رواية قلبي بارت 6-7
الفصل السادس
وصل مصعب بسيارته عند مزرعتهم البعيدة ليركن السيارة جانب الطريق المعبد ثم يرتجل هو ونورين منها..
مضى يسير ونورين خلفه فوق بساط مزرعتهم الأخضر الممتد على مساحة شاسعة بينما الأشجار الخضراء متباينة الأطوال موزعة في كل مكان..
لامست نسمات الهواء النقية المنعشة بشرة نورين التي كانت توزع نظرها في الأرجاء وعينيها لا تتعبان من التحديق والتمتع بسحر هذه المزرعة..
توقف مصعب عند مسافة بعيدة نسبيا عن خلية نحل كبيرة مثبتة على شجرة بارتفاع ما يقارب خمسة أمتار عن الأرض..
فتساءلت نورين ونظرها مأخوذ للنحل
هل خليات النحل هناك هي لك
نعم.. انهم لي
ثم أشار إلى صندوق من الخشب الرقائقي حوله شبكة وقال
تلك هي المصيدة التي صنعتها لجذب سرب النحل
نظرت لوجهه وهي تسأله
هل ستبيع لاحقا هذا العسل
بادلها النظرات أثناء اجابته
اهتم بهذه الخلية هنا كشيء يصب في مصلحة الطبيعة والزراعة لا كهواية أو من أجل بيعهم.. تربية النحل من الأساس لا تجلب الكثير من المال لما تحتاجه من الكثير من الوقت والجهد والمساحة
ساد الصمت للحظات بينهما ثم تساءلت وهي تراه يعود للتحديق في خلية النحل
العسل الشهي الذي نتناوله عادة مع خبز الفطور يأتي من هنا إذن.. لكن متى سيحين موعد عملية جني العسل مرة أخرى
بعد أشهر.. سيكون العسل المخزن في الأقراص العسلية ناضج
أسرعت نورين الخطى خلفه عندما بدأ يسير للأمام..
وكلما سارو أكثر كلما تبين لها في نهاية الطريق معلم عبارة بركاء ماء.. بركة ماء المزرعة..
اقتربت أكثر من البركة بذهول يلفها ثم أخفضت نفسها لتغمر يدها في الماء المنعش..
قالت وفي عينيها بريق خاص
كان هناك بركة مشابهة لها في مزرعة جيراننا..
ثم أكملت ساخرة بشيء من المرح
لكن مساحة تلك البركة لم تكن تتجاوز الأربعة متر مربع وكانت مبنية من الإسمنت وتصب فيها ماسورة ممتدة من أسفل الأرض تلتصق بجدرانها الطحالب الخضراء العالقة في القاع أيضا
ابتسم مصعب الواقف خلفها ابتسامة جانبيه لم قالته لكنه لم يعقب..
حدقت نورين ببهجة في بريق الشمس المنعكس على سطح الماء كحبات اللؤلؤ من شدة صفاء الماء بمشهد يذهل العقول..
سألها مصعب وهو يضع يديه بجيبي بنطاله بينما يقترب منها
هل كنت تنزلين فيها
صمتت قليلا ثم رفعت حاجبيها وهي تناظره وتخبره مبتسمة بشجون
نعم.. كنت انزل أنا وإخوتي.. ولا حاجة لأخبرك أن صوت الآلة التي ترفع الماء فيها كان يصل إلى القرى الأخرى من شدة إزعاجه.. لكن لم نكن ننزعج منه بل كنا نستمتع به كأنه لحن لموسيقى السعادة
شيء ما فيما يتجلى على ملامحها جعله يطالعها باهتمام وتركيز أثناء حديثها.. يمعن النظر بعينيها البنيتين ذات البريق الخاص كيف تعود لتحدق بالماء وهي مستمرة بتمرير أناملها المغمورة في الماء..
أنخفض جالسا القرفصاء بجانبها ثم سألها
هل ترتدين ملابس ساترة تحت عباءتك
تطلعت له عاقدة الحاجبين تجيبه بصوت مستغرب
نعم ارتدي بنطالا قطنيا وقميصا طويلا
اتسعت عينيها بحيرة تسأله دون كلام فاسترسل بهدوء وهو يخلع حذاءه
ألا تريدين النزول للماء أرى الرغبة واضحة في عينيك
مالت شفتاها في ابتسامة غير مصدقة تلقائيا لتقول ببهجة عذبة
نعم أرغب حقا في السباحة رغم أني لا أجيدها
وبمجرد أن رأته ينزل للبركة حتى تحررت من عباءتها دون حجابها.. ثم سارعت تغمر ساقيها داخل البركة..
ما إن رست بتوازن مختل على أرضها حتى قالت بسعادة
كم تمنيت أن أخذ دورة سباحة..
غمغم مصعب وهو يغمر نفسه أكثر داخل البركة
لديك أمنيات كثيرة..
همهمت وهدرت له
نعم معك حق.. لكن السباحة بالذات حاول أبي بصغري تعليمي إياها عندما كنا نزور البحر.. أعطاني عدد وافر من الدروس بلا فائدة حتى يأس
قال لها بتلقائية وهدوء
إذا كتب الله لي في الوقت القريب أن اذهب للبحر.. سأصحبك معي هناك وربما أنجح فيما فشل والدك به
نظرت له فجأة بتعابير مندهشة غفل عنها لأنه لم يكن ينظر لها..
لم تصدق أنه يقول ذلك من تلقاء نفسه!
