رواية قلبي بارت 6-7
المحتويات
أبقى بلا زواج من أجل أي أحد
أشاح بوجهه عنها بألم هي مصدره.. تذبحه من الوريد للوريد..
اهتزت عضلة فكه وهو يغلق عينيه لثوان قبل أن يقول من بين أنفاسه اللاهثة بفعل انفعاله الآن رغم مرضه
لن تحتاجي أن تبقي بلا زواج للأبد.. أنا في الثامنة عشر.. انتظري القليل.. القليل فقط وسأتزوجك أنا
أرخت فكها وهي تنظر له بلا تصديق لتتمتم بخفوت
تتزوجني هل أنت مجنون!
قال بإصرار وعينيه تقدحان عزيمة
لماذا مجنون أنا احبك وسأكون مجنونا لو أفلتك من يدي
اتسعت حدقتيها ملئ جفونها وهي تتمتم بنفس النبرة السابقة
تحبني
همس بحشرجة مخنوقة.. وكل مشاعره المتألمة وحرارة مرضه تهاجمانه
نعم احبك.. يقال بأن الروح تشرق برؤية ابتسامة من يحب.. وهذا ما أشعره في كل مرة تبتسمين للي
راقب مالك ملامحها الساكنة لثوان قبل أن يراها تنفرج لتنفجر ضاحكة حتى أدمعت عيناها..
هنا انسحب الدم منه كالمرض وهو يقول بتحفز
لماذا تسخرين مني! أنا سأتزوجك حقا لكن أريد منك أن تنتظريني
رفعت أناملها تمسح عينيها وهي تقول من بين ضحكاتها التي بدأت تخفت بشكل تدريجي
لطالما شعرت أنك تبادلني مشاعر جميلة من اجل صداقتنا هذه لكن لم أتخيل أنك تحبني.. أو تظن بأن ما تملكه تجاهي هو الحب.. أنا لا أراك إلا أخ صغير.. صحيح أن عقلك يكبر من هم في جيلك لكنك تظل أمامي هكذا وعليك ألا تراني اكتر من أخت كبرى لك
عاودت النظر لساعة يدها أمام عينيه المحترقتين لتهكمها من مشاعره وهي تقول على عجل
علي الآن أن أعود للبيت.. فغدا سأتزوج وانا لم أحضر كل شيء..
قاطعها وهو يزعق فيها وقد أطل من عينيه الغضب والقهر
ولكني لا أراكي أختا كبيرة.. بل حبيبة لا أريد الزواج إلا منها.. أنا احبك.. احبك بكل جوارحي
رفعت عينيها تناظر وجهه وتنتبه لأنفاسه المتلاحقة المتعبة التي بفعل مرضه.. أو ربما مشاعره الموهومة!
طال حوار الروح وصمت اللسان بينهما.. وشعرت بأنه يصارع بين عقله وقلبه.. بين مشاعره وبين واقعه..
فأغمضت عينيها للحظات تحاول استعادة رباطة جأشه ثم قالت مبتسمة ببهوت
ثق بي يا مالك بأنك سوف تحب أيضا عشرات الفتيات غيري وسوف تنساني وتضحك من نفسك على ما قلته قبل قليل.. سأذهب الآن وأتمنى أن تحضر زفافي في الغد
لم يرد على الفور إلا إنه ما إن رآها تسير نحو عتبة الباب حتى قال
أبدا.. لن أفكر بغيرك.. وسأظل أحبك حتى آخر عمري
التفتت برأسها لها فاغرة الشفتين قليلا دون أن تجد ما تقوله أمام ملامحه التي تضج باختناق نار الغيرة وعتاب القلب وهو يسترسل لها بصوت أجش خافت
أرجوك لا تتركيني أتجرع الموت بفراقك!
لكنها قاومت ضعفها تجاهه وهي ترد عليه بقسوة
لقد جئت فقط لأتفقد مرضك وبما أني اطمأننت بأنك بخير.. لذا علي المغادرة
قطب جبينه في استنكار جم يقول بصوت حاد وعنفوان رغم إعيائه
أنا واقع في الحب لست بخير
زفرت بقوة وهي ترفع يدها إلى جبهتها الباردة محدقة في السقف بعينين مضطربتين.. ثم قالت له بنفاذ صبر
اعرف أنك تظن بأنك واقع في الحب وهو امر عادي يمر به جميع الأولاد الذين بسنك.. الأمر فقط أنك حساس
عقد حاجبيه يقول بغضب
سمية توقفي عن السخرية مني
حولت نظرها له تقول
مالك أنا اعشق كامل ومكتوبة له منذ سنوات والآن فقط استطاع أن يكون نفسه لنعقد قراننا ونتزوج.. على كل.. أنا لن أقول لاحد شيئا عن كلامك السخيف.. لأنك ستنسى بعد أسابيع أو أشهر ولن يكون من الجميل أن يذكرك أحد بهذا الأمر.. إلى اللقاء
كانت قد خرجت من غرفته وهمت في إغلاق الباب خلفها عندما قال لها هاتفا
أنت تتوهمين حبه.. لم أراك يوما تتحدين عنه وعن حبك له بل كنت أحيانا تنسين بأنك ستتزوجين منه وكانت تمضي سنة عليك بدون أن تريه أو تبادليه الكلام
شعرت بالغضب من تشكيكه بحبها لمن سيكون زوجها في الغد.. هي تملك الكثير من المشاعر العميقة لمالك لكنها لا تضاهي حبها تجاه كامل بشيء..
