كنت طفل يمكن ما لحقتش أتعلق زيه بس الوجع الوجع مابيروحش
جلست بجواره ولمع عيناها بالدموع وهي تقول
بس عندكوا ماما فريدة إنتوا نسيتوا ولا إيه عارفة أرسلان متعلق بيها أوي بس أمه الحقيقية لسه حسها في الدنيا موجود
قال
تقدري تبعدي عن ماما فريدة
هزت رأسها سريعا وتلألأت الدموع كالنجوم بعينيها
أموت مقدرش دي كل حياتي كانت أمنيتي الوحيدة أرجع بس علشان أقولها سامحيني
ارتجف صوتها بالبكاء حتى تحول إلى شهقات متقطعة
شفتي اهو أرسلان كدا طنط صفية الله يرحمها كانت له كل حاجة أيوه عارف إن ليه أم تانية بس عمره كله في الست دي تستاهل الحزن ده كله
صمتت قليلا ثم نظرت إليه بعينين دامعتين
طيب وانت يا إلياس ليه بحسك لسه بتعامل ماما فريدة على إنها مرات بابا مصطفى مش أكتر
ابتسم ساخرا
مين قال كدا أنا أصلا ما كنتش بعاملها زمان على إنها مرات أبوي علشان دلوقتي أغير وأتعامل كدا
لكزته بيدها غاضبة
أومال لو مكنش قدامي بتضحك على مين يا ظالم يا مفتري
رمقها بنظرة متوعدة وأشار إلى صدره
ضربتيني واتهمتيني بظالم ومفتري بصي لو ما رجعتيش حالا تتأسفي هتشوفي الظالم المفتري هيعمل إيه
ضيقت عينيها تحدق فيه بصمت لثوان ثم اقتربت منه
آسفة كدا كويس
رفع حاجبه يلتقط نظراتها الماكرة زم شفتيه مصطنعا الجدية
هعمل عبيط وأصدقك
حبيبي الذكي
حبك بورص ياختي
رفعت رأسها إليه وغمزت
يعني انت بورص تراجع بجسده على المقعد بتعب ظاهر عينيه تغمضان
خلاص هو نايم بقالك كام يوم ما نمتش لازم ترتاح
مد يده في وهن
طيب ارجعي شوية بس
قطبت جبينها بتساؤل ولكنه لم يتح لها الفرصة ليتمدد فوق الأريكة
طيب هتنام كدا نام
أه هنام ماتقوميش بس
مش هسيبك عمري أغلق عينيه مبتسما ولكن اعتدل سريعا بعد سماع صوت فريدة بالخارج
ماما جت أكيد جاية تطمن على أرسلان نهضت من مكانها تؤكد حديثه وتحركت للخارج
بالأعلى جلست ضي في الشرفة تحدق في الحديقة بنظرات تائهة بينما كانت شمس بجوارها تحادثها لكن ضي لم تلتفت كأنها بعيدة في عالم آخر
في الداخل كان يوسف أمام جهازه يتابع بعض ألعابه بصمت فيما جلس بلال بجواره مسندا ذقنه إلى كفه شاردا في اللاشيء قاطع هذا السكون صوت شمس بنفاد صبر
وبعدين ياضي أنا هسيبك زهقت من العياط ده كله
قالتها الصغيرة ونهضت إلى الداخل ليتحرك بلال نحو ضي وأردف بصوت متوسل
بطلي عياط بقى علشان خاطري
لكنها انهارت تبكي بحرقة
مش هشوف تيتا تاني يابلال هي خلاص راحت عند ربنا
مش ماما قالت ندعي لها هي محتاجة دعاءنا دلوقتي
هزت رأسها وسط بكائها
أنا عايزة أروح عندها تحكي لي قصص زي زمان
هنا توقف يوسف عن اللعب نهض واقترب منهم ثم جلس بجوار بلال بصمت لحظة وأردف بصوت هادئ يخفي خلفه وجع السنين
مش عارف هتفهمي كلامي ياضي ولا لأ بس خبر الموت أصعب حاجة في الدنيا
رفعت عينيها إليه تبكي في صمت وهو يتابع بصوت مبحوح