عند هذه النقطة تقافزت دقات قلبها بهياج صاخب..
بالكاد تماسكت وازدردت ريقها في محاولة منها لتتماسك والا تعلق على جملته فتستفزه وتجعله يركز فيما يعرضه عليها ويتراجع..
تنهدت براحة وسعادة ثم رفعت وجهها للأعلى لتشعر بالسماء سقفا للبركة مرتكزة على أشجار النخيل المحيطة بها..
حتى تغريد الطيور يرافقهم وكأنهم مصريين
حولت نظرها له تقول بمرح
كان علينا جلب بعض الوجبات الخفيفة.. بسكويت أو عصائر منعشة
رفع مصعب أحد حاجبيه ورفع ذقنه يطالع الأشجار قائلا
لم الوجبات الخفيفة انظري لأشجار النخيل من حولك.. سأجلب لك منها تمرا لذيذا
زمت شفتيها بعبوس ثم قالت له محتجة
تقصد تمرا غير مغسول يحوي آثار مناقير الطيور التي ذاقته قبلنا لا شكرا لست جائعة
هز كتفيه بهدوء لها ثم جلس على بلاط البركة واتكئ بظهره لجداره..
قالت نورين محاولة ألا تسمح للصمت أن يعم بينهما
لو كنت لا زلت أعيش عند والدي لكان الآن قد حان موسم قطف اللوز الأخضر أو الكرز
هل تحبين موسم القطف
نعم استمتع به وكأنه نزهة.. وعلى سيرة النزهة فلماذا لا نذهب بين الحين والأخر إلى هنا كرحلة يتخللها حفلة شواء أو جلسات قراءة
عقد حاجبيه ينظر لها مدمدما
قراءة
كان مصعب يغمر نفسه بالماء أكثر فلا يظهر إلا رأسه وهو يخبرها بفتور
استغلي أوقات فراغك في النوم.. النوم أفضل شيء لتقضي على الملل والفراغ
رفعت ذقنها له تخبره بشفة مزمومه
شكرا لاقتراحاتك الثرية.. ولكن أنا أفضل أن امضي وقتي في أمور أفضل من تلك.. لكن لن أقدر لأني لا أستطيع الحضور هنا عندما لا تكون موجودا
نظر لها يسألها بوجوم
ماذا كنت ستفعلين لو كنت تستطيعين الحضور
تنهدت نورين وعيناها تجولان في المكان من حولها ثم تجيبه
سألتقط صورا للطبيعة.. وأتمشى بين أشجار النخيل.. وأقرأ الكتب
قال لها بنفس ملامحه السابقة
يمكنك فعل هذه الأمور في حديقة منزلنا..
نظرت له عاقدة الحاجبين
أحيانا اشعر بأن والدتك لا تحب أن اخرج إلى بيت سمية فما بالك الجلوس في الحديقة لوحدي!
اختلج شيء فيه بعدم رضا إلا أنه قال
لربما تخشى من مرور أحد المزارعين أو العاملين في الحديقة عليك
قالت نورين ببؤس
معها حق في ذلك
عاد الصمت ينتشر بينهما فقالت متسائلة بأي شيء على طرف لسانها لتقطعه
هل تتذكر ما هي دراستي التي أخبرتك بها
رفع مصعب عينيه للأعلى في محاولة تذكر فشل به قبل أن يعود لينظر لها متسائلا
ماذا سبق وأخبرتني بأنك درست
لم تحزن لنسيانه الأمر كما ينسى معظم الأمور المتعلقة بها بل ابتسمت لقابليته للحوار معها الآن وعدم إظهاره أي صد..
فكم هي دافئة فكرة أن يكسر مصعب إحدى قواعد الصمت لأجلها.. وكأنها يعتاد عليها أكثر مما سبق..
تنهدت بشيء من السرور ثم قالت له مجيبة
أنهيت هندسة الجينات.. وحصلت على درجة الماجستير فيها.. كان حلمي أن أصل للدكتوراه.. لكن دراستها غير متاحة إلا في الخارج
زمت نورين شفتيها وهي تشرد بعينيها وتذكر بأنه سبق وتقدم ابن صديق والدها لها ووافقت عليه بلهفة بعدما أخبرها بنيته في السفر خارجا لإكمال دراسته..
كان هو فرصتها الذهبية لتكمل تعليمها غير المتاح هنا وقد نشأن في عائلة محافظة جدا لا تقبل سفرها وحيدة..
حتى جاء ذاك المشهد المشؤوم الذي أخبرها والدها فيه بشكل صادم ومفاجئ بأنه قرر رفض طلب زواجه منها لأنه سأل عن الشاب واتضح بأنه غير مناسب لها..
استغربت من كلام والدها غير المنطقي وقد كان أكثر من شيد وأثنى على أخلاق ابن صديقه..
لكنها أدركت فورا أن سبب رفضه له بأنه قد وافق على جعلها عروسا لوقف النزاع بين عشيرتها وعشيرة الكانز..
رمشت بعينيها وهي تحاول التخلص من تلك الغصة المسننة التي اعترضت حلقها بينما سمعته يقول
لقد أخطئت اختيار التخصص.. فالرغبة وحدها لا تكفي لتقرري ماذا تدرسين..
