رواية معتصم لصاحبة اقوي قلم حصرية من 10-12
المحتويات
هذا الوصل فقد كسر ما لا يمكن إصلاحه ..
عادت وعد لواقعها لتحمل إبنها لداخل غرفته تبدل ثيابه بصمت تحاول الإعتياد على حياة لا حياة فيها ...
بذات المكان والتوقيت بشقة محفوظ الأسمر إنتهزت عتاب فرصة غياب والدتها قسمت عن البيت ووجودها بمفردها لتدلف لغرفة نوم والديها ...
تركت بناتها لتتسلل نحو غرفة والديها مستغلة هذا الوقت بالخصوص فلن يزعجها أحد حتى وعد التى أصبحت لا تختلط بهم متيقنة بأنها لن تأتي وتكتشف الأمر ...
فتحت عتاب الخزانة الخاصة بوالديها لتخرج حقيبة الأوراق الكبيرة الخاصة بهم تلك الحقيبة التى تمتلئ بكل ما يخص العائلة بأكملها من أوراق ومستندات تخص والدها محفوظ الذى لا يجرؤ أحدهم على إمتلاك ورقة واحدة منهم بل كان له كل السيطرة للإستحواذ حتى على الأوراق ...
طلت بوجهها الطويل وشفتيها المضمومتان تنظر نحو باب الغرفة بتشدق الإطمئنان بأن الوضع هادئ تماما لتضع الحقيبة فوق الفراش لتفتحها وهى تعبث بمحتوياتها بتركيز شديد ...
لم تنتبه لهذا الذى وقف بباب الغرفة يحدق بها وهي منشغلة بالتقليب بين الأوراق لتنتفض بفزع حين نطق مفاجئا إياها ...
بتعملي إيه يا عتاب ....!!
إضطربت للغاية حتى كادت تشق الورقة التى تحملها بين يديها لنصفين من مفاجئتها لتبتلع ريقها الذى تحجر بحنجرتها وهي تطالعه ببعض الإضطراب قبل أن تهدأ نفسها قليلا مجيبة إياه ...
محب ...!!! خضتني ...
عقد ذراعيه أمام صدره ومازالت نظراته مثبتة عليها ليعيد سؤاله مرة أخرى ...
أيوه مقولتيش برضه ... بتعملي إيه عندك ...!
وضعت الأوراق عن يدها وهي تزم شفتيها بقوة ثم نهضت من جلستها لتدنو منه قائلة ...
تعالى حقولك ... عشان إنت لازم تفهم بدل ما يتاكل حقنا ... أنا وإنت أكتر إتنين مهمشين فى البيت ده ... وجه الوقت عشان ناخد حقنا بإيدينا ...
عقد حاجباه بدون فهم محاولا إستنباط عما تتحدث ...
قصدك إيه ...!!
لمعت عيناها بخبث وهي تستكمل بث سمومها بأفكار محب أيضا فعليه التعاون معها لإسترداد حقهم الذى على وشك الضياع ...
قصدي إن الفرصة جت لنا نرجع حقنا يا محب ... ولازم تحط إيدك في إيدي عشان نرجع اللي راح ...
رغم عدم إدراكه لما تنوي فعله إلا أنها أثارت فضوله ليسألها بتمعن في حديثها المبهم ...
إنت عاوزة تعملي إيه بالضبط ..
عاوزة .. ااا ....
قطعت حديثها حينما سمعت صوت والدتها تتحدث مع بناتها بالخارج لتسرع نحو الحقيبة تلملم ما بعثرته بعجالة ...
مش وقته مش وقته ... حبقى آجى لك اوضتك أفهمك إيه الحكاية وحنعمل إيه ... روح دلوقت عطل ماما لحد ما أشيل الأوراق دى مكانها ....
رفع كتفيه و اهدلهما بدون فهم ليخرج لوالدته التى عادت للتو من الخارج بينما أعادت عتاب كل شئ كما كان كما لو أنها لم تفعل شيئا ....
بيت النجار ...
