رواية قلبي بارت 6-7
المحتويات
زيارة صيفية طويلة.. سوف يكون له مردوده الإيجابي جدا عليهم جميعا وخاصة على هدى الصغيرة
لامس قلبه صوت زوجته الشجي الحزن فقال لها بجدية ممزوجة بالحنان
سأكون صريحا معك.. لظروف كثيرة قد لا يعود قريبا مازن هنا قريبا.. لكن سأحاول أن اجعله يستقدم زوجته وابنته عنده
لم يوضح بشكل جلي السبب الذي يمنع مازن من القدوم هنا.. هي متأكدة من وجود سبب قاهر جعل زوجها يخرج ابنها للخارج خلال يوم وليلة ولم يكن قد مر الكثير على إنجاب ابنته متحججا بدراسته رغم أنه كان في سنته الأخيرة في جامعته..
لكن لو كان له أي نية للكشف عن هذه الأسرار لكان لتحدث قبل الآن! إلا أنه لم يفعل..
لم تجد زاهية إلا أن تومئ برأسها وتقول بصوت خافت
حسنا جيد
ابتسم يعقوب بينما تمسك كفه يد زوجته ويربت فوقها بخفة مطمئنا إياها لتبادله الابتسامة رغم إنهاك تفكيرها..
تجاوز الحاج أسوار حديقته يتقدم للخارج في حين بقيت زاهية تقف مكانها تطلع حتى ابتعد من أمام ناظريها ولم تعد تراه..
استدارت للخلف تسير بوقار إلى حيث كانت تجلس في حديقتها مع رتيل قبل أن ترافق زوجها للخارج..
جلست بجانبها تتحدث معها قبل أن يقطع حديثهم صوت نورين التي القت السلام وهي تتقدم منهما ممسكة بصينية فوقها إبريق شاي ضخم وكاسات زجاجية..
وضعت نورين الصينية فوق المنضدة الخشبية الدائرية ثم قالت بصوت مفعم بالحيوية واللطف
لقد جلبت الشاي لنا جميعا وأخبرت ياسمين أن تأتي عندنا كما طلبتي
دمدمت لها الحاجة زاهية بكلمات الشكر هي ورتيل فازدادت ابتسامتها اتساعا..
كانت سعيدة بين الحين والأخر أن تبادر للجلوس معهن وتجاذب أطراف أي حديث بسيط معهن..
ولم تجد أفضل من هذا الوقت..
فنساء القرية لا ينقطعن أبدا عن مجلسها ودائما ما يجتمعن في المساء عندها لاحتساء القهوة وأكل المقبلات..
سكبت نورين الشاي في الكاسات بينما التفت الحاجة زاهية تقول لرتيل
بماذا كنا نتحدث يا رتيل آه هل اتصل بك مؤيد وأخبرك في أي ساعة سيعود الليلة
تنهدت رتيل قبل أن تجيبها
قال لي ربما يعود في الغد
عقدت زاهية حاجبيها قليلا وهي تقول
لماذا هو في العادة يأتي كل أسبوعين.. تحديدا يوم الخميس
أومأت رتيل ثم قالت
اعرف ولكن عندما حاولت أن استفسر منه عن السبب الذي قد يأخره صرخ عاليا بأنه لا يحب أن يدقق أحد أين ومتى يخرج.. تعرفينه
ردت زاهية بوقار صوتها قبل لهجتها
نعم وهل هناك أحد يعرف مؤيد غيري أنا! هو دونا عن إخوته أكثرهم تسلطا وعصبية.. ولكن أنت زوجته وعليك أن تتعاملي معه بالرغم من ذلك بشكل إيجابي والبحث عن حلول تجعلك قادرة على التعايش معه بإيجابية
قالت رتيل وهي ترفع أناملها تخفي خصلات شاردة من وشاحها الأبيض المرخي حول رأسها
هذا ما أحاول فعله معه.. أنا أتحمل الكثير
عادت تقول الحاجة زاهية بهدوء صوتها لها
نحن النساء علينا أن نكون قويات وقادرات على تحمل المصاعب وطباع الزوج مهما بدت صعبة ولا تحتمل والا كيف سنعمر بيوتنا أنا واثقة بأنك امرأة قوية ولست ضعيفة
دمدمت نورين لا شعوريا بصوت خافت كمن تحدث نفسها
أول مرة معك اعرف أن قوة المرأة في استكانتها وقدرتها على تحمل الظلم والطغيان.. لا بإنجازاتها ونجاحها وتحقيقها أهدافها وطموحاتها!
أظلمت عينا رتيل وتلبد وجهها بغيوم عاصفة مقتربة لا تصدق بأن المرأة التي جاءت كفصيلة هي من تحدثها عن قوة المرأة وإنجازاتها وطموحاتها!
في حين حدجت زاهية نورين بتهديد التي سارعت تبتسم بارتباك تواري حماقة ما قالته مجاهرة..
ثم غطت ثغرها المتهور بيدها وهي تقول مغمغمه
أنا سأسكت الآن لا داعي لتخبريني
أخفضت الحاجة زاهية نظرها لكأس الشاي الزجاج الذي مدت يدها لتتناوله وترتشف منه القليل ليأتيها بعد دقائق صوت ياسمين وهي تلقي عليها السلام..