لو أكملت الدكتوراه لكنت استطعت التدريس في الجامعة.. وأظنه عمل جيد للمرأة
صحيح
أخفضت نورين جسدها المغمور تحت الماء أكثر مثل مصعب شاعرة بالانتعاش والحيوية أكثر ووجدت نفسها تقول له بنظرات متلكئة
كانت النساء عند أمك يتحدثن عن زوجتك السابقة.. ابنة عمك.. وبأنكما لم تنجبا خلال فترة زواجكما
ضاقت عيني مصعي قليلا دون أن يفقد رباطة جأش
صحيح.. فرشا لم تكن تريد الإنجاب في بداية سنوات حياتنا وأنا احترمت رغبتها.. ثم حصل الطلاق بيننا بعد سبعة أشهر.. لذلك لم ننجب
ظهر شيء من الذهول عليها وهي تطلع عليه رغم أنه كان يتجنب تواصل النظر بينهما..
وبدا أمر تسامحه بشأن الإنجاب مع رشا مثيرا للريبة.. خاصة وأن مسألة زواجه منها برمتها حدثت بالنهوة ورغما عنها!
تحرك حلقها عندما لاحت في عينيه الجميلتين آثار الغبن والقهر.. والغضب أيضا..
وبصوت خافت لا يخلو من اهتمام وفضول شديد لم تنجح في لجمه
لماذا تزوجت من ابنة عمك بالنهوة رغما عنها ورغما عن الرجل الذي كانت مخطوبة منه هل كنت تهيم بها عشقا أم كانت غايتك الانتقام من والدها كما يرجون في الإشاعات عنك
تصلب وجه مصعب بغضب للموضوع الذي فتحته الآن ليقول صارما بلا تردد
لا أحب الحديث عن موضوع ابنة عمي.. لقد تطلقنا منذ زمن وهي تعيش بجانب والدتها في احدى الدول الأوروبية.. وصدقي أو لا لكن لم أحبها يوما.. لا قبل الزواج.. ولا أثناءه حتى.. بسببها مررت بالكثير من الأمور لاتي لا أحب تذكرها
برقت عيناها باستنكار.. ثم قالت بحيادية تواجهه بشجاعة
بسببها ولكن أنت من حجرت عليها وجعلتها تفترق عن خطيبها الذي تحبه ويحبها.. هربها منك لم يكن صحيح ولكنه ردة فعل متوقعة على زواجك منها رغما عنها
ازدرد مصعب ريقه ببطء..
كان كلامها بمثابة طعنة طائشة فوق صدره.. طعنة غير عادلة.. وكأنها حرفيا شقت صدره وأصابت موضع نزفه وأوغرت فيه..
سمعها تقول بخشية وشيء من التردد
هل غضبت مني أنا أسفه.. انس كل ما تحدثت به
قال مصعب بهدوء قاتم بوقع الألم به
أنت محقة في كل ما قلتيه.. لقد أخطأت في الزواج منها بهذا الشكل.. ولكن كانت لدي أسبابي.. والا لم أكن لارتكب ذنب عظيم بتفريقها عن رجل مخطوب منها!
لفها مزيد من الذهول!
رشا ليست امرأة عادية في حياته!
حتى لو كنت لا تصدقيني.. فأنا بالفعل دفعت ثمن حجري عليها.. يكفي نظرات احتقار كل من في القرية لي لأني تزوجتها بهذا الشكل.. يكفي شماتتهم بي عندما تسللت هاربة رغم أن الطلاق وقع بيننا قبل ذلك على عكس ما يشاع.. لقد قررت آنذاك ألا أتزوج بعدها ما حييت.. لكن قبل الزواج منك بأشهر غيرت رأيي مع إحاح والدتي التي كانت تخطط لتزويجي من نجلاء..
بهت وجه نورين قليلا ثم سألته بصوت مضطرب ومختنق
ولماذا لم يتمم الزواج بسببي أنا
تنهد ثم قال
لا ليس بسببك.. لم يكن ليحدث الزواج في أي حال من الأحوال
تحرك حلقها وهي تحاول التغلب على الغصة المؤلمة التي سدته فجأة..
هزت رأسها وكأنها تحلل ما سمعته منه ثم همست
قالت رتيل بأن والدها لم يكن موافقا على زواجك منها قبل أن تنهي جامعتها وتعليمها..
شرد نظره أمامه وهو يرد
يمكنك اعتبار هذا أحد الأسباب.. المهم بأنه لم يحدث ولن يحدث.. المهم الآن نورين..
بتر كلامه للحظات يحاول برباطة جأش التحكم في غضبه الذي تأجج في داخله ثم طلب منها بلهجة آمرة ونبرة خافتة
أحب أن أتجاهل الماضي بكل ما فيه من أمور حدثت لي.. لننهي هذا الموضوع لأني لن أتحمل أن يلاحقني الماضي حتى الآن ويفرض نفسه بمنتهى التسلط علي
قطبت حاجبيها تقول بصوت واجم
أي ماضي من تقصد ابنة عمك أم نجلاء
قال بصوت أجش غاضب رغم هدوءه
نورين.. لقد قلت لك بأني لا أحب الحديث بأي شيء متعلق بماضي.. لذا فلنتوقف إلى هنا
بدأت نورين تشعر بشيء من الضيق.. فهي تكره الغموض الذي يلف مصعب..
لا والأنكى بأن هذا الغموض زاد أكثر بعد حديثهما هذا..
