كأنها لي الحياة بقلم سيلا وليد من الفصل الاول للسابع والثلاثون

لمحة نيوز


فؤادها ثم استدارت إلى ميرال بصوت متهدج
فين إلياس
قالتها غادة وهي تنظر إلى ميرال بقلق خفي ابتسمت ميرال ابتسامة مطمئنة وهي تشير إلى ساعتها
_ زمانه جاي يمكن تحت كمان يلا يا حبيبتي انزلي مع أخوكي ماينفعش نتاخر.
رفعت عيناها إلى إسلام بعد انسحاب مصطفى إلى الأسفل ابتسم بدفء واقترب منها يمد كأنه يزرع الطمأنينة
بعد لحظات بدأت تنزل درجات السلم على وقع الموسيقى التي صدحت بالمكان مع أغنية فستانك الأبيض فزاد المشهد رهبة وبهجة.
وارتفعت الأنظار جميعها صوب السلم الكبير. لتظهر العروس كأنها لوحة من نور تتهادى بخطوات بطيئة واثقة
بفستانها الأبيض الذي يتلألأ تحت الأضواء كقطعة من القمر ينساب من حولها في انسياب رقيق
تعلقت العيون بها همسات الإعجاب اختنقت في الحناجر
مع صدح الموسيقى في الأرجاء تنسجم مع خطواتها في إيقاع مهيب وكأنها تعزف لحن ميلادها جديد.
ارتجف قلبها وهي تمسح بعينيها اللامعتين على الوجوه تبحث بينهم عن عينيه عن الأمان الذي يكتمل بوجوده.
كل ثانية من نزولها كانت كأنها عمر كامل يختلط فيه الفرح بالرهبة والأنوثة بالبراءة وكأنها أميرة تتوج أمام عرش الحياة.
كانت عيناها تبحثان بلهفة بين الحضور تبحث عن إلياس وكأن وجوده يكمل لها معنى الفرح. همست إلى إسلام بصوت مرتجف
_ أخوك لسه زعلان مني
ابتسم وهو ينظر للجميع متجنبا أن يحزنها عليها
_ حبيبتي اضحكي وافرحي بعريسك هو يمكن دلوقتي بيجهز حاجة.
لم يكمل جملته حتى ظهر إلياس بجوار إسحاق وهما يدخلان القاعة في هذه اللحظة فتلألأت عيناها بالسعادة وكأنها رأت الأمان أمامها.
_ جه وعمو إسحاق كمان معاه!
_ بنتي وقطعة من قلبي وأغلى ما أملك بقيت ملكك يا مالك. أتمنى تحافظ عليها.
وضع مالك يده على صدره بحزم ممزوج بالحنان ثم أجابه بخشوع
_ بنت في الحفظ والصون يا عمو ووعد هتكون أميرة قلبي قبل حياتي.
ارتسم الخجل على وجه غادة واقترب منها مالك ثم همس بصوت 
_ مبروك ربنا يتمم سعادتنا على خير.
شعرت كأنها طائر يخفق بجناحيه في فضاء السعادة وكل الحاضرين ذابوا في تلك اللحظة الممزوجة بالرهبة والحب.
جلست بمكانها المخصص ترتب أنفاسها بعمق والابتسامة لا تفارق محياها وهي تجول بعينيها على القاعة المضيئة بالأنوار.
انحنى مالك نحوها يهمس كمن يخشى أن يفسد اللحظة
إيه الجمال دا حقيقي يابختي.
رفعت حاجبها بمشاكسه وهمست بخفة
أوووه حضرة الظابط نزل من برجه العاجي وبقى يتكلم زي بني آدمين.
ضحك بخفوت
ليه حد قالك إني مش بني آدم
مالت نحوه هامسة
أحسن بني آدم في الدنيا بس مغرور غرور الطاووس يا سيادة الظابط.
أومأ بثقة وهو يبتسم ابتسامة جانبية
خليكي فاكرة الكلمتين دول علشان هتحتاجيهم بعدين.
خجلت وأبعدت عينيها عنه بسرعة لتدور نظراتها بين الحضور تتأمل الفرح حولها.
وبأحد الأركان كانت غرام تجلس تحدق فيه بتساؤل صامت.
التفت إليها أرسلان فجأة بعينيه التي التقطت شرودها
مالك يا غرام بتبصي عليا كدا ليه
ترددت قبل أن تنطق
أرسلان مين اللي بلغ عن أحلام الجارحي
تجمدت ملامحه لثوان ضاقت عيناه ثم ابتسم مصطنعا وهو يمد يده نحوها
مين أحلام الجارحي بقولك تعالي نرقص مع العرسان وبطلي تفكير يا حبيبتي.
وفي مكان آخر
وقف يزن بجوار إلياس وإسلام يستقبل المدعوين بابتسامة رسمية لكن عينيه تبحثان في القاعة بلهفة حتى وقعتا عليها.
كانت رحيل جالسة عيناها شاردة متسمرة على رقص غادة ومالك
تقدم إليها بخطوات ثابتة وانحنى بخفة يمد يده أمامها
رحيلي ممكن تشاركي زوجك الوسيم الرقصة دي
رفعت عينيها نحوه ونجوم صغيرة تألقت في عيناها هزت رأسها ترسم ابتسامة باهتة لا تصل لعينيها.
قرأ ما بداخلها فسحبها معه برفق إلى قلب القاعة حيث تدفقت أنغام الموسيقى.
أنا عايزك تفضلي جنبي
منكسرة
آسف يا رحيل.
همست بنبرة مخنوقة وهي تشيح بنظرها بعيدا عنه
بتتأسف ليه يا يزن كل حاجة نصيب.
انتهت الرقصة ليتراجع الجميع الى اماكنهم المخصصة مع الموسيقى الكلاسيكية الهادئة.. مضت دقائق والهدوء يعم القاعة سوى من الموسبقى
تأفف بلال بجلوسه ثم قال
عمو اسلام فين ماتيجي نروح له انا اتخنقت
وانا الصراحة... لمح دخول اسلام بجوار ملك فغمز ليوسف
الذي انحنى يهمس إلى بلال بعض الكلمات 
_ عمو اسلام جه ياله انا زهقت
تصدق أنا كمان زهقت إيه الفرح اللي يحسسك إنك في المعتقل دا يابني. 
طيب ياله.
طيب أبوك وأبويا هيسكتوا.
سحبه وتحرك 
ياعم لما الفرح يخلص كنا فكرنا في حاجة. 
تصدق صح إنت يلا خسارة في البلد دي.
أشار يوسف لنفسه بفخر
عارف متحلفش المهم إنت تروح لموزع الموسيقى..أكون ظبطت الدنيا. 
طاف بلال بأعينه في القاعة 
واد يايوسف دي كلها شرطة هو جدك بيحتفل بعيد الشرطة في فرح بنته أنا خايف ليقلب علينا.
