رواية قلبي بارت 6-7
المحتويات
في أي قسم كان يتطلب جهدا وطاقة يكافئها رابتا أكثر مما نستم منهم.. لذا لا بأس أحياننا ببعض التقصير من جهتنا
أثار تبريره السخيف لإهماله حنقها.. لكن ظلت ملامحها هادئة تماما دون أي تعبير يعكس ما بداخلها ثم تكلمت بنبرة جليدية شديدة الخفوت
معظم الذي يعملون في شركة القاني يا قصي هم من طلبة الجامعات الذين يسعون إلى استغلال أوقات الفراغ التي بحوزتهم بالتوجه إلى سوق العمل للانخراط فيه.. لذا راتب الوظيفة التي تقدمها شركة القاني لهم يتناسب مع ظروفهم.. لكن أنت كرجل في الثلاثينات من عمرك فلا اعرف سبب بقائك في وظيفة تعطي هذه الرواتب المتدنية.. خاصة وأن من هو في مثل عمرك ينفق على عوائل
فتح قصي كلتا يديه يعلق
للأسف لم أجد أي وظيفة اعمل بها إلا في شركة القاني البائسة
ضرب في عينيها غضب عارم وهي تهتف
الوظيفة البائسة براتبها المتدني الذي تتحدث عنه بسخط فهو مسعى للكثير من طلاب الجامعات وممن يبحثون على عمل يفي بمصروفاتهم اليومية وظروفهم الطلابية بشكل لا يؤثر على واقعهم الدراسي.. فليس من السهل أن تجد فرصة عمل بساعات متفرقة وأيام متباعدة
أدركت بأنها تجاوزت حدودها مع الموظف أمامها وأن انفعالها كان مبالغا فيه.. فسعلت بإحراج ثم استطردت كلامها بتوبيخ مغلف بلباقة يمليه عليها موقعها في الشركة
على كل حال أتمنى منك يا قصي سامح أن تتحدث باحترام عن شركة القاني.. ففضلا عن سماحها لك في العمل هنا أنت وأكثر من ألف موظف أخر.. هي أول مزود من نوعه لتقديم خدمات الإسناد والدعم وأحدث شبكة متكاملة من مراكز الاتصال على مستوى المنطقة
رفع أصابعه يدلك بها مؤخرة عنقه وقد لفه التوتر ليقول
حسنا سأفعل يا شيرين.. أنا اعتذر لك ولشركة القاني المبجلة.. لا تغضبي.. لكن سأقدم أيضا اليوم في نهاية الدوام ساعتين مغادرة..
رفعت حاجبيها بتهكم لتقول مقاطعة إياه بمنتهى العملية
متأخر ساعتين وتريد مغادرة لساعتين إضافيتين طلبك مرفوض قبل حتى أن تقدمه..
قال قصي باعتراض مرتبك
ولكنني مضطرة هناك حالة وفاة..
قاطعته شيرين بكل ما تظهره من برود يناقض الانفجار داخلها من استهتاره كموظف في الشركة
هذه المرة إذا كان أحد جديك قد توفي حقيقة وليس اختلاقا كما أنت معتاد فعليك أن تقدم أوراقا رسمية تثبت وفاتها ولن نكتفي بمنشور إعلاني تنشره على مواقع التواصل الاجتماعي حتى نتأكد من صدق ادعائك
استقام من مكانه بضيق عارم وهدر بغيظ قبل أن يغادر المكان
حسنا يا شيرين سأذهب لأبدأ عملي واضع السماعة ولن أغادر الشركة قبل انتهاء دوامي المحدد.. وداعا
أوصد قصي باب مكتب شيرين خلفه ثم ذهب إلى حيث يجلس مئات موظفي خدمة العملاء في قسمة أمام حواسيبهم..
جلس على مقعده خلف الحاسوب واخرج هاتفه من جيبه يخفض رأسه خفية أن يراه أحد..
طلب رقم سهر وعندما ردت عليه قال بصوت خافت حتى لا يتم الإمساك به متلبسا في مخالفة إحدى القوانين
مرحبا يا باربي حبيبتي كيف حالك
ردت عليه سهر بصوتها الناعم
أهلا قصي.. لا زال هناك عدة ساعات على موعدنا..
تنهد قصي ثم قاطعها يقول مبررا
تواصلت معك بهذا الخصوص.. العمل اليوم المكتظ ولن أستطيع المغادرة
لف الإحباط وخيبة الأمل صوتها وهي تقول بدلال حزين
قصي أنا مشتاقة لك لم أراك منذ الأمس.. ألا ينفع أن تؤجل عملك قليلا
تنهد بعمق وهو يمرر أنامله بين خصلاته الناعمة ليقول
للأسف لن أقدر يا باربي.. أنت تعرفين حساسية موقعي وليس من السهل أن أدير شركة العائلة.. سأنتهي من عملي اليوم في وقت متأخر لذا لنتحدث ونلتقي في وقت أخر
حاولت سهر ألا تبدي الضيق وتتفهم ظرفه وهي تقول له
حسنا يا حبيبي المجد.. لا تقلق.. على كل حال سألتقي بشيري بعد أن تنهي عملها اليوم
اقترح عليها على الفور
يمكنك أن تجتمعي معها في نفس المطعم الذي كنا سنلتقي به يا باربي
سألته بدهشة ممزوجة بالسعادة
أوه حقا يا قصي
ابتسم لاإراديا لسعادتها وأكد عليها
نعم يا حبيبي فأنا حجزته على كل حال.. اطلبا ما تشاءان هناك وسأسدد من بطاقتي للمطعم فأنا عميل قديم عندهم
لوهلة عبس قصي وهو يفكر بأنه لن يذهب مع سهر بسبب مشرفة عمله الصارمة التي ستأخذ مكانه معها!