لجمت سمية غصبها منه واكتفت أن تقول
لا تكثر يا مالك من كلامك السخيف هذا.. لو سمع الحاج يعقوب ما تقوله لقتلك حرفيا.. فليس رجل صالح من يخبب امرأة على الرجل الذي سيكون زوجا لها
صفقت الباب خلفها بقوة وابتعدت.. أما هو فأصابته نوبة من البكاء الهستيري
شعر بارتجاف أوصاله بينما يفكر بطريقة ليمنع هذا الزواج ويبقيها له لكنه يتوصل إلى نتيجة بالرغم من الأفكار التي كانت تتراكض وتتسارع في رأسه!
فهل يضرب بكل المنطق عرض الحائط ويخطفها بمنتهى الأنانية
كادت هذه الفكرة أن تشع حرفيا بعقله وتتداخل حتى تتعمق وينفذها..
لكن لا.. مستحيل..
لقد خيب ظنها وخسر دينه.. احترامه لنفسه.. ولا يجور عليه أن يتجاوز حدوده أكثر من ذلك..
فالرجل الحقيقي لا يخطب على خطبة أخيه.. ولا يخبب أمرأه على من سيبكون زوجها..
وفي يوم زفافها صمت أصوات المفرقعات والزغاريد المنطلقة من منزلهم أذانه فضل لساعات يضع يديه على أذنيه..
لم يستطع أن يفعل شيئا.. لم يستطع رؤيتها وهي تخرج بفستان الزفاف كما طلبت منه متأملة..
لكن حاول ترويض كل ما يشعر به وهو يخبر نفسه بأن عليه أن يكون في اقصى سعادته من أجلها.. طالما تزوجت من الرجل الذي تريد أن تتزوجه..
ورجى أن تعذره لاحقا على حبه لها وان تقبل اعتذاره الذي لن ينطقه لها لأنه أحبها.. دون أن يقصد..
إلا أنه خاب ظنها وكلامها.. فحتى بعد مرور كل هذه السنوات لم ينقص حبه لها ذرة..
بمجرد أن انتهت صاحبة الصالون من زينة وجه شيرين حتى ابتعدت تنظر لوجهها مشيدة بعملها بكل فخر
ما شاء الله يا عروس تبدين في غاية الجمال والبهاء.. وعينيك المكحلتين هما ما يزيدانك فتنة وجمالا
إطراء العاملة في الصالون بعينيها الكحيلتين جعل شيء من الضيق والانزعاج يتجلى على ملامحها لتعبس بتلقائية..
هذه ما يدعوها دائما وليد به!
وافقت سهر على كلام العاملة
معك حق فعيني صديقتي يليق عليهما الكحلة وتكسبهما حجما أكبر وجمالا وجاذبية
تضرجت وجنتي شيرين بالخجل من هذا الكم الكبير من الإطراء من سهر فلكزتها..
لكن سهر هدرت بعتاب بينما تغادر صاحبة الصالون لتنشغل بعميلة أخرى
لماذا لم تحجزي جلسة تصوري لي ولك ألن أهمك بعد زواجك
نظرت لها شيرين تمط شفتيها بعبوس ثم قالت
أيتها البلهاء سأقيم الكثير من جلسات التصوير لكن الآن أريد من زواجي أن يتم بدون أي مشاكل
التفتت شيرين تنظر للمرآة أمامها وهي تستقيم من جلستها فتبتسم فرحا وعيناها تتألقان بالبهجة..
كانت ترتدي فستانا يلف جسدها بنعومة حتى أسفل خصرها ثم يتسع الحرير وينساب حتى الأرض..
شيء فيها كان يشع بالتفاؤل فالرائد معاذ أخبرها بأنه قد حجز فندقا لأسبوع لها..
لم قد يحجز أي رجل أسبوعا كامل في الفندق من أجل زواج صوري إلا إذا كانت عنده خطط أخرى!
سألتها سهر بفضول وهي تراها غارقة في سعادة عارمة
ماذا لو طلب يا شيرين منك أن تسكني في القرية عند عائلته بعد أن يعرفوا بزواجكم فأنت بت تكرهين أجواء القرى ولا نية لك للعودة هناك
قالت شيرين بعفوية
لا أدري يا سهر.. لقد حجز لنا بفندق واسع لأسبوع.. باقي الأمور سنتناقش فيها لاحقا
قالت سهر وهي تكتم ابتسامتها المبتهجة بالسعادة لأجل صديقة عمرها وغمغمت
هذا أفضل
تنهدت شيرين ثم قالت بصوت حيادي
ربما أكون قد بالغت في تشويه صورة قريتي السابقة أمامك لما لاقيته من ظلم مجحف بحقي من قبل معظم أهلها عندما ألغى وليد زفافنا.. ولربما البعض منهم ليسوا أناسا لطيفون ولا يبذلون الكثير من الجهد في التعبير عن سعادتهم ومحبتهم لمن حولهم لكنهم ليسوا بهذا السوء
تمتمت سهر بتردد وهي لا تعرف ماذا تجيب
ربما
شردت عيني شيرين بخضرة الحنين وهي تقول بصوت يغمره دفئ الماضي
قريتي التي كنت فيها قبل أن ترحل عائلتي كانت على عكس المدينة.. فهناك لم تكن مواعيد زيارة ولا إتيكيت بل كان أهل كل بيت يشربون الشاي وقت الضحى
خرجت شيرين من شرود ذهنها وهي تنتبه لرنين هاتفها الموضوع فوق المنضدة بجانبها.. فتناولته وهي ترى اسم معاذ يعلو الشاشة
أوه أنه معاذ يتصل بي..