لما خالتو قالت لي ماما ماتت كنت صغير ماكنتش فاهم يعني إيه موت كل يوم كان بيروح مني إحساس بالحاجة الحلوة في الدنيا خصوصا إن بابا كان في الشغل طول الوقت عارفين كنت بعمل إيه أجيب فيديوهات وأبحث يعني إيه موت
ابتلع ريقه وعيناه على الفراغ
فهمت إن الموت يعني فراق وجع اشتياق حاجة خلاص مش موجودة
رمش
بس على الأقل لو ليها قبر بتعرفي تزوريه تدعي لها تفضفضي معاها زي ما عمو بيعمل كل يوم
صمت لحظة ثم أضاف بصوت أثقل
بس أنا ماما ماتت ومافيش قبر أزوره لما كنت أشتاق لها أجيب صورها وأتكلم معاها وكل ماأسمع أصحابي بيروحوا لجداتهم أسأل خالتو فين قبر ماما كانت تقول ماتت بعيد مش عايزاك تزورها
خفض نظره إلى ضي وقال
عمرك شفتيني بعيط قدامك وأقولك ماما وحشتني لأني خلاص عرفت إنها مش هترجع عايزك إنتي كمان تعرفي إن تيتا صفية مش هترجع
بكت ضي وهمست بصوت متهدج
بس مامتك رجعت
أغمض يوسف عينيه بألم
أيوه علشان ماما ماماتتش لكن تيتا صفية في القبر دلوقتي ومهما تبكي مش هترجع ادعي لها وخلاص
في تلك اللحظة دلفت ميرال تحمل طبق التشيز كيك بابتسامة
حبايبي عملت لكم تشيز كيك يلا
ياضي مامي بتقول بتحبيها
هزت ضي رأسها بالرفض
مش عايزة
تقدم يوسف نحو ميرال يحاول التخفيف من توتر اللحظة
أنا ابنك وبموت فيها سيبك منها دي نكدية
داعبته ميرال بحنان
فيه حد يواسي كده
ضحك يوسف بسخرية مرة
ماكفاية مواساة أنا تعبت دا حتى شمس هربت منها
خرج بلال بعد حديث يوسف نظرت ميرال إليه بعدم رضا
ينفع كدا قالتها اقتربت وجلست أمام ضي تحدثها
حبيبتي ممكن نبطل عياط تيتا راحت مكان أحسن من هنا مليون مرة
رفعت ضي عينيها الباكيتين
هي هترجع صح ياطنط ميرال
مسحت ميرال دموعها بحنان
اللي بيموت مابيرجعش حبيبتي
بس حضرتك رجعتي قولي لها إزاي وإنتي ترجعيها
تصلبت ملامح ميرال كأن كلمات الطفلة صفعتها ليرتجف جسدها بلا تحكم فصاح يوسف غاضبا بعدما وجد حالة والدته
هو أنا مش لسه قايل لك إنها ماتت ومش هترجع!
انزلقت دمعة من عيني ميرال نهضت من مكانها تحاول تهدئته
يوسف حبيبي اهدى هي صغيرة وبتسأل بس
لكنه تحرك خارج الغرفة وغضبه يعصف به كعاصفة فقدت السيطرة
بكت ضي
هو أنا قولت حاجة غلط
سحبتها ميرال واتجهت بها إلى سرير يوسف جلست وبدأت تقص لها بعض أشياء عن موت المؤمن وحب ربه للعبد المؤمن إلى أن غفت
بالمنزل الذي تختبئ به رؤى
كان يجلس أمامها يستمع الى كلماتها الباكية على ما فعله بها إلياس فلقد اضطرت الاتصال بيزن لكي ينقذها
طيب قومي حضري نفسك علشان هترجعي معايا
هزت رأسها بعنف
لا إلياس هيموتني إنت متعرفوش
لا عارفه وعلشان ترتاحي انا طلبت منه يسامحك
إزاي هيسامح إنت متعرفوش أصلا
أنا قولت إيه قومي ومش عايز اعتراض لما أموت يبقى الجأي لغيري
قالها يزن وتوقف قائلا
هستناكي برة
بعد اسبوع بقصر الجارحي
تجمد فاروق في مكانه وعيناه تتسع من وقع كلمات أخيه التي اخترقت صدره كالرصاص
صفية ماتت إزاي يافاروق
رفع رأسه بذهول حدق في إسحاق بدهشة وغضب مكتوم
إنت تقصد إيه ياإسحاق!