هو ينظم ويتعب في تأكيد حجز ليحظى بوقت دافئ ورومانسي مع سهر لتأتي شيرين في النهاية وتستولي عليه..
في حين قالت سهر له بامتنان شديد
أوه حبيبي شكرا لك اتعب أنا من لطفك الذي تغمرني فيه دائما.. عليك أن تلتقي بشيري يوما ما فأنت لما تتقابلان إلا مرة أو مرتين منذ زمن
توتر بشدة لا إراديا عند حديث سهر عن حتمية لقائه بصديقتها إلا أنه تمالك نفسه وهو يقول لها
لا تقلقي يا حبيبتي سنلتقي أنا وصديقتك اللطيفة يوما ما.. لكن ليس اليوم.. لاحقا.. إلى اللقاء الآن
اغلق الهاتف بسرعة قبل أن يتم إمساكه متلبسا..
أيامه القادمة ستكون عصيبة جدا..
منذ عمله في شركة القاني قبل سنتين وهو يعيش في رعب شديد فقط لأن شيرين والتي تكون صديقة سهر المفضلة تعمل في نفس الشركة معه هنا.. رغم أنها كانت موظفة في قسم ومبنى أخر غيره..
فكيف الآن وبعد أن انتقلت شيرين لقسمه بل وصارت مشرفة عليه!
وبينما قصي غارق في دوامات من القلق والضيق لما يعيشه مال زميله الجالس بجانبه له هامسا بتحذير
اغلق الهاتف يا قصي وخبئه جيدا.. سيراك أحد المسؤولين وستأخذ تنبهيك الأخير ومن ثم الطرد.. لماذا لا تفهم أن الهواتف ممنوع إخراجها في مكان العمل هنا وعليك أن تلتزم بالقوانين!
وضع قصي هاتفه حالا في حقيبة ظهره ثم التفت لزميله الجالس بجانبه يجيبه بنفس الهمس
لقد أغلقته وخبأته لا تقلق
أشار زميله لحاسوب قصي وقال له مستنكرا عدم بدئه بعد في العمل
حسنا الآن سجل دخول للنظام وابدأ في العمل وتلقي المكالمات.. ماذا تنتظر
امتقعت ملامح قصي ثم قلب عينيه بالسقف وقال بضجر
لا رغبة لي في العمل.. لقد مللت.. اشعر بالاختناق رغم اني لم أبدا بعد دوامي اليوم
أومأ زميله برأسه ثم غمغم بتفهم
الحال من بعضه.. لكن أنا على الأقل طالب جامعي بمجرد أن نهي جامعتي حتى أجد وظيفة بشهادتي لكن أنت.. لا اعرف عمرك بالضبط.. تبدو رجل ثلاثيني.. وما زلت تعمل في وظيفة غير دائمة! بدلا من أن تكون قد أسست قدمك في وظيفة محترمة بدخل أكثر احتراما! وضعك صعب.. جدا!
ارخى قصي جلسته على الكرسي وسأله بعبوس
أنت يا هذا لا زلت في الجامعة إذن لماذا تعمل هنا لماذا لا تركز على عيش حياتك الجامعية بين لهو ودراسة بدلا من العمل في مثل هذه الوظيفة التي تقتل في حياتك كل أشكال الآدمية وتجعلك تكره اليوم الذي فكرت أن تلتحق بها!
أجابه زميله بعفوية
لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب.. ومع تزايد أعباء المصاريف اليومية والحياتية في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة ككل وببلادنا بشكل خاص يستوجب علي مساعدي والدي في تقليص المصاريف المالية
زم قصي شفتيه ثم قال له مشيدا بلا مزاح
أنت ابن صالح يا هذا
عقب موظف أخر يجلس على الجهة الأخرى من قصي ساخرا
بل أنت حالم يا هذا.. هل تظن بأنك ستجد وظيفة سريعا بمجرد تخرجك! لقد تخرجت من كلية التجارة قبل شهرين ولم أجد فرصة للعمل إلا هنا.. فمجال خدمة العملاء هي الوظيفة الأشهر والأسهل والأكثر إتاحة لكل الخريجين الشباب ولا تطلب أي خبرة سابقة.. فقط لو تزيد هذه الشركة الخرقاء رواتبها وزيادتها السنوية
لوح قصي بيديه وهو يقول
هذا كنت أقوله للمشرفة شيرين قبل قليل..