قالت سهر بلهفة وهي تمسك حقيبة شيرين الصغيرة
هيا.. هيا سارعي في الخروج
ألقت شيرين السلام على صاحبة الصالون التي كانت منشغلة مع مساعداتها بزينة وجه عروس أخرى في حين هي خطت برزانة نحو خارج الصالون حيث يركن معاذ سيارته..
بمجرد أن لمح معاذ شيرين تخرج من الصالون المتفق عليه حتى ترجل من السيارة يدمدم بخفوت لها
مرحبا شيرين..
لا تعرف لماذا قلبها اخذ يدق بسرعة هكذا وهي تتطلع لوجهه عن هذا القرب.. تتعلق نظراتها بلحيته الكثيفة التي يتخلله قليل من الشيب للحظات قبل أن تنكس نظرها خجلا وهي تقول بحياء
أهلا معاذ
في حين لم تكن سهر تشعر بالرضا وهي تراه يقف أمامهن بملامحه المتجهمة هذه..
لم يبد حتى أنه حاول أنه بذل أي جهد ليبدو مظهره في افضل حال..
بل بدا وكمن هو ذاهب لجنازة مجبرا..
فتنحنحت من مكانها تجلي صوتها قبل أن تقول بنبرة غلفها البرود
سأذهب معكما للمحكمة.. هل جلبت شهود
التفت معاذ لسهر وقد ازداد انعقاد حاجبيه ثم رد عليها بخشونة مريبة
بهذا الشأن أريد أن أتحدث معك يا شيرين ولكن ليس هنا
أومأت سهر له وهي تستقل السيارة في المقعد الخلفي قبلها بجرأة.. شعرت شيرين بوجود خطب ما وريبة إلا أنها لحقت بسهر تجلس بجانبها وصعد معاذ السيارة أخيرا..
عندما شغل المحرك استرقت شيرين النظر للمرأة الأمامية لتطالعه..
بدا وجهه متصلب وعيناه لا ترفان.. وكأنه يحمل في داخله كلاما لها سيتسبب بتوترها..
لكنها ارتأت أن تتجاهل الأمر وألا تسمع لشيء في إفساد هذا اليوم
رغم أنه بدا غير مبشرا فهو لم يكلف نفسه ولو لثانية في امتداح مظهرها الفاتن بكلمة أو تأمل جمالها..
ظل الصمت الثقيل يلف الأجواء داخل السيارة حتى أوقفها معاذ أمام إحدى الفنادق بهدوء مريب لا يقطعه إلا صوت مرور السيارات المسرعة على الطريق العام..
تغضنت ملامح سهر بتوجس وهي تسأله بجدية لا تحمل تروي
لماذا ركنت السيارة أمام الفندق الم يكن يجب أن نذهب للمحكمة أولا
صوت سهر المستفز لأعصابه كما وجودها الآن بينهما جعله يستدير نصف استدارة للخلف لهما يقول
هل يمكن يا سهر أن تتركينا أنا وشيرين نتحدث لدقيقة واحدة هنا منفردين
توترت شيرين أكثر وهي تنصت لكلامه..
لكن قالت سهر بشيء من الانفعال وقد شعرت بشيء خاطئ فيه
لا أريد.. أنا صديقتها المفضلة والمقربة.. شيرين ستخبرني ما ستقوله لها حرفيا فاختصر على نفسك وتحدث أمامي.. لماذا توقفت هنا
نظر معاذ حوله قليلا بانضباط انفعالي ثم أغمض عينيه مستعيذا من الشيطان..
فليتجاهل مسألة وجود سهر المزعجة طالما أن الأمر يريح شيرين..
فتح عينيه يقول بصوت باهت كما ملامحه المجهدة لشيرين
لا أظن أن علينا أن نمضي قدما في هذا الزواج
بدأ صدر شيرين يعلو ويهبط بينما تنظر إليه غير مصدقة وكأن ما قاله معضلة صعبة الفهم..
.
الفصل السابع
تغضنت ملامح سهر بتوجس وهي تسأله بجدية لا تحمل تروي
لماذا ركنت السيارة أمام الفندق الم يكن يجب أن نذهب للمحكمة أولا
صوت سهر المستفز لأعصابه كما وجودها الآن بينهما جعله يستدير نصف استدارة للخلف لهما يقول
هل يمكن يا سهر أن تتركينا أنا وشيرين نتحدث لدقيقة واحدة هنا منفردين
توترت شيرين أكثر وهي تنصت لكلامه..
لكن قالت سهر بشيء من الانفعال وقد شعرت بشيء خاطئ فيه
لا أريد.. أنا صديقتها المفضلة والمقربة.. شيرين ستخبرني ما ستقوله لها حرفيا فاختصر على نفسك وتحدث أمامي.. لماذا توقفت هنا
نظر معاذ حوله قليلا بانضباط انفعالي ثم أغمض عينيه مستعيذا من الشيطان..
فليتجاهل مسألة وجود سهر المزعجة طالما أن الأمر يريح شيرين..