لم يكترث إسحاق لحالته وأردف بصوت حاد قاطع
الجثة لازم تتشرح
قفز فاروق من مكانه كالملسوع من النار
إنت أكيد اتجننت عايز أشرح جثة مراتي!
تصلبت ملامح إسحاق وأردف بنبرة كسكين بارد
أنا مش باخد رأيك وبقولها قدام الكل قالها و التفت نحو أحلام عيناه تهتز بمزيج من الغضب والاتهام
صفية دي أمي قبل ماتبقى مرات أخويا هي اللي ربتني في عز انشغال الباقي بحفلاتهم
قطع حديثهم دخول أحد الخدم بصوت متردد
أرسلان باشا جه يافاروق باشا
ارتسمت صلابة على وجه فاروق قبل أن يدخل أرسلان بخطواته الواثقة عيناه تمسح المكان بحدة حتى وقعت على ملك الجالسة بجوار أحلام فتحدث بصوت جاد
ملك سبيني شوية مع فاروق باشا
بمنزل إلياس
خرجت ميرال متجهة نحو سيارتها لكنها توقفت فجأة حين وقفت أمامها سيارة يزن وبجواره رؤى
تجمدت للحظة ثم تقدمت بخطوات كالعاصفة لتتوقف السيارة فجأة أمامها ترجل يزن وصاح بوجه مشدود بالغضب
إنتي اتجننتي ياميرال!
لكنها لم تعبأ بوجوده اتجهت مباشرة نحو باب السيارة فتحته بعنف وسحبت رؤى للخارج بقوة عيناها تلمع بوحشية مكبوتة
أهلا أستاذة رؤى كنتي فاكرة إني هسيبك مرتاحة!
نظرت رؤى نحو يزن تستنجد وصوتها يقطر مرارة
إنت مش هتقولها حاجة!
اقتربت ميرال منها أسنانها تصطك من شدة الغيظ
يقولي ايه يابت لازم تدوقي اللي أنا دقته عشان تعرفي يعني إيه حمد ربنا على النعمة قالتها ميرال وهي تسحبها بغضب
ميرال!
صرخ يزن يحاول أن يمنعها لكن صوتها غطى على المكان وهي تنادي على الحارس
ارميها في المخزن
تجمد الحارس في مكانه بينما يزن يصرخ مذهولا
إنتي اتجننتي! دي أختك!
ضحكت ميرال ضحكة مرة عيناها تلمع بنار مجنونة
آه مجنونة وليس على المجنون حرج وأنا مكنتش أختها أصلا
صرخت رؤى فجأة وأردفت بكلمات كالسياط
عشان إنتي ضعيفة وغبية ومتستحقيش الحياة اللي عشتيها آه أنا عملت كل حاجة وكنت بشوفك بتصرخي وإنتي بتتحايلي على الممرضة علشان تديكي يامدمنة يامجنونة وكنت بستمتع بكده عارفة ليه عشان إنتي أخدتي حياة أكبر من حجمك حياة ماتستاهليهاش
تقدمت منها خطوة للأمام وجهها يحترق بالكراهية
إنتي اللي كان لازم
تموتي ياميرال أنا اللي كان المفروض أكون أم لابنك ومرات إلياس لأن واحدة زيك ضعيفة ومريضة ماتستاهلوش أومال لو عشتي في ملجأ كنتي عملتي إيه!