فتمتمت باقتضاب
حسنا سنتوقف
لم تنل ملامحها راحة مصعب فقال بحزم ولهجة شديدة
أنا جاد.. لا أحب الحديث في أي شيء متعلق بالماضي.. خاصة زواجي السابق بابنة عمي.. لو سمحتي لا تفتحيه أبدا.. أبدا.. فكل شيء بيننا انتهى..
تطلعت له حانقة وقالت له بنزق
حسنا لا داعي للغضب.. لقد فهمت..
استنكر ما قالته فهتف عاليا معترضا
لست غاضبا
بالكاد منعت دمعة حارة من الانزلاق على خدها وهي تقول بحاجبين معقودين
بل أنت كذلك
انفلتت أعصابه بشيء من الانفعال وهو يزجرها
قلت لك بأني لست غاضبا
كانت صرخته عليها كفيلة أن تجعلها تزم شفتيها بقهر وتنكس نظرها..
اتسعت عيناه قليلا وهو يدرك ما قاله.. ليغمض عينيه ويزفر نفسا ضائقا..
أما هي فأحتلها صمت حزين واعتراها الشرود وهي تغمر جسدها أكثر تحت ماء البركة..
مرت دقائق عليها قبل أن تجفل على مصعب يمسك يدها ويقول بهدوء واسترخاء نجح في استعادته
أنا اسف.. لم أقصد الصراخ عليك.. لكن أي شيء يتعلق برشا يثير غضبي رغما عني.. فلا تذكري سيرتها أبدا أمامي..
تطلعت بذهول ليده الممسكة بكفها تحت الماء ثم قالت له بتسامح
حسنا لن أفكر بالأمر حتى.. أساسا لا يحق لي أبدا التدخل في علاقتكما السابقة بما أنها انتهت..
أفلت يدها وهو يقول لها بشيء من العرفان بينما يحرر كفها
شكرا لك..
وسرعان ما ابتسمت ببريق خاص..
أنه يهتم ألا يكون سبب حزنها..
ازدادت ابتسامتها وهي تمعن النظر بجانب وجهه..
مصعب.. غامض.. غامض جدا.. لغز كبير.. محكم الأغلاق.. يلفه شيء من التناقض..
ورغما عنها يأكلها الفضول بشأن ماضي علاقته مع ابنة عمه..
لماذا تزوجها ومن خلال النهوة
ولماذا هربت من البلاد إذا كان قد حررها منه بالفعل
لقد عاشرت مصعب أشهر طويلة وهي لا تصدق بأن شخصا يتمتع بشخصية وأخلاق مثله يمكن أن يفعل ما فعله بابنة عمه!
فماذا حدث في الماضي وماذا كان في ابنة العم تلك لتجعله يقدم على ما فعله ويخرج عن رزانته المألوفة عنه!
هل فعل ما فعله لأنه كان يحبها ولا يتحمل أن يمتلك غيرها أم كان فقط يريد الانتقام من عمه فيها كما سبق وسمعت
هي لا تنكر أن ما فعله خطا لا يمكن التسامح به.. إلا ولأنها لا تعرف دوافعه التي تحدت عنها بشيء من المقت قررت أن تعذره..
فعلى الأقل استردت ضحية ما فعله بعض من حقوقها في التحرر منه والسفر بعيدا..
كان غروب الشمس قد بدأ فعلا بمشهد خلاب فوقف مصعب من مكانه بحذر.. يخرج نفسه من البركة بثيابه المثقلة بالماء..
عرفت نورين بأنه اكتفى من البقاء هو ويريد أن يعود للبيت..
فخرجت منها هي الأخرى ثم وقفت فوق الأرض الصلبة تعصر طرف قميصها وبنطالها المبللين بالماء بقدر استطاعتا..
التفتت من حولها وسألت بشيء من التوجس
حسنا.. مصعب.. هل هناك حمامات قريبة
رمقها بنظرات متسليه صامتة ثم قال
لا.. الحقيقة هي مرات معدودة نزلت لهذه البركة في طفولتي وكنت أسير بثيابي المبللة طوال الطريق مشيا إلى المنزل الذي نقطن به واترك مهمة تجفيفي إلى التيارات الهوائية الآتية من جميع الاتجاهات
ارتفع حاجباها استخفافا مع ابتسامتها الساخرة وهي تتجاوزه بينما تقول
تمر غير مغسول.. وتترك نفسك مبللا لساعات لهذا أنت معتل الصحة
ثم التفتت له تقول بحماس ورقة
لكن فكرة السير للمنزل ستكون جميلة
مرت عينا مصعب على تفاصيل جسدها والملابس المبللة الملتصقة بها أمامه لتنطبق شفتاه بقوة ثم قال بهدوء
لا ليست فكرة جيدة.. بالتأكيد لن أسير معك للمنزل هكذا.. لذا ضعي عباءتك فوق مقعدك ومقعدي في سيارتي الغالية ثم لنعد من خلالها للمنزل
لف العبوس ملامحها فقالت له
إذن لنجلس هنا أكثر قبل أن نعود
حدجها بنظرات متجهمة بمعنى الرفض لكنها لم تبال به بل استلقت فوق العشب تغمض عينيها وهي تمد ذراعيها في الهواء كما لو كانت تسبح وتضرب العشب الطويل بكلتا يديها كالسابح في الماء..
أطلق زامور
استقلت السيارة ورغم عدم رغبتها بمبارحته والعودة لذاك القصر الكئيب إلا أنها كانت فرحة ومبتهجة للوقت الذي قضته هنا.. ومعه..