اجمد يامتخلف والناس بزيها دا ناقص يفتحوا النشيد الوطني وماشربتش من نيلها.
قهقه بلال وتحرك إلى موزع الأغاني باتجاه يوسف إلى إسلام وبعض أصدقائه.. 
لحظات وعلت الموسيقى الصاخبة بالقاعة مما جعل الجميع ينظرون بذهول.. 
ركض الشباب إلى حلبة الرقص على أغنية مامتش أنا مامتش 
اقترب بلال ويوسف يجذبون إسلام وبدأ الثلاثي يرقصون بطريقة هندية تم التدريب عليها..
جز إلياس على أسنانه يشير إلى أرسلان الذي ارتفعت ضحكاته فنهض متجها إليهم.. 
تنهد إلياس ظنا أنه سيتولى الأمر ولكن جحظت عيناه وهو يراه يقوم بنزع حلته ويتراقص بجانبهم اقترب مصطفى من إلياس 
العيال دي بتعمل ايه.

لا إله انت سبحانك إني كنت من الظالمين
في حضرة الشوق أكتبك قصيدة من نور ودمع
وفي عتمة الليل أذكرك في كل نبضة وكأنك بداية الكون ونهايته.
أحببتك حتى صار قلبي وطنا لك
ضحكت في حضورك كما لم أضحك من قبل وبكيت على غيابك كما لم أبك يوما.
كنت سعادتي وألمي في الوقت نفسه
كنت النهر الذي أرواني والبحر الذي أغرقني
علمتني أن العشق يمكن أن يكون شمسا وليلا معا
ووجعا يعلمني من أنا.
انتهت الرقصة على وقع التصفيق والابتسامات فسحب مالك كفيها بين يديه يقودها بخطوات ثابتة نحو المدعوين كانت تسير بجواره كفراشة خفيفة ابتسامتها المضيئة تشع على وجهها حمرة وجمالا
وصلا إلى والدته التي انحنت وهمست بنبرة مليئة بالدعاء
ربنا يسعدكم ياحبيبتي.
ردت بخجل طفولي
_ميرسي ياطنط
لكنها التفتت إلى فريدة وقالت
_لا طنط إيه أنا معنديش بنات وهي من دلوقتي هتبقى زي بنتي.
ابتسمت فريدة وعيناها تحملان بريق السعادة ثم التفتت إلى غادة قائلة بنبرة أم توصي ابنتها
_وغادة أكيد ممنونة..مش كدا 
ياحبيبتي
أومأت غادة برأسها وقلبها يخفق وهي تلقي نظرة سريعة إلى مالك لتتمتم بصوت مبحوح بالامتنان
_دا شرف ليا حضرتك.
شد مالك على كفها مقاطعا الحديث بهدوء فيه شيء من الجدية
_بعدين نتكلم في الموضوع دا ياماما.
قادها بخطواته الواثقة إلى حيث يجلس مصطفى وعمه..نهض مصطفى فور رؤيتها ..ثم أشار إلى عم مالك الذي هنأها بكلمات محبة صافية.
توالت التهاني والابتسامات بين وجوه المدعوين حتى عاد العروسان إلى مقعدهما بينما تظل أنظار الحاضرين تلاحق بريقهما كأنهما بطلان في لوحة زفاف أسطورية.
بدأت الموسيقى الكلاسيكية تخفت شيئا فشيئا حتى انفجر المكان بأغنية ماممتوش أنا ماممتوش ليقفز يوسف وبلال وسط القاعة ويقلبان أجواء الزفاف رأسا على عقب..التفتت حولهما الأنظار وهما يتمايلان بحركات عفوية مضحكة وسرعان ماانضم إليهما إسلام ليكمل الحلقة..ارتفعت الضحكات والتف الشباب في دائرة يتراقصون بحركات هندية مرحة على الإيقاع الشعبي.
ضحك أرسلان وهو يراقب فوضاهم الجميلة ثم نظر إلى إلياس الذي أشار إليه بالتحرك خطا باتجاههم وهو يضحك بدوره وصل إليهم ولم يتوان ليفعل شيئا ليشده يوسف بعفوية إلى الحلقة..تردد لحظة ثم خلع حلته الرسمية وسط هتاف الأصدقاء واندمج بينهم بخطوات راقصة حتى تعانق مع إسلام وسط صرخات التصفيق والزغاريد من بعض المدعوين.
لم تستطع العروس أن تكتم ضحكاتها وهي ترى المشهد فصفقت بحماس وهي تهمس لمالك
_شوف الولاد عملوا إيه.
أومأ لها بصمت وعيناه تراقب رقصهم الممتع..
انفجرت القاعة كلها بهجة بين رقص الشباب وحماس الحضور ليصبح المشهد لوحة من الفرح الخالص حيث تراقصت القلوب مع حركاتهم إلى أن انتهت الأغنية..لينحني بلال بتحيته كأنه يقدم إليهم الشكر..
تراجع ليصطدم بجسد الياس حمحم يبحث عن يوسف بعينيه فيبدو أنه تركه لقمة سائغة لوالده ابتسم واقترب
_عمو حبيبي كنت لسة بسأل عليك منور الفرح. 
_ينفع اللي عملتوه دا
حاول امتصاص غضبه بمشاكسته المحببة
_ بص ياعمو مش دا فرح والفرح بيكون فيه فرح وهيصة ليه حضرتك زعلان هو إحنا كل يوم هيبقى عندنا فرح..
_ لا والله يعني الفرح مايبقاش كدا غير بأغانيكم اللي قفلت وداني. 
_طب إحنا ذنبا إيه حضرتك معقد نفسيا من الأغاني دي.. حط قطنة
نزع ذراعه وأشار إليه بحدة
_ دقيقة واحدة لو شوفتك في القاعة هرميك للكلاب ياهلفوت.
_ قاعة إيه دي أنا حتى مابحبش الأفراح.. قالها وانسحب سريعا من أمامه هز رأسه بابتسامة يتمتم
_مجانين..
استدار متجها إلى مصطفى وعلى وجهه ابتسامة فقابله مصطفى بضحكة مرتفعة
_ إيه المجانين دول
طردتهم خارج القاعة وصل أرسلان وهو يضرب كفوفه ببعضها قائلا بحماس
_ طب والله العيال بتفهم..شوفت عملوا إيه في القاعة
هز إلياس رأسه بالنفي قائلا بجدية
_ لا مكنش ينفع..إنت شايف الفرح فيه ناس مهمة وهما حولوه شوارع.


ربت مصطفى على كتفه وهو يهم بالمغادرة
_ متزعلهمش متنساش إنهم شباب ومش فاهمين حاجة.