برزت عقدة بين حاجبي الموظف الثاني وهو يقول
وهل هناك شيء بيدها تلك المشرفة الخرقاء الصارمة! إنها موظفة مثلها مثلنا لكن براتب وصلاحيات اعلى بقليل
التفت قصي
لا داعي للتحدث عنها بهذا الشكل فكما قلت هي موظفة مثلها مثلنا ولا صلاحية لها في التحكم في مثل هذه الأمور
ظهر الامتقاع على وجه الموظف الثاني والتفت لجهاز الحاسوب أمامه يضع السماعة فوق رأسه يكمل عمله متجاهلا الرد على قصي.. بينما يقول الأول
نعم حقا يا قصي هي ليست مذنبة بل الحق كله يطول على أصحاب شركة القاني ومسؤوليها الحقراء فهم يقومون على تنمية أعمال عملائهم من خلال خفض التكلفة عليهم.. من خلال وضع تكاليف تشغيلية متدنية للموظفين
هز قصي كتفيه لصحة ما يقوله زميله ثم سجل دخول للنظام ووضع السماعة فوق راسه يبدأ عمله..
سجل دخوله المتأخر للنظام وبدأ يأخذ أول مكالمة يبدأ فيها العميل الكلام بما له الاتهامات ويصفه بالمتقاعس عن عمله..
وبعد دقائق من الاستماع لشكوة العميل لم يجد قصي أن يفيده إلا بالنصيحة الشهيرة لموظفي خدمة العملاء
اعد تشغيل الجهاز يا سيدي وسيعمل
بدأ العميل يقوم بما أخبره قصي به وبعد أن نجح الأمر سأله بفظاظة
هل ستتكرر هذه المشكلة في المستقبل
قال قصي من بين أسنانه ببلادة
لحظة سيدي.. دعني انظر في المستقبل لأتأكد قبل الإجابة
علا صوت العميل وهو يقول بامتعاض
أيها الموظف لو كررت مزحة كهذه مجددا فسأرفع شكوى بك
تأسف قصي منه على مضض قبل أن يغلق العميل المكالمة عليه
اعتذر منك سيدي
جلست شيرين على مقعدها مقابل سهر في المطعم وكل ما فيها مأخوذ بتصميمات المكان الفخم الذي يتناغم برشاقة مع الإضاءة الهادئة والموسيقى المريحة التي تبعث السلام في النفس..
صدح صوت رنين هاتف شيرين لتجد شاشته يعلوها اسم الرائد معاذ..
اختلست النظر لسهر أمامها ولوهلة شعرت بالتردد في الإجابة عليه أمامها..
فرغم بروده وجفائه معها إلا أنه في الفترة الأخيرة وعقب لقائها به في المطعم ازدادته معاملته معها بؤسا..
فهي من تبادر في الاتصال به دائما.. ومع ذلك فهو لا يرد عليها في معظم الأحيان وإن رد يتحدث بإيجاز وبرود كمن يتهرب من أي فرصة تتيح لها خلق موضوعا للنقاش معه..
كادت أن تقسم في أيام والدها الأخيرة بأنه يكن لها الكثير من مشاعر الإعجاب ولولا علاقتها في الماضي من وليد والا لكان هو من طلب يدها للزواج في حياة والدها..
لكن معاملته ونظرته الآن مختلفة كليا.. يتصرف وكأن مقدم على موته لا الزواج..
هل من الصحيح لها أن تمضي قدما على هذا الزواج رغم كل ما يبديه ويظهره لها
قررت أن تجيب على الاتصال قبل أن ينتهي رنينه قائلة
مرحبا معاذ.. كيف حالك
رد بجفاء وبرود لها كعادته مؤخرا
لقد اتصلت بي عدة مرات في الصباح.. هل هناك أي شيء
اختلست شيرين مجددا النظر لسهر أمامها والتي كانت تصغي لمكالمتها بكل اهتمام..
ثم عادت لمعاذ تجيب بشيء من التلعثم
نعم اتصلت بك.. كنت أريد.. أعني كنت بحاجة لأن أسألك إذا ما كان اتصل بك أحد أخوالي واستفسر
باقي الفصل السادس
نعم اتصلت بك.. كنت أريد.. أعني كنت بحاجة لأن أسألك إذا ما كان اتصل بك أحد أخوالي واستفسر عن شيء بخصوص عقد القران فقد سبق وتحدثوا..
قاطعها معاذ بنفاذ صبر
قلت لك اتركي مسألة أخوالك لي فأنا من سأتحدث لهم.. هل هناك شيء أخر
أغمضت شيرين عينيها بينما لعابها أصبح كغصة مسننة يصعب ابتلاعها..
ثم قالت بعد لحظات بوجه محتقن من شدة الإحراج
لا احتاج شيء أخر
وكأنها الكلمة التي كان بانتظارها فما كان منه إلا أن سارع في غلق الهاتف على وجهها دون أن يتفوه بكلمة إضافية..
هتفت سهر على الفور باستياء
لا يعجبني هذا الرائد.. يتصرف بثقل شديد معك.. لا أريد إحباطك لكني اشعر بأنه ليس هناك امل فيه.. لن يتحول زواجكما الصوري الي طبيعي أبدا.. فهو لا يبد أي رغبة بك
أطرقت شيرين بعينيها ثم قالت وهي تمسد كفها براحتها الأخرى
ربما..