ركن مصعب سيارة عند مصف عائلته وارتجلا من السيارة بخفوت متجهين نحو باب المطبخ..
فتحه مصعب ودلف للداخل مطرق الرأس فتراخى فك منال التي كانت متواجدة في المطبخ للأسفل وهي ترى مصعب ونورين يدلفان للداخل متسللين بمظهر أشعث رث..
تجاوزاها وبمجرد أن وصلا جناح مصعب حتى أغلق الباب خلفهما لتنفجر ضحكات نورين المكتومة وهي تقول
لا بد أنها كانت مصدومة من شكلنا للآن
حدجها بنظرات الغيظ وهو يقول
هل رأيت كيف تسببت لنا أفكارك المجنونة بالإحراج!
تطلعت له بابتسامة مشرقة على الرغم من الفوضى التي تلطخ وجهها وملابسها
كان اليوم من أجمل أيامي منذ أن دخلت لحياتك الكئيبة الروتينية المملة
مال بشفتيه بابتسامة متهكمة قائلا وهو يخلع قميصه
ارحميني.. ولا تشعريني بأنك كنتي تعيشين مغامرات في كل يوم من حياتك قبل دخلي لها
..
أنهت نورين تجفيف شعرها بعد أن اغتسلت هي الأخرى ثم أطفأت إنارة الغرفة وقفزت فوق السرير ليقول هو على الفور بينما يرشقها بنظرات صارمة
ظهري حرفيا محطم فلا داعي لثرثرتك الليلية أرجوك واسمحي لي بالنوم باكرا
كانت بالفعل قد قررت ألا تتحدث معه الليلة..
فرجل كمصعب عديم الإحساس بالعاطفة ويتميز بالغموض ويفضل الصمت دائما عن الإفصاح عن مشاعره..
فأفضل مكافأة قد تمحنه له على خروجه معها ألا تتكلم الليلة وتتركه ينعم بالهدوء..
فرفعت يدها بجانب راسها تلقي تحية عسكرية وهي تقول بمرح
علم يا باشا
رمقها بغيظ ثم أسدل جفنيه..
لكن تناهي لسمعه صوت نورين وهي تقول
حسنا قبل أن أقول طابت ليلتك.. فأريد أن اطلب منك في الغد أو بعده أو متى ما تجد وقتا أن تشتري لي أحد الكتب التي سبق وقرأتها وأعجبتك
فتح عينيه يعقد ما بين حاجبيه وهو يقول
لست مولعا بالقراءة بكل صراحة.. ربما أخر كتاب قراته كان قبل أشهر
ضحكت بخفوت ثم قالت
لا بأس.. المهم أن تكون قد قرأته لعلي افهم قليلا عن شخصيتك من الكتب التي تقرأها
ضيق عينيه يخبرها بغلاظة
ظريفة جدا!
قالت له بعفوية يشوبها بعض المرح
لا أنا جادة.. من الأساس أنا أريد كتبا حتى اقرأها وأقلل من الملل الذي أعيشه هنا.. ولا هاتف لدي لأقرأ كتب الكرتونية.. فاشتري لي بعض الكتب
سألها بصوت باهت وملامح منزعجة
أحقا لا تجيدين شيء لتفعليه هنا
ارتسم الأسى على ملامحها الجميلة.. وهمست بشحوب رغم ابتسامتها ونظرها شارد في نقطة وهمية على الجدار
أبدا.. فزوجات إخوتك لا يحباني.. وسمية مشغولة بعملها في الحديقة واشعر بأني اشغلها عنه
احتدت مقلتاه بضيق شديد.. وبدا أنه ضيق من نفسه.. ثم قال لها
أنا مقدر لوضعك وليت بإمكاني فعل أي شيء لك أخر
أجلت حنجرتها التي حلت بها غصة لتقول له بامتنان صادق
أنا لا أريد أكثر من هذا منك.. طابت ليلتك
تنهد بعمق ثم قال لها بهدوء
وأنت أيضا
بمجرد أن نام حتى خرجت من سريرها بخفة وذهبت للثلاجة تخرج كل علب مشروبه الغازي الذي يستمر بإحضاره وتركت له علبتين فقط.. ثم خبأت الباقي حتى تتخلص منهم لاحقا..
عادت للسرير وأغمضت عينيها وضلت تتقبل في سريرها لدقائق طويلة بعدم قدرة على النوم من فرط البهجة التي كانت غمرت قلبها اليوم..
تطلعت لجانبها إلى مصعب حيث كان هذه المرة لا يعطيها ظهره أثناء نومه..
تنفسه المنتظم دل على عمق نومه.
هل سيستيقظ لو فعل
وبالفعل اقتربت وأحاطته بأوصالها لتتسلل راحة رهيبة لروحها وتغمض عينيها..
وبعض الرضا يتسلل إليها فيملأ فراغ ورقة مشاعرها..