سكبت نورين الشاي لها وناولته إياه بلطف فدمدمت لها ياسمين بعبرات الشكر والعرفان ثم تساءلت باستغراب وهي تنظر لابنتها الجالسة عند الشجر تتحدث بالهاتف الذي تمسكه
ماذا تفعل هدى خلف الشجرة هناك جالسة
نظرت الحاجة زاهية لها تجيبيها بشيء من الفتور
أعطيتها هاتفي لتتحدث مع أبيها.. لا أرى في الصغيرة أي لهفة للتحدث مع والدها فأنا من ألح عليها في كل مرة أن تحادثها لتفعل.. والخطأ عليك يا ياسمين أنت الأم.. أنت من عليك أن تتحدثي دائما مع ابنتك عن والدها وتزرعي فيها حبها ولهفتها تجاهه.. عندما كان يسافر الحاج يعقوب للخارج كان لا تمر دقيقة دون أن يتساءل جميع أولادي عنه وعن موعد رجوعه
قالت ياسمين لها شارحة
هذا يا عمتي لأنهم كانوا معتادون على وجوده منذ صغرهم أما هدى فهي بعيدة عن والدها ولم تر شيئا من حنانه أو اهتمامه منذ ولادتها.. فتصرفاتها طبيعية ولا دخل لها أنا
اعترضت زاهية كلامها بقوة
غير صحيح.. هاك انظري لباسم وفهد أولاد رتيل.. منذ ولادتهم وهم معتادين على عدم وجود والدهم إلا مرة كل أسبوعين.. ومع ذلك يتلهفون دائما عند قدومه.. أنا لا أريد الدخول في نقاش عقيم لكن كل ما أطلبه أن تهتمي بعلاقة ابنتك مع والدها
ظهرت ملامح يأس على وجه ياسمين من هذا الحديث فعادت إلى آليتها المعتادة عليها كلما تحدثها عن زوجها مازن وردت بجمود
حسنا..
استفزت هذه الكلمة كل ما في زاهية وكادت أن تفقد وقارها ورزانتها وتصرخ بزوجة ابنها إلا إنها تمالكت نفسها بشق الأنفس وهي تعود لتقول بانضباط انفعالي
لا أريد أن أكرر كلامي مثل كل مرة.. لكن عليك أن تشاركي مازن يا ياسمين بتفاصيل حياتك اليومية وتعاملك مع هدى وما يجري من تفاصيل
ظهر الضجر والاكتفاء على وجه ياسمين إلا إنها تحاملت على نفسها لتقول أي شيء على طرف لسانها يزيد عن كلمة واحدة
سأفعل ولكن هو أحيانا يكون مشغول ويطلب مني ألا أكلمه لفترة
قالت زاهية لها تأمرها بحزم وهي لا تلمس أي جدية أو اهتمام في كلماتها الباردة
تحدثي وتواصلي معه برقة وعذوبة ولن يرفض التحدث معك حتى لو كان مشغولا.. راعي أن زوجك في أوقاته العصيبة ومعاناته في الغربة بمحاولة تخفيف ضغوط الحياة عليه
فقدت ياسمين قدرتها على تحمل المزيد من النصائح التي تستفز برودتها لتعود لكلمتها المفضلة والتي تفي بالغرض أمام نصائح حماتها
سأفعل
رفعت الحاجة زاهية حاجبها بامتعاض لتقول بحدة
نحن نحاول جاهدين أن نستقدمك أنت وهدى للخارج عند مازن.. ادعي فقط أن تجري الأمور كما نخطط
ظهرت الصدمة جليا على ملامح ياسمين ولم تستطع إخفائها وهي تقول بصراحة لم تعي بها
ماذا تقولين استقدامي إلى هناك كيف تخططون لهذا دون الرجوع لي ثم كيف تريدين مني أن اذهب لبلد غربي في الخارج أنا وابنتي كيف ستأمنون علينا هناك
صححت زاهية لها باستهجان
كيف ستكونان وحيدتان ستذهبان عند مازن!
اعترضت ياسمين ولكن..
قالت زاهية بلهجة باترة
بدون لكن.. لقد كان عليك أنت بنفسك أن تطلبي من مازن أن يسحبك أنت وهدى لتعيشا معه..
نظرت ياسمين لها بعجز وذاكرتها تعجز للحظات عن إسعافها بأي عذر تقوله قبل أن تقول أخيرا أول ما خطر على بالها
وماذا بشأن مدرسة هدى ليس من الجيد لها أن تدرس في مدارس الغرب..
