رواية قلبي بارت 6-7

لمحة نيوز

عند أبي لانهما أكبر اثنين.. لذا لم اعتد أن أكون موضع اهتمام لأحد.. ولطالما فضلت ألا أكون اجتماعيا وألا انخرط في زمالات وصداقات كثر.. لا أحب التحدث كثيرا
تركت نورين الكتاب جانبا واعتدلت واقفة من السرير تقول وهي تقترب منه وتقف على مشط قدميها وتحيط رقبته بذراعيها هامسة بدلال محبب
ولكن أنا أحب التحدث معك.. لا أحبك إزعاجك ولكن في نفس الوقت لا أريد أن أكون بعيدة عنك أكثر من ذلك.. ثم هنا أنا لا املك أحد غيرك لاهتم به في جل وقتي يا أميري!
رفع كفيه يبعد ذراعيها عنه بلطف بينما يوبخها بعبوس مصطنع
لا تدعيني بأميري هذه! هل تريني طفلا في العاشرة من عمره
انفرجت عن ثغرها ابتسامة متسليه وهي تقول له مناكفة
بل أنت أميري.. وأميري هذا سيجلب لي كتابا أخر قرأه لأقرأه أنا
انزوت طرف شفاهه بغيظ ثم هدر وهو يتجاوزها
لقد كنت اعد الساعات والأيام لتنهي هذا الكتاب وتعتقيني من أسئلتك ونقاشاتك بخصوصه.. فهل أنا مجنون لابلي نفسي بكتاب أخر!
ضربت نورين الأرض بقدمها وزمت شفتيها تقول متذمرة
مصعب أنا جادة أريد أن تحضر لي كتابا أخر سبق وقرأته
فتح ثلاجته الصغيرة وتجهم عندما لم يجد أي من مشروباته الغازية في داخلها..
لكنه لم يعقب بل اغلقها وأمسك مقبض الباب وقبل أن يغادر نظر لها من فوق كتفه متبسما ببعض الشجن فتبدو ملامح وجهه أكثر ترققا وهو يقول مشككا
لا لن أجلب كتابا أخر.. لكن ربما أغير رائيي.. لا أدري
خرج واغلق الباب خلفه لتبتسم تلقائيا وهي تتأكد من أنه سيجلب لها كتابا أخر..
أغمضت عينيها وهي تأخذ نفسا طويلا عميقا ثم أغلقت الكتاب وبدأت تقوم بروتينها الصباحي بنشاط..
خرجت من جناحها الي حيث تعمل سمية تقضي معها بعض الوقت..
أطعمت معها الدجاجات والنعجات والحصان وكلب حراسة وسقت الأشجار والأزهار والورود الفواحة بروائحها العطرية وأحواض للنعناع والبقدونس بينما تتجاذبان أطراف أحاديث عامة..
عادت لجناحها بعد ذلك تغتسل ثم إلى بيت سمية حيث دعتها لشرب فنجاني قهوة معها وحلوى لذيذة كامتنان على مساعدتها..