أنهت رتيل تصفيف شعرها بأناقة أمام منضدة زينتها ثم عادت تمسك هاتفها وتتمدد على سريرها وهي تسمع غنوة تخبرها بتوقلقد اشتقت لك يا رتيل.. متى ستأتين لزيارتي
تجلى الإحباط فوق ملامح وجهها كما نبرة صوتها وهي تقول
لا أدري يا غنوتي.. عاد مؤيد من الأمس للبيت كما عادته كل أسبوعين.. الآن انتظري فقط حتى أستطيع إقناعه بأني مشتاقة حقا لزيارة أمي حتى يوافق على خروجي
خرجت تنهيدة فاقدة الصبر من غنوة
من وجهة نظري يا رتيل.. عليك البدء في العمل.. لديك شهادة.. أقنعيه بحاجتك للعمل.. ووقتها نستطيع الالتقاء ببعضنا دون الحاجة لاختلاق الحجج والانتظار كثيرا في كل مرة
عبست ملامح رتيل لتجيبها
مستحيل.. أنا اعرف مؤيد لن يقبل.. وحتى لو قبل فعائلته ستكون له بالمرصاد.. في عائلته غير مسموح للمرأة العمل لأن عليها أن تجلس معززة مكرمة وكل احتياجاتها وما تريده يصلها إلى عقرها
قالت لها غنوة بإصرار
اقنعيهم أن حاجتك تكمن في العمل والخروج والتعامل مع البشر بدلا من دفنك داخل الجدران
لوت رتيل فاهها لتقول
مستحيل.. فعقلهم راسخ بأن خروج نسائهم للعمل إهانة لها ولهم ويعني أن لا رجال بعائلتها ينفقون عليها.. ألم أخبرك قصة أخيه الأكبر الذي لم توافق عائلته على زواجه من زميلة له في الجامعة إلا بشرط أن تعيش معهم في هذا القصر والا تعمل أبدا.. أشك بأن سبب وفاتها هو غمها من هذه العائلة لا مضاعفات ما بعد الولادة
وصلت الصورة كاملة لغنوة فقالت لها بصوت ممتعض مائع
حياتك هذه تشعرني بالاختناق
زمت رتيل شفتيها ثم قالت
اصبري يا غنوتي علي قليلا.. أعدك بأني سأحاول أن اخذ موافقته.. عليك أن تشكري الله بأني عائلتي تسكن في قرية أخرى لا هنا.. حتى أستطيع أثناء زيارتك المكوث عندك دون أن يلاحظ أحد
همهمت لها غنوة ثم عادت تقول مقترحة بمكر
برأيي عليك أن تفكري في الطلاق مثلي وكسب حريتك والتخلص من سجنه الذهبي
شيء من الضيق شعرت به رتيل فقالت على الفور باعتراض وقد تكدرت ملامحها
لا.. لا أريد..
سألتها غنوة باستنكار وكأن رتيل تنطق بالعجب
لماذا
للحظات لم تعرف رتيل ماذا تجيبها ووزعت نظرها في أرجاء غرفة نومها.. حتى قالت أخيرا بصوت لا يحمل شيء من روح كلماته
أحيانا اشعر باني احبه
خرجت من غنوة شهقة مستهجنة طويلة ثم قالت
ماذا قلتي تحبينه الأستاذ مانع ولكن أنت هكذا تنسفين كل ما سبق وقلتيه عنه!
تأففت رتيل من سخرية صديقتها فقالت لها باستخفاف
حسنا أنا لا احبه بل أخاف أن أفقد كل ما حصلت عليه من حريات شحيحة بعد زواجي منه
لم تفهم غنوة عليها فسألتها
ماذا تعنين
هدرت رتيل بجدية وهي تتخلل شعرها بأناملها
نعم يا غنوة أخاف أن اخسر كل ما لدي لو تحررت منه.. ألا تعرفين كيف هي الحياة في عائلتي هل تظنين بأن شقيقي سيتركانني بحالي عندي طلاقي بل سأترحم على الأيام التي كنت أعيشها هنا.. فأفراد عائلتي متخلفين وأصحاب عقليات متحجرة.. أكثر من مؤيد
بدا الإحباط جليا في نبرة صوت غنوة وهي تخبرها
إذن ابذلي جهدا في إقناعه بالخروج في أقرب وقت ممكن.. الجئي لتلك الحيل الأنثوية في إقناعه
قالت رتيل بقنوط وحسرة
وهل تظنين أن مؤيد قد يتأثر بتلك الحيل الأنثوية مثل باقي الرجال أنه من الأساس يصر دائما على وضع حاجز نفسي بينيي وبينه.. ويبدو دائما متجهما معي ولا يبتسم على عكس ما يظهره من أريحية وضحكات عندما يكون مع عائلته أصدقائه
صمتت رتيل ومشهد قديم لمؤيد مع شقيقه معاذ عندما كانا في السطح يعود ليحتل بصرها الآن..
اعترف مؤيد فيه بلسانه بأنه لا يسمح لها بتجاوز تلك المسافة أو الحاجز بينما لأنه لا يحبها وليست فتاة أحلامه..
وتزوجها فقط ليثبت للآخرين أنه رجل صالح مطيع لعائلته ومتزوج من أمرأه تليق بإنجاب أبناء لهم..
نفضت رتيل رأسها تخرج تلك الكلمات من عقلها ثم قالت بصوت حزين لغنوة وهي تعتدل جالسة
سأقفل الآن فقد ينهي مؤيد حمامه ويخرج الآن.. هل تريدين أي شيء مني يا..
بترت رتيل كلامها وهي تنتفض بذعر للخلف..
التصقت بظهر
اقترب مؤيد الذي كانت تتساقط قطرات المياه من شعره المبلل منها أكثر..