قاطعتها زاهية بنفس اللهجة السابقة
لا تتحجي بدراسة هدى فتلك البلاد أيا كانت تحتوي على مدارس وعلم.. عليك أن تدركي حالك قبل أن تجدي نفسك مضطرة للقيام بدور الزوج والزوجة ثم بدور الأب والأم فيما بعد.. ويصبح المنزل بالنسبة لمازن مجرد فندق يقضي به عطلة لطيفة كل عدة سنوات
ظلت ياسمين تنظر لها مشدوهة لا تعرف ماذا ترد حتى احتقن وجهها بصلابة وكتفت ذراعيها وهي تقول بصراحة دون أن يرف لها جفن
أنا لا أثق بابنك أبدا ولا استأمنه علي أنا وابنتي في الخارج.. إنه مستهتر وأناني
اشتد الحوار بينهما ولاحظت رتيل ونورين ازدياد التوتر في الأرجاء.. وكانت تريد زاهية الرد عليها بلهجة أشد
ظهرت الصدمة على وجوههن جميعا وهن يرين نجلاء تهرول كفتاة صغيرة شقية باتجاههم لتقف أمامهن قائلة من بين أنفاسها اللاهثة
مرحبا جميعا
قالت الحاجة زاهية باستهجان للفتاة التي تراها تخرج بغته من اللامكان
نجلاء! ماذا تفعلين هنا
قالت نجلاء بصوت مفعم بالحماس واللهفة
أمي لا تزال تزور الجيران هنا وهناك قبل أن نعود للمدينة في الغد.. كانت الآن ستذهب لبيت خالتي وطلبت منها أن توصلني لهنا وفتح لي البواب الآن
وضعت زاهية كأس الشاي فوق المنضدة ثم قالت بخفوت رغم اقتضابها من وصول نجلاء وحيدة
هذا جيد
بحثت نجلاء في الأرجاء على مقعد فارغ لتجلس عليه ثم قالت بحرارة صوتها ولهفتها
ما زال على جامعتي أسبوع حتى تبدأ.. أرجوك اقنعي أمي أن أبقى هنا وأنام عندكم.. سيوصلني مصعب لمنزلنا قبل الدوام بيوم..
قاطعتها زاهية بصرامة دون أن تستطيع أن تمنع امتعاضها من الظهور
لا.. لا يصح هذا يا نجلاء
تلاشت ابتسامة نجلاء العريضة وهي تقول
ما هو الذي لا يصح
ردت عليها بحزم وصرامة
أنت لم تعودي صغيرة بل صبية.. عروس.. كيف تريدين أن تبقي هنا في هذا المكان ومن حولك شباب يسكنون فيه!
تشبثت نجلاء بيد الحاجة زاهية تقول بنبرة متوسلة حارة
أي رجال لا يسكن هنا إلا مصعب ومالك.. أنه قصر ما شاء الله يمكن لأي أحد أن يأخذ غرفة منفصلة دون أن يضيق على أولادك الخمسة حتى لو كانوا متواجدين فيه
تنهدت الحاجة زاهية وهي تنهض من مكانها مستندة بكفيها إلى سطح المنضدة أمامها تحوقل بيأس..
تقبضت يدي نجلاء بغل ثم قالت بقهر ونظرها مصوب نحو الحاجة الزاهية التي كانت تسير مبتعدة عنها
أين ذهبت ولماذا تجاهلت كلامي هكذا كأني لم أقل شيء
قالت رتيل مبتسمة بنعومة وهي تتمتع بإغاظتها
الآن موعد قيلولة عمتي التي تمثل الحياة بالنسبة لها.. أنت تعرفين أنه بالنسبة لكبار السن فإن الاستمتاع بساعة القيلولة في منتصف اليوم شيء أساسي حتى لو لم يكونوا متعبين
تقوست شفتا نجلاء بحزن للأسفل قبل أن تنظر لنورين التي كانت ترمقها بشماتة طوال الوقت..
فضيقت حاجبيها بعدوانية وعينيها ترسل شرارات مفادها بأنها لن تستلم..
إلا أن نورين استقامت من مكانها بهدوء وهي تبتعد من المكان بخطوات مغترة..
سعيدة بأن تلك الصغير ابنة الثمانية عشر عاما نجلاء وفي كل مرة تحاول القدوم إلى هنا والانتقاص منها أمام الجميع ينقلب الأمر عليها..
شركة القاني..
مكتب شيرين..
بمجرد أن قرع قصي الباب حتى أغمضت شيرين عينيها بغيظ للحظات من رؤيته ثم تحاملت على نفسها وقالت من بين أسنانها بعملية
تفضل يا قصي سامح
ابتسم قصي بارتباك وهو يعرف سبب طلبه ثم دلف للداخل وجلس على الكرسي أمام مكتبها يقول بتوتر دون أن تنحسر ابتسامته الملازمة له
قال معتز بأنك طلبتني
قالت شيرين بجفاء
قصي سامح هل يمكن أن تخبرني عن السبب الملح الضروري الذي أخرك اليوم لأنه لا يمكن أن يكون سببا عاديا هو ما جعلك تتأخر عن عملك بعد أن حذرتك في لقائنا الأخير من أنه تبقي تنبيه أخير لك قبل أن تفصل من هنا
ازدرد لعابه بصعوبة وهو يشبك أنامله ببعضهم ثم قال كاذبا بنبرة لا تجعلها تظن بأنه يستهين بها أو يتعمد إغضابها فما في حياتها يكفيها
نعم.. لقد تعطل إطار سيارتي لهذا تأخرت عن العمل ما يقارب الثلاث ساعات
رمقته شيرين بنظرة نقمة قبل أن تتشدق بغضب مكتوم
حسنا إذا كانت المشكلة بإطار السيارة فهو عذر مقبول ولكن بما أنك قد استنفذت كل ساعات المغادرة الشهرية فسينقص هذا التأخير من راتبك
أومأ قصي برأسه ثم قال بهدوء سخيف وهو يستقيم واقفا
ممتاز.. هل يمكنني الذهاب لعملي الآن
أشارت له بعينيها للخارج وهي تغمغم بصوت مقيت
يمكنك ذلك لكن كن أكثر حذرا لو سمحت حتى لا يتكرر شيء كهذا مرة أخرى
رماها قصي بابتسامة بشوشة وهو يقول بينما يستدير خارجا
حسنا.. شكرا لك يا شيرين.. حقا
اندفع للخارج يدخل إلى الطابق الذي يعمل فيه مع باقي مئات الموظفين..