ارتجف قلب ميرال وصوت رؤى يجلجل كأنه يهدم آخر ماتبقى من قوتها حاولت جمع شتاتها رغم كلمات رؤى التي شعرت بها كأنها نصل حاد وهي تقول يامدمنة يامجنونة اقتربت منها تحاول أن تبعث القوة بداخلها ورفعت مع وصول سيارة بها أحد الأطباء واثنين من الرجال يرتدون زي أبيض اقترب يزن يبعد ميرال عنها وأشار إلى الرجلين
خدوها استدارت تنظر لتلك الرجال وتصيخ بغضب
عايز تدخلني مستشفى المجانين يايزن
وصل إليها يسحبها بعنف أحد الرجال يشير إلى الطبيب
مفيش زيارة غير بإذني
تجمدت ميرال بمكانها وهي تنظر إليهم وهم يسحبوها بوسط صرخاتها بدخول رحيل من البوابة الرئيسية توقفت بسيارتها بجانب الطريق وترجلت منها تنظر بجهل على الرجال الذين يسحبون رؤى مع صرخاتها تقابلت الأعين فتوقفت رؤى أمامها
عارفة هندمك على كل حاجة إنتي السبب
اقتربت منها رحيل بعدما أدركت ماصار وابعدت يد الممرض وانحنت تنظر إليها بشماتة
أنا اللي خليت يزن يدخلك مستشفى المجانين يامجنونة قالتها بهمس قاتل بجوار أذنها ليرتفع جنون رؤى تسحبها بعنف من جانبها في محاولة لخلاص رحيل من يدها ابتعدت رحيل بعدما أصابت هدفها تشير إلى الطبيب
حالتها صعبة جدا أي تقصير إنت المسؤول قدامنا شوفت كانت هتموتني إزاي قالتها والتفتت إلى رؤى وابتسامة ساخرة على شفتيها لم يلاحظها سوى ميرال
اسبوعا اخر مر على الجميع عند إلياس
ترجل من سيارته متجها إلى ذلك المبنى الشامخ دقائق وتوقف أمام المبنى ينظر بساعته مع فتحها الباب وخروجها من شقة أحد صديقاتها وخلفها طارق وقفت متجمدة تهمس بتقطع
إلياس!
اقترب منها وعيناه نيران جحيمية
على العربية
إلياس إنت فاهم غلط
على العربية مش عايز أسمع نفس
إلياس إحنا معملناش حاجة غلط
اخرس يالا ماوجهتلكش أي كلام مش هنزل لمستوى واحد
إلياس اسمعني لو سمحت
ابتعد بنظراته وهو يطوف بالمكان
امشي قدامي يامحترمة متخلنيش أفقد أعصابي قدام الناس
إلياس لازم تسمع هنا فقد أعصابه بالكامل ليلكمه بقوة أسقطته أرضا
في مكان آخر
صعدت ميرال درجات المبنى بخطوات سريعة وهي تتحدث بالهاتف تستمع إلى صوت أرسلان
وصلتي
أيوه قالتها وهي تبتسم بخبث وإصبعها يضغط على زر الجرس
زي مااتفقنا ماتقلقش علي ابن عمي ظابط مخابرات قد الدنيا
ضحك أرسلان ضحكة قصيرة
بس جوزك لو عرف
يبقى مايعرفش بعدين نتكلم سلام
أغلقت الخط مع فتح الباب ظهرت رانيا عيناها متسعتان من الدهشة ولكن أردفت ميرال
ماما حبيبتي وحشتيني
تراجعت رانيا خطوة عينها تتحرك بخوف خلف ميرال تتوقع ظهور إلياس لكن ميرال دخلت وأغلقت الباب خلفها ببطء واستدارت تنظر في ملامحها بغضب السنين كلها
متخافيش محدش يعرف إني جاية لعندك العنوان جبته من رؤى الحقيرة آه أصلها باعتك
ارتجفت رانيا وأردفت بصوت ثقيل
إنتي عايزة إيه
جلست ميرال بثبات تضع ساقا فوق الأخرى ذراعاها وفي عينيها جمرا مشتعل
مش انتي عايزة أرجع لعندك
ارتبكت رانيا فاقتربت بخطوات حذرة تتفرس في ملامح ابنتها
وأنا المفروض أصدقك
ابتسمت ميرال بسخرية أخرجت من حقيبتها صورة وألقتها أمامها
شوفي كويس وملي عينك علشان تعرفي عملتي إيه في بنتك
التقطت رانيا الصورة بأصابع مرتعشة وعيناها اتسعت وهي تهمس
مين دي