بصلابة سحب منها الهاتف الذي تمسكه وضغط على مكبر الصوت ليصله عاليا الصوت الأنثوي
رتيل.. رتيل.. أين أنت يا رتيل حسنا لا أريد شيء يا رتيل إلا سلامتك.. وأعانك الله على أستاذ مانع.. إلى اللقاء
ما إن أغلق الخط من الجهة الأخرى.. حتى همس مؤيد بصوت جليدي متشنج
مع من كنتي تتحدثين ولماذا كنت تريدين أن تقفلي قبل مجيئي ما هو الشيء الذي لا اعرف عنه هنا
كان مؤيد يغلي من الغضب الكامن بداخله من الظنون التي تكالبت فوق رأسه في هذه اللحظة رغم أن شيء طفيف في داخله هدأ لان الصوت كان لأنثى لا رجل..
سألته رتيل بوجه شاحب
هل سمعت شيء
أجابها بصوت وملامح غامضة
نعم سمعت أخر ما قلتيه.
جفل حلق رتيل إلا أنها قالت بصوت مرتجف خوفا
إنها صديقتي.. صديقتي اقسم لك
سألها بصوت أجوف
من هذا الأستاذ مانع الذي تحدثت عنه معك
تمتمت رتيل بصوت خافت لا يكاد يسمع ووجهها يزداد شحوبا
ما.. ماذا!
هدر مؤيد بجنون مطبق ووقد اسودت الرؤية أمام عينيه من الاحتمالات في رأسه
أجيبيني من هو الأستاذ مانع
انكمشت على نفساه وأغمضت عينيها تخبره بخوف
أنه.. إنه.. أنت
انفرجت ملامحه فجأة لتتبدل بأخرى مصدومة وهو يسألها بلا فهم
ما.. ماذا! أنا.. لماذا دعتني أنا ب الأستاذ مانع
فتحت رتيل عينيها تسترق النظر لوجهه تجيبه بتلعثم
لأنه.. لأنه..
كرر عليها بعصبية
لأنه ماذا هيا قولي لماذا
ارتعشت شفتا رتيل وهي تجيبه باختناق
لأنك من وجهة نظرها رجل نكدي وتمنع عن عائلتك كل شيء له علاقة بالسعادة
نظر لها ببلاهة لا يستوعب
ماذا تقولين
رمقته رتيل بنظرة قوية ثم أجابته بتردد
نعم يا مؤيد أنت مانع للسعادة.. واسم مانع مناسب لك أكثر من مؤيد.. حتى أنه يبدأ بنفس الحرف الأول
ما إن أدرك مقصدها حتى هتف بها بعينين غاضبتين وهو يلوح بالهاتف الذي يمسكه
ما اسم هذه الصديقة أخبريني اسمها
ازدردت رتيل لعابها بصعوبة بينما تجيبه
أنها غنوة..
نظر مؤيد للهاتف يطالع اسم غنوة على المكالمة ثم قال يرفع إحدى حاجبيه
غنوة لم اسمه باسمها سابقا أثناء حديثك
أدارت رتيل وجهها ونظرت بعيدا وهي تهدر له بصوت باهت
أنا أتحدث معها بشكل يومي يمكنك حتى تفقد سجلات هاتفي
وضع مؤيد إحدى يديه على خصره بخشونة يرمي لها بوابل أسئلته
ومنذ متى عندك صديقات أخبريني اسم عائلتها.. أين تسكن ما هو اسم زوجها وعمله واسم عائلته
قالت له بتروي بينما تحبك كذبها
أنها جارتي في بيت عائلتي.. اعرفها منذ زمن.. عندما تأتي لبيت عائلتي يمكنك التعرف على زوجها والسؤال..
مال مؤيد ثغره بامتعاض ثم أمرها وهو يرمي هاتفها على السرير
لا أريد التعرف على شيء متعلق به.. من الآن احذفي رقمها من عندك.. ولا تتحدثي معها مرة أخرى
هتفت له ساخطة وهي تشعر بالظلم
ولكن لماذا بماذا أخطأت لك لتطلب مني بكل تعسف أن احذف رقمها أكل هذا لأنها تلقبك بت أستاذ مانع
أشاح بيده وهو يقول من بين شفتين غاضبتين متصلبتين
ليست هي بل أنت المخطئة هنا وأنت تسمحين لها أن تستهزئ بزوجك بكل بساطة وتجارينها بدلا من أن تزجريها وتتوقفي من تلقاء نفسك عن الحديث معها! كيف سمحتي لها بتسميتي أستاذ مانع
قالت رتيل له بنبرة قوية مغلولة
ليست هي الوحيدة.. بل كل من يعرف حياتي التي أحياها معك يوافق تسميتك بمانع يا مؤيد.. أنت تمنع السعادة عنا
اتسعت عينا مؤيد مصدوما بها..
الناس هل حقا يدعوه هكذا من خلف ظهره
زوجته الموقرة تقوم باطلاع الناس على طباعه الصارمة وطريقة معاملته لهم هنا!
هتف بها متوعدا
إذن أنت تخرجين أسرار البيت للخارج ولا تحافظين على ما يحدث هنا.. سأريك من الآن وساعدا وجها أخر وأعلمك كيف تحافظ الزوجة الصالحة على أسرار بيتها وزوجها
شارت رتيل بيديها وهي تسأله بدهشة
لا تبالغ يا مؤيد.. أنا لا انشر أي من أسرارنا للناس.. لا تبالغ بغضبك لمجرد دعوة صديقتي لك أستاذ مانع
لكن بدل أن يهدأ همس بها من بين أسنانه وهو يضغط عليها بشراسة
وترفعين صوتك علي ولا تحترميني! ما بوادر التمرد هذه! وضعك لا يسكت عليه.. أبدا.. ستتغير معاملتي معك ولن أظل على تساهلي..