فتح عينيه يقول بصوت باهت كما ملامحه المجهدة لشيرين
لا أظن أن علينا أن نمضي قدما في هذا الزواج
بدأ صدر شيرين يعلو ويهبط بينما تنظر إليه غير مصدقة وكأن ما قاله معضلة صعبة الفهم..
فعقدت حاجبيها تنظر إليه وكأن ما قاله معضلة صعبة الفهم..
واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تغمغم له متسائلة بصوت خافت
لا أفهم ما تقوله.. ألن نذهب للمحكمة الآن
رد عليها بصلابة حاول التحلي بها
لا لن نفعل
بدأ الاستيعاب يتسرب لعقلها لتستنجح ما يقصده الآن فيحتقن وجهها..
شعرت بما يقوله بمثابة طعنة غدر منها فهتفت تستهجن تراجعه
وماذا عن أخوالي! لقد ذهبت بنفسك لإقناعهم أن نتزوج بهذا الشكل..
عيناها المصوبتان في عينيه كانت تتوهجان بخضرتهما بألم لامس قلبه.. إلا أنه لم يكن ليتراجع عن قراره الذي اتخذه..
فما تفكر فيه ما هو إلا سخافة ومهزلة!
الزواج ارتباط مقدس وأكبر من أن يتم تدنيسه في التعامل معه وكأنه عقد عمل أو شيء مشابه لهذا..
لقد أخطأ في استسلامه لطلبها سابقا..
ولكن لم يفت الأوان بعد للتراجع عن هذه الحماقة التي تريده أن يقبل عليها معها..
فأغمض عينيه مجددا للحظات يحاول التركيز ثم قال بصوته الرزين
أنا بنفسي من سأتولى بإخبارهم عن تراجعي عن الزواج.. سأخبرهم بأننا لم نتمه
تساءلت باضطراب وتوجس
تتحدث عن الأمر ببساطة بالغة! أنت تسيء لي
لف العبوس ملامحه وهو يجيبها بعقلانية
تراجعي عن هذه المهزلة التي تريدين مني أن أقدم عليها ليس إساءة في حقك.. بل الإساءة أن امضي قدما في زواج تريدينه أن يكون صوريا!
قالت له باضطراب شديد يغزو صوتها كما ملامحها
لا اصدق ما تفعله بي في نفس اليوم المقرر أن يكون يوم زواجنا
رغم إرهاقه وضعفه أمام ملامح الألم الظاهرة من خضرة عينيها سيطر على نفسه وقال بصوت هادئ
بل صدقي لأني أريد مصلحتك.. لأن الزواج الصوري نهايته هي الانفصال.. ولا يصح أن يحسب هذا الزواج عليك بعد أن ننفصل.. الطلاق ليس سهلا لك كامرأة.. وسأتحدث مع أخوالك في مسألة الضغط على زواجك.. انهم متفهمين جدا وواعين ولن يصعب عليهم فهم أنه من حقك الزواج فقط من الرجل الذي ترينه مناسب لك
ظلت عينيها تنظر في عينيه في مشهد رهيب بينهما وكأنهما انعزلا عن كل شيء.. كل شيء سكن وهما يحدقان ببعضهما..
تناظره هي بالم بينما يبادلها هو الاعتذار الذي لا يحمل من الندم شيء..
قالت سهر التي كان الصدمة تلفها طوال الوقت السابق بما أعادهما للواقع
حسنا أوصلنا للبيت يا معاذ.. فلم تجلب أي واحدة منا سيارتها.. أعدنا ولننهي كل شيء لم يبدأ أصلا
تطلع معاذ ببرود نحو سهر بينما يهدر
لن أوصلكما للبيت.. بما أن حقائبك معي في السيارة يا شيرين بعد أن أخذتهم من منزل والدة سهر.. سأنزلها الآن إلى الجناح الذي حجزته
صرخت سهر بغضب مطبق على عينيها
لن تنزل صديقتي الى أي فندق لوحدها
نظر معاذ لها بصرامة يقول وهو يفك حزام أمانه
لذلك حجزته لأثنين لتقيمي معها عدة أيام
نظرت سهر في عينيه وهي تقول بشموخ
شكرا لك لكن لا نريد أي معروف منك
إلا أنه تجاهلها وهوي يترجل من السيارة مدمدما
سأسبقك للبهو لأخذ مفتاح الجناح الذي حجزته..
نظرت سهر بقلق لصديقتها الجالسة جانبا بوجه شاحب قبل أن تراها تفتح مقبض وتترجل منها بمظهر لا حياة فيه..
وصلها صوت رنين هاتفها إلا أنها أغلقته بلا اهتمام وترجلت هي الأخرى تلحق بها..
وبمجرد أن دخلتا الاثنتين بهو الفندق حتى تقدم منهما معاذ وناول سهر مفتاح الجناح
تفضلي يا سهر.. سأذهب الآن
وضع أحد الموظفين حقائب شيرين العديدة أمام جناحها..
أخرجت سهر بقشيش تسلمه للموظف الذي شكرهما بامتنان ثم أغلقت مرة أخرى الاتصال الذي وردها رغم انتباهها هذه المرة أنه من أمها..