أما سمية أنهت ارتداء جلابية مريحة بعد أن اغتسلت وجففت شعرها ثم ذهبت لتستقبل نورين التي سألتها مباشرة بمجرد أن دخلت منزلها الصغير
أين هو يزيد اشتقت له
تطلعت سمية لساعة الصالة الجدارية باستغراب وهي تقول
لم انتبه أنه تأخر اليوم.. في العادة يكون هنا قبل نصف ساعة
عقدت نورين حاجبيها وهل تدلف للداخل وتغلق الباب خلفها قائلة
فهد وباسم عادوا مع السائق قبل قليل.. غريب ألم يعد معهما
ناظرتها سمية بتوجس ثم قالت ونظرها يتشاغل بالمكان بحثا عن هاتفها
يجب أن يعود معهما فالسائق يقلهم جميعا مرة واحدة.. فلماذا تأخر
بمجرد أن وقع بصرها على الهاتف حتى أمسكته وكانت تهم بالرنين على مالك والاتصال به عندما قالت ذاهلة باستغراب
هناك ثلاث اتصالات فائتة كلها من مالك على فترات متباعدة
سألتها نورين بدهشة
مالك.. مالك هو مالك الذي نعرفه.. شقيق زوجي
كانت نورين تطلع لها بتدقيق اشعر الأخرى بالتلبك والتشتت فسارعت تقول مرتبكة تصحح ظنونها
نعم.. اقصد.. هو فقط رقم مالك الذي احفظه بهاتفي.. فأحيانا تطلب مدرسة يزيد ولي أمره ولأنه أباه ليس متفرغا دائما.. يذهب أحيانا مالك عوضا عنه.. أنه يعمل معلم وإداري في مدرسة ثانوية مقابلة لمدرسة يزيد الابتدائية
شعرت نورين بالريبة من توترها أثناء تبريرها ودفاعها إلا أنها قالت بتلقائية
حسنا عاودي الاتصال به.. ربما يزيد معه
أومأت لها سمية وبدأت تطلب رقم مالك وهي تقول دون أن يتلاشى ارتباكها
حسنا.. يفترض الآن أن يكون في عمله في المدرسة.. لذا لا أدري لاي سبب قد يلح في الاتصال بي بهذا الشكل
بمجرد أن وصلها صوته الهادئ حتى بدأت سمية تستفسر منه إذا ما كان يزيد معه ما إن جاءها الرد حتى شهقت بهلع لتقول وقلبها ينقبض بخوف
هل أصابته سيئة
فزعت نورين من مكانها نحوها تسألها بقلق لهف
ماذا هناك ماذا حصل معه
بدا الخوف جليا على ملامحها وارتعاش ثغرها هادرة
في أي مشفى حسنا سآتي حالا.. إلى اللقاء
ابتلعت سمية أسئلتها القلقة الباقية لتسارع بالهلع لغرفة نومها فلحقتها نورين وهي تسألها بإلحاح
سمية من هو الذي في المشفى هل هو يزيد
أخرجت سمية على عجل أول عباءة طالتها يدها وهي تقول بكلمات مبعثرة لملمتها بلا تركيز
يزيد.. معلم يزيد اتصل بمالك وأخبره أنه وقع أرضا.. وأصيب بيده.. ونقلوه الآن إلى المشفى
شهقت نورين بفزع وسألتها
هل إصابته خطيرة
بدأت تبحث سمية عن وشاح تحيط به شعرها وهي تجيبها لاهثة
لا.. قال إنها بسيطة جدا.. لكن لا اصدقه.. لا أدري.. لكن يا رب احفظه لي وسلمه
أخرجت سمية محفظتها وحقيبتها وهي تقول بتخبط
سأذهب لطلب سيارة أجرة.. أوه لا..
ضربت جبينها تسترسل بضياع
يا إلهي قد تتأخر أي سيارة اطلبها هنا للقرية.. وموقف الحافلات بعيد من هنا قليلا
فجأة برقت عينا نورين لتقول متعجلة بينما تغادر
اهدئي يا سمية.. انتظري سأذهب لأحضر سيارة زوجي.. لقد ذهب لعمله بدونها وسأعود حالا.. خمس دقائق وآتي
.
.
في الطريق كانت نورين تقود سيارة مصعب بحذر بينما تناظر سمية زائغة النظرات وشاحبة الوجه بين الفنية والأخرى.
. فقالت لها بما قد يخفف عليها
سيكون يزيد بخير.. الم يقل لك مالك ذلك توقفي عن البكاء وفقط تأكدي أذا ما كنت أسير باتجاه المشفى الذي ذهب له.. فهو ليس نفس المشفى الذي يعمل فيه مصعب
خرجت الكلمات ملتاعة من شفتي سمية
اعرف ذلك لكن قلبي لن يتطمأن قبل أن أرى فلذة كبدي أمام عيني وأتفقد إصابته
.
.
في المشفى..
كان الطبيب يقوم بتفقد خدوش وجه يزيد وجروحه بالمرهم بحذر خاصة رغم تململ وتأوه يزيد الشديد..
أما يده فلم تصبها أكثر من رضة..
وقف مالك جانبا يطالع سمية بتجهم كيف تجلس جانبا شبه منكمشة على نفسها بأنفاس متقطعة
فاستدار يبعد أنظاره عنها ومرر أنامله خلال خصلات شعره يكاد يقتلعها من عصبيتها..
لو فقط تعطيه الحق فيها كان ليكون الأمر أسهل عليهم جميعا..