أوقفه أرسلان بخفة مازحة
_ والله يا عمو إحنا المفروض ندخل الجنة..مكناش عيال بقى.
ابتسم مصطفى وأومأ برأسه ثم غادر المكان بينما طاف إلياس بنظراته على القاعة مردفا بحدة
_ مينفعش اللي حصل ياأرسلان متبقاش متساهل معاهم كده..خلي بالك ممكن يرجعوا يعملوا حركة مش لطيفة واللي يحرق الدم إنهم مش صغيرين علشان كده.
اقترب أرسلان منه وتطلع إلى عينيه بثبات
_ إلياس زي ماقولت مش صغيرين والأفراح كلها بيحصل فيها كده خليهم يتبسطوا.
التفت إليه إلياس مشيرا بعينيه نحو القاعة التي يملأ معظمها أصحاب الرتب العسكرية
_ وذنب الراجل إيه لما يفضحوه بالطريقة دي قاعة زي دي تتحول لمهرجان بالشكل ده!!
ضحك أرسلان وهو يلكزه بذراعه مازحا
_ طيب تنكر إنهم ماعملوش جو حلو والله الرقصة تجنن ولا الأغنية الهابطة دي..أنا بقالي فترة بشوفهم بيدربوا عليها فكرتهم بيلعبوا والله.
تنهد إلياس وقال
لو الموضوع يخصنا مش هتكلم بس دا مصطفى السيوفي..الراجل مش قليل ياأرسلان.
تحرك بعد دقائق متجها نحو غادة توقف أمامها بابتسامة دافئة
_ ألف مبروك ياحبيبتي.
نهضت واقتربت منه بعتاب رقيق
_ الله يبارك فيك مع إني زعلانة منك.
ونظر إلى مالك قائلا بنبرة مازحة جادة
_ هخطف عروستك خمس دقايق بس ياحضرة الظابط.
اكتفى مالك بالإيماء بصمت فتحرك بها إلياس إلى منتصف القاعة حيث بدأت خطواتهما تنسجم مع أنغام الموسيقى.
خفض صوته وهمس لها
_ لو زعلانة علشان خليت إسلام ينزل بيكي تبقي غبية..هو الأحق مني..غادة لازم تقنعي نفسك بكده إسلام أحق مني في كل حاجة تخصك.
ارتجفت عيناها وتكورت بها الدموع
_ صعب أقبل الفكرة ياإلياس..مش معقول بعد السنين دي كلها تقنعني إن ماليش حق فيك.
أمسك بيديها برفق وقال بصوت يحمل مزيجا من الحنان والحسم
_ حبيبتي أنا ماقولتش كده..بس في أولويات لازم ناخد بالنا منها زي ماكنا كلنا حاطين بابا الأول يبقى إسلام بعده..ترتيب أدوار.
هزت رأسها بإصرار
_ ماتحاولش تقنعني بحاجة أنا مش مقتنعة بيها.
اقترب أكثر ونبرته ازدادت جدية
_ غادة تعرفي إن رقصي معاكي دلوقتي مش من حقي مالك له الحق يعترض ومقدرش أقوله إنت بتقول إيه. دا اللي عايز أفهمهولك..مهما كانت قوة الرابط بينا في حاجات الراجل مايسكتش عليها مش عايز ييجي وقت يمنعك عني..وقتها هكون عاجز ومقدرش أعمل حاجة.
تمسكت بكلمتها
_ بس مالك متفهم ياإلياس وعارف كل حاجة.
ابتسم بحزن وهو يمرر عيناه على ملامحها الحزينة
_ بس في الآخر..راجل ومن حقه يغير على أهل بيته.
تساقطت دموعها وهي تهمس بانكسار
_ إنت أخويا.
تنهد إلياس بعمق بعدما فشل في إقناعها.. وأشار إلى مالك أن يقترب منها..بعد أن سلمها إليه بصمت استدار وغادر المكان.
على طاولة فريدة جلست ميرال إلى جوار ليال والدة مالك وقد بدأت بينهما أحاديث جانبية هادئة..لحظات ووصلت غرام ورحيل فقامتا بتحيتهما وجلسا في هدوء.
تطلعت رحيل إلى ميرال مبتسمة تسألها
_ مارقصتيش ليه ياميرال
استدارت إليها ميرال بابتسامة خفيفة
_ ماليش مزاج.
مطت غرام شفتيها متبرمة وقالت
_ خليكي زيي ياحبيبتي..أرسلان من ساعة مادخلنا ماشفتش وشه.
أفلتت رحيل ضحكة ناعمة وذهبت بنظراتها نحو يزن الذي كان قد توقف بجوار مصطفى وأرسلان بعد انتهاء رقصتهما
_ أنا سبقتكم بقى.
قاطعهم صوت فريدة وهي تشير نحو القاعة
_ دي مرات أخو ميرال.
أومأت ليال بتفهم ثم استدارت تتأمل هدوء غرام ونعومتها قبل أن تتساءل بفضول
_ ودي مرات أرسلان
هزت فريدة رأسها بالإيجاب وعادت توزع نظراتها بين الفتيات
_ بنات سلمتوا على طنط ليال
أومأت رحيل وغرام بالإيجاب بينما بقيت عينا ميرال معلقتين على تحركات إلياس في القاعة شاردة تماما عن كل مايدور حولها..
لحظات وسحب يوسف المقعد وجلس بجوار والدته التفتت إليه 
_حبيبي كنت فين دورت عليك وفين شمس
أشار إلى مكان جلوسها بجوار ضي وقال
_ مع ضي عند عمو إسحاق. 
صمت يطوف بنظراته على القاعة إلى أن وقعت عيناه على والده الذي يتوقف مع أحد الرجال يبدو أنه ذو مكانة مرموقة اقتربت منه إحدى السيدات ظل يراقب حديثهما بأعين صقرية التقط من خلال الحديث أنها زوجته لكن هنا انسحب الرجل يرفع هاتفه..التفت إلى والدته التي تتحدث مع غرام..تنهد منزعجا من قاعة الزفاف التي عادت للصمت مرة أخرى بل طرد والده إليهما بالخارج إلى أن ينتهي الزفاف..خطرت بذهنه فكرة حتى يشغل والده..انحنى إلى والدته 
وهمس إليها
هو بابا ماله! أول مرة أشوفه بيضحك كده..هتصدقي حسيته لسه مكملش التلاتين.
أشار برأسه نحو إحدى السيدات الأرستقراطيات تلك التي يكسوها النفوذ والجاه وهمس
_بصي كده..شوفي بتبص لبابا إزاي.. الراجل ده غريب بجد علشان في فرح يعني مش مبطل ضحك وفي البيت عامل عسكري السكة الحديد.