اقتربت ميرال ورمقتها بنظرات كالسكين
مش عارفة بنتك يامدام رانيا ولا إنتي مش فاكرة عملتي فيها إيه
صمتت رانيا لحظات طويلة ثم قالت
أنا مكنتش أعرف والله ماكنت أعرف كل حاجة حصلت من ورايا ولما جيت
ضحكت ميرال ضحكة ساخرة ممزوجة بالمرارة وقالت بصوت كصفير الريح قبل العاصفة
أيوه أنا بقيت التمن صح إنتي تعرفي إني كنت أه صح إنتي متعرفيش
ما كانش قدامي
حل تاني
قالتها رانيا بصراخ وعيناها تلمع بخوف
أنا حتى كنت مخططة أوصل لإلياس وأقوله كل حاجة
لكن ميرال لم تكترث لحديثها نهضت تدور في الشقة بعينين متقدتين حتى وصلت المطبخ عثرت
تراجعت رانيا تبتعد عنها وتساءلت بصوت متكسر
إنتي بتعملي إيه ياميرال
الصراحة يامدام رانيا أنا مش متأكدة هو هيعمل إيه بس إلياس السيوفي مابسبش حقه فكان لازم أسيطر على الوضع مع كلمتين حنيين لأرسلان علشان يقولي مكانك فين أصل أرسلان هو اللي جابك هنا علشان إلياس مايوصلكيش بعد برضو لما قولت له هيضيع نفسه علشانك
إيه رأيك بقى وصلت لكم أنتوا الاتنين واحدة قدامي هعرفها إزاي الوجع والتانية وحياة مرار الأيام وبعدي عن ابني لأسقيها المرار ضعفين
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
في تفاصيل العمر ثمة لحظات تنطفئ فيها الروح وأخرى توقدها بلهيب لا يطفأ هناك قلوب تكسر لكنها تظل تنبض رغم الألم تبحث في شظاياها عن ذاك الجزء الذي لا يزال يؤمن بالحب.
الحياة لم تكن يوما سهلة فهي تلقي بنا بين طرق ملتوية تغرقنا في الخيبات حينا ثم تمنحنا بلمسة صدق ما يعيد لنا معنى البقاء.
وفي منتصف كل هذا يولد الحنين يزهر العشق وتشتعل القلوب بين لهفة اللقاء وخذلان الفقد. كأننا نسير على حافة نار نحترق ونضيء في آن واحد.
هي الحكاية التي تختبئ خلف كل نظرة صامتة وكل ابتسامة مكسورة وكل وعد لم يكتمل حكاية لا تروى إلا بقلوب تجرعت مرارة الفقد وعرفت كيف تفتش بين الرماد عن بقايا حياة.
ابتعد إلياس عن طارق ارتفع رنين الهاتف يعلو بالمكان ورغم ذلك لم يلتفت إليه وصاح بصوت جاف متحشرج بالغضب
فكرتك راجل يالا
نهض طارق ببطء مسح الدماء المتجمعة عند فمه بظهر كفه وألقى بنظرة تحد نحو إلياس قبل أن يتكلم بنبرة متكسرة تحمل مزيجا من الألم والاعتراف
أنا بحبهاوإنت عارف..
تقدم خطوة للأمام وارتجف صوته وهو يتابع
مش ذنبي إن أبويا كان مجرمإحنا مالناش يد في اللي عمله خمس سنين وبحاول اقنعك وانت رافض تديني فرصة وهي اتخطبت وبرضو مقدرتش تكمل اه غلطنا لما اتقابلنا من وراكم وأصرينا على كدا منكرش اني وعدتك هبعد عنها بس مقدرتش ووالدتها جالها غيبوبة سكراتصلت بيا لأنها مالهاش حدوأكيد إنت عارف دا كله.
توقف لثانية يلتقط أنفاسه ثم أكمل بعينين يملؤهما الإصرار
آهأنا بحبها وماانكرش كان قدامي فرص كتيرةبس عمري ماأذيتها عمري مافكرت أضرها
التفت إلياس إليها عيناه تقدحان شررا وأردف بصوت ينفجر كالرعد
بيقول مافكرش يضرك لما يخرج معاكي من غير رابط رسمي غير مكالمتكم طول الوقتوتنكروا كمان إنكم جيتوا هنا قبل كده!
ارتجفت شفتاها وكأن الكلمات تخنقها فتمتمت بتقطع
إلياس
لكنه قطع صوتها وأشار إليها بتهديد صريح
اخرسي يابت واركبي العربية..مش عايز أسمع نفسك.