نيران حامية تصارعت بنفس صباح منذ علمها بأمر خطبة هذا الطبيب لإبنة زكيه نيران إلتهمت أعصابها وقلبها المفعم بالسواد ...
إرتدت عبائتها السوداء المزينة بالنقوش الذهبية والتى أظهرت جسدها الممتلئ تلك العبائة التى طغت بسوادها على قلبها زينت ذراعيها السميكان بالمزيد من الحلي الذهبي فهي لابد وأن تكون بكامل بهائها وتأنقها ...
تعجبت راوية من رؤية والدتها تستعد للخروج لتتسائل بإندهاش ...
رايحه فين يامه ... !! ده إحنا لسه بدرى ...!!!
مصمصت صباح شفتيها بإزدراء وهي تطالعها بجانب عينيها قائلة بإستهزاء ...
يا برودك يا بنت فخري ... يعني مش عارفه أنا رايحه فين ...!!!! طبعا وإنت بيهمك إيه ... قاعدة زي البقرة تاكلي وتنامي ولا حاطه فى دماغك حاجة وسايباني أنا اۏلع فى نفسي ... قال على رأى المثل ... إيش على بال القرد من سواد وشه ... ...
زفرت راوية بضيق من إستهزاء والدتها بها ثم أردفت ...
ما كفاية بقى ټحرقي فى دمي ليل ونهار ... أنا ذنبي إيه ...!!!!
ذنبك ...!!! ذنبك إنك بايرة ... مش عارفة تجيبي لك عريس زى بنات الخدامة ...
أزاحت راوية وجهها بإمتعاض عن والدتها فقد إعتادت طريقتها القاسېة معها لم تعد تهتم أو تتأثر بما تقوله لها متبلدة المشاعر حتى الحزن ودموعه فارقا حياتها لتفضل اللامبالاة عن التأثر بحديثها المتهكم منها طوال الوقت ...
إستدارت عائدة نحو الشرفة عوضا عن بقائها مع والدتها التى تضغط عليها طيلة الوقت ...
رفعت صباح طرف عبائتها بغيظ لتخرج مغمغة ...
عيله باردة ... أبرد من ماية طوبة ...
خرجت من شقتها عاقدة العزم لإفساد أمر خطبة شجن مهما كلفها الأمر لتتخذ طريقها لتنفيذ ذلك ...
الفصل الثاني عشر
سويسرا الكوخ الجديد ..
مر وقت لا بأس به وقد حاول معتصم إشعال المدفأة لتنكسر برودة الطقس قليلا كما ساعدته كاتينا بصنع أحد المشروبات الدافئة لشعورهم بالبرد الشديد ...
حاول معتصم النوم لكنه لم يستطع لشعوره بإرتجاف أطرافه لينتظر أن تدفئ نيران المدفأة الأجواء من حولهم حتى يستطع النوم ...
هذا الشعور بالراحة والدفء الذى ينتظره ليغط بنوم هادئ كذلك كاتينا التى إنتظرت بالغرفة المجاورة لتلتمس بعض الراحة بعد ليلتهم المقلقة بسبب عهد لكنها ظلت تنتظر أن تدفئ المدفأة المحيط من حولهم ...
صباح الجزار ...
خرجت من بيتها تحت أنظار إبنتها
عائلة ميسورة الحال هادئة الطباع بخلاف عائلة النجار التى تتناثر مشاكلها داخل الحي تلك العائلة ليست معتادة على الصړاخ والسباب الذى تقوم به صباح ليتجنبوا تلك السيدة المٹيرة للمتاعب منذ زمن طويل ...
لكن رؤيتها ببابهم بهذا الصباح دب التوجس بقلوبهم لقدومها المقلق ...
فتحت والدة سليم الباب لمقابلة صباح بقلق خشية سبب وجودها ببيتهم بدون سابق دعوة فهي سيدة سليطة اللسان لكنها على الرغم من ذلك حاولت رسم وجه بشوش مرحب بها فهي ضيفة بنهاية الأمر ...
يا اهلا وسهلا يا ست أم فريد إتفضلي ...