ظل يراقب تعابير والدته وهي تبتسم بهدوء فانحنى إليها وألقى كلماته بمكر طفولي
_طول ماإنتي طيبة كده بكرة يدخل عليكي بواحدة..ويقولك الكلمتين اللي حافظهم أي راجل في القرآن مثنى وثلاث ورباع!
_يوسف بتعمل إيه هنا نسيت عمو قال إيه!
توقف وعيناه على والدته ثم اقترب من بلال 
_متخافش..أنا اتصرفت وكله تحت السيطرة وهنكمل الفرح. 
لحظات وتوقفت ميرال متحركة إلى يزن..وعيون يوسف خلفها إلى أن وصلت إليه دقيقة واحدة حتى سحبها يزن إلى مكان الرقص..
ابتسم يوسف بشقاوة ثم أمال على بلال
_ عارف لو غلطت زي المرة اللي فاتت هعلقك على رأي عمك. 
_إنت لسة مصر طيب ياظريف أبويا وأبوك..روح بس خلي العيال اللي برة دول يجهزوا ووقت ماأرن لك يبقى ادخلوا.
ظل متوقفا يهمس لنفسه 
_ياله يابابا لف شوف مامي العسل وهي بترقص مع غيرك. 
تقابلت نظرات إلياس بيوسف..فتحرك إلياس إليه يرمقه بغضب 
_ يادي النيلة بدل مايشوف أمي شافني.. 
وصل إليه وهز رأسه بتساؤل
_بتعمل إيه هنا مش قولت لك ارجع على البيت. 
حمحم يحك أنفه ثم رفع نظره إلى والده
_آسف يابابا بدور على ماما..أصل ممعيش المفتاح. 
_مفتاح!..نطقها الياس باستغراب ثم أشار إلى باب القاعة
_ لسة ماتحسبناش.
تمام..طيب أنا بدور على ماما ومش لاقيها
دار إلياس بعينين مضطربتين يبحث عنها وسط الزحام حتى وقعت نظراته عليها وهي تتمايل مع يزن ضحكتها تنغرس في قلبه كخنجر..انقبض فكه وصرت أسنانه بغضب مكتوم..
راقبه يوسف بصمت فالتفت إليه إلياس فجأة
_ عايزها ليه
ارتبك الصغير وتلعثم للحظة ثم هز كتفيه ببرود مصطنع
_ عايز أسألها هاخد شمس معايا ولا لأ.
زفر الياس في ضيق رفع رأسه اتجاه باب الخروج ثم تمتم
_ارجع على البيت مش هكرر كلامي ومالكش دعوة بأختك. 
تحرك يوسف متذمرا وهو يتمتم 
_ نفسي أعرف دماغك دي بتفكر إزاي.
تركه ومضى نحو بلال وأصحابه الذين كانوا يتفقون على زفة بالطبل والمزمار..لمحهم أرسلان فاقترب بخطا ثابتة وقف متخصرا ينظر إليهم بصرامة وقال
_ أول مرة محبتش أزعلكم لكن اللي بتعملوه كتير..دي مش فرح في حارة هنا ناس مهمة ومينفعش الهبل ده.
ابتسم يوسف بخبث محاولا الضغط عليه
_ ياعمو هو الفرح فيه ناس مهمة وناس لأ ماإحنا بنحضر أفراح في قاعات زي دي وكله رقص ومزيكا.. وبعدين أنا وعدت عمتو غادة أعملها فرح حلو.
مسح أرسلان وجهه بكفه يحاول أن يكبح انفجاره
_ يوسف بلال الفرح ده مش بتاعنا.. لو سمحتوا سيبوا الجو يعدي بهدوء.
تأفف يوسف مستهترا وتحرك للخارج وقبل أن يبتعد التفت لبلال
_ هات عربية أبوك بقى مش هرجع ماشي على رجلي..استمع أرسلان إليه برفعة حاجب ثم اقترب من ابنه خطوة وأشار بإصبعه في تهديد جلي
_ أي حركة ناقصة منك هزعلك.. متنسوش نفسكم..أنتوا لسه عيال مش فاهمين حاجة.
مد يده وانتزع المفتاح من يد والده بتهكم
_ مفتاح العربية..ومش عايزين فرحكم دا الواحد لو راح عزا كان هيلاقي صويت أكتر.
كتم أرسلان ضحكاته ولكزه بكتفه محاولا تهدئته
_ يوم فرحك هجبلك طبل ومزمار.. متخافش.
زم بلال شفتيه ساخرا
_ هو إنت هتحضر فرحي أصلا وحياتك العيلة دي كلها ماهتحضر.. ناقص الناس تعايرني بيكم!
قالها وجذب المفاتيح وتحرك للخارج ألقى نظرة عابرة نحو يوسف الذي وقف معتذرا لأصدقائه عما حدث ثم استقل السيارة بجوار بلال.
جلس متأففا يضرب أصابعه على المقود يستمع إلى كلمات بلال 
_ إحنا نطرد من الفرح..لا وتقولي مسيطر!
_اخرس بقى أبويا قالي لسة هيحاسبني وبعد ماوصلت خلاص لمفتاح العربية هياخدها مني.
ضحك بلال بخفة وهو يسند رأسه على النافذة
_ ولا تزعل..هديلك عربيتي.
التفت يوسف بحدة وعقد حاجبيه
_ عربية إيه..إنت جبت عربية إمتى
رفع بلال كتفيه ببرود
_ لأ..لما أجيبها.
اختطف يوسف علبة المحارم وألقاها في وجهه بعصبية
_ متخلف..أنا كنت عايز أحضر بيها الامتحانات..بس أبويا قرر يعاقبني.
ابتسم بلال بخبث وغمغم
_ أبوك دا غريب ياأخي..كله عنده عقاب..عامل زي أبويا بالظبط.
رفع يوسف حاجبه يتأمل كلامه
_ تفتكر يقربوا لبعض
قهقه بلال وهو يشيح بيده
_ لا لا..تشابه أسماء وبس.
في الفندق الذي يقام به حفل الزفاف
تحركت إلى الطاولة بعد انتهاء

________________________________________
رقصتها مع يزن..رمقته بنظرة عابرة وهي تمر من جواره متجهة إلى مكان جلوسهم.
لكن يده القوية امتدت فجأة نظر حوله بابتسامة باردة ثم تحدث من بين نواجذه بصوت منخفض يحمل التهديد
_ المدام مالهاش راجل علشان تروح
ترقص مع أخوها
اعتدلت تتطلع إليه بابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت بنبرة تحمل جرحا ومرارة
_ وتعمل إيه المدام وهي شايفة سيادة عظمته متجاهلها
أشارت بنظرة سريعة إلى أرسلان الذي كان يتراقص مع غرام ثم اقتربت منه خطوة
_ قبل ماتعاتبني ياحضرة الظابط شوف نفسك كنت فين ورميتني..لا ومش بس كدا شايفة الضحك من الودان للودان.