استقام الطبيب واقفا من مكانه بينما يقول
لا تسمحي له بلمس المرهم الذي وضعته ريثما أعود بعد دقيقة
لا بد أن قلبها الرقيق كاد أن يتفجر خوفا عليه طوال الطريق!
قال يزيد الصغير متذمرا بصوته الموجوع
لست مرتاحا للمرهم الذي وضعه الطبيب على وجهي.. أريد مسحه
مد يده السليمة للشاش بجانبه يرفعه لوجهه ويمسح المرهم رغما عن اعتراضات امه يقول بعناد
إنه يحرق ويؤلمني
عاد الطبيب للغرفة في هذه اللحظة ليقع بصره على ما فعله يزيد..
فهتف به غاضبا
لماذا مسحته يا يزيد
إربد وجه يزيد من زعيق الطبيب عليه والذي استطرد كلامه بسخط لسمية
ألم أقل أيتها السيدة ألا تسمحي لابنك بالعبث في وجهه! مع من أتحدث أنا
أخفضت سمية وجهها أرضا متنصلة من نظرات ممرضتين جاءتا من الخارج بفعل علو صوت الطبيب وغمغمت بإحراج
أنا أسفه.. أنه شقي قليلا..
قاطعها صوت مالك الذي اقترب من الطبيب يقول بهدوء مشوب بالتحذير
لو سمحت انتبه للهجتك وطريقة حديثك غير اللائقة مع أم يزيد
ارتبك الطبيب من توبيخ مالك المبطن خاصة وهو يعرف ابن من هو وعائلته..
ثم سعل قليلا يجلي صوته قبل أن يقول بخشونة
اعتذر.. أنا بالتأكيد لم أقصد ولكن ابن حضرتك لا يسمح لي القيام بعملي
بدأ مالك يوجه يزيد بحزم
يزيد اهدأ قليلا ودع الطبيب يضع يقوم بعمله جيدا
أطاعه الصغير بل تحامل على ألمه ليسمح للطبيب بوضع اللاصقات فوق جروحه..
شيء من الراحة تسللت لقلب سمية وهي ترى مالك يتولى زمام الموقف بثبات..
لكن في نفس الوقت تمنت فقط لو تنفض عنها ذاك الضعف المتخاذل البغيض وتتحلى ببعض الصمود فلا تحتاج لمساعدته في كل شيء يتعلق بيزيد..
فاليوم أو غدا هو لن يضل دائما متواجدا من أجلها.. أو حتى من أجل يزيد..
أتم الطبيب عمله وقال قبل أن يغادر
خدوش وجهه سطحية وستلتئم من تلقاء نفسها وتختفي آثارها مع مرور الوقت في حالة الحفاظ على الجلد نظيفا
أومأ مالك للطبيب مغمغما بكلمات الشكر والعرفان قبل أن يقول لسمية بهدوء
سبق وقال لي الطبيب أن أشتري له أحد الات الطبية المضاد للبكتيريا ومسكن للألم.. سأعود بعد قليل
دمدمت سمية له بصوت خافت دون أن تجد القدرة على رفع وجهها له
حسنا.. سأنتظرك
بمجرد أن غادر مالك الغرفة حتى تبعته سمية وجلست على إحدى المقاعد في البهو..
انتبهت فجأة لنورين تجلس بجانبها وهي تمسك طبقا بلاستيكيا مغلفا يحتوي بعض الفطائر وقالت بصوت يشوبه المرح
كان هناك نقودا في سيارة مصعب فاشتريت شيئا حلو المذاق ليزيد
عبست سمية ولاحت منها نظرات العتاب وهي تقول
لماذا أتعبت نفسك يجب توبيخه على شقاوته في المدرسة لا مكافئته
ضحكت نورين بخفوت ومدت أناملها تمسد وجنة يزيد..
ثم مطت شفتيها وبدت متوترة فيما ستقوله إلا أنها قررت أن تتجاوز حدودها وتتساءل بتعابير مشاكسة
لماذا لم تقولي للطبيب بأن مالك ليس زوجك كما يعتقد هو
ازداد عبوس سمية ثم قالت باندفاع مستنكرة
ماذا! متى قال الطبيب هذا لو سمعته لصححت له على الفور
ضيقت نورين عينيها وقالت بتشكيك
بل تحدث مع مالك بصفته والد يزيد وقال ابن حضرتك!