ظلت سهر تنتظر لها باستغراق تتأمل ملامحها البائسة بغير رضا.. ثم سألتها
هو أرمل صحيح
أومأت شيرين تجيبها بخفوت
نعم منذ ثمانية سنين.. لديه ابنة في الثانية عشر من عمره اسمها دارين
قال سهر بعفوية ما خطر على بالها
ربما لا يزال يعشق زوجته المتوفاة والا فما الذي يجبر زوج مثله على العزوبية طوال هذه المدة!
تراخت أجفان شيرين مع تراخي رأسها كأنها تتأوه من وجع شوكة جديدة انغرزت فيها إلا أنها قالت بصراحة
ربما.. وهذا ما يجعلني أحبه.. إخلاصه لزوجته حتى بعد وفاتها شيء مؤثر.. وعاطفي
قالت سهر مفكرة
هو شيء مؤثر فعلا.. ولكن أن استمر كثيرا لن يكون جيدا بالنسبة لك ولن يكون هناك امل لك فيه.. المهم ما أخبار وليد ألا يزال يزعجك أحيانا اشعر بالقلق والخوف عليك.. يبدو بأنه رجل واصل ومتجبر
انتفضت شيرين فجأة عند ذكر سيرة وليد فتسحبها من دوامة أفكارها من معاذ.. فغمغمت بغل من بين أسنانها
وهو كذلك.. ولكن الرائد ليس أقل منه.. لن يستطيع وليد مسي إذا ما كان معاذ هو زوجي.. حتى عشيرته التي يتغنى بها لن تفيده بشيء إذا كان خصمه هو واحد منهم
مطت سهر شفتيها لتقول بنبرة شديدة الوطأة
حسنا بدأت أتفهم لم اخترت معاذ.. أسبابك ليست عاطفية ولكنها معقولة
أطلقت شيرين زفرة طويلة ثم قالت
ستأتي العاطفة بعد الزواج صدقيني.. فكل شيء فيه يشجع على الحب.. وسامته.. مركزه.. اسم عائلته.. شهامته ودماثة خلقه
هزت سهر كتفيها وقالت
مع ذلك يا شيرين أنا لا أستطيع أن أخدعك وأقول أني متفائلة بذلك الرائد
تغضن جبين شيرين بالضيق وقالت
وماذا قد أفعل الآن
مالت سهر للأمام تنصحها
أظن بان عليك أن تطلعيه على رغبتك الحقيقية.. اخبريه بانك تشعرين بالأمان معه وأخبريه عن ملاحقة وليد لك.. اخبريه بانك تريدين أن يكون زواجك منه طبيعيا.. وبانك لم تحبينه بعد ولكنك ستقدرينه وستبذلين أم بوسعك من أجله.. المواجهة الصادقة هي حل مشاكلك..
هزت شيرين رأسها نافية تقول بإصرار
لا سهر مستحيل.. لو أخبرته كل ذلك فلن يوافق.. كنت اشعر في البداية أنه منجذب ومعجب بي لكن الآن لا أرى منه جاهي إلا الجفاء والبرود.. لذا لو أخبرته عن وليد.. فسيحاول إبعاده عني بدون أن يتزوجني..
أصرت عليها سهر بإلحاح قائلة
لا يا سهر.. بل سأمضي قدما نحوه.. وبعد ذلك فأنا متأكدة من قدرتي كامرأة أن اسحره بعد زواجنا.. سيحبني وأنا أيضا سأحبه.. فكما سبق وأخبرتك كل شيء فيه يشجع على الحب.. اشعر بقبول رهيب تجاهه.. وسأنسى وليد.. سأنسى الرجل الوحيد الذي أحببته في الماضي فأنا الآن لا أكن له حاليا إلا كل الشر والكره والحقد
ضاقت عينا سهر قليلا ثم قالت بنبرة يشوبها القلق
الكره هو الوجه الأخر للحب يا شيرين.. عليك أن تلغي وليد من حياتك ولا تشعري باي شيء تجاهه.. لا حب ولا كره حتى تنسيه
قالت شيرين بقلة الحيلة تغمرها
لا أستطيع يا سهر أن امحي كل مشاعر المقت تجاه وليد وأتوقف عن كرهه.. فهو من لوث روحي وجعل الكره والحقد يتغلل فيها على مدار السنين بكل ما فعله بي
ثم سارعت تنفض هذه السيرة وتستطرد
بعيدا عن سيرة ذلك النذل الذي قمت بحظره.. غير آبهة لكل القضايا التي سيرفعها علي.. فأنا سأحاول الآن أن أبيع كل شيء أملكه حتى سيارتي.. وسأدخر كل أموال راتبي وأجمعهم مع ما تبقى من مدخراتي في البنك حتى أستطيع دفع تعويضات لموكله.. وسأبقى في عملي وادخر المزيد من المال إذا ما قرروا أن يرفعوا قضية أخرى ضدي مستقبلا.. فالرائد معاذ سابقا أخبرني بأنه بعد أن يتم عقد القران سأنتقل إلى شقته في المدينة وأعيش معه تحت سقف واحد.. فهو لن يقبل أن أبقى على ذمته وأعيش في بيت ناس أغراب
بهت
نحن لسن أغراب يا شيري.. لكن أصدقيني القول هل قبلت أن تحطي من قدرك بهذا الشكل وتطلب الزواج منه من اجل المال إذا كان هذا السبب فكل ما املكه من مال ملك لك ولن اقبل أي نقاش..