عيناها تتسعان بدهشة..دنا منها أكثر وهمس بصرامة
_ تقعدي على كرسيكي..ولو اتحركتي مش هقولك هعمل إيه.
قالها واستدار متجها إلى مصطفى كأن شيئا لم يكن..جزت على شفتيها بعنف وهي تراه يتحرك بكل تفاخر واعتداد بنفسه يلفت الأنظار كأنه ملك في عرشه.
أغمضت عينيها لوهلة وأنفاسها تتلاحق في صدرها تهمس داخليا
_ زي مايكون بتنفس حبك ياإلياس
اتجهت إلى مكان جلوسها بعينين مثقلتين بتوتر تحاول إخفائه لمحت فريدة ملامحها المتجهمة..
انحنت فريدة إليها هامسة
_ مالك ياحبيبتي زعلانة علشان اللي عمله إلياس مع يوسف
هزت رأسها نافية بسرعة وابتسمت ابتسامة باهتة وهي تفرك جبينها
_ لا..عندي صداع بس.
جلست تتجول بعيناها القاعة هنا شعرت بأن الألم ينخر عظامها حين وقعت عيناها عليه واقفا بجوار والدة مالك وابنة أختها يضحك كما لم تره من قبل..ضحكة أحرقت قلبها كأنها سخرية منها..
كاد الجنون يفتك بها ومع ذلك تصنعت الهدوء فيما لم تفارقها نظرات فريدة المراقبة لكل ارتجافة من ملامحها.
ربتت فريدة على كفها برفق وأشارت بعينيها نحو إلياس
_ ماتقومي تروحي لجوزك.
أطرقت ميرال رأسها نافية ثم التفتت إلى غادة التي كانت تتحدث مع مالك وقالت بصوت متماسك
_ هروح أشوف غادة.
نهضت وخطواتها تتثاقل رغم ابتسامتها المصطنعة حتى وصلت إلى العروسين الغارقين في أحاديثهما..لمحت غادة اقترابها فتهللت أساريرها ومدت يدها نحوها.
_ زي القمر يادودي..ربنا يسعدك ياروحي.
لمعت عينا غادة بفرحة حقيقية بينما ابتعد مالك نحو أصدقائه..جلست ميرال بجوارها تهمس
_ ربنا يسعدك ياحبيبتي..حافظي على جوزك شكله ابن حلال وبيحبك.
أومأت غادة وضحكت بخفة وهي تقول
_ نسخة تانية من جوزك ياميرو.. بحاول أقلمه على حياتي بس تقيل أوي.
قهقهت ميرال بخفوت وغمزت لها
_ إلياس مفيش منه نسخ..ودا المفروض تحمدي ربنا عليه.
اتسعت عينا غادة بدهشة
_ يعني إيه
قاطع حديثهما صوت مالك وهو يقدم أحد أصدقائه المقربين
_ غادة..دا أحمد صديقي المقرب
مد الشاب يده بابتسامة ودودة
_ مبروك أستاذة غادة.
_ميرسي التفت إلى ميرال وقال
_دي مدام ميرال مرات أخو غادة وصاحب الشغل. 
_أهلا أستاذة ميرال.
قالها ومد يده لتحيتها قابلته مبتسمة
_أهلا بيك..ربتت على كتف غادة وانسحبت بهدوء حاولت أن تسحب نفسا بعدما وجدته جالسا بمكانها..
جلست بهدوء مصتنع
وهو يراقبها بنظراته دون حديث
مضت ساعات الفرح بسلام يكسوه الهدوء وعاد الجمع كل إلى داره.
دخل أرسلان المنزل مرهقا ألقى مفاتيحه على الطاولة وفك ربطة عنقه بتثاقل بينما أسرعت غرام إلى الداخل تبدل ثيابها بعد أن دخلت ضي غرفتها.
لم تمض سوى دقائق حتى عادت فوجدته ممددا على الأريكة تغفو ملامحه بين التعب والسكينة..اقتربت 
_ أرسلان هتنام هنا يلا قوم نام جوا.
فتح عينيه بنصف إغماضة ثم تمتم بلهجة مثقلة
_ بلال مش جوا
تجهمت ملامحها تنقلت بعينيها في أرجاء الغرفة بخوف غامض ثم أسرعت نحو غرفته تتمتم بقلق
_ معرفش..هشوفه في أوضته كدا.
اعتدل أرسلان في جلسته حمل بذلته متجها إلى غرفته لكن أذنه التقطت صوتها المرتجف من الداخل
_ الولد مش هنا..كلم إلياس أو كلمه هو شوفه فين.
رفع أرسلان هاتفه يحاول الاتصال بابنه.
في غرفة يوسف..كان يجلس بجواره يلعبان سويا ألعابا إلكترونية دوى رنين الهاتف مع أصوات السيارات العائدة بالخارج.
ابتسم بلال وهو يمد يده لينهض
_ شكلهم رجعوايلا تصبح على خير..بابا بيتصل وبلاش تشد مع عموالفرح خلص وخلاص.
أومأ يوسف برأسه مبتسما تعبا
_ تمام..أنا أصلا مصدع وهنام عندي تيست بكرة ولازم أرتاح.
غادر الغرفة بخطوات سريعة يهبط على الدرج بخفة شبابية قابل ميرال التي ابتسمت بحنان وسألته
_ حبيبي يوسف فوق
أومأ بلال وهو يشيح بيده
_ أيوة..بس هينام بيقول مصدع.
ابتسمت برفق
_ تمام ياحبيبي..تصبح على خير.
فتح الباب فدخل إلياس توقف أمامه و ابتسم قائلا
_ أهلا ياأخويا..لسه صاحي
_ وأنا أنام ليه ياعمو أنا عيان ولا بقيت ختيار
_ ختيار..رددها إلياس مما جعل بلال يهز رأسه بابتسامة مازحا 
_ يعني عجوز..عارفك فقير لهجات عربية.
رفع إلياس حاجبه مشيرا إليه بيده
_ يلا ياله أنا مصدع وماليش دماغ لهزارك.
قفز على أطراف أصابعهه وهو يضحك
_ ألف سلامة عليك ياعمو إن شاء الله اللي يزعلك يزعلني.
ابتسم إلياس رغم صداعه تحرك مبتعدا قبل أن ينفلت صبره ويكاد يلطمه
في الأعلى..
دلفت ميرال إلى غرفة نجلها وجدته يتهيأ للنوم..أطلت برأسها وسألت بنعومة
_ حبيبي..نمت
اعتدل على الفراش تطلع إليها بعينين يملؤهما الحنان
_ تعالي ياماما..كنت ناوي أنام بس لو محتاجة حاجة أنا صاحي.
