الفصل الثاني والاربعون والثالث والاربعون بقلم سيلا وليد
فيك طلعت صح.
كور قبضته يحاول السيطرة على غضبه ثم أومأ برأسه ببطء
_ماطلبتش منك أكون مهمبس اجهزي لازم ندخل الحفلة مع بعض الناس هتقول إيه ولما يسألوني أرد أقول إيه
بروده زاد النار اشتعالا
_اطلع برهربنا ياخدك علشان أرتاح.
أغمض عينيه للحظات وشعر بانقباض قاس في صدره
_اللهم آمينلو ده فيه راحتك يمكن بعدي ربنا يرزقك براجل.
قالها وتحرك للخارج.
أما هي فهوت على المقعد وانسابت دموعها بلا وعي تشعر بانهيار عالمها قطعة قطعةكلما تذكرت حديثه بعد عودته مع تلك الشمطاء
_ماتفتحيش الباب لحد وبكرة الصبح هعدي عليكي تكوني لميتي هدومك..
هتروحي بيت كويس ومتأمن وحتى الخدم هشوف حد أمين.
انتفضت من شرودها ونهضت تدفع كل ماتطاله يدها تصرخ حتى سقطت على الأرضية باكية.
ظلت على حالها طويلا إلى أن نهضت ومسحت دموعها بعنف
_والله لأكرهك نفسك يا دكتور.
بعد فترة..
دلفت إلى الحفل بخطوات مترددة ورغم ذلك التردد تحركت بثبات أنثى تبحث عن نفسها وسط عاصفة لا ترحم.
قلبها لم يعد يعرف سوى نبض واحد باسمه.
كان أخوها أول من التفت وخطا إليها سريعا بلهفة صادقة
_حبيبتي اتأخرتي ليه كدا
ابتسمت ابتسامة باهتة تخفي خلفها وجعا ثقيلا
_آسفة يا آسرمبروك يا حبيبي المكتب وإن شاء الله تبقى أشطر محامي في مصر.
وتحرك معها إلى الداخل
_حبيبة أخوها الحنونة.
انفلتت عيناها تبحثان عنه
كان يعطيها ظهره يقف مع يوسف وضي.
توقفت لحظة ثم همست لآسر
_عايزة أقعد في مكان هادي مش قادرة على الدوشة.
جال بنظره في المكان ثم أشار إلى طاولة تطل مباشرة على النيل
_اقعدي هناك وهبعت لك شمس أو ضي.
أومأت وتحركت بهدوء مصطنع بينما بداخلها صخب لا يحتمل.
توقفت أمام سواد النيل تحدق فيه بشرود
كأن حياتها انقلبت فجأة مثله مظلمة غامضة بلا قمر.
توقف أحدهم بجوارها
_عاملة إيه
التفتت إليه وهزت رأسها بخفة
_كويسةإنت عامل إيه
_ماشي الحالعايز منك خدمة ممكن
استدارت إليه بكامل جسدها تشير إلى نفسها بدهشة
_خدمة مني أنا
وضع كفيه في جيب بنطاله ونظر إلى النيل قبل أن يقول
_أيوة.
عند آسر اقترب من وقوفهم
_ضي فين شمس
بحثت بعينيها ثم هزت كتفيها
_معرفشكانت هنا مع ماما.
أشار بيده ناحية الطاولة المطلة على النيل
_طيب ممكن تروحي لرولا قاعدة هناكمش عايزها تبقى لوحدها.
استدار بلال بسرعة لا إرادية
_هي جت كانت تعبانة.
وقعت عيناه عليها.
كانت تقف مع أحدهم مرتدية ذاك الرداء الفيروزي الذي يتطاير مع نسمات الربيع كأنه يعلن حضورها
تجمد للحظة ثم تحرك دون كلمة..
ويوسف يتابعه بصمت ثقيل يفهم أكثر مما يقال.
اقتربت ضي
_وبعدين بقى هنفضل كدا
تنهد بعمق وعيناه لا تزالان معلقتين عليهما
_الموضوع بيتعقد أكتر وأكتر
ثم استدار برأسه إليها
_ماتشغلي البطيخة اللي فوق جسمك ديولا إنت شاطرة تشغليها علي بس.
أحدهم يقف أمام رولا
_عارف هتقدري تساعديني
التفتت إليه وعيناها التقتا بعيني بلال في اللحظة ذاتها.
لحظة صامتةلكنها كانت أعلى من أي صراخ..توقف أمامهما
_أهلا يا باشهمندس.
_أهلا دكتور بلال..التفتت إليه وقالت
_بكرة في الشغل هرد عليك.