إبتسمت صباح على غير العادة لتندهش المرأة لما تعرفه عنها من غطرسة ولسان سليط لتتحدث صباح بلطافة شديدة تثير الريبة ..
يزيد من فضلك يا حبيبتي ...
دلفت نحو الداخل تناظر أرجاء البيت من حولها بمقلتيها السوداوتين تطالع كل تفاصيله بأعين كاشفة لعورات البيت دون الغضض من بصرها نظرات متبجحة لإنسانة بعيدة عن الأخلاق والقيم ومراعاة حسن الأدب وغض البصر ...
إمتعض فمها بدونية من معيشتهم وأثاثهم الذى تراه لا يمت للثراء والذوق بلمحة حتى فهو لا يحتوي على ما هو ذهبي براق وألوان زاهية بل إعتمد على الألوان الباهتة الهادئة شئ مقزز لنفسها المشبعة بالهرج والذوق المفجع للأعين ...
جلستصباح تبدأ حديثها مباشرة لتنتهى مما جائت لأجله ثم تعود لبيتها الرائع كما تظن ...
شوفي يا حبيبتي ... أنا جاية لك فى خير ... جاية افطمك على إللي بيحصل بدل ما تتورطوا ... أنا جاية أنصحك وإنتوا أحرار بقى ...
خير يا ست أم فريد .....
لفلفت صباح عيناها أولا ثم أجابت والدة سليم بنبرة ودوده ...
أنا سمعت كلام كدة مش عارفه هو صح ولا غلط ... ويا ريت يكون غلط ... أصل إنتوا ناس طيبين ومالكومش فى السكك البطالة ...
حركت السيدة رأسها بدون فهم لمقصد صباح لكنها شعرت بأن هناك أمر هام للغاية بحديثها ...
قصدك إيه ... أنا مش فاهمة حاجة ...!!!
مصمصت صباح شفتيها بتأزم وهي توضح لها ...
أنا سمعت إن إبنك الداكتور .. عاوز يتجوز بنت اخو جوزى .. صح الكلام ...!!!
قضبت السيدة جبهتها بتعجب فمن أين لها معرفة ذلك فلم يتقدم لها بعد بشكل رسمي لتجيبها بترقب ..
مظبوط ... بس مين قالك ...!!
بعنجهية شديدة أعادت جذعها للخلف مستكملة بثقة كما لو أن لا شئ يخفى عليها ..
مش مهم مين قالي ... المهم أنا جايه أقولك إيه ...
أنصتت والدة سليم لها لتستطرد صباح..
البت دى وأختها وأمهم كمان .. أستغفر الله العظيم مشيهم بطال ... وكل يوم والتاني عامله معاهم مشكلة ... من كتر عمايلهم السودا ... إحنا ناس محترمين منقبلش كدة ... وأكيد يا أختى إنت سمعتي اللي بيحصل ...
فاهت السيدة بإيمائة كادت أن تصدق بها حديث صباح فربما هي محقة ...
أيوة فعلا إنتوا بينكم مشاكل على طول ... بس إزاى يا ست أم فريد .. دول أدب وأخلاق وجمال ما شاء الله ...
تسائلت بعدم إقناع بعد من حجة صباح لتجيبها رفيقتها على الفور مؤكدة حديثها ...
ما هو جمالهم ده إللي مخليهم يعملوا كدة ... ده جوزي وولادي كل يوم والتاني ظابطين البنات مع رجاله وحاجة أستغفر الله العظيم مقولكيش خليني ساكته ... ربنا يستر علي ولايانا
... دول يا حبيبتي مش بتوع نسب وفتح بيت ... ده إنت تبقى غلطانه ... وعموما براحتكم أنا جيت أخلص ذمتي من ربنا وأنصحكم لوجه الله ... وإنتوا أحرار ...
تفكرت السيدة لبعض الوقت فلابد أن زوجة عمهم تعلم ما لا يعلمه الأغراب عنهم لتردف برفض حتي لو أن الأمر بنفسها مازال به بعض الشك ...
لا وعلى إيه ... هي البنات إتعدمت يعنى ما أهم فى كل حته ... خلينا نبعد عن الشړ ونغني له ... كتر خيرك يا ست أم فريد ...