اقتربت وجلست على طرف الفراش نظرت حولها للحظة ثم أعادت عينيها إليه
_ لسه زعلان من بابي
هز رأسه نافيا وأجاب بهدوء
_ خلاص..هو شايف إن دا غلط يبقى غلط بس إحنا كنا بس عايزين نغير الجو شوية.
مدت يدها وقالت بنبرة مطمئنة
_ عايزاك تهدى شوية وتركز..أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تركز في مذاكرتك..امتحاناتك قربت خلاص.
ابتسم يوسف وربت على كفها بحنان
_ إن شاء الله ياماما..المهم إنتي قوليلي عملتي إيه في بابا أنا كنت بهزر معاكي أصلا بابا مش شايف غيرك
..قام الياس في تلك اللحظة بفتح الباب وقف إلياس على العتبة عينيه تجولان بينهما بحدة
_ بقالي ساعة بدور عليكي وإنتي قاعدة عند الحنين ابنك.
التفتت إليه بابتسامة خفيفة ثم نظرت إلى يوسف
_ يلا ياحبيبي..تصبح على خير.
رفع رأسه نحو والده ببراءة ممزوجة بجرأة
_ هي لسه داخلة مكملتش خمس دقايق..وبعدين إنتوا لسه جايين أصلا إيه بقالك ساعة دي يابوص
زمجر إلياس وهو يقطب حاجبيه
_ اتخمد ياحمار..لينا كلام الصبح.
نهضت ميرال سريعا وخرجت من الغرفة متجنبة النظر إليه بينما خطا هو نحو يوسف بعد أن تبادلا نظرات مشحونة..وقف أمامه كظل ثقيل وقال بصوت جاف
_ يوسف..إنت مابقتش صغير..لازم تفهم إنك ابن إلياس الشافعي.
تقلب يوسف في فراشه بانزعاج ضغط على جبينه وقال بفتور
_ بابا أنا تعبان ومصدع وعايز أنام..لو حضرتك عندك دماغ للخناق روح اتخانق مع ميرو..ابنك فاصل خلاص.
تشنج فك إلياس وكور قبضته حتى انغلقت وبرزت عروقه أومأ برأسه دون أن يتفوه بكلمة لكن نظراته الحادة كانت كافية لتوحي بأنه على شفا أن يصفعه.
دقائق قليلة كانت كافية لتبدل ثيابها ثم اتجهت نحو غرفة ابنتها..وجدتها قد غرقت في نومها فابتسمت بهدوء..لحظات ودخلت المربية تحمل كوبا من الحليب
خلاص يامدام هي نامت..طبعا ماغسلتش سنانها.
والله يامدام قالت عايزة لبن نزلت أجيبهولها لقيتها نامت.
خلاص نامي إنتي كمان بكرة إجازة..تصبحي على خير.
أغلقت باب الغرفة بهدوء ثم عادت إلى جناحها الخاص..خرجت من غرفة الملابس متثاقلة الخطا حتى بلغت الفراش تسحب الغطاء استعدادا للنوم لكن يده اعترضتها فجأة وقال بنبرة غاضبة تسبق نظراته
ينفع اللي حصل النهاردة في الفرح ولا كأنك متجوزة!
التفتت إليه سريعا غضبها يشتعل في عينيها
أنا برضو ولا حضرتك من وقت ماوصلنا ولا كأنك تعرفني! هو فيه إيه بالظبط وبعدين تعال لي هنا..مين اللي كنت حضرتك بتضحك معاها من الودن دي للودن دي
زوى حاجبيه يحاول السيطرة على انفعاله أمام توترها
مالك ياميرال أوزني كلامك..إيه بضحك معاها دي أنا مش فاكر..دا فرح وأكيد مجاملاته كتيرة.
أشارت إليه بحدة
خلاص..روح كمل مجاملاتك وسبني أنام.
ميرال! إنتي اتجننتي
آه. 
صرخت بها وهي تبتعد كأنها تهرب من جرح أحدثه غضبها قبل غضبه لكنه لم يسمح لها بالفرار..
_انتي بتعاندي مين!
قالها بصوت مشوب بالغضب والخذلان.
رفعت حاجبيها ببرود تحاول تخفي ارتجافها
_مش بعاند حد يا إلياس زهقت من القعدة قولت أشوف غادة.
تجمدت نظراته للحظات ثم طالعها بملامح ممتعضة وأومأ بتذمر
_لاحظي إننا كبرنا على الزعل ماينفعش كل واحد فينا يتقمص من التاني كده. أنا مش هسيب بابا وإسلام في يوم زي دا علشان أقعد جنبك إرسلان ويزن مش ولاد مصطفى السيوفي حتى لو الهوايات اختلفت مصطفى السيوفي هيفضل أبو إلياس لحد ما أموت.
ارتجف صوتها وهي ترفع عينيها إليه تنطق بالكلمات كأنها تنتزعها من قلبها
_وأبويا أنا كمان يا إلياس حتى بعد اللي حصل الراجل دا له فضل علي كبير
_حبيبي العاقل.. وكان ليه القمصة وكمان روحتي تضحكي مع راجل غريب
_ متكلمتش مع حد 

_ لا.. اتكلمتي وضحكتي كمان.. 
شعرت أن كل مابداخلها يتهاوى دفعة واحدة.. عنادها غضبها دموعها المكتومة
_ محبتش ترقصي قدام حد قولت لك قبل كدا اطلبي اللي انتي عايزاه في بيتنا وكل اومرك مجابة
_بغير عليكي مش عايز حد يشوف تفاصيلك غيري
مجنونة..هي عيوني ممكن تشوف غيرك
عند غادة
بعد ساعات من السفر وصلا أخيرا إلى الفندق في قلب باريس مدينة العشاق.
دخلت بخطوات مرتجفة كأن الأرض تهتز تحت قدميها وهمست في سريرتها دعاء واحدا اللهم اجعل هذه الليلة تمر بلا جراح.
جلست بأنفاس مرتفعة فوق الاريكة حتى لحق بها وهو يغلق مكالمته مع خدمة الغرف.
دلف ينظر إلى جلوسها إنها مازالت بفستانها الأبيض.
اقترب منها ببطء يتأمل ملامحها
الجميلة
_ ألف مبروك ياحبيبتي...
ولم تخرج سوى إيماءة خجولة.
ابتسم وهو يراقب احمرار وجنتيها
أشار إليها بيد مرتجفة
_ روحي..غيري فستانك وتعالي نصلي.
هزت رأسها سريعا ثم خطت للداخل تهرب منه أولاثم تهرب من نفسها أكثر.
خرجت بعد دقائق مرتدية إسدالها تسير بخطوات خجلى كأنها تتعثر بثقل اللحظة.
ظل يتابعها بعينيه ..أشار إليها لتقف خلفه فأمها بركعتين يفتتحان بهما حياة جديدة حياة يستهل كتابها بذكر الله ويستودع سرها بين يديه سبحانه.