فتحت باب الجناح لشيرين ثم أغلقته خلفهما عقب أن أدخلت باقي الحقائب
تطلعت بحزن وقهر على حال صديقتها لتجد دمعاتها قد انسابت بحرارة على وجنتيها الشاحبتين فسارعت تقول وهي تقترب منها بينما تكفكف هذه الدموع
هل تبكين يا شيري توقفي عن البكاء.. ذاك الرائد الحقير لا يستحق بكائك
زمت شيرين شفتاها تحاول كبح المزيد من الدموع ثم قالت وهي تشيح بوجهها جانبا بصوت مرتعش
لا بأس يا سهر أنا بخير.. ليست أول مرة اترك في نفس اليوم المقرر لزواجي.. هل سأكون بحاجة أن اترك سبع أو ثمان مرات حتى اعتاد الأمر!
كانت تهم سهر في التحدث بما قد يخفف عنها إلا أن صوت رسالة منها داهمها..
وشيء مريب في داخلها جعلها هذه المرة تمسك الهاتف وتطلع على رسالة أمها على الأقل بما إنها لم تكن قادرة على الإجابة..
ولحظات كانت قد مرت عليها على هدرت بصدمة
إنها رسالة من أمي.. يا إلهي.. لا يا إلهي
كانت ملامح القلق المفرطة تغلف ملامحها وهي تسارع الاتصال بأمها ووضع الهاتف في القرب من أذنها بارتباك..
انتبهت شيرين لحال سهر فتساءلت بخفوت وقلق
ماذا حدث يا سهر
أجابتها وارتباكها يزيد
أبي في المشفى.. أحاول أن اتصل بأمي الآن ولكنها لا ترد
اتسعت عينا شيرين بقلق على حال والد سهر فتساءلت على الفور
ماذا كتبت لك
قالت سهر وهي تحاول الاتصال بوالدتها مرة أخرى
قالت لي بأن أبي تعب فجأة وهو الآن في المشفى.. حاله صار أفضل ولكنهما لن يعودا اليوم للبيت
مدت شيرين كفها تضعها فوق كتف سهر وهي تقول بمحاولة طمأنتها
الحمدالله أن أصبح بخير.. لا تقلقي إذن.. أنت تعرفين أن الكبد لديه متعب..
بالكاد منعت سهر عبارتها من الانزلاق وهي تقول بصوت مرتجف من فرط قلقها على والدها
لن اشعر بالراحة قبل أن اذهب للمشفى ورؤية أبي.. أنا بحاجة لذلك بما أن أمي ترد
سيطرت شيرين على مشاعرها سريعا كما اعتادت أن تخمدها ولو مؤقتا لتحثها قائلة
اذهبي فورا ولا تقلقي بشأني.. ولو كان حالي يسمح لكنت لحقتك على الفور
تطلعت سهر لها بحيرة تلفها وهي تشعر نفسها واقعة بين نارين لا تعرف هل تذهب إلى والدها وقد تحسنت حالته على حسب قول أمها أم تظل مع شيرين التي هي في موقف لا تحسد عليه بعد ما حدث لها..
لكن نظرات شيرين التي كانت تطمئنها على حالها وتحثها على رؤيها والدها جعلتها تقول لها بصوت مثقل بالاعتذار وهي تهم بالمغادرة
أنا أسفه يا شيرين سأذهب الآن وأعود مساء لأنام معك
قالت شيرين وهي تودعها
لا تعودي.. أنا بخير المهم أن تطمئني على والدك
أغلقت شيرين الباب خلفها متنهدة بإجهاد وبدأت ترفع أناملها تحرر نفسها من وشاحها..
ووزعن أنظارها في المكان الذي تدخله أول مرة وهي تحاول تقصي مكان دورة المياه..
بمجرد أن وجدتها ودلفت لداخلها حتى أطلقت لعنان لمشاعرها البائسة وسمحت لنفسها في الانهيار بمرارة وهي ترتجف من إثر الألم الذي تشعر به يجتاحها..
كانت تبكي بحرقة كما أنها لم تبكي يوما..
تشعر بالذل.. بالمهانة.. والخسارة.. بكل شيء دفعة واحدة..
وضعت يدها تستند الى المغسلة.. تدير الصنبور ليتدفق الماء فتغسل وجهها وتفركه بيديها فينزل الماء ملونا منه بفعل أصباغ مساحيق الجميل..
في الأسفل كانت سهر تنزل بخطوات سريعة وتخرج من الفندق.. تقف أمام الشارع العام وترفع يدها توقف سيارة أجرة غافلة عن الشخص الذي كان يركن سيارته في جانب الطريقة يراقبهم بعد أن تبعهم خلف سيارة معاذ منذ أن كانتا في صالون التجميل..
في الصباح الباكر جدا..
وبينما كان مصعب يمشط شعره ينهي تجهيز نفسه قبل الخروج للعمل وصله صوت أجش ناعس ممزوج بالحنق الضمني
مصعب لا تنسى مجددا أن تحضر لي الليلة كتابا سبق وقرأته لأقراه أنا الأخرى.. فأنا أكاد أموت من الملل هنا.. الكتب في مكتبة والدك لا تستهويني
التفت مصعب برأسه ينظر لها من فوق كتفه كيف تعتدل شبه جالسة وعيناها بأجفان مرخية للنصف بعد أن استيقظت من النوم على حركة جلبته..