لم يكن مظهره بائسا في هذا اللحظة.. فقد أن أضاع ثلاث ساعات عندما كان مع سهر وبقي أمامه فقط ست ساعات قبل أن ينهي عمله لهذا اليوم..
مذهل!
تنهد قصي ببؤس أن يجلس خلف حاسوب ويضع السماعة فوق رأسه ثم يسجل دخولا للنظام يستعد للرد على العملاء بمشاكلهم وطلباتهم وثقافاتهم المختلفة دون أن يكون أمامه إلا أن يعاملهم جميعا بنفس القدر من الترحيب والمودة والاحتواء مهما كانت طريقتهم التي عادة لا يكون له ذنب فيها..
لأنه مجرد ممثل للخدمة وليس صاحب الموقع الإلكتروني الذي يعمل فيه.. فهناك موظفين غيره قائمون على الخدمة..
أما هو مجرد موظف خدمة عملاء يمثلهم رغم أنه يتحمل في النهاية أي فشل أو تقصير من أي أحد!
قبل أن يغادر وليد مكتبه وقف من مكانه يزرر قميص ويرتب أوراقه يستعد للخروج عندما جاءه اتصال من الشخص الذي عينه لمراقبة شيرين..
لقد عينه منذ الأمس عقب أن استغرب هدوئها وعدم محاولاتها هي أو محاميها التواصل معه بخصوص القضية المرفوعة ضدها..
تناول وليد هاتفه يرد بفتور ليصله صوت متردد
مرحبا سيد وليد
تمتم وليد باقتضاب للشخص الذي يتصل به وكان يعمل لدى عائلته منذ سنوات طويلة
أهلا.. عجل وقل لي باختصار أبرز ما فعلته في الأمس أو إذا ما كان هناك أماكن مريبة قد ذهبت إليها
قال الرجل بنفس تردده السابق
لقد خرجت من بيت صديقتها نحو إحدى صالونات التجميل.. ثم جاء رجل وأقلهم بسيارته إلى إحدى الفنادق
هتف وليد بحدة والريبة مقلقة تتسلل لقلبه
رجل ولماذا ذهب بهما إلى فندق
ابتلع الرجل على الخط الأخر ريقه بصعوبة ثم قال بصوت خائف من الغضب المتوقع أن يصبه سيده عليه بعدما يخبره
لا أدري.. لكنه دخل معهما للفندق وهو يحمل الكثير من الحقائب ثم ابتعد بسيارته عن المكان.. وبقيت أنا في الفندق أراقبهما
هتف وليد به بحدة وانفعال
من هو أريد الآن معلومات تخص الرجل الذي رافقهما.. شكله أو عمره التقريبي.. ربما يكون والد صديقتها!
قال الرجل بتلعثم زاد من فتيل غضب وليد
لن يعجبك.. اقصدي يا سيدي لن يعجبك أن تعرف هويته
بدت عينا وليد الناعستين في هذه اللحظة مزيجا من الوحشية وهو يقول
هل هو شخص اعرفه
قال الرجل عقب أن ازدرد ريقا وهميا
أنه ابن عمك.. الرائد معاذ
خرج صوت وليد ذاهلا هامسا يحمل كل الكره والحقد في العالم وهو يتساءل
معاذ ولكن ماذا يفعل هناك!
وقبل أن ينتظر وليد اجابته التي لا نفع لها اغلق الخط عليه وضرب بقدمه الطاولة قالبا إياها رأسا على عقب ومثيرا رعب زميله الذي دلف فورا لداخل مكتبه بصدمة..
بدأ وليد بطلب رقم أخر ووتيرة أنفاسه المتأججة غضبا تزداد..
عليه الآن أن يحصل على الأقل على رقم صديقتها لعله يصل لشيرين..
أثناء ذلك شعر وليد وكأن روحه ستبثق من جسده.. والوجع في قلبه أيما وجع..
امسكه زميله من كتفه متسائلا بقلق من هيئته
وليد أخبرني ماذا حدث
التفت وليد له يصرخ بأنفاس مزمجره وهو ينفض يده عن ذراعه بقوة
ابتعد عني فليس هذا وقتك
حاول زميله الاعتراض وقلقه يزداد إلا أن وليد أوقفه بنظرة صامتة وهو يرد على الهاتف ما إن جاءه صوت أحد الرجال المعتاد على التعامل معهم
بدون أي مقدمات.. أريد منك الآن أن تجلب لي رقم أمرأه ما ولو من تحت الأرض!
مساء..
خرجت شيرين من شرودها أثناء ركنها سيارتها أمام الفندق عندما اصطدمت بالسيارة المركونة أمامها مما جعلها جسدها يندفع للأمام ولولا حزام الأمان لارتطم رأسها في زجاج السيارة الأمامي..
فتحت شيرين عينيها المغمضتين ووتيرة أنفاسها تتزايد بهلع..
سارعت تتحرر من حزام الأمان وارتجلت من سيارتها تعاين السيارة التي اصطدمت بها وقامت بإتلافها من الخلف..