قاطعتها شيرين بصلابة رغم صوتها المهزوز
سهر لا.. الموضوع ليس موضوع مال ولا يمكن أن يكون سبب طمعي في الزواج منه هو ثروته! أنا أيضا أعمل في وظيفة مرموقة ولدي راتب عالي نسبيا.. وأنت تعرفين أني كنت لأملك الآن في حسابي البنكي ثروة صغيرة لولا المبالغ الهائلة التي دفعته ولا زلت ادفعه لعائلة ذاك الصبي بعد القضايا التي رفعوها علي.. لذا ثقي بي ودعيني أمضي فيما أخطط له
أذعنت سهر لرغبتها فازدردت شيرين ريقها بصعوبة..
وبمجرد أن أحضر النادل الطعام لهما حتى تطلعت تسأله بتهذيب
عفوا.. هل يمكن أن ترشدني لدورة المياه
أجابها النادل وهو يشير للمكان بيده
نعم بالتأكيد يا سيدتي.. دورة المياه الخاصة بالسيدات من هناك ثم انعطفي يسارا
دلفت شيرين إلى دورة المياه وأغلقت الباب خلفها بملامح صارمة لامبالية.. ثم انهارت باكية خلفه بصوت مكتوم خشية أن تنال من عين أحدهم نظرات الشفقة..
بدا واضحا بالنسبة لها أن الأشفاق والاحتقار كانا يلفان ملامح سهر طوال حديثها عن خططتها المثيرة للشفقة عن الرائد إلا أنها جاهدت ألا تظهر هذه المشاعر جلية حتى لا تحرج من نفسها أكثر..
لقد اتضح بأنها كانت في أخر أيام حياة والدها الأخيرة مجرد متوهمة بائسة عندما ظنت بأن ذلك الرائد يكن لها شيء من الانجذاب أو القبول..
شعت عينا شيرين المحمرتين بالإصرار والعزيمة فهي لن تتراجع...
أبدا لن تتراجع..
هي جميلة وستبذل جهدها لتكون أجمل أمامه..
ستجعله رغما عنه يضعف ويستسلم أمامها..
ستذهب لأفضل صالونات التجميل وسترتدي ثوبا أجمل من الذي سبق وحجزته مع سهر ليوم عقد القران..
ستذهله وتجعله غير قادر على إبعاد ناظريه عنها ويطلب بنفسه ودها من أول ليلة!
تململت سهر مكانها بانزعاج من تأخر عودة شيرين فقد بدأ يبرد الأكل..
تنهدت بضجر ثم تناولت هاتفها وبدأت تتصفحه..
رفعت حاجبياها بدهشة عندما وردها اتصال لترد عليه بلهفة تقول
مرحبا قصي كيف حالك
وصلها صوته هادئا
أنا بخير سهر.. كيف حالك
عبست ملامحها وقالت
عندما تدعونني بسهر اعرف أن هناك شيء لا يسر ستقوله
ضحك بخفوت ثم تنهد قبل أن يقول لها بشيء من الاعتذار
نعم وهذا بالفعل ما سأقوله.. لن أستطيع أخد إجازة لمدة أسبوع لنسافر لذلك المكان الذي وعدتك فيه مع عائلتك بسبب عملي.. تعرفين أن تقع مسؤولية شركة كاملة على عاتقك ليس سهلا وسيكون من الصعب أخذ أي إجازة في الأشهر القادمة
غمغمت ببؤس متفهمة
نعم معك حق!
رد عليها بصوته الدافئ القوي
على كل حال بما أني اشتريت التذاكر وانتهى الأمر فيمكنك الذهاب لهناك مع عائلتك بدوني
لف إحباط وقنوط صوتها وهي تقول
ولكن ستكون رحلة تعيسة من دونك.. ثم لمن سأعطي التذكرة الرابعة شيرين أيضا لن تستطيع الذهاب معنا بسبب عملها
أخذ نفسا عميقا ثم أخبرها
اعطيها لأي أحد.. ربما لإحدى صديقات والدتك لتذهب هناك بشكل منفرد عنكم
قالت له بتلقائية
حسنا سأخبر أمي أن تعطيها لإحدى صديقاتها فأنت تعرف بأن لها مكانتها ورزانتها بين صديقاتها الراقيات..
لم يستطع قصي بهذه اللحظة إلا أن يقاطعها قائلا بضجر
يا إلهي كم امقت عالم سيدات المجتمع الراقي التي تتواجد أمي فيه.. إنهن مجموعة من النساء المنافقات اللاتي لا يعرف إلا النميمة والمجاملات الكاذبة في مناسبتهن وحفلاتهن الخيرية..
شعرت سهر بشيء من الضيق من فكرة بأن هذه المرة هي الأولى تقريبا التي يتحدث فيها عن أمه فهو نادرا ما يجلب سيرتها أمامها بل وحتى هي الآن لم تلتق بها..
إلا إنها لم تجلب هذه السيرة له حتى لا يتضايق عندما استرسل
لكن أنا ممتن أن زوجتي المستقبلية ليست منه
ابتسمت سهر عند مديحها.. فهو وهي متشابهان إلى أقصى الحدود..