ماأعذب أن يبدأ المرء رحلته مع شريكة عمره بسجدة يضعان فيها أول عهد مع الله أن تكون حياتهما قائمة على الرحمة والمودة وأن يكون بيتهما حصنا من الطهر والسكينة.
انتهت الصلاة جلس لحظات يتأمل ارتباكها كأنها وردة تتفتح لأول مرة أمامه..
_ غادة..عارفة يعني إيه زوجة عارفة يعني إيه حياة جديدة
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها قائلة بنبرة تفيض حنانا
_ يعني سكينة واطمئنان لزوجها..وقال بصوت مبحوح بالصدق
_ والزوجة الصالحة ياغادة..هي تاج على رأس زوجها ستر له في الدنيا ودعاء له في الغيب..هي اللي لو نظر ليها أفرحته ولو غاب عنها حفظته ولو أمرها أطاعته فيما يرضي الله.. الزوجة الصالحة هي رزق بل هي أعظم كنز ممكن يرزقه ربنا لعبده.
ارتعشت شفتاها بابتسامة متأثرة لتجد نفسها تهمس كمن تتم المعنى
_ والزوج الصالح..هو أمان هو اللي يمسح دموعي قبل ماتنزل ويخاف على قلبي قبل جسدي ويقودني معاه للجنة.
ارتسمت في عينيه لمعة لا يقدر على حبسها كأنها وعد صامت أن يكون لها كما تمنت وأكثر.
قبل سنة من آلان
بعد سفر طارق عادت الى عملها رغم جراحها ذات يوما خرجت من عملها كعادتها متجهة إلى السيارة التي تقلها إلى منزلها لكنها لم تجده في انتظارها كالعادة..كان هناك رجل آخر.
صعدت السيارة بصمت وعادت إلى بيتها..يومان والوضع كما هو اختفاء مالك وغضب إسلام الذي مازال يشتعل وهروب طارق الذي رسمته في ذهنها 
في المساء طرقت ميرال بابها برفق ثم همست من الخارج
_ أدخل ولا أرجع
أومأت لها بصمت.
دلفت ميرال للداخل عينها تلتقط انكسارها...جلست بجوارها مالت برأسها على كتفها وهمست بنبرة خافتة
_ قلبي وجعني أوي ياميرال..ليه أنا كنت رايحة والله أنهي كل حاجة بس هو ماصدق وأول حاجة عملها 
رفعت ميرال رأس غادة وعينيها تحملان صدقا ووجعا قديما
_ غادة..سواء طارق عمل أو ماعملش مالكيش حق تقولي 
برقت عيناها وانسابت دموعها على وجنتيها تهز رأسها نافية.
مدت ميرال يدها لتزيل دموعها بحنان وقالت بنبرة عميقة
_ حبيبتي..مش إسلام وإلياس اتخانقوا معاه خلاص ياغادة الموضوع انتهى هو يعمل اللي هو عايزه.. إسلام قالها علني..طارق ماينفعكيش.
ابتسمت ميرال بمرارة وهي تكمل
_ صدقيني دا احسن لك أنا أكتر واحدة مجربة.. هتتوجعي أضعاف لو كملتي متخليش قلبك يسيطر عليكي..أنا عارفة إنك تعبانة وقلبك موجوع بس مش كل حاجة قلوبنا بتتصرف فيها.
أطرقت راسها للحظة تسترجع ألمها الخاص ثم قالت بصوت متقطع
_ أنا مشيت ليه مع إني بعشق أخوكي وكمان عندي ولد..علشان شفت ده الصح..عيلة كانت هتتهد وجوزي حياته كانت هتضيع بسببي وابني هيتعاير..طيب أنا ماعرفتش أختار حياتي ونصيبي

________________________________________
إنما إنتي قدامك الحلول..ليه توجعي قلبك
أخذت نفسا عميقا ثم أكملت بوجع صادق
_ صدقيني إنتي دلوقتي مش حاسة بحاجة..غادة أنا بخاف أقول اسمي قدام حد جوايا ألم يقهر أي جبل.. علشان كده بقولك..قلبك دلوقتي له علاج قدام هتنقهري
قطع حديثهم دخول فريدة وهي تقول بلهفة
_ كلمي جوزك شوفيه اتأخر ليه!
نظرت إلى ساعتها بسرعة ثم التقطت هاتفها بارتباك وعيناها على فريدة
_ أيوة ياإلياس..اتأخرت كده ليه
جاءها صوته متعبا عبر الهاتف
_ أنا في المستشفى.
شهقت وهبت من مكانها بفزع
_ ليه!! في إيه!
ابتعد إلياس عن سرير مالك وقال بصوت بدا مثقلا
_ مالك عمل حادثة.
وضعت كفها على فمها بصدمة وارتجف صوتها
_ هو عامل إيه!
_ كويس..شوية رضوض بسيطة..نص ساعة وراجع مفيش حد معاهم دلوقتي.
تنفست بعمق تحاول السيطرة على ارتجافها وقالت بصوت مبحوح
_ طيب حبيبي..خلي بالك من نفسك.
أغلقت الهاتف وهي مازالت تحت وقع الصدمة لتجد عيني فريدة تترقبها بقلق..التفتت إليها قائلة
_ مالك عمل حادثة وهو معاه في المستشفى..خلاص روحي إنتي وبابا وأنا هفضل مع غادة.
انتقلت بنظرها إلى غادة التي ابتسمت ابتسامة واهنة وأومأت
_ متقلقيش عليا ياحبيبتي..وبعدين أنا هلكانة وهنام.
اقتربت منها 
_ طيب حبيبتي..إسلام شوية ويرجع.
فجأة تذكرت وسألت بقلق
_ آه صحيح..هو فين
أجابت فريدة وهي تتنهد
_ فاروق تعبان وملك راحت تزور باباها.
أومأت بتفهم وقالت
_أنا كويسة.
بعد دقائق جلست على فراشها وكلمات ميرال ترنو بعقلها أغمضت عيناها تشعر بإزهاق روحها إلى متى ستعاني في علاقاتها..نظرت إلى ميرال المنشغلة بعملها ثم قالت
_هو مالك عمل حادثة إزاي ياميرال.
_ معرفش والله ياغادة ارتفع رنين هاتف ميرال التي ردت 
_أيوة حبيبي. 
أنا تحت انزلي ونزلي الولاد.
_لا اطلع إنت ماما وبابا مش موجودين وغادة لوحدها. 
استدارت إلى غادة الشاردة
_إلياس جه تحت هنزل أعمل حاجة خفيفة ونقعد زي زمان..إيه رأيك 
تمددت على الفراش تهز رأسها بالنفي 
_ماليش نفس انزلي لجوزك هو مش هيطلع لأنه لسة زعلان مني.