فتنهد ثم قال باقتضاب
حسنا لا تقلقي.. إذا أتيح لي بعد العمل بعض الوقت سأذهب لإحدى المكاتب.. المشكلة هي بأني غالبا أنسى ما اقرأه
أسندت ظهرها للسرير تفرك عينيها الأخرى مغمغمه
هذا مذهل.. حقا مذهل
أخرج مصعب من خزانته إحدى أحذيته الرياضية ثم قال لها بهدوء
نورين أنا قراءتي أغلبها في مجال عملي ولكن بين حين وأخر اقرء بعض الكتب التي تقع بين يدي من كتب تتحدث عن تنمية التفكير ومهارات الاتصال والتواصل والتدريب.. لكن في الحقيقة لم يعجبني ولا كتاب واحد إلى الحد الذي يبقى مترسخا اسمه في عقلي
قطبت حاجبيها تقول بامتعاض
هذه الجملة تعني بأنك لن تحضر لي أي كتاب اليوم مجددا متذرعا بأن لم تجد وقتا بعد انتهاء عملك
وقبل أن يمسك مقبض الباب للمغادرة رفع حاجبيه كمن تذكر شيء يعود إلى حيث أجرار المنضدة.. يفتح أولهم ويفتش ما بداخله واحدا تلو الأخر..
فتساءلت بتوجس
عن ماذا كنت تبحث
استطاع إيجاد ما يبحث عنه أخيرا فقال وهو يرفعه أمام ناظر نورين
لقد تذكرت فقط الآن هذا الكتاب.. تناوليه منا
التقطته بمهارة منه ما إن رماه ثم سهمت في التفكير وهي ترخي رأسها نحو الكتاب الذي تمسكه متسائلة
هل قرأته قبل هذه المرة
أومأ برأسه ثم قال بهدوء وهو يفتح ثلاجته الصغيرة بينما هي تطالعه بملامح توحي بالإنصات التام
نعم قرأته ويمكنك القول بأنه كتاب هادئ ولطيف.. أهدته لي أمي في وقت كنت أمر به ببعض المشاكل والضغط النفسي قد بلغ مني مبلغا كبيرا.. أي أعطته لي بعد زواجي منك مباشرة.. وكنت اقرأه بين فترات مناوبتي
لاحظ وهو يفتش في أدراج الثلاجة بأنها لم تترك له إلا علبة مشروبات غازية واحدة لكنه لم يعقب بل أخد هذه العلبة وهو يحدجها بنظرات ساخطة لتخلصها من الباقي..
في حين حانت منها نظرة امتنان وهي تخبره بملامحها الناعسة
شكرا لك يا مصعب
بمجرد أن غادر المكان حتى تململت مكانها متثائبة ثم عادت تدثر نفسها وتغرق في النوم..
أغلقت تمارا باب غرفة النوم على زوجها بعد أن سجلوا خروجا من المشفى له وعادا للمنزل..
ثم تطلعت لابنتها التي تقف أمامها تخبرها بإجهاد لا يقل عن أجادها
الحمدالله لقد نام قبل قليل
أخذت سهر نفسا عميقا منهكا ثم تطلعت لامها تدمدم بامتنان
الحمدالله لقد كنت قلقة جدا
شردت عينا تمارا بحزن وقالت بصوت متحشرج متمني
أتمنى أن يكرمنا الله عاجلا غير أجلا ونجد من يتبرع لوالدك الذي بدأ يعاني من مضاعفات نتيجة أصابته بمرض الكبد المزمن حتى يزيلوا الكبد المتضرر منه ويستعيضوا بجزء من كبد أخر سليم
تمتمت سهر بآمين ثم قالت بنفس نبرة صوتها المجهد وهي تخرج هاتفها
سأذهب لاتصل بشيرين
تحولت ملامح تمارا لأخرى مدققة وفضولية وهي تقول بنبرة جدية
بعد أن يهدأ بالي علي أن أتحرى امر صديقتك هذه فلماذا توقف فجأة امر زواجها ولم تعد تريد الزواج من ذاك الرائد!
عقدت سهر حاجبيها بيأس من أمها.. وقالت وهي تبتعد عنها
سأخبرك السبب فيما بعد أمي.. فيما بعد
جلست سهر على أريكة طويلة موضوعة في بهو منزلها وبدأت تطلب رقم شرين..
في الأمس لقد اتصلت شيرين بها تطمئن على والدها وكانت مصرة على القدوم لولا قسمها بغلظ الأيمان بأن والدها بخير وسيعود للمنزل صباح اليوم التالي..
بمجرد أن فتح الخط حتى قالت سهر بلهفة وقلق
مرحبا شيرين حبيبتي.. لا أدري إذا كنت استيقظت بعد فلا زال الوقت مبكر ولكن سأمر الآن عندك حتى..
قاطعتها شيرين بصوت جامد
أنا في العمل يا سهر
جحظت عينا سهر وفغرت شفتيها للحظات طويلة لا تستوعب ما سمعته ثم زعقت بها باستهجان
هل أنت مجنونة كيف تذهبين للعمل ألم تأخذي إجازة طويلة
أطلقت شيرين زفيرا منهكا ثم قالت بعملية وهدوء قبل أن تغلق
سهر لا يصح أن استخدم الهاتف طويلا في فترة العمل.. سأتحدث معك بعد أن أعود
ظلت سهر تناظر الهاتف بصدمة بعد أن أغلقت شيرين عليها الهاتف..
وبمجرد أن
مرحبا قصي حبيبي
وصلها صوت قصي الهادئ المستفسر
أهلا سهر.. مممم كنت أريد أن أسألك أين أنت الآن
تجاهلت سهر أسئلة وطلبت منه وكل تفكيرها منصب على صديقتها
قصي هل أنت بعملك إذا كنت متفرغا فأنا بحاجة لرؤيتك الآن وحالا.. هناك شيء متعلق بصديقتي شيرين
لفت الحيرة وجه قصي بينما يركن سيارته على جانب الطريق..