كانت تهم بالرد عليه عندما وصلها من الهاتف صوت رجل أخر يهتف بكلمات غير مفهومة في قصي فسألته باستغراب
هل هناك أحد عندك يا قصي
من الجهة الأخرى عند قصي الذي كان يجلس عند رواق الشجرة انتبه لقدوم قائد فريقه معتز..
فقرب الهاتف لفمه يقول بخفوت
انتظري يا سهر قليلا فهناك أحد يريدني في موضوع مهم يخص العمل
ابعد الهاتف عنه يتنحنح ليجلي صوته ثم قال بنبرة لطيفة لا تخلو من غرور ذكوري يناسب رجل أعمال فاحش الثراء
مرحبا يا معتز.. ما الذي تريده
استغرب معتز من نبرة قصي في الحديث منه إلا أنه لم يعقب واكتفى القول بتحذير
اغلق الهاتف يا قصي وعد لعملك.. لقد انتهى وقت راحتك.. تجاوزك وقت الراحة لن يتسبب في خصم راتبك وحسب بل سيجبرني أن أعطيك تنبيهك الأخير.. مشرفة هذا القسم بنفسها متوعدة لك
كان لا زال قصي يتسم بالحذر لعلمه بأن سهر لا تزال على الخط وتسمع ما يقوله هو.. فرد على معتز بنبرة رجولية لها وزنها
لا تقلق سأفعل.. يمكنك الذهاب من هنا
مال معتز فاهه ببلاهة من نبرة صوت وطريقة قصي في التحدث معه..
هذا الصعلوك يخاطبه وكأنه رئيسه في العمل لا العكس!
لكنه مجددا.. تجاوز الأمر وابتعد من الرواق..
في حين قال قصي لسهر مدعيا الإجهاد
إلى اللقاء يا حبيبي..
ما إن أغلقت الهاتف حتى انتبهت لشيرين تجلس أمامها مبتسمة لها بعد أن عرفت بأنها تحدث خطيبها..
أمسكت شيرين الشوكة والسكين وبدأت تتناول من الطبق البارد أمامها..
وتمنت في داخلها أن يتم زواج صديقتها عاجلا.. فبكل صدق هي لم تشعر يوما بالغيرة من صديقتها.. بل مجرد غبطة لامتلاكها إنسان مثل خطيبها قصي في حياتها يتحدث معها كل يوم بل في كل ساعة بحب واهتمام..
يسهر ويتسامر معها على الهاتف لساعات الصباح الأولى بينما تذوب بكلماته وهي التي لم يسبق وان عرفت للخجل معنى إلا عندما خطبت على قصي..
سهر هي الشيء الوحيد في حياتها الذي اختارته بشكل صحيح.. وجميل..
فهي الكتف الذي يسندها وتميل له.. هي البئر الذي ترمي فيه أسرارها.. هي الضحكة التي تخرج من قلبها.. هي الراحة التي تلقاها بعد التعب..
تفتت قلب الحاجة زاهية وهي ترى ابنها مالك متمدد على السرير بوجه ذابل ومرض واضح عليه لتقول بصوت متحرش وهي تمرر أناملها بحنية بين خصلات شعره
لا بد أنك متعب جدا يا بني فأنت حتى في أيام مرضك لا تبد بهذا الذبول والضعف
أومأ مالك برأسه ثم قال بلا تعبير بصوته الأجش
نعم أمي حرارتي مرتفعة قليلا
تناولت زاهية الكمادات الموضوعة على جبينه المتصفد عرقا ثم وضعتها داخل الوعاء هادرا
سأذهب لأبدل ماء الكمادات وعندما أعود أريد منك أن تكون قد انتهيت من تناول الطعام أمامك
قال لوالدته بصوت مجهد من إعياءه
حلقي يؤلمني ولا طاقة لي ببلع أي شيء يا أمي
قالت له أمه بحزم مشوب بحنان أمومتها وهي تخطو للخارج
حاول يا مالك لأنه لو تطلب الأمر مني فسأطعمك بيدي.. المهم أن يدخل معدتك شيء من الطعام حتى تستطيع شرب دوائك
بمجرد أن أوصدت والدته الباب خلفها حتى مد يده يلتقط هاتفه رغم شعوره السليط بالإعياء..
ضغط على عدة خيارات ثم قربه من أذنه..
وما إن فتح الطرف الأخر الخط عليه حتى قال مالك باشتياق نبرة مكتومة فاقدة للسيطرة دون أن يتمالك مشاعره بحضرة صوتها
مرحبا يا سمية
سألته سمية باستغراب من بحة صوته
مرحبا.. هل حدث شيء
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهه وهو يقول
لا وهل يجب أن يكون قد حدث شيء لأتصل بك
وصله محاولاتها لأخذ نفس عميق قبل أن تقول بجفاء اعتاد عليها أن تلجأ له لتقطع عليه كل سبله إليها
مالك
صمت قليلا وتلك الرسمية التي تتعامل بها معه بالإضافة لمحاولاتها الدائمة في وضع حواجز جديدة بينهما تحرق دمه رغم علمه بأنه الصواب..
قال لها بصوته الأجش
أنا مريض.. ولا أظن بأني قادر على الخرج من البيت أو حتى سرير في الأيام القادمة.. ولم اسمع صوتك أو صوت يزيد..