استعاد ذهن سمية ما قال الطبيب بالضبط قبل قليل ثم هزت كتفيها تقول بعفوية
نعم لقد قال له ذلك لكنه لم يخاطبه على أساس أنه زوجي أو قال ما يشير إلى أنه يظن ذلك
رفعت نورين حاجبيا تسأل وهي مستمتعة في لعبة المراوغة هذه
وما الفرق بين الاثنين.. إن ظن بأن مالك والد يزيد أو ظن بأنه زوجك.. نفس الشيء
جفلت سمية عند هذه النقطة.. فابتلعت ريقها بتوتر وقالت متلعثمة والارتباك يتجلى عليها بينما عيناها تهربان من مواجهتها
أوه معك حق.. نفس الشيء.. إذا تكرر خطأ الطبيب هذا ثانية سأصحح له.. المهم هل جئت من كافيه المشفى منذ وقت طويل
قاطع يزيد كلامهم وهو يمد يده السليمة نحو الفطائر ويتساءل ببراءة طفل
هل هذه الفطائر غنية بالشوكلاه أو بالكريمة
تطلعت سمية لولدها تحدجه بغضب..
فبعد أن تأكدت من سلامة صغيرها تذكرت الآن بأنه قد حان وقت تقريعه وتوبيخه فزجرته قائلة
انظر ماذا فعلت شقاوتك بك! هذه المرة انتهى الأمر برضة في يدك وخدوش بسيطة على وجهك! ماذا ستفعل بنفسك في المرات القادمة
فاضت عيني يزيد بالعبرات في عيني يزيد من طريقة حديث والدته معها.. وكانت سمية ستكمل لولا أن مالك عاد عندهم ونبهها
اخفضي صوتك نحن في المشفى
رفعت سمية الجالسة نظرها له وهي تقول بصوت متحشرج
أنا
أريده فقط أن يقلل من فرط حركته وشقاوته
حدجها مالك بنظرات غير راضية مغمغما واجمة
لا تصرخي على الصغير أمام أحد لو سمحتي.. ثم هو لم يقصد أن يوقع نفسه من فوق الدرج الخشبي.. معلمه اتصل بي مرتعبا بسبب صراخه وبكائه العالي من أن يكون شيئا أشد قد حدث له لكن لا شيء فعليا يستدعي القلق
تساءلت نورين باستغراب
كيف وقع بالضبط فوق الدرج
سرد مالك عليها ما حدث
أخبره المعلم أن يكتب إجابة سؤال ما على السبورة وهو شاكس وخرج من الدرج عن طريق الصعود فوقه ومن ثم القفز على الأرض إلا أنه لم يكن موفقا في قفزته
شيء من الألم شاب لمعة عيني سمية وهي تقول بنظر شارد
يزيد يحب لفت الانتباه كثيرا.. بمجرد أن ينزف قطرة دم حتى يملأ الدنيا صريخا وبكاء
نعم اذكر بأنه خدش مرة أحد أنامله وبدأ في نوبة بكاء استمرت لساعات مع أخد استراحات كل ربع ساعة
أغمضت سمية عينيها تخفي الألم الذي توهج داخلهما فما يفعله ابنها من شقاوة ولفت انتباه لحاجته للاهتمام..
وكان نفس الشيء تفكير مالك وهو يدرك أن السبب الحقيقي وراء بكائه أو عناده أو نوبات الغضب عنده لجذب انتباهه هو..
تململ يزيد من حجر سمية ليقترب من مالك الذي جلس عند مقعد مقابل لهما..
بدأ مالك يتحدث مع يزيد بمحاولة إخراجه من حزنه وألم يده ويمازحه فيقهقه الصغير ويندمج معه..
لامست ضحكة يزيد الطفولية أوتار قلب سمية..