كادت أن تبكي ببؤس وهي تتصل بسهر.. بمجرد أن وصلها ردها
مرحبا سهر.. انزلي حالا من الفندق فقد اصطدمت الآن بسيارة وتسببت بإضرار لها.. علي الآن أن اعرف صاحبها لنتفق وديا على تعويضه وإبلاغ شركة التأمين
كانت تتحدث شيرين بصوت مثقل بالقهر والإحباط.. فكأنه ينقصها أي التزامات مالية الآن لدفعها!
والأنكى بأنها هذه المرة هي المسؤولة عن الحادث بشبب شرودها وقلة انتباهها..
كانت سهر أثناء حديثها معها تنزل من الفندق وبمجرد أن رأتها أسفلا حتى أغلقت هاتفها واقتربت من شيرين الواقف بشرود مجهد أمام السيارتين..
لكزتها سهر من كتفها وهي تقول مازحة
لا تقلقي يا شيرين إنها سيارة قصي
تطلعت شيرين لها بصدمة لتكمل سهر مخففة عنها
إنها سيارة خطيبي أعطاها لي فقط اليوم وركنتها هنا قبل أن انتظرك في جناحك بالفندق.. فلا تقلقي
زاد القهر الذي يلف وجه شيرين وهي تقول
يا إلهي الوضع أسوأ.. لا أصدق بأني تسببت هذا لسيارته.. تبدو حديثة جدا وباهظة الثمن
قالت سهر بلهفة وجدية وهي ترى شيرين تخفض جسدها في محاولة لمعاينة التلف الذي تسببت به
صدقيني لا داعي لاي قلق.. قصي لن ينزعج أبدا.. من الأساس إنها سيارة والده أعطاها له وعنده سيارتين غيرها.. هو ووالدها وإخوته مغرمين بامتلاك أحدث أنواع السيارات.. لن يأبه لما حدث لها أبدا.. إنس الأمر واصعدي لجناحك في الفندق.. أنا سأذهب لأشتري شيئا يؤكل لنا وأعود
استسلمت شيرين لكلامها متهدله الكتفين وهي تشعر بأنها لا تسبب لسهر في حياتها إلا المتاعب..
.
.
أغلقت سهر باب الجناح خلفها ثم تقدمت من شيرين التي كانت مستلقية فوق السرير تطالع التلفاز بكآبة بينما تقول
لقد اشتريت بعض المعجنات والفطائر اللذيذة.. تناولي شيئا منها
أمسكت شيرين جهاز التحكم عن بعد تغلق التلفاز ثم اعتدلت شبه جالسة على السرير تتناول الأكياس من سهر وهي تقول
مع أن شهيتي معدومة تماما لكن سأكل شيئا من أجلك
ساعدتها سهر في فتح الأكياس وهي تسألها بقلق
هل أنت بخير وجهك شاحب جدا
أطلقت شيرين شهقة تمنت أن تسحب معها روحها علها ترتاح من بؤسها.. ثم قالت برتابة
أنا بخير.. الأمر فقط أن ليلة الأمس علمتني يا سهر أن رغبتي بأن أكون محبوبة من شخص مناسب هي أكبر وهم في حياتي وعلي إخراجه منها.. حتى أكون حرة
شملتها سهر بنظرات أكثر قلقا ثم قالت
ما هذا التشاؤم
هزت شيرين كتفيها تقول
ليس تشاؤما بل نضج
أسدلت سهر أهدابها بحزن عليها ثم سألتها
ماذا ستفعلين الآن يا شيرين بعد..
ترددت سهر في نهاية جملتها لتكمل عنها شيرين بجمود
بعد ما هجرني معاذ هو الأخر وماذا سأفعل يعني سأمضي قدما في حياتي وكان لا شيء سبق وحدث
قالت سهر بدعم لها
أنا متأكدة بأنك قوية وستفعلينها.. فلا شيء قادر على كسرك
تنهدت بإحباط تمسح دمعة فرت من سجن مقلتيها..
كانت تعيش في هذه اللحظات أشد شعورا بالبلادة.. بللا شيء وانعدام المشاعر.. لا شيء يقبع في داخلها..
بل لشدة ما تخلو من كل هذا تكاد تطفو على الفراغ..
لكنها قالت بشيء من التصورات الإيجابية التي تغذي نفسها بها لتبقى على قيد الحياة
بالتأكيد سأستطيع فعلها فقد دربتني كثافة الآلام على المضي.. سأتجرد كل الأعباء التي ملأت قلبي.. وسأمضي لا أحفل بشيء أخر.. أنا فقط لا اصدق غبائي الذي جعلني اطلب منه الزواج ظنا مني بأنه معجب بي لولا موضوع وليد.. لم اجني شيئا من هذا الأمر إلا مزيدا من الهوان والذل لنفسي.. لن أستطيع أن انظر في وجهه مجددا.. حمدا لله بأنه لم يعرف أحد بشأن ما حدث
قالت لها سهر مقطبة الحاجبين
خذي مني يا شيرين الحكمة بما أنه سبق وكان لي تجارب أكثر منك في السابق.. الرجل إن لم يتحدث إليك من تلقاء نفسه ومباشرة دون مواراة بأنه يحبك أو يريد الزواج منك فهو فعلا لا يريد ذلك.. ذلك الرائد لو أرادك فعلا لم يكن ليهتم بموضوع وليد ولم يكن سينتظر منك حتى أن تمهدي له موضوع الزواج أو ترطبي الجو أو حتى تحاولي استدراجه لقولها.. جنس الرجال أوعى من أن يوجههم أحد.. في الزواج مهم جدا أن يكون الرجل هو الطرف المبادر..
