الفصل الثاني والاربعون والثالث والاربعون بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
أحبها
وأعرف أن الحب أحيانا لا يكفي.
أراها تبتسم وأشعر بثقل صامت يلتصق بصدرى.
العالم يصرخ بأسئلته البريئة
وأنا أجيبها في صمت كل جواب هو كذبة صغيرة وكل كذبة تقطعني من الداخل. أخفي عن عينيها ما أستحي منه أخفيه عن نفسي قبل أن أخفيه عنها.
أنا هنا بجانبها أرى مستقبلا يرفض أن يكون لنا وأحاول أن أتنفس بينما قلبي ينهار بلا صوت.
لست مهزوما بالآخرين
بل أنا مهزوم من نفسي من جسد لا يطيق ومن قلب يصر على الحب رغم المستحيل.
أحيانا أنظر إلى الليل وأحلم بأن أحدا يقرأ أفكاري فيعرف كم هو مؤلم أن تحب وتبقى بلا قدرة على تحقيق أبسط الأحلام.
دلفت رولا بهدوء تلقي التحية بصوت خافت
_آسفةفكرتك لوحدك.
استدار إليها وابتسم ابتسامة ودودة
_تعالي يا رولامفيش حد غريب.
تقدمت بخطوات محسوبة