خاصة وهي ترى مالك يداعب خصلات شعره الناعمة بحنان بينما يدمدم له
يا عيني عليك يا يزيد.. اضحك.. اضحك.. لا ضحك غيرك
قالت لها نورين بما يستدعي انتباهها
سأنتظرك تحت عند السيارة.. علينا الاستعجال فغالبا لم أركنها بمكان مناسب
أومأت لها سمية ثم قالت
حسنا دقائق وسألحقك أنا ويزيد
بمجرد أن ذهبت نورين مبتعدة حتى تبدلت ملامح سمية بأخرى حانقة وهي توجه كلامها لمالك مفسدة هذه اللحظات الرائقة بينهما
بدل من أن تضحكه علمه ألا يفرط في حركته في الفصل ويطيع معلمه
تغضن جبين يزيد بضيق من لوم أمه فرفع رأسه يتطلع لمالك مغمغما بانتقام
أمي هي من أخبرتني بعد أن ضاع ملفك الأسود ألا أدخل لغرفتك وألا أتعامل معك إلا في الخارج
نظر يزيد بتشفي لأمه التي أشاحت بنظره خجلا وضيقا..
ضيق مالك نظراته التي يرشقها لسمية بغل ثم قال
اعرف ذلك يا يزيد.. فانت لا تبتعد عني إلا بتحريض من أمك اللئيمة
ردد يزيد من خلفه بحنق طفولي
نعم صحيح
لكز مالك رقبته برفق ليقول رادعا إياه بصرامة
لا تقل صحيح مرة أخرى يا ولد.. أنا المسموح لي فقط بقولها.. ثم لم يكن من الصحيح أن تشي بها
رفع يزيد يده يمسد رقبته وهو يومأ بطاعة وقد أصبح وجهه كحبة الطماطم..
في حين قامت سمية من مكانها تمد يدها لتمسك كف صغيرها وهي تقول باقتضاب
هذا يكفي.. لنعد الآن
سارت سمية للأمام تنوي التوجه للخارج في حين أبقى مالك مسافة بينهما وهو يقول
دعيني نذهب لمطعم ما لتناول الغداء فيه.. ثم سأوصلكم بسيارتي
ناظرته سمية وهي تقول عاقدة الحاجبين
لا داعي.. سأعود بسيارة زوج نورين.. لا يصح أن تتأخر أكثر هي الأخرى عن العودة
تساءل مالك بذهول وعدم تصديق
ماذا سيارة مصعب هل قادتها بنفسها إلى هنا
اجابته سمية بإيجاب وتابعا السير نحو الخارج..
وبمجرد أن خرجا من المشفى حتى سارع مالك خطواته نحو السيارة التي كانت تجلس فيها نورين خلف المقود وسألها
هذه سيارة مصعب هل أخبرته بأنك ستخرجين بها
تطلعت نورين له من خلال نافذة السيارة المفتوحة تجيبه بتوتر
لا لم افعل.. كنت مستعجلة ولا أملك هاتف.. لذا علينا أن نسرع في العودة رغم أنه لن يعود إلا ليلا
ابتعد مالك قليلا للخلف يطلب منها
حسنا ترجلي منها واصعدي للخلف ودعيني أنا أقود السيارة لأضمن عودتنا بها بلا أي خدوش
عقدت حاجبيها حانقة تقول
لا تقلق أنا أقود جيدا
أصر مالك عليها
مع ذلك دعيني أتولى القيادة لأني أريد الذهاب لمكان أخر قبل العودة للبيت
بتردد أطاعته نورين وفتحت مقبض الباب تترجل من السيارة ليحتل مالك مكانها..
قالت سمية بامتعاض وهي تراه يشغل المحرك
وماذا بشأن سيارتك يا مالك من سيعيدها وكيف ستذهب غدا للمدرسة
نظر لها يخبرها ببساطة
سأتدبر امري.. ربما مساء سأستقل سيارة أجرة توصلني إلى هنا وأعود بها للبيت.. لا تقلقي أنت.. هيا اصعدي
ثم ناظر يزيد يخبره بابتسامة بما جعله يهرول مطيعا
اجلس يا يزيد بجانبي بسرعة
رفعت سمية كفها تمسد جبينها وهي تخفض بصرها المتشتت أرضا كما قرارها في هذه اللحظة..
لا يصح لها أن تستقل معه السيارة وتعود.. لكنها لربما وجود نورين ويزيد قد يخفف وطأة الأمر!
شعرت بالحنق من كل أفعال مالك فهو مصر على التدخل بكل تفاصيل حياتها ولا يكتفي بحياة يزيد فقط!