ها قد حققت مبتغاها لتنهض ببطء لحركتها الثقيلة قائله ..
طيب .. أقوم أنا بقى .. أنا قلت ثواب كدة لله أعرفكم أحسن رجلكم تيجي فى الخية وتحاسبوا على مشاريب إنتوا مشربتوهاش ... بالإذن ...
قالتها وهى تتجه صوب باب الشقة فكما دخلت خرجت وقد رسم فوق ثغرها بسمة خبيثة تعني إنتهاء الأمر فلن يجرؤ أحد على طلب مثل هذا مرة أخرى فبالتأكيد سيتداول الجميع الأمر وتصبح بنات زكيه غير صالحات للزواج لسمعتهم السيئة ...
عطارة النجار ...
إقتربت الظهيرة ليتوجه فخري كعادته للصلاة بالمسجد كما هو معتاد بكل صلاة رجل تقي لكنه مازال يدفع ثمن غلطة إرتكبها لطمعه توبة متأخرة أفضل من العيش بذنوب بقية العمر ...
فعل كل ما يمكنه للتقرب إلي الله والتصدق لكنه مازال لا يشعر بالسعادة هل كانت خطيئته جسيمة إلى هذا الحد لكنه تقبل ورضخ لحياته وإعتاد السلبية والإنزواء ومتابعة أعماله فى صمت ...
جلس مأمون بمكتب والده لحين عودته من أداء الصلاة بالمسجد وهو يتابع بعيناه السوداوتين حركة العمال بداخل المتجر بينما كانت عيناه تخترق وتتفحص سير العمل كان
يتحدث أيضا بذات التركيز بمكالمته الهاتفية فهو ذكي للغاية يستطيع أداء أكثر من مهمة بوقت واحد ...
لكنه حين لاحظ أخيه فريد قد حضر للتو حاول إنهاء المكالمة ليتفرغ لهذا المتجه صوبه بشكل تام ...
أيوة ... تمام ... خلاص إتفقنا ... حكلمك
السلامة ...
بآخر كلماته كان فريد قد دنا من مكتب والده والذى يتخذه مأمون مجلسا له بغياب والده ...
صباح الخير يا مأمون ...
صباح الخير يا فريد ...
بحجة مكشوفة لمأمون الذى إستطاع فهم ما يرمي إليه فريد من الوهلة الأولى ...
هو مش إنت كنت مسافر النهارده ... ده أنا قلت آجى أشوف الحاج محتاج حاجة لواحدة فى الوكالة ...
مال مأمون برأسه يعبث بإصبعه السبابة بمقدمة لحيته الخفيفة النابتة وقد إخترقت عيناه نفس فريد الضعيفة وهو يجيبه بغموض ..
السفر إتأجل ... متقلقش ... لو عايز ترجع المخزن إرجع براحتك ...
إبتسم فريد بسخافة وهو يحاول تقليد ثقة مأمون برفعه لإحدى ساقيه واضعا إياها فوق الأخرى ..
لما ييجى الحاج وأصبح عليه الأول .. أنا مرتب كل حاجة هناك ... ما إنت عارفني ..
حرك مأمون رأسة بإيمائة ضعيفة وصمت مربك جعل فريد يتلعثم بحروفه لإستكمال حديثهم ...
هو ...ااا ... إنت مسافر فين بالضبط يا مأمون ...
بعد نظرة مطولة مال مأمون للأمام واضعا مرفقيه فوق سطح المكتب لتتشابك أصابعه بعضها ببعض قبل أن يجيبه ببعض الإستهزاء فقد غرس به والده قلقه وعدم محبته لفريد أيضا ...
وهي البلد حتفرق معاك يا فريد فى حاجة ...!!
اجابة ببعض التوتر ..
لا يا أخويا ... عادى ... بنتكلم بس ...
نهض مأمون بوجه مقتضب يغلق عليه طرقه الملتوية جميعها ..
اااه ... أنا مش فاضي للكلام ... عندى شغل ... بعد إذنك ...