بعد فترة من الصمت أمسكت هاتفها بتردد ضغطت اتصالا ورقة قلبها تنتظر جوابا.
السلام عليكم.
وعليكم السلام.
ألف سلامة عرفت من ميرال.
شكرا..أنا كويس.
صمت لحظات ثم أضاف بصوت منكسر
إنتي عاملة إيه
الحمد لله كويسة نزلت الشغل... انا رجعت الشركة.
آه..
آسفة على الإزعاج وألف سلامة.
شكرا.
أنهى المكالمة ألقى الهاتف بجواره وكأن ثقله يساوي مافي صدره من تعب..رفعت والدته نظرها إليه بفضول لا يخفيه التعب
مين دي ياحبيبي
أخت إلياس..وبنت مصطفى السيوفي.
تسائلت بتردد
هي لسة متجوزتش
رد عليها بحدة طفيفة كرسها الألم والإعياء
هاتي المخدة ياماما ورا ضهري مالناش دعوة تتجوز ولا لأ.
دققت والدته النظر في ملامحه تحاول قراءة غضبه الذي شعرت بأنه أقوى من جروحه وقالت بنبرة حنونة متداخلة بالتأفف
_ مالك ياحبيبي..ليه مضايق كده
أجابها بصوت متقطع كأن الكلام يجهد صدره
ماما أنا تعبان ومش قادر أتكلم.
وضعت الوسادة خلف ظهره بعناية أمومية رفعت كفها فوق رأسه المجروح
_بس أنا فاكرة البنت دي كويس وكمان حلوة ليه مااتجوزتش لحد دلوقتي 
أغمض عيناه وانفجر بكلمة جارحة خرجت من حنجرة موشاة بالغضب
دي واحدة غبية متخلفة راحت حبت واحد رد سجون معرفش عقلها كان فين.
صمتت والدته تراقب نظراته الغاضبة ثم ارتسم على وجهها تهكم مر وقالت بصرامة تحمل ذاكرة مؤلمة
_ شوف مين اللي بيقول..مابلاش إنت ياحضرة الظابط ولا نسيت مين عمل فيك كده
لم تكن تلك جملة عابرة كانت كلمة مثقلة بتاريخ طويل..وقعت على قلبه كصفعة أبشع من أي ألم جسدي هنا شعر بضربة قاسية على رأسه أصعب من ضربة الحادث نفسه.
أخفض عيناه للحظة..وألم رأسه ازداد وصار كل صوت حوله مكتوما إلا صوت يذكره بصوت حاد يقتلع من صدره ماتبقى من هدوء.
ساد الصمت الغرفة كغيمة سوداء يحفظ لكل فيه سره وأوجاعه..
قالت بصوت مرتجف وكأنها تنزف حروفا
_عمرك ماهتنسى يامالك..عارف هتفضل دي النقطة السودة اللي مطبوعة في حياتنا للأبد.
أشاحت بوجهها عنه وقالت بصوت متعب ومر
_مالك ارتاح دلوقتي..مش عايزين نرجع للماضي وتغلطني تاني..بس افتكر..من شهر كنت هموت بسببك والنهاردة إنت كنت هتموت أنا مش فاهمة هتفضل عامل في كدا ليه
دفع الغطاء عنه بعصبية جسده يرتعش من الألم والضعف..حاول أن ينهض لكنه ترنح..هبت من مكانها فزعة واقتربت تحاول تهدئته تكبح جمرة غضبه..
لتقول بصوت باك يقطر رجاء
_خلاص..مش هتكلم تاني هخرج من الأوضة بس بالله عليك ارتاح علشاني.
ارتفعت أنفاسه مع بكائها
_ كفاية أبوك وأخوك..أنا تعبت ربنا ياخدني وأرتاح من العذاب دا..
_خلاص ياأمي..أنا آسف عارف زعلتك مني كتير..حقك عليا متزعليش.
رفعت عينيها إليه واختلطت دموعها بابتسامة حزينة
_أنا مش زعلانة منك ياابني..أنا بس عايزة أرتاح حرام عليك..ريح أمك يامالك مش كفاية الوجع اللي شلته على أبوك..ينفع كدا
أغمض عينيه بحزن وأردف بنبرة منكسرة بين يديها
_برضو ياماما برضو هنرجع نزعل من بعض
_ ماما أنا مش هتجوز تاني ريحي نفسك.
_علشان خاطري انسى الماضي 
ياحبيبي..وعيش الحاضر..ربنا المنتقم وهيجيب لك حقك..صدقني أنا مسامحة..اتجوز وعيش حياتك بقى..
لو بتحب أمك فرحني بيك شوف البيت دا عامل زي القبر مفيش غيري أنا وإنت املاه عليا بعوضك يابني. 
عاد إلى الفراش دون رد..سحب الغطاء وقال 
_ سبيني أرتاح ياماما لو سمحتي. 
ظلت تراقبه بصمت ثم خرجت تجر آلامها على فلذة كبدها وأغلقت الباب خلفها. 
مضت أسابيع قليلة حتى تعافى وعاد إلى عمله بالشركة من جديد.
في مساء هادئ أقام إلياس حفلة خاصة للعائلة داخل مقر الشركة احتفالا بفتح فرع جديد وبتزايد شهرته ومكانته حتى صار اسمه مطلوبا في كل مدينة.
خرجت غادة إلى حديقة الشركة تستنشق هواء باردا وتراقب القمر المعلق في السماء..كان لمعانه يتوارى خلف الغيوم بين حين وآخر فتبتسم رغم كل شيء لجمال الخالق في خلقه.
خطت رحيل خطوات هادئة وتوقفت بجوارها
_سرحانة في إيه
هزت غادة كتفيها وأشارت إلى السماء
_بشوف جمال
الخالق في خلقه.. شوفي القمر عامل إزاي.
رفعت رحيل عينيها إلى القمر ثم أعادتهما إليها..تنهدت قليلا ثم قالت
_غادة..ليكي رسالة معايا.
استدارت غادة تنظر إليها في انتظار الكلام.
حمحمت رحيل بتردد
_طارق..
أغمضت غادة عينيها شعرت بقبضة تعتصر صدرها لكن رحيل أكملت
_طارق أنا بس حبيت أبرأه قدامك..والله العظيم كانت خطة عارفة مينفعش أقولك كدا بس حرام تفضلي فاكرة إنه غلطان.
رفعت غادة كفها تستوقفها
_رحيل لو سمحتي..طارق صفحة وانتهت أنا غلطت وربنا حاسبني.
تراجعت بنظراتها تبحث في الوجوه عن إلياس وإسلام قبل أن تتمتم بصوت مبحوح
اقتربت رحيل منها خطوة
_أفهم
 

تم نسخ الرابط