انتبهت لصوت نورين الجالسة في الخالف وهي تخفض زجاج نافذة وتهمس لها متعجلة
هيا أستقلي السيارة يا سمية سنتأخر..
قال مالك بصوت متشمت وهو يثبت حزام الأمان الذي حاوطه بجسد يزيد
هيا يا سمية سنتأخر
استسلمت سمية له وهي تعض شفتها السفلى بغيظ واستقلت في المقعد الخلفي بجانب نورين..
ثم أغلقت الباب بخلفها بعنف جعل الأخرى تعاتبها هامسة
إنها سيارة مصعب يا سمية.. لا تفرغي حنقك من أخيه في سيارته
كتم مالك بصعوبة ضحكته..
وكان
يشعر بدمه داخل أوردته يجري سعيدا حرا منطلقا في شرايينه لفكرة أنه سيخرج مع سمية ويزيد كعائلة حقيقية أخيرا!
قال متسائلا بينهم
إذن هل هناك مطعم محدد تريدون مني الذهاب له لتناول الغذاء أم أختار على ذوقي
شبكت نورين أنامل يديها بارتباك ثم قالت مترددة بشيء من الحرج
مالك أعدني أولا ثم يمكنك الذهاب لأي مكان أخر لأني لا أتوقع أنه يصح أن أبقى طويلا خارج المنزل
عقبت سمية على كلامها معترضة
لا طبعا كيف تريدين أن تعودي للبيت وأبقى معه هنا ويزيد! مالك أعدنا فورا
حرك يزيد قدميه بحنق طفولي وهتف بإحباط
ولكن أنا يا أمي جائع.. أريد الذهاب الآن للمطعم
تدخل مالك يقول لنورين فوجودها مهم ليحظى برفقة سمية ويزيد
ألم تقولي بأن أخي سيعود متأخرا فلم الحاجة للعودة مبكرا
حاولت نورين النطق بكلمات الاعتراض إلا أن مالك حسم النقاش هادرا
لن نتأخر.. ساعتين بالكثير وسنعود للبيت.. وسأتصل الآن بأمي لأخبرها بأنك معي برفقة سمية ويزيد بحالة بحثت عنك..
قاطعته نورين هاتفة باعتراض يشوبه القلق
لا.. لا تخبرها.. أنا سأعود أولا وأخبر مصعب عن خروجي وأخذي لسيارته ثم هو له مطلق الحرية في إخبار والدته.. فعل كل حال لن تلحظ غيابي.. المهم ألا تقول لها شيئا مباشرة
قال مالك يطمأن نورين التي لولا وجودها لم يكن ليحدث الأمر
ممتاز.. ومصعب من المستحيل أن يعود من عمله فجأة فهو تقريبا من بعد وفاة يحيى صار ملتزما بشكل فائض عن اللزوم في العمل.. وكأن عمله هو الملجأ الوحيد ليشغل نفسه
خرج صوت نورين متهكما وهي تقول مؤكدة
لست بحاجة أن تخبرني أي شيء عن عمله.. لدي فكرة كاملة!
ظل مالك يركز نظره في الطريق أمامه قبل أن يقول بهدوء لنورين الجالسة خلفه
اصغي لي.. أنا لم يسبق وأن قلت هذا أمام أحد ولكن حالته كانت صعبة جدا بعد وفاة يحيى.. كنت أحيانا أتفقده في الليل.. وكنت اشعر بخفة نومه.. ويستيقظ كثيرا في الليالي المظلمة يتحسس هاتفه ويتفقد رقم ابن عمنا المحفوظ في المذكرة.. كما أن هناك أمور أخرى حدثت تجعل من وفاة يحيى أصعب على مصعب بالذات
همست نورين بصوت أجش خافت متعجبة
غريب أن نومه كان خفيفا.. فبالبيت لا يفعل شيئا إلا النوم.. ينام كثيرا بعمق
قال مالك بتفاؤل
هذا تقدم جيد.. على كل حال دعيه يحزن على فقدان يحيى.. عليه ألا يحاول أن يتجاهل مشاعره حتى لا يزيد من صعوبة ما يمر به.. فإقرار مشاعر الأمل والألم التي يشعر بها وإعطاء نفسه المساحة الكافية للشعور بالحزن هو الأفضل لصحته النفسية.. أتمنى منك فقط أن تحاولي دعمه وتفهم الفقد الذي يمر به حتى يستطيع البوح لك بكل شيء بتفاصيله.. فمن الصعب أن يتجاوز التجربة بمفرده.. سيرتاح لو تشارك بها أحد أخر
همهمت نورين لمالك وعقلها يأخذها بدوامة التفكير في مصعب.. لم يسبق وأن فتح لها موضوعا عن ابن عمه يحيى.. ولا تظن بأنها يمكن أن تتحدث في الموضوع معه إذا لم يكن هو مبادرا..