_تمام...بعد إذنكوا.
تبسمت بمجاملة فتحرك من أمامها توقف بلال بجوارها
_شايف جيتي يعني..وكان إيه لزوم أدخل لوحدي
رفعت عيناها إليه
_ياريت تتعامل معايا بعد كدا علاقة ولاد العم..اقتربت خطوة وهمست
_وجودك زي عدمه بالنسبالي ولو زهقت روح للدكتورة الحنينة أه وياريت شوية هدوم عندها علشان بقيت أزهق من وجودك يا...مضحي باشا.
قالتها وانسحبت إلى وقوف ضي ويوسف..
بينما ظل متوقفا بمكانه يشعر وكأن أحدهم يطوقه بطوق من نيران.
كان يوسف يراقبهما..فاتجه إليه
_إيه اللي حصل بينكم
التفت بعينه إليه
_أنا كتبت كتابي على كارما النهاردة.
جحظت عيناه بذهول
_أكيد اتجننت
_من زمان وأنا مجنون قالها واتجه إلى سيارته وغادر الحفل.
وصلت إليه ضي
_إيه اللي حصل وليه بلال مشي
مسح على شعره بغضب يضغط على شفتيه بعنف.
سحبت ذراعيه
_يوسف مالك وصل إليهم آسر
_هو بلال خرج ليه
_جاله مشوار مهم شوية وراجع.
بأحد الاركان..
رفع هاتفه
_أيوة معاك.
_زي ماتوقعت يا باشا جم علشان يخطفوا الولد بس متخافش مربوطين.
_تمام شوفوا شغلكم معاهم لحد ماآجي.
اقترب آرسلان منه
_فيه حاجة يا إلياس
_الحيوانة كانت عايزة تخطف ابن طارق بس متخافش اتوقعت دا بعد حركتها الأخيرة.
_طيب عملت إيه مع رؤى
_زهقت منها يا أرسلان بكرة ولا بعده يحولوا ورقها للمفتي أهي نرتاح منها وكفاية عذابها المدة اللي فاتت.
_يعني عملت اللي في دماغك برضو
_للأسف
توقف عن حديثه بعد ارتفاع هاتفه مرة أخرى..ابتعد عن الضجيج
_إيه حبيبتي
بكت بصوت مرتفع
_إلياس..فريدة بنتي بتموت يا إلياس.
تجمد جسده للحظات يحاول أن يستوعب ماتقوله
_غادة اهدي فيه إيه
_بنتي عندها سرطان في الدم.
لحظة مميتة وهو يستمع إلى كلماتها التي أشعرته بأن صدره انشق لنصفين.
بعد عدة ساعات..
أشعلت إضاءة خافتة جعلت المكان أقرب لحلم دافئ.
العطر الذي تحبه ملأ الغرفة
كانت تنتظرهلا كزوجة فقط بل كأنثى تعلق قلبها كله على حضوره.
في الخارج كان صوته متعبا في الهاتف
_أنا مش قادر أستوعب اللي عملته إزاي تعمل حاجة زي كدا من غير ماتقولي
_يوسف أنا مصدع بعدين نتكلم.
_إنت فين دلوقتي
_في البيت.
_طيب إيه رأيك أجيلك شوية
_لاتعبان وعايز أنام.
أنهى المكالمة ودلف للداخل.
توقفت عيناه عليها فورا
لحظة صمت كأن قلبه نسي ألمه فجأة.
_أخيراارتحت من الدوشة.
_عملتيه إمتى ده
ضحكت بخفة
_بعد ماروحت عند عموإيه مش عجبك
همست بصوت مملوء بالأمل
_يوسفأنا عايزة بيبي.
روحت للدكتورة إمبارح وقالتلي أحسن وقت للحمل الأيام ديعلشان..
توقفت.
رفع رأسه ببطء شديد
كأن العالم كله انزلق من تحت قدميه.
الدفء انسحب فجأة من ملامحه.
تنفسه اختل وعيناه زاغتا للحظة كأن ضربة غير مرئية أصابته.
ابتسمت تراقبه بثقة العاشقة التي تظن أنها تهديه حلما
_أكيد فاهم معنى كلامي يا دكتور.
تراجع خطوة..ثم أخرى.
كأن الاقتراب صار يؤلمه.
لاحظت تغير وجهه وصمته القاسي
_يوسف مابتردش ليه أنا بقولك الدكتورة قالت..
اتجه إلى غرفة الملابس كالهارب.
لحقت به
_يوسف.
_مش عايز أطفال.