حاول فريد التمسك بمأمون قليلا بعد فربما يستشف منه بعض المعلومات ...
ما تقعد يا أخى ... هو إنت على طول مشغول كدة ... أدينا بنتسلى مع بعض ...
مال مأمون بجذعه كاملا أمام فريد مباشرة ليضع وجهه مقابلا لوجهه ليهتز داخل فريد بشدة من قوة مأمون ونظراته المخيفة حين أردف ..
مش إنت جاى تصبح على الحاج ... أهو الحاج جه أهو ...
دار فريد بعيناه بنفس مضطربة وهو يبتلع ريقه المتحجر تجاه اليسار ليجد والده وقد عاد من المسجد حاول رسم بسمة خرجت من بين إضطرابه بشكل مشوه متخوف للغاية بينما إستقام مأمون مبتعدا عن فريد الذى يعلم مكره جيدا وأن هناك سبب خفى لوجوده وأسئلته اليوم ...
بعد مكوثه مع والده لوقت قليل عاد فريد مرة أخرى للمخازن متمللا يجر أذيال الخيبة للمرة الثانية دون التوصل إلى معلومة تفيده بما يخطط له لمأمون ...
ليت الضربات تأتى من الغرباء لكن الصدمة هى الضړبة التى تأتى من القريب يا للزمان الذى يحفر فيه الأخ لأخيه بئر ليسقط به ...
نفوس ليست صريحة تحمل بقلوبها البغض والنفور لكن الوجوه تظهر الود والمحبة نفاق عجيب فمتصنع الود أقبح من صريح العداء ...
عيادة الدكتورة منار الهواري ...
تلفتت منار وهي تلقي نظرة أخيرة بباب عيادتها المفتوح قبل أن تستطرد مرحبة بهذا الواقف أمامها ...
أهلا بيك يا دكتور ... إتفضل شوف العيادة براحتك ...
جال الطبيب بعيناه بأرجائها بعجالة وهو يجيبها ...
واضح جدا يا دكتورة إن حضرتك مهتميه بيها .. وإن شاء الله نتفق ...
خطى بضعة خطوات تجاه الغرف يتفحص حجراتها المجهزة بعناية قبل أن يعود مرة أخرى تجاه منار التى بدى عليها القلق لتأخر خالد عن موعده فكان من المفترض أن يقابل معها هذا الطبيب المستأجر لعيادتها لقد إعتادت وجوده بكل الأحداث الهامة بحياتها ولم يخيب ظنها يوما بغيابه عن أحدهم ...
لم يخيب ظنها اليوم أيضا حين دلف خالد بهيبته المعتادة لداخل العيادة بخطواته الرصينة لتدل على شموخ وقوة هذا الرجل ...
السلام عليكم ...
وقف على الفور يتوسط منار والطبيب معرفا بنفسه بذات القوة رغم كبر سنه ...
خالد دويدار ... زوج الدكتورة منار ...
رحب به الطبيب بحفاوة وهو يصافحه ...
أه طبعا أهلا وسهلا يا سيادة المستشار ... أمين عبد الناصر ...
أومأ خالد بخفة لتحية هذا الرجل ليبدأ بأسألته مستكملا حديثه معه ليزداد إطمئنانا لهذا الرجل الذى سوف يستأجر عيادة زوجته ...
وحضرتك تخصص إيه يا دكتور أمين ...!!
أنا دكتور أمراض نسا وحقن مجهري وعقم ...
بتفهم لعرضه لتخصصه أراد خالد أن يوضح سبب عرض العيادة للإيجار ...
بالنسبة للماديات مش حنختلف عليها ... لأن الدكتورة منار مش محتاجة الإيجار طبعا لكنها دلوقت مش متفرغه لها زى الأول ... وبالنسبة للي حيستاجر العيادة هو طبعا الكسبان لأن الدكتورة منار لها إسمها وسمعتها فكان أهم حاجة هو إنسان يكون محل ثقة ...
طبعا يا سيادة المستشار ... ده أكيد ... ده كفاية سمعة الدكتورة ...