رمقته رتيل بغل.. ولم تشعر بأي خوف من كلامه..
فلطالما ألقى بها بهذه التهديدات الكلامية لإخافتها بدون أن يفعل شيء..
وحتى لو كان حقيقيا فلم قد تخاف من تغيير معاملته!
فليغيرها ولن يختلف شيء معها..
رفع مؤيد سبابته يكمل تهديده
هيا ألغ رقمها الآن ولا أريد منك أن تتحدثي معها.. وانا سأظهر من الآن وجهي الأخر معك وسأحرمك من الامتيازات التي كنت اعطيها لك..
قاطعته رتيل تسأله ببراءة باطنها خبث
أي امتيازات ستحرمني منها
فتح فمه يهم بالإجابة بغضب إلا أن الأمر انتهى به متلعثما والحيرة تسكن وجهه
سأحرمك من الكثير منها.. مثل.. مثل.. مثل..
رفع يده يحك مؤخرة عنقه ببلاهة لا يعرف ما يكمل به تهديده ووعيده.. فأكملت عنه رتيل بسخرية ممزوجة بالحسرة وهي ترفع حاجبيها
هيا قل من ماذا ستحرمني من السفر من هداياك الثمينة من مبادراتك الرومانسية من كلامك المعسول وغزلك من بثي كلمات العشق والغرام أي حقوق.. اقصد امتيازات من التي سبق وسردتها ستحرمني منها
اتسعت عيناه من تهكمها وقال لها باشمئزاز وكأن فعل هذه الأمور تنقص أو تجرح رجولته وشرقيته
ما هذه الترهات التي تتحدثين عنها هذاما ينقصني أن أقوم به من أجلك.. كلام عشق وغرام! مبادرات رومانسية! هل نحن مراهقين
تطلعت له بحزن خالص وهي تخبره هاتفة بسخط
ولماذا لا تفعله بماذا ستنقص منك أليس هذا ما يفعله الرجال لزوجاتهم
رشقها بنظرات حانقة ثم ابتعد عنه يتجه لخزانة الملابس ليخرج منشفة يجفف شعره..
في حين هي تنهدت ببؤس وهي تلتقط هاتفها وتقوم بإلغاء رقم والدتها لتضع عوضا عنه رقم غنوة..
على كل حال أمها لا تعرف كيف تستخدم هاتفها ودائما ما تحدثها من رقم أخيها..
شركة القاني..
رغم الارتباك الذي كان يلفه إلا أنه أخذ نفسا عميقا يستعيد رباطة جأشه ثم تشجع يطرق بيده المزمومة باب مكتب مشرفة قسمه المفتوح..
أذنت شيرين له في الدخول هاتفة
تفضل يا قصي ادخل
ابتسم ابتسامة مهتزة سائلا بخفوت وهو يتقدم للداخل ويجلس على المقعد أمام مكتبها
كيف حالك يا شيرين
رمقته شيرين بنظرة نقمة مشوبة بالصرامة قبل أن تقول بنبرة مقتضبة
لقد تأخرت لساعتين كاملتين.. هذا هو تنبيهك الثاني.. بقي لك تبيه أخير قبل أن تحصل على إنذارك الأخير وتفصل من الشركة يا قصي سامح
عقب قصي على كلامها بطريقة ودودة
أنت يا شيرين تعرفين أننا مضطرون هنا كموظفين خدمات عملاء للتبديل أسبوعيا بين كل المناوبات.. مناوبتي في الأمس كانت مسائية.. ومناوبتي اليوم صباحية.. وكإنسان فمن طبيعي أن أتعرض لاضطرابات في الساعة البيولوجية ويفوتني موعد الاستيقاظ وأتأخر عن العمل.. أحيانا..
طالعت شيرين وجهه البشوش للحظات بصرامة ثم قالت بواجهة مشرفة حازمة دون أن تبادله الابتسامة أو الود
أنت لست موظفا جديدا يا قصي في شركة القاني.. بل تعمل هنا منذ سنتين.. ويفترض بأنك تعرف أن عملك هنا في خدمة العملاء والرد على اتصالاتهم لها مشاكلها وعيوبها
للحظات صفن بها بغير استيعاب ثم رفع احدى جابيه يصحح لها بتردد
تقصدين مزاياها وعيوبها
أجابته بهدوء دون أن تنحسر ملامح جمودها
لا.. لقد قلتها بشكل صحيح
أومأ قصي برأسه يقول متفهما
نعم فهمت.. المهم أني أريد أسبوع إجازة من إجازاتي السنوية في الأسبوع القادم..
قاطعته شيرين بنبرة برود تفيد الرفض مسبقا
يمكنك التقديم إذن لكن لا أتوقع بأنه سيتم الموافقة على أكثر من يومين
قال محتجا بجدية
ولكن أنا لدي سفر ملح.. وليس من المنطقي أن أسافر وأعود خلال يومين
ردت عليه شيرين بمهنية
قصي سامح
لعق قصي شفتيه بتوتر ثم نظر لها مبتسما يقول
أنت مشرفة صارمة جدا يا شيرين.. أعرف بأنك انتقلت حديثا لمنصب مشرفة في قسمنا هذا.. ولكنك تعملين في شركة القاني منذ سنوات طويلة جدا.. وتعرفين بأن العمل فيها