أرخت سمية التي كانت تتحدث معه على الهاتف من الجهة الأخرى أهدابها ونبضها يتصاعد برقبتها حرارة لترد ببرود قاتم
سلامتك.. عندما تتعافى سترى يزيد.. هل تريد شيء أخر قبل أن اغلق الهاتف
عبس مالك يستنكر طريقة حديثها معه بخشونة حتى بعد معرفته بإعيائه
لماذا تتحدثين معي بهذا الشكل ما الذي تغير لتصبحي أكثر قسوة وجفاء معي عن قبل
ردت عليه بثبات غاضب محترق
بعد أخر موقف حدث بيننا ومحاولتك التدخل في تربية ابني والتحكم به وبأمر بسيط كرحلة مدرسية رأيت بأن علي البدء في إعادة النظر لكل من يحيط بي.. ولمن لهم بالغ الأثر في تكوين صورتي عن ذاتي ويتسببون في إشعاري بالنقص
عقد حاجبيه يسألها
لا افهم كلامك.. ماذا تعنين
ردت عليه بحزم
ستصبح لدي حدود صارمة أكثر من قبل معك.. فليس لأني وحيدة ومطلقة ولا ظهر لي سأسمح لك أن تستنقص مني ومن طريقة تربيتي ليزيد رغم عدم إنكاري حقك فيه.. إلى اللقاء
أغلقت سمية الهاتف في وجهه فصمت مالك وقلبه يخسف هاويا كصرخة رجولة موجوعة داخله..
وضع الهاتف على المنضدة الصغيرة بجانبه بقوة ثم أغلق عينيه..
في حين أظهر ذهنه له مشهد من الماضي قبل عقد مضي.. عندما كان عمره يقارب الثامنة عشر..
وتحديدا قبل ثلاثة أيام من موعد زفاف سمية من خطيبها الأخرق كامل..
وقتها كان رافضا للطعام والشراب بشكل تام حتى أن والديه أخذاه للمشفى وهناك وضعوا له محلولا وفيتامينات وأملاحا لأنه فقد الكثير من جسمه..
وعندما سأله الطبيب عن السبب النفسي الذي دفعه إلى الإضراب عن الطعام والشراب تحجج بإنه في انتظار نتائج قبول الجامعة والأمر يتسبب بتوتره..
وعندما عاد بقي طوال اليوم مستلقيا فوق السرير منهار القوى وحرارة جسده الذي يسري مرض العشق في أوردته مرتفعة..
آنذاك عندما كان ابن الثامنة عشر فتح عينيه ينظر للسقف الأبيض لدقائق طويلة قبل أن ينتشله من شروده طرقات باب غرفته فأذن للدخال ثم قال وهو على نفس وضيعته
ضعي يا منال الحساء جانبا.. لا أريد شرب شيء الآن
وصله صوت مختلف ناعم قلق
أنا سمية يا مالك
اعتدل مالك جالسا على الفور بصدمة دون مراعاة لحالته الصحية جعلت منه يغمض احدى عينيه ويشهق ألما وهو يشعر بشيء يفتك رأسه..
حتى أن المنديل البارد الذي كان موضوعا فوق جبينه المتعرق سقط أرضا..
فتح عينه الأخرى وهو يقول دون إدراك إن كانت أمامه فعلا أم أنه يتوهم
سمية! ماذا تفعلين هنا
ردت عليه وهي تتحاشى النظر في عينيه بصوتها الذي كان كالبلسم عليه بينما لا تزال تحمل صينية الحساء
سمعت أنك مريض بشدة فأخذت الحساء الذي كانت تعده منال لك وجلبته لأطمئن عليك.. فربما تكون هذه المرة هي الأخير قبل حفل زفافي في الغد من كامل
همس لها مالك متسائلا بصوت مضطرب كما ذهنه
المرة الأخيرة للقائنا لماذا!
صمتت ولم يعرف ما يدور في خلدها تلك اللحظة لتجيبه بصراحة بعد لحظات بحذر شديد
كامل غضب مني وتشاجر عندما عرف بأني أعطيتك الدعوات وحذرني من التحدث معك أو غيرك أو حتى الدخول لهذا القصر بعد زواجنا
أظلمت خضرة عينيه المجروحة مسبقا بعذاب الرحيل ليدمدم بخفوت
حذرك من التحدث معي وأنت وافقت ببساطة
عقدت سمية حاجبيها تقول مستنكرة
بالتأكيد سأوافق.. كيف أرفض ما يقوله لي وغدا سيكون زوجا لي!
رد مالك عليها بعصبية غير طبيعية وعيناه تتقدان بنيران مضطرمة
هل تتخلين عني بهذه السهولة ألا أعني لك حقا أي شيء الم تعتبريني سابقا صديقا لك وأخا صغيرا وقلتي بأن ما بيننا علاقة عميقة.. أنت مخبأ أسراري وانا أيضا هكذا بالنسبة لك.. أنا من أحب الناس إليك.. اعرف هذا جيدا
ثم استرسل لها بنفس تعابيره السابقة
ثم أنا بنظرك وبنظره لست إلا مراهقا يصغرك بسبع سنوات فلماذا قد يمنعني من التواجد بحياتك بعد أن يتزوج منك! إلا أذا لم يكن عنده ثقة بك! أو عندك أنت ثقة بنفسك!