رن الهاتف من جديد فانتزعه من جيبه وأجاب بنبرة تقطر غضبا كأنها تحمل حمما تتفجر
فيه إيه!
أجابه الطرف الآخر مترددا
أستاذة ميرال في شقة على طرف المدينة ياباشاخرجت من ساعة وحاولت تهرب من الحراسة بس أنا تابعتها من بعيد زي ماحضرتك أمرت.
ضغط أسنانه حتى كاد يسمع لها صريرا
ابعت العنوان بسرعة.
قالها وأغلق الهاتف يلتفت بعينين تومضان بالغضب نحو سيارته ثم أشار لمالك بصرامة
وصل غادةوخليك على اتصال معايا.
تحت أمرك ياباشا.
توقف طارق أمامه
إلياس آسف إني مكنتش قد وعدي.
حدجه إلياس بنظرة كادت تحرقه
غادة دي أختي ياطارق أوعى تفكر علشان غيرنا الأسماء مبقتش تهمني دا أنا مستعد أضحي بحياتي لو حد حاول يضرها حتى لو أخويا نفسه ويارب مايكنش ضريتها فعلا لأني وقتها مش هرحمك يابن راجح..قالها وتراجع إليها..
ثم صوب نظراته النارية نحوها من جديد وأردف بصوت آمر
اركبيواقفة كده ليه!
تحركت ببطء تشعر بثقل خطواتها رفعت عيناها إلى طارق وهي تتجه إلى سيارة مالك ثم التفتت إلى إلياس الذي ابتعد بنظراته عنها هنا شعرت بأن صمته سيظل جارحا وسيرفض منحها فرصة لتبرير أو تفسير
وصل إلياس إلى العنوان الذي دون على شاشة هاتفه توقف بسيارته بعنف وترجل بخطوات متسارعة فاقترب منه الحارس وأشار بيده إلى الأعلى
فوق
تقلصت ملامح إلياس واندفع نحو المبنى متجها إلى الطابق المنشود..
بالداخل عند ميرال طالعت رانيا بوجه جامد كالصخر وعينين تتطاير منهما شرارات حمراء
لااااميرال إنتي اتجننتي!.
ورغم ذلك لم يرف لها جفن بل اتكأت عليها تحدجها بنظرات سوداء كالذي يغرق في الظلام وهتفت بصوت يخرج مبحوحا مخنوقا بالغل
شايفة الألم دا! ده ماييجيش نقطة في بحر اللي عشته بسببك
اقتربت أكثر حتى كادت أنفاسها الحارة تحرق وجه رانيا
من يوم مافوقت وعرفت إنك ورا الخراب اللي أنا فيهوأنا بدعي ربنا أموتك مش مهم إيه اللي هيحصل بعدها
ورغم ارتجاف يدها لكنها ضغطت بقسوة
أنا بكرهكبكرهك من يوم ماعرفت اللي عملتيه في ماما فريدةوفي أختك وأنا نفسي أشوفك جثة..
بكره نفسي ضغطت بقوة أكتر مع صرخات رانيا ولكن ميرال كأنها أصيبت بالصمم ولم تعد تستمع شيئا
وصلتيني أقتل نفسي وأقتل بنتي....دفعت رأسها عدة مرات بالجدار تصرخ بها كالمجنونة
أاااه..لازم أموتك..قالتها بصراخ وارتجاف جسدها ودموعها التي أصبحت كالشلال..
مع انفجار رانيا بالبكاء تحاول إبعاد يدها المرتجفةلكن ميرال تحولت كالمجنونة وهي تضغط بقوة وصرخات رانيا كالزلزال
حاولتي تقتلي جوزي علشان
مايوصلش لميرال
ارتفع صراخ ميرال ممزوجا بنحيب متقطع في تلك اللحظة دفع إلياس الباب بقوة عمياء فارتطم بالحائط وتناثر زجاجه في كل مكان
ميرال!.
همس بها بصوته مذعورا وهو يراها بتلك الحالة جسدها يرتجف بالكامل دموعها تسيل بلا توقف ووجهها مشوها بغضب ووجع عميقين كأن روحا أخرى استولت عليها.
اقترب خطوة واحدة قلبه يضرب في صدره بعنف وهي تشير إليه بجنون بعينين كجمر مشتعل
لو قربت...لو قربت
ميرال حبيبتي .