تنهدت سهر وهي تسترسل
أنا اشعر بالذنب لأني لم أردعك عن حماقة ما تفعلينه ولم أقولها صراحة لك بأن عرضك الزواج عليه بتلك الذريعة كان مذلا جدا لك.. لم يكن عليك فعلها مهما كانت الظروف.. أنت لست صغيرة في السن لأعذرك على عدم رزانتك.. ثم إن الحب في هذه الأيام يحتاج إلى نساء عاقلات
أومأت شيرين الصامتة برأسها موافقة..
بشق الأنفس كانت تمنع نفسها أن تهرب من نظرات سهر المشفقة حتى لا تنهار مجددا أمامها..
فمهما ادعت الصلابة والبلادة في هذه اللحظة فستباغتها الهشاشة وتقتحمها الدموع رغما عنها..
مدت سهر يدها تتناول إحدى المعجنات تحشرها في فم شيرين وتجبرها على المضغ لتسألها بعد دقائق
هل اتصل وليد بك
طالعتها شيرين وهي تقول
لا لم يتصل ولكن لأكون صريحة معك أنا قلقة بعض الشيء مما سيفعله.. حتى في شركتي شددت على كل الموظفين في الطابق الذي اعمل به أن يغلقوا البوابة بعد الدخول حتى لا يتمكن أي شخص لا يملك بطاقة تعريف من فتح البوابة والدخول
قالت سهر بصراحة
تصرفاته مؤخرا تصرفات شخص يلاحق حبيبته التي يحبها حتى النخاع.. لو لم يكن متزوجا لطلبت منك أن تفكري بالعودة له.. ربما يكون نادم..
أصدرت شيرين صوت ساخرا متهكما..
وليد! يحبها! حتى النخاع!
سهر لا تعرف حتى إلا نصف الأمور المذلة التي فعلها بها!
ويا لا لكثرة الكلمات التي تراكمت في أعماقها ولم تبح بها لسهر فقط حتى لا تبدو مثيرة للشفقة والمأساة أكثر من ذلك..
ردت عليها بصوت فاتر أجوف
في كل الحالات وليد ليس له مكان في حياتي.. لم اعد أتمنى إلا أن يتركني في حالي أعيش في هدوء وسلام بعد أن سبق ودمر حياتي في السابق
مدت سهر يدها فوق كتف صديقتها تغمرها بالتفاؤل
الأيام القادمة ستكون أفضل.. وسينتهي هذا المرار فما يمضي ليس بالضرورة هو الأفضل.. الحاضر دائما أجمل من الماضي
توقفت يد سهر عن التطبيب فوق كتفها عند رنين هاتفها..
شكت بأن تكون أمها ففتحها هاتفها على الفور..
إلا أن الشاشة كان يعلوها رقم غريب فعقدت حاجبيها وهي تفصل على الخط..
وقبل أن تعيد الهاتف مكانه كان يصدح رنينه عاليا مرة أخرى بنفس الرقم..
فصلت سهر عليه مجددا بامتعاض..
لكنه لم يستسلم واتصل بها مرة ثالثة..
تطلعت شيرين لها بتوجس هادرة
ردي على الرقم لعله اتصال ملح من أحد تعرفينه
استجابت سهر وهي تفتح الخط بانتظار أن يبادر المتصل بالاتصال ليصلها صوت لهف غاضب
سهر.. سهر
اتسعت عينا شيرين وهي تتعرف على صاحب الصوت مباشرة في حين قالت سهر بتوجس
من معي
سارع ليجيبها بصوته المشبع بالعدوانية والغضب المستعر
معك وليد.. وليد الكانز
نبرة وليد أشاعت القلق في نفسها إلا أنها سألته
كيف حصلت على رقمي
تجاهل وليد سؤالها بسؤال أخر خرج من شفتيه بنبرة خطيرة
ما علاقة شيرين بابن عمي معاذ
ترددت سهر لوهلة ثم التفتت جانبا تناظر وجه شيرين الباهت وهي تتساءل بارتباك
ماذا! كيف عرفت من نقل لك الخبر
أخذ صدره يعلو ويهبط وهو لا يركز إلا بتصويب أسئلته هو
أي خبر لماذا كان معاذ في الأمس معكما وأو?
باقي الفصل السابع
أي خبر لماذا كان معاذ في الأمس معكما وأوصلكما للفندق منذ متى وهو يقابلكما
عقدت سهر حاجبيها وأخذت نفسا عميقا قبل أن تقول بصلابة بعيدة عن التوتر
منذ مدة طويلة.. غريب الم ينقل لك الشخص الذي وضعته لمراقبتنا بأننا كنا طوال الأشهر الماضية نلتقي به
لم يفهم إلى ماذا ترمي سهر ولم يكن يريد أن يفهم.. وكل خلية فيه تأبي تصديق الإشارات التي ترمي له بها..
تساءل ببطء وهو يشعر بدقات قلبه تكاد أن تتوقف
ماذا تقصدين
في هذه اللحظة كانت شيرين قد استعادت رباطة جأشها وأخذت الهاتف من سهر تتسلم زمام أمرها وتقول
لقد تزوجت أنا ومعاذ منذ
تراخت يد وليد الممسكة بالهاتف وللحظة كاد أن يقع من يده من شدة صدمته..
وكأن قلبه أنسلخ عن جسده فانقطع نفسه للحظات..