لم يكتفي خالد ببعض الأسئلة السطحية بل حاول الإلمام بكل المعلومات عن هذا الطبيب بالعديد والعديد من الأسئلة وبعد أن إطمئن تماما تم للإتفاق بينهم وتحرير عقد إيجار يحفظ حق الطرفين قبل مغادرة أمين للعيادة ...
بنظرة معاتبة توجهت منار بالحديث لزوجها بعد مغادرة الطبيب ...
كدة برضه يا خالد تتأخر عليا ..!!! ده أنا إفتكرت إنك مش جاى ...
مال بوجهه قليلا وقد توسط ثغره بسمة تدركها منار جيدا فبها محبة وإهتمام يعاتبها بها بأن تطلق الظنون برأسها تجاهه ...
وده معقول برضه ... !!! وأنا من إمتى بسيبك يا منار ... دى عمرها ما حصلت ...
ثم إستطرد موضحا ..
كنت فى إجتماع مع صاحب الشركة
مواقف متكررة ومساندة لعمر طويل كانت هي طريقته المختلفة بالمغازلة فمغازلته وحبه ينبع من مواقفه ومساندته ووجوده وليس بمجرد كلمات وحديث معسول ...
عشقت طريقته العملية بإظهار مشاعره ليكونا على هذا التفاهم والوفاق لعمر طويل جمعهما معا ...
بدلالها الرقيق أردفت منار ...
ماشى يا خالد ...
أنهى خالد حالتهم المعاتبة اللطيفة قائلا ..
طب إيه رأيك بمناسبة الشغل الجديد وإيجار العيادة نروح نتغدا بره ...!!
رغم عدم تقبلها لطعام المطاعم إلا أنها لن ترفض دعوة رقيقة كتلك للتغيير بدلا من حياتهم الروتينية ...
وأنا موافقه ...
ترافق الزوجان السعيدان لأحد المطاعم لتناول الطعام بهدوء ومحبة قبل عودتهم للبيت مرة أخرى ...
حي النعماني المكتبة ...
رفعت جسدها لتقف بأطراف أصابعها تحاول الوصول لرف الكتب العلوى لتضع آخر كتاب بالتسلسل الذى أوضحه لها بحر ..
بالكاد وضعت نغم الكتاب لتهبط تريح قدميها أرضا تشعر بمدى إنجازها لإتمام عملها الذى كلفت به ..
برغم إنشغال بحر بترتيب الكتب العلمية إلا أن مشاهدتها وهي تحاول التشدق للأعلى للوصول لمكان الكتب كان مثيرا وممتعا للغاية حتى أنه قد رسمت بسمة فوق ثغرة بخفة لو إستدارت نغم بتلك اللحظة للاحظت هيام هذا الشاب بها والذى فاه بنعومتها وحسنها كلؤلؤة نادرة ...
سړقت قلبه بيومان حتى أصبحت رؤيتها ووجودها أمر لا يمكن تخيل يومه بدونهما كما لو أن الدنيا من قبلها كانت مظلمة للغاية لټقتحم حياته ببريقها وتوهجها لتتبدل تماما كحياة أخرى وليست ما إعتاد عليها ...
حتى عمله بالمكتبة أصبح ممتعا للغاية سعادة متأخرة دقت بابه تراقص لها قلبه الصغير ..
هبطت نغم أرضا تستقر بوقفتها وقد لاحت إبتسامة عذبة فوق شفتيها المضمومتان لإنجازها الذى قامت به إستدارت نحو بحر لتخبره بأنها إنتهت مما طلبه منها ليسرع بإسقاط عيناه بعيدا عنها بإضطراب شديد ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
حول عيناه تجاه الكتب الموضوعة أمامه حتى لا تكشف أمره وولهه بها ..
أنا خلصت يا أستاذ بحر ...
إبتلع ريقه بصدر متهدج وهو يصطنع أنه يرفع رأسه نحوها للتو كما لو لم يكن يسترق للنظر إليها منذ قليل حاول إخفاء إضطرابه و دقات قلبه المتسارعة وهو يثني على عملها الذى لا يهتم كيف يكون ..