اقترب خطوة أخرى وعيناه على السكين الذي يرتجف بين كفيها..ونطق بصوت يرتجف وهو يحاول أن يلتقطها من حافة الهاوية
سيبيها فكري بعقلك ياميرو...
لكنها صرخت وأصبح صوتها متقطعا من حالتها الضائعة تمتمت كالذي فقد عقله
أنا لازم أموت الست دي ياإلياس..
إنت متعرفش حاجة..الست دي لو فضلت عايشة هتاخد ولادي مني هي قالت كده..قالتلي هتعملها وعايزة تموتك..
هتف إلياس وطالعها وهو يتوسل إليها
ميرو حبيبتي ارمي السكين..كده ولادك هيتاخدوا فعلا لأنك هتتحبسي لو موتيها القانون مالوش دعوة باللي هي قالته..فكري في الولاد يوسف وشمس.
لكنها هزت رأسها بعنف عيونها تغلي بدموع مريرة
لازم تموت لازم..هي تستاهل.
اقترب أكثر ببطء محسوب كأنه يحاول تهدئة حيوان جريح
تمام وحياتك عندي هاخد حقك منها..بس مش كده مش بالموت.. سيبي السكين ياميرو أرجوكي...
كانت يداها ترتجفان بعنف يهتز في قبضتها كأنه ينتظر السقوط.. خطوة واحدة أخرى فقط كانت تفصل إلياس عنها وعن اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت..وهي تميل بنظراتها إلى رانيا راقب تغير ملامحها كأنها تصارع كوابيس..
ارتعش صوته وهو يهز رأسه بجنون من نظراتها إلى رانيا التي تيقن أنها فاقدة لعقلها بالكامل همس اسمها برجاء يائس يحاول إيقاظها من كابوس يغرقها في لج الظلمات ابتلع ريقه بصعوبة وقال بنبرة حاول أن تكون هادئة
طيب ينفع كده إنتي بتموتينا كلنا..مفكرتيش في في حياتنا!.سيبي السكين ياميرال سيبيها..
لكنها لم تستمع إليه كأنها بعيدة بعيدة جدا كأن روحها انفصلت عن جسدها..عيونها معلقة بوجه رانيا المحترق وصرخاتها تصم الآذان وذكريات سوداء تتدافع كالأمواج العاتية تلطم عقلها وكيانها بلا رحمة.
حتى ذهبت ذاكرتها لمآسيها الدامية تنظر إلى عيون رانيا المتألمة أمامها وهي لا تراها سوى وجه عذبها بل خنقها وألقى بها في الجحيم..صرخت رانيا باسم إلياس وهي ترى اقتراب ابنتها المجنون منها رغم حروقها لم تشعر بشيء إلا أن ابنتها ستقوم بقتلها حتما صرخت رانيا تستعطفها برجاء ولكن صراخها لم يكن شفيعا إليها بل كان صدى لآلام الماضي الذي فجرته رانيا بعقل ميرال المغيب لتفتح قيح جراحها الذي لم ينطفئ
اهتزت شفتاها بكلمات بالكاد خرجت من حنجرتها كلمات تحمل وجعا وقهرا
لازم
قالتها وهي تبكي بحرقة مع ارتجاف يدها..لم يكن خوفا بل غليانا من الغضب المكبوت حتى انفجر إلياس اندفاعا صرخ صرخة شقت سكون الموت وركل يد ميرال الساكنة ليختل توازنها وتسقط مع سقوط من قبضتها..
توقف كل شيء و تجمد ولم يسمع سوى أصوات أنفاسهم المتقطعة..
عيناه كانت على رانيا وهو ينظر إلى
مافعلته
صرخت بجنون
اهدي..اهدي ياميرال.
رفع نظره إلى ذلك الرجل الضخم علم من هيئته أنه تابع إلى أرسلان أشار على رانيا المقيدة وقال
فكها وخدها من هنا.
أومأ بطاعة وتحرك دون أن يضيف شيئا..
أما هي فقد انهارت أن داخله كان بركانا يوشك على الانفجار.. مضى بها بخطوات بدت واثقة بينما الحقيقة أن قلبه كان يختنق مع كل خطوة.
وصل إلى سيارته وضعها