تجمدت مكانها.
الكلمة نزلت على قلبها ببرودة الموت.
استدار إليها وصوته خرج مشروخا رغم قسوته
_كفايةكل اللي شاغلك تجيبي أطفال..وأنا..أنا فين من حياتك
حدقت فيه بذهول موجع
_إيه اللي بتقوله ده!! مش إحنا اتفقنا
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح
_أنا مااتفقتش..
إنت اللي زنانة وكل همك ولاد..
مع
إنك عارفة إني مش عايز.
فقد السيطرة وعيناه تحترقان
_اختاري يا ضييا أنا يا الأطفال.
شعرت بأن الأرض تميد بها.
هزت رأسها والدموع انسابت بلا توقف
_عايزة أطفال منكمنك إنت.
صرخ وكأن صراخه اعتراف موجع
_وأنا مش عايز..
مش قادرمش عايز!
لو عايز حاجة
إنت..
_بس إزاي هنعيش من غير ولاد لينا
الدموع خانته أخيرا
_يبقى نطلق.
سقطت الكلمة ثقيلةقاسية
كسرت كل ماكان دافئا منذ دقائق.
وقفت مكانها تحدق فيه بعينين فارغتين.
أما هو فاستدار بعيدا عنها
منكسرا موجوعا كأنه خسرها وهو مازال يحبها.
قالها وغادر المكان بأكمله.
بعد فترة بمنزل بلال
كان يجلس بالخارج يعمل على جهازه بملامح جامدة ذهنه بما قالته واتهمته به قبل دلوفها الحمام
قاطعه رنين هاتفه سحبه سريعا وبمجرد أن رأى الاسم ابتسم دون وعي
_أيوه يا حبيبتي.
لم يأته رد... فقط بكاء مكتوم اخترق أذنه.
توقف جسده كله ونبرته تغيرت
_مالك في إيه
_تعبانة أوي...
قالتها بين شهقات متقطعة
_حاسة إن حياتي بتتسرق مني.
_طيب... طيب اهدي شوية.
تنفس بعمق
_إيه رأيك نخرج نتعشى بره نقعد ونتكلم انا كمان مخنوق
جلست على الأرضية الباردة تنظر حولها بضياع وكأن الجدران تقترب منها.
_بلال... مش قادرة أتنفس.
توقف عن الحديث فجأة حين استمع إلى صوت ارتطام قوي بالداخل
اعتدل في جلسته وقلبه قفز من مكانه
_وهمس دون وعي
رولا
أدار الهاتف جانبا وقال بصوت حاول أن يبدو ثابتا
_طيب ربع ساعة وهعدي عليكي.
ثم أضاف سريعا كي ينهي المكالمة
_جهزي نفسك... هعدي عليكي
أغلق الهاتف واتجه مباشرة نحو باب الحمام طرق عليه بخفة أولا
_رولا انتي كويسة
لا إجابة.
بالداخل كانت تبكي.. فقد انزلقت قدمها وسقطت بقوة على الأرضية جسدها ارتطم بحافة البانيو. حاولت النهوض لكن الألم ش قها نصفين ومع الحركة اندف عت الدماء بغزارة.
زحفت على الأرض تبكي بشهقات مكتومة وضعت كفيها على فمها كي لا يصل صوتها إليه.
مدت يدها نحو صندوق الإسعافات الأولية زحفا لكن ركبتيها المفتوحتين ازداد نز يفهما والدوار اشتد حتى غامت رؤيتها.
بالخارج طرق الباب بقوة أكبر
_ردي علي! طمنيني... انتي كويسة
لم تستطع الرد.
كل ما خرج منها أنين مكسور تحاول ابتلاعه.
هنا... وصل الجنون ذروته.
تجمد في مكانه لحظة ثم فقد عقله حين التقط أذنه ذلك الأنين المكتوم.
دفع الباب بقدمه مرة... واثنتين... ومع كل دفعة كان بكاؤها يعلو رغم محاولاتها كتمه.
_رولا!
انفتح الباب أخيرا على مصراعيه.
اندفع للداخل يبحث عنها بجنون خرج اسمه من عينيها قبل شفتيها
ليتوقف وتسمر في مكانه وأنفاسه انحبست وعيناه
اتسعتا بذعر
وهو يراها شاحبة والد ماء تلطخ البلاط من تحتها.
_ رولا...نطق اسمها بقلب منتفض ليخرج اسمها منه كأنه صلاة كأنه استغاثة...وهو يشعر بانهيار عالمه في ثانية من الد ماء التي يراها تحتها ليفقد عقله بالكامل...