لديه علم سابق بزواج شيرين ولكن أحد زملائه في شركة القاني أخبره برسالة قصيرة أن شيرين سحبت إجازتها الطويلة التي طلبتها وحضرت للدوام كأي يوم عادي..
فوجد نفسه تلقائيا يتصل بسهر ليستفسر منها..
تنحنح قصي يجلي صوته قبل أن يقول مفتعلا الدهشة
شيرين! أوه بالتأكيد أنا متفرغ.. مسافة الطريق وأكون عندك يا باربي.. فأي شيء مهم بالنسبة لك هو مهم لي بالطبع
في الطريق سردت سهر كل ما حدث مع شيرين لقصي بإيجاز شديد وبتمويه بعض الأحداث بطريقة تحفظ فيها كرامة صديقتها مما جعل قصي يهمهم لها بتفكير قبل أن يتساءل باستغراب
إذا هي لم تتزوج في الأمس! ولكن لماذا تراجعت في اللحظات الأخيرة ألم تقولي بأنها تعرف ذلك الرائد منذ زمن
تنهدت سهر ببؤس ثم قالت برجاء
قصي أرجوك! أنا لا أستطيع أن أتحدث باي تفاصيل أخرى إضافية عن صديقتي.. لكن يمكنك القول بأنها قد ألغت في الأمس كل شيء وسحبت إجازتها وعادت للعمل وكأن شيء لم يحدث.. أنت تعرف الطريق لفرع شركة القاني في مدينتا.. صحيح
نظر لها قصي للحظة يقول بابتسامة
نعم اعرف يا باربي.. ها قد اقتربنا
بمجرد أن أوقف سيارته حتى أمسكت مقبض الباب تفتحه وهي تقول على عجل
شكرا على إيصالي يا قصي وأسفة على إتعابك
تشبث بيدها يمنعها من الخروج بينما يخبرها
لا تقولي ذلك.. سأنتظرك حتى تنتهي يا سهر
شعرت بالسوء لإشغاله معها رغم عمله المنهك كمدير شركة لعائلته كما سبق وأوهمها فقالت له بصوت مثقل بالذنب
ولكن أنا لا أريد إتعابك أكثر وقد يطول بقائي عند شيرين
ابتسم قصي لها بحنان ثم ترك يدها يحثها على الذهاب وهو يخبرها
لا يوجد أية تعب.. سأنتظرك حتى تنتهي من زيارتك ثم سأوصلك للبيت
أرسلت سهر قبله بالهواء له ثم قالت بعينين تبرقين امتنانا وصوت متأثر
شكرا يا قصي لا تعرف كم يعني وجودك في حياتي
تابع قصي بنظره سهر تهرول نحو الشركة مسرعة.. وكم شعر بالذنب أنه لم يوقف السيارة داخل مصف الشركة الكبير..
إلا أنه كان مضطرا فهو لا يستطيع المخاطرة والدخول من باب الشركة فيتعرف عليه إحدى زملائه أو مدراء عمله أو حتى الحارس!
فهو يعمل منذ سنتين هنا ووجه مألوف للكثير رغم أنه لم يقم أي صدقات مع من يعمل في الشركة..
.
.
دلفت سهر لمكتب شيرين المفتوح لاهثة وصوتها يصدح عاليا
شيرين.. أنت هنا!
جفلت شيرين المنهمكة في مراجعة الشكاوى على حاسوبها على صوت سهر لتلتفت جانبا ناحية الباب تطلع بذهول لها متمتمه بلوم
ماذا تفعلين هنا يا سهر
تقدمت سهر التي كان صدرها يعلو ويهبط جراء هرولتها منها ثم مالت بجسدها للأمام ووضعت كلتا يديها فوق مكتب شيرين تقول بغضب رغم رقة عتاب صوتها
بل أنت ماذا تفعلين هنا كان عليك أخذ قسطا من الراحة وعدم التوجه للعمل مباشرة
نكست شيرين وجهها ضاغطة بإصبعيها بين عينيها وهي تقول بصوت يقطر تعبا
أنا بخير يا سهر ولم يكن عليك القدوم هنا.. إذا عرفوا بأنك صديقتي وتشغليني عن عملي لأغراض وأحاديث شخصية فلن يكون موقفي لطيفا أبدا.. خاصة وأنا المعروف عني الصرامة في العمل
قالت سهر باستنكار وهي تبعد يد شيرين عن وجهها وتشير له
تبدين كالأموات بوجهك الشاحب.. لربما علينا الذهاب للطبيب
هتفت شيرين بصوت مرتعش رغم قوته ورفضها
طبيب لا داعي.. ربما لأني لم اكل شيئا منذ صباح الأمس.. لكن بفترة راحتي سأطلب من كافيه الشركة وجبة دسمة جدا لأعوض
كتفت سهر ذراعيها ثم قالت بصرامة
ردة فعلك بالذهاب للعمل مباشرة بعد ما حدث معك صادمة.. أنا أفضل حقا أن تذهبي..
هتفت شيرين بها بشيء من الحدة خرجت رغما عنها وهي تقاطعها
وماذا تريدين مني أن أفعل هل أموت واقتل نفسي أم أوقف حياتي وأتوقف عن الذهاب للعمل وممارسة حياتي الطبيعية ذهابي للعمل وإيقاف تلك الإجازة هو أكثر شيء طبيعي ومعقول كان علي فعله!