مشفى القرية..
تأوه مصعب تعبا وإنهاكا بينما يجلس فوق إحدى المقاعد الموضوعة في الساحة المقابلة للمشفى الذي يعمل به..
رفع كوب قهوته الساخنة يرتشف منها قليلا قبل أن يمسك هاتفه الذي صدح رنينه عاليا..
كان اسم والدته يعلو شاشته فرد على الفور مغمغما بكلمات السلام ليصله صوت امه مرتعشا مرتبكا بينما تخبره
مصعب زوجتك ليست في البيت.. منذ ساعات وهي غائبة بعد أن هربت بسيارتك
اتسعت عينا مصعب وعقله لا يسعفه أن يستوعب ما تقوله أمه التي تكمل بنفس نبرت صوتها
والله يا ابني اني لم أكن لأتصل بك في عملك وأفزعك إلا بعد أن فقدنا الأمل في إيجادها.. والدك ارتفع ضغطه.. ليس هناك رجل في البيت إلا أخاك مؤيد وهو يغلي انفعالا وتوعدا أثناء بحثه عنها.. أنا خائفة أن يجدها قبلك.. أرجوك يا مصعب عد للبيت فورا وحاول العثور عليها
همس مصعب بلا تصديق وهو ينتفض واقفا
أمي ما هذا الذي تقولينه!
خوف قبض قلبه من النتائج التي قد تحدث لو فعلا هربت نورين كما يزعمون إلا أنه تحلى بشيء من التعقل وهو يسألها
أمي أخبريني أولا هل ضايقها أحد منكم أو تجاوز الحدود معها
قالت أمه مدافعة عن نفسها بصوت متحشرج وعيناها تدمعان
أبدا يا مصعب.. والله منذ أن تحدثت معي بخصوصها وأنا احرص كل الحرص على تنبيه الجميع بمن فيهم زوجة أخيك مؤيد العاملين في القصر على تركها وشأنها وعدم القسوة في التعامل معها
لجم مصعب ارتباكه وقال لها بشيء من الثبات
لا بأس يا أمي.. سبب هروبها ليس وقته الآن.. دعينا نجدها أولا دون أن نثير بلبلة.. لا أريد لأحد أن يعرف بالأمر
أخذت دموع والدته تنسكب فتمسح وجهها بظاهر كفها وهي تقول
ابعد الله يا بني كل شر عنك أنت وإخوتك وباقي الشباب.. أنا لن أسامح نفسي إذا حدث واختفت أو حتى عادت لعائلتها فهذا يعني عودة الصراع بين العشيرتين
قال مصعب بعقلانية تهدأ والدته
سأعود حالا.. سأتفقد مزارعنا لعلي أجد أو اسمع ما قد يساعدني على إيجادها.. كل شيء سيكون بخير لا تقلقي.. من المستحيل أن اسمح لأي صراع أن يعود بيننا وبين عشيرة الهنادل
أغلق مصعب الخط على والدته وسارع يطلب رقم سيارة أجرة مستعجلة..
وأثناء انتظاره لها اتصل بمديره يطالب مغادرة لأمر ضروري
خارج عن إدارته..
كان كل ما فيه مشغول بالتفكير بنورين..
هل يعقل أن تكون فعلا قد هربت
ولكن لماذا
عاشرها لأشهر طويلة ولم يشهد منها إلا الحكمة والتعقل..
صحيح هي عاطفية ومرهفة الأحاسيس بشكل لعين إلا أن هذا الأمر لم يسبب أي مشاكل وأزمات له معها!

تم نسخ الرابط