كانت أخر مجلة في حديثه بنبرة ذات مغزى لم تستطع سمية أن تستنبطها وهي تمعن النظر به..
فتنهدت ثم قالت له بصبر دون انفعال
الأمر ليس هكذا
هتف مالك بها وكل عصب فيه يرتجف غضبا
بلى هو هكذا.. ثم أنت أليس لديك شخصية كيف تسمحين له أن يملي شروطه عليك لو كان يحبك لما طلب منك أن تقطعي علاقتك بي نهائيا
اتسعت عيناها لوهلة من طريقة كلامه الهجومية.. ترفض ملامحه هذه وتستنكر كلماته..
لكن تسلل الحزم لملامحها فأخذت نفسا عميقا ثم قالت له بجدية
مالك.. أنصت لي.. أنت تعني لي الكثير.. وعلاقتنا مميزة.. لطالما كنت بجانبي وقت حزني.. ولطالما ساعدتني عندما كنت أقع في المشاكل.. أنت ملم بكل شيء يتعلق بي.. ولكن كنت اسمح لك أن تأخذ هذه المساحة في حياتي لأني لم أراك إلا مراهق وفتى يصغرني بالكثير لكن الآن أرى خطأ استمرار هذه الود بيننا.. فأنت لم تعد ذاك المراهق الصغير.. انظر لنفسك يا مالك أنت تطولني.. ربما بعشرين سنتمترا.. ومن يراك يظن أنك في سني.. لا يصح أن تتواجد تلك الأريحية بيننا.. حتى لو لم يطلب مني كامل ذلك كنت لأقطع علاقتي بك نهائيا
ازداد وجه مالك الشاحب شحوبا لما سمعه منه.. وهو يدرك في صميمه صحة ما تقوله!
أمام هي تابعت حديثها الصائب وأكملت قائلة
ثم إن الأمر لا يتعلق بكامل بل أي رجل في العالم مهما كان متفتحا لم يكن ليقبل أن يكون صديق لزوجته رجل ويرافقها في السراء والضراء.. ليس لقصور في عقله بل لأنه لا يجوز وغير مشروح.. لا كبرياء الرجل ولا كرامته ولا دينه يسمح بذلك.. وخاصة أن علاقتنا هذه وطيدة جدا جدا.. حتى الحيوانات تتقاتل أن اقترب ذكر من أنثاه فكن حيادي يا مالك أرجوك في هذا الأمر وضع نفسك في مكان كامل فأنت رجل وعليك تفهمه
ساد صمت ثقيل بينهما..
وشعر مالك بالذنب الشديد بعد أن استرد شيء من صوابه وعقله الذي يميز له الصح من الخطأ..
لكنه ورغم كل شيء لا يتمن في حياته أكثر من بقائها فيها ورؤيتها من حين لأخر..
فقد زهد بكل شيء وهو قابل أن يكتفي فقط بأنه يحبها ويستمتع بهذا الحب من طرفة لوحده فقط.. ولا يطمع كثيرا أن تبادله فيه..
نعم.. هو راض وسعيد بما يصله منها من مشاعر رقيقة بريئة واهتمام وخوف عليه كاخ صغير..
والان كل هذا سيتلاشى بعد زواجها فهي لن تستطيع حتى رؤيته!
احمر وجه مالك وبدا كأنه يصارع في داخله بين حبه لها وبين ما هو صواب وصحيح..
شعر بالضغط عليه يزداد دون أن يظن بأنه قادر على ترويض مشاعره..
عادت سمية تقول له برجاء
يا مالك تفهمني أرجوك.. اعرف أن الأمر شائك.. ولكني حتى وضعت نفسي مكان كامل.. ووجدت بأنه لو امتلك صديقة مقربة جدا منه فسأجن.. لن أتحمل هذا وستأكلني الغيرة عليه مهما بدت العلاقة بريئة بينهما
قست ملامحه بهذه اللحظات إلا أخفض نظره أكثر وأكثر كطفل مذنب في تفكيره من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه..
خفق قلبها بقوة تأثرا به لكنها قالت له بعبوس تحاول إقناعه أكثر
مالك عندما تصبح في عمر الزواج.. هل تعتقد بأن خطيبتك سترضى أن أبقى في حياتك بحجة أني مجرد صديقة وأكبرك في السن بالتأكيد لا.. بل ستعشر بأني أشاركها في زوجها وستراني عدوتها الدودة حتى لو كنت لا أقارن بها بشيء
ارتفعت عينا مالك لها بحذر شديد.. يمنعه ألف تهديد وتحذير رغم ثوران مشاعره..
حركه التهور والسخف ليقول
حسنا إذن.. لن أتزوج من أي امرأة أخرى لأجلك فافعلي أنت نفس الشيء ولا تتم زواجك من أجلي
عقبت سمية على كلامه بفتور وهي تضع الصينية فوق المنضدة
يا مالك العمر يمر بي بسرعة وعلي أن أفكر بعقلانية بدلا من سماع ترهاتك.. لست مجنونة لأختار أن
متابعة القراءة