فغرت سهر شفتيها بصدمة من ردة فعل شيرين المنفعلة..
في حين بهت وجه الأخرى وهي تشعر بأن غضبها الذي أفرغته على سهر كان مبالغا به فهي لم تكن تريد إلا الاطمئنان عليها..
غز ملامح الندم الشديد ملامحها وعادت تفرك ما بين عينيها بإرهاق بالغ..
تبا لكل شيء.. هي حقا لا يمكنها التركيز على أي شيء..
أنكى ما في الأمر أن اليوم بأوله ولا زال هناك سبع ساعات عمل أخرى قبل أن تعود للفندق..
ليتها استطاعت النوم لو لساعتين على الأقل في ليلة الأمس..
تنهدت بإجهاد وهي تبعد أناملها عن وجهها لتقول بينما تنتبه من زجاج نافدتها الزجاجي الكبير لمعتز يقف جانبا خارج المكتب
أرجوك غادري يا سهر قبل أن يرانا أحد.. ألا يكفي الجلبة والاستغراب الذي أثرتهم على نفسي عندما أخذت إجازة لأربعة عشر يوما ثم سحبتهم وجئت فجأة هكذا.. انظري هناك.. إحدى الموظفين يقف عند باب المكتب بانتظار خروجك حتى يأتي هو.. هيا أخرجي
جمود وفتور صوت شيرين جعل البؤس يتسلل لقلب سهر عليها..
إنها حقا متألمة مما حدث ولكن أفضل شيء أن تدع لها مسامتها وتراقبها عن بعد بكثب وحسب!
فأومأت برأسها ثم قالت بصوت ضعيف
حسنا سأفعل
وما أن استدارت سهر للمغادرة حتى توقفت مكانها والتفتت برأسها للخلف تنظر لها من فوق كتفها تقول بصوت لطيف يحمل الكثير من الاعتذار وهي تناديها باسم الدلال التي تختصه بها هي فقط
إلى اللقاء يا سهر الليالي.. اليوم ستنامين معي بالفندق.. صحيح
داعبت ابتسامة جميلة وجه سهر وهي تقول لها غامزة
بالطبع.. أساسا لقد سبق وأخبرت أمي وخطيبي
بادلتها شيرين ابتسامة ممتنة ثم قالت لها بشيء من التسلية رغم إجهاد ملامحها وصوتها
انقل أحر تحياتي لخطيبك قصي
مدت سهر يدها تلوح فيها لشيرين وهي تغادر المكتب ليدخل معتز فورا للداخل فترد عليه شيرين بنبرة عملية هادئة
نعم يا معتز.. ماذا هناك
فتح معتز كلتا يداه باستسلام قبل أن يقول وقد وصل حده في كظم الغيظ
لقد يئست من هذا المدعو قصي.. إنه يفقدني جنوني..
قاطعته شيرين متسائلة بهدوء
من هو قصي أوه
أغمضت شيرين عينيها للحظات وهي ترفع يدها لجبينها تقول متذكرة
أتقصد قصي سامح ذاك الذي طلبت مني بالسابق التحدث معه بخصوص تجاوزاته الكثيرة
لقد بدأت تشتت من كثرة المدعوين باسم قصي الذين تقابلهم يوميا!
أومأ معتز بإيجاب ليقول بمرارة وغضب مكتوم مما يلاقيه يوميا من قصي
نعم إنه الموظف الوحيد في فريقي الذي أتمنى خنقه.. ألا يمكن أن تنقليه لقائد فريق أخر يكون أكثر حزما معه..
قاطعته شيرين بصرامة لا لين فيها
لم نتعب أنفسنا وننقله من قائد فريق لأخر أينما كان ومهما كان قائد فريقه فعليه الالتزام.. سأرفع كتابا به لمدير الفرع ليصدر أمرا في فصله لكثرة مخالفاته.. نحن لا نتعامل مع شابا أهوج بل موظف كبير وناضج بما فيه الكفاية ويعمل هنا منذ سنتين ويجب أن يكون مسؤولا عن تصرفاته
زفر معتز وهو يهز رأسه يائسا
لا أدري صدقا ماذا أعقب على كلامك بشأنه..
قالت شيرين له باختصار وهي تعود لتنظر لشاشة الحاسوب باقتضاب
بمجرد أن يحضر هنا اطلب منه الحضور إلى مكتبي للحديث بشأن تأخره اليوم أيضا
رافقت الحاجة الزاهية زوجها من القصر إلى الحديقة حيث من حولهم الأشجار الخضراء..
بينما تدمدم له بهدوء ورزانة
كنت أتحدث قبل قليلا مع مازن وقال بأنه لن يقدر هذه السنة أيضا على زيارتنا.. يبدو أنه احتسب قدومه القصير لعدة أيام من اجل عزاء ابن عمه يحيى رحمه الله زيارة!
توقف الحاج يعقوب مكانها
هو من أخبرك ذلك
أومأت الحاجة له ثم قالت له بجدية يشوبها بعض الحزن والألم
نعم رغم أني لم أطالبه بحجج إضافية فقد مللت من سماعها التي قالها في السنوات الماضية.. كل سنة نفس الشيء مع اختلاف الحجة.. لا نريد منه العودة هنا.. لكن على الأقل فليسمح لزوجته وابنته بزيارته هناك ولتكن
متابعة القراءة