باغت وجه شيرين ابتسامة شماته وهي تتمنى لو كان وليد الآن في هذه اللحظة أمامها لترى ملامح وجهه العنيفة وهو يستمع لها..
وصلها زئيره وكأنه أسد جريح يصرخ بشراسة صوته بما جعل جدران مكتبه ترتج
تزوجتما منذ أشهر طويلة اخرسي وكف عن الكذب.. كنت لأعرف لو تزوجت به حقا
أبعدت شيرين الهاتف عن أذنها أثناء صراخه حتى لا يثقب طبلة أذنها وبمجرد أن انتهى حتى قربت الهاتف منها..
ثم قالت بصوت ميت لا حياة فيه لا يخلو من استمتاع سادي
لم نسجله بالمحكمة.. لكن قريبا سنفعل.. ربما أكون حامل الآن.. فبالأمس حجز لنا بالفندق..
توقد لهيب بعينيه الناعستين وقد احتقن وجهه القاسي من إثر الدم المتدافع بعروقه النافرة..
قاطعها بحدة وعنف
اخرسي.. هل تظنين بأني سأسمح لك بأن تبقي على ذمته ستطلقين منه الآن.. الآن وقبل أن يتم تثبيت زواجكما في المحكمة! وبعدها سأستعيدك وانتقم منك على مهل على ما فعلتيه يا شيرين.. ستدفعين الثمن باهظا
قهقهت شيرين بسخرية
فلتحلم بذلك يا وليد
هتف لها بتوعد خطير
سأفعله يا شيرين وسترين.. أنا مستعد لاستعمال أقذر الطرق في سبيل الحصول على ما أريد.. وأنا أريدك.. ولن يعتقك مني إلا موتك.. كلما ادركت هذه الحقيقة كان لصالحك
انقطع صوته فجأة فأبعدت شيرين الهاتف عن أذنها تنظر لشاشته ثم تشدقت بنبرة مقيتة
لقد اغلق الهاتف
أمسكت سهر كتفها بعنف وصرخت بها ساخطة وهي تهزها
مجنونة أنت.. مجنونة حرفيا.. لماذا تصرين على تلطيخ سمعتك كيف تقولين بأنك تزوجت منه بدون عقد في المحكمة منذ أشهر!
كانت شيرين مغمورة بلامبالاة والاستهتار وهي تقول
لم افضح نفسي أمام الجميع قلتها فقط أمام وليد ولو لم اقلها كان ليستشف حقيقة ما حدث ويتشمت بي.. ولن اسمح له بذلك
نظرت سهر إليها بذهول مجنون لا تصدق فكانت على وشك أن تفقد رشدها تماما.. فردت بحدة صوتها الجهوري
وماذا لو فضحك في الأرجاء يا مجنونة لو كنت تتعمدين تشويه سمعتك لما فعلتي ما تفعلينه الآن
تنهدت شيرين بوهن بينما تنطق بيأس
لا يهم
لامبالاتها أفقدت سهر أخر ما تبقى من ذرات عقلها فانفجرت بها صارخة
إذا كانت سمعتك وكرامتك لا تهمانك.. فلا بد أن سمعة الرائد معاذ ستهمه.. ألم تفكري بأن ستؤذيينه هكذا اعرف بأن ما فعله بك عند تراجعه عن الزواج في أخر لحظة كان حقارة منه ولكنه لا يستحق منك ذلك
تراخى حاجبا شيرين وهي تستوعب صحة ما قالته فنكست رأسها ألما وخزيا ثم غمغمت بتأنيب ضمير
لم أفكر بصراحة بأني قد أسيء لأحد غير نفسي.. لم أكن مركزة إلا بكيف لا اسمح لوليد أن يتشمت بي
انفرج شيء من ملامح الغضب عن سهر وهي تقول لها معاتبة
لم يكن عليك قول ذلك.. طوال عمرك كنت الصديقة الرزينة الوقورة التي تمنعيني من الإقدام على أمور مستهترة لا أعرف كيف تبدلت الأدوار وصرت أنت اللامبالية وانا الحكيمة الناصحة.. عليك أن تكوني أكثر حذرا.. من أجل مصلحتك أنت فسمعة الفتاة مثل الزجاج إذا..