برافو عليك ... مكنتش اعرف إنك بتتعلمي بسرعة كدة ..
إثنائه عليها جعلها فخورة بعملها وبنفسها ليشرق وجهها بإبتسامة سعيدة صافية للغاية لتظهر برائتها وزهوها بنفسها قائله ...
شكرا على المجاملة ... حنعمل إيه بعد كدة .. !!!
إحنا نقعد نرتاح بقى ... من الصبح شغل شغل ..
ثم دعاها بتمني أن تقبل دعوته ولا ترفضها ...
أنا عازمك على الغدا .. يعني حاجة بسيطة نطلبها سوا ... إيه رأيك ...
فقيرة محتاجة لم تعتاد الدلال أو الرفاهية لتناول الطعام من الخارج والذى لا يمكنها دفع تكاليفه الباهظة هكذا إعتادت وتربت وبرغم ذلك تملك ما هو أغلى من المال تمتلك عزة نفس وشموخ لا يتحلى به الكثيرون ..
أسفه يا أستاذ
بحر ... أنا مش متعودة على الأكل بره ... ولا أعزم حد ... ولا أقبل عزومة من حد ...
تلاشت بسمته ليتجهم وجهه قليلا لرفضها لكنه تفهم أسبابها لتسمو بعيناه لإعتزازها بنفسها وقيمتها لكنه بذات الوقت كان يود لو يقترب بخطوة نحوها فهى تضع حدودا بينهم كحاجز لا يمكنه تخطيه بسهولة ...
ليه بس ... عادى جدا ... حاجة بسيطة و اهو يبقى عيش وملح بينا ...
برفض تام وجدية شديدة أعادت نغم رفضها لدعوته فهى لن تسمح لأى شاب بالتودد والتقرب إليها أو السماح له بشراء أى شئ لها حتى لو كان الأمر برمته بسلامة نيه ...
معلش ده طبعي .. وأنا مبقبلش حاجة من حد أو أقبل حاجة مقدرش أردها ... ده غير إن معايا غدايا اللي ماما مجهزاه ليا ... وعموما شكرا على ذوقك ...
اومئ ببعض الضيق لكنه لم يشاء الضغط عليها متفهما رفضها ليدعوها بلطافة مرة أخرى ...
طب ممكن نقعد وكل واحد فينا ياكل اكله ... أهو نتونس سوا ...
أومأت نغم بخفة و دبلوماسية شديدة ليتحرك كلاهما نحو طاولة خشبية مستطيلة ليجلس كل منهما بمقعد مقابل للآخر ليتناول كل منهما طعامه دون مشاركة بعضهما البعض سوى بالحديث ...
إشتغلتي قبل كدة يا نغم ...!!
تفكرت نغم لبعض الوقت لتجيبه بصراحة ..
إشتغلت شوية فى المدرسة الإبتدائي بس مكملتش ... ظروف كدة خلتني أسيب الشغل ...
تعلقت عسليتاه بها بشرود فلها طريقة عذبة للغاية بالحديث و مخارج الكلمات فلكل حرف تنطقه إيمائة لطيفة ټخطف قلبه معها حتى بإبتسامتها ووصفها حركات حاجبيها المنحنية حالة لا يمكن وصفها سوى بالسحر كأنغام تسحر عيناه وأذناه لتشعره بالإنسجام ببحورها كلمات ليست بإيضاح وإستفاضة إلا أنه كان يود ألا تنتهى من حديثها وتظل تتحدث وتتحدث لا تكف عنه مطلقا ...
أراد أن يظل محلقا بسماء كلماتها كالأنشودة التى تسرق القلوب والآذان حتى سألته بدورها تنتظر إجابته ...
وإنت
يا أستاذ بحر ... فاتح المكتبة دى هنا من زمان ...!! أصل أنا أول مرة آخد بالي من المكتبة مع إني ساكنة قريب ..
فاه للحظات فقد بعثرت
المكتبة دى كانت قهوة ... بتاعة والدى زمان الله يرحمه .. فكرت
إني أعملها مكتبة لأني بحب الكتب جدا ... وبدأت
متابعة القراءة