عند هذه النقطة كانت شيرين غير قادرة على تحمل المزيد فنفضت يديها عنها وابتعدت تقول تهتف بها بامتعاض
أنت بالذات يا سهر لا تتحدثي عن السمعة لأنه لو كان لديك ذرة اهتمام بها لما كنتي هربت من زفافك قبل سنوات طويلة.. لم تهربي مرة بل مرتين.. لديك ماضي مشرف
هتفت سهر بها باستهجان
لا تعايريني بماضي أبدا.. المرة الأولى كان خطيبي سكيرا مدمنا غائب الوعي معظم الوقت فلم يكن أمامي إلا أنه اتركه في حفل خطبتنا حتى لا ابتلي به خاصة وأن أمي كانت مصرة أن أتزوج منه.. أما الثاني لم تكن شخصية ولا حياته في القرية مناسبة لي أبدا.. أمه امرأة متسلطة وكان يصيبني بالضجر من تزمته وجفائه معي.. لم يكن يحب الخروج ولا السفر وكانت الجدية أسلوب حياته ولو تزوجت منه لكان انتهى كل شيء بيننا بالطلاق.. لقد اضطررت أكثر من مرة أنظر للرجال بجرأة وأغازلهم بعيوني حتى لا يحمل تجاهي إلا كل امتنان بأني لم أتزوجه وابتليه بي.. لكن في النهاية كل شيء انقلب علي واكتشفت بأني ما فعلته أساء لي أنا
قطب شيرين حاجبيها تقول بهدوء
بالطبع سيسيئ لك أنت فقد كانت هناك ألف طريقة لتفسخ زواجك بالاثنين دون أن تهربي من الحفل
أخذت سهر نفسا عميقا دون أن تشعر بأي ضيق من ذكر شيرين الموضوع فهي تتفهم تخبطها فقالت لها تجيبها
صدقيني ما كانت أمي لتسمح لي بذلك في المرتين.. فأمي لا إلا لوضع الرجل المادي الذي سيتزوج مني.. لكن مع ذلك فأنت محقة لم يكن علي الهرب وتلطيخ سمعة عائلتي.. في النهاية لم يتضرر أحد غيري.. وكان هناك ألف طريقة غير هذه الطريقة
أرجعت سهر شعرها خلف أذنيها وتأست ملامحها وهي تستطرد
استطاعت عائلتي المداراة على هروبي أول مرة لكون الحفل حدث في الخارج لكن في المرة الثاني صرت علكة على كل لسان.. وحتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات لا زلت أدفع ثمن الفضيحة التي خلفتها ورائي بهروبي ولا زالت النسوة حتى الآن يزغردن بها والألسن الراقية ترفض أن تعتقها
كلام سهر جعل الكثير من مشاعر الغل والألم تضطرب في داخل شيرين تنتفض بقوة لتقول بصوت متحشرج مستحضرة الماضي في حديثها
عندما تركني وليد قبل عشر سنوات في نفس يوم الزفاف وتزوج من أخرى لم يلمه أحد وكانت سمعتي أنا وحدي هي من خدشت.. كان الكل يتحدث عن الجريمة التي فعلته ليتركني في هذا اليوم!
أما الرجل الذي كان من المفترض أن تتزوجي منه لم يعاني أبدا بل تزوج من أخرى غيرك بمنتهى البساطة والسلاسة.. المرأة أن تركت أو تركت فهي المذنبة ومن تحاسب.. اللعنة تكمن فقط في كونك أنثى بمجتمع ذكوري كهذا!
قالت سهر بخفوت وهي تشعر بوجعها
ربما..
صمتت شيرين بروح تذوي ببطء من إثر تذكر ما حدث لها بالماضي ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة مريرة وهي تغمغم بألم
ليس ربما بل أكيد.. إياك أن تشعري بالذنب من أجل الرجل الذي تركتيه في الماضي في حفل زفافكما.. فلم يعاني هو أي شيء..
ثم تنهدت وهي تتوقع الأسوأ كردة فعل من وليد على ما سمعه..
إنه قادر على التجبر أكثر مما تتخيل..
لكنها ليست نادمة فعلى الأقل كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعده عنه بعد أن عرف أن اللعبة التي لطالما أراد امتلاكها باتت معطوبة غير صالحة بعد أن سبقه رجل إليها!
في الصباح الباكر..
أغلق مصعب أخر أزرار قميصه عندما سألته نورين المستلقية جانبا على السرير وهي تقلب صفحة أخرى من الكتاب أمامها
ولماذا سافر البطل هنا دون أخذ نقوده أين المتعة والمغامرة في العيش كالمتشردين في بلاد غريبة
زفر بضيق ونفاذ صبر قبل أن يزجرها
اكملي الكتاب للنهاية وستعرفين الإجابة دون أن احرقها عليك
عقدت حاجبيها تقول له بلوم ممزوج بالحنق الضمني
لماذا غضبت أنا أسألك بهدف النقاش معك لا لحرق الأحداث على نفسي أنا من الأساس طلبت منك كتابا سبق وقمت بقراته حتى أخلق حديثا لنقاشه معك.. سيساعدني هذا في فهم شخصيتك
تجهم وجه مصعب وتوقف عما يقوم به وهو يحدق بانعكاسها في المرآة..
فازداد عبوسها وأمسكت الكتاب ترفعه وتلوح به وهي تقول
ألم تلاحظ بأنه منذ أن بدأت بقراءته وقد تقلص مساحة الصمت بحياتنا عليك أن تهديني كتابا أخر فقد قاربت على إنهاء هذا
ظل مصعب على حاله متجمد الملامح للحظات قبل أن تنفرج ملامحه وينفجر ضاحكا على ما قالته..
ورغم شعورها بشيء لذيذ يتسلل لقلبها على إثر صوت ضحكاته الرجولية الرائقة التي لا تشبه مزاجه النكدي المعتاد في الصباح.. إلا أنها سرعان ما تداركت نفسها وقطبت حاجبيها تعقب بامتعاض
لماذا تضحك هل قلت شيئا تسبب بضحكاتك
خفتت ضحكاته تدريجيا وفتح خزانته يخرج شيئا منها وهو يقول متهكما بنبرة مميزة
أنت غريبة الأطوار
ناظرته باستغراب متسائلة
من هو مفضلهم بين إخوتك مالك
همهم لها ثم أجاب بصوت أجش مرح
نعم مالك وتؤامه مازن هما المفضلان عند أمي لانهما أصغر اثنين بيننا.. معاذ ومؤيد هما المفضلان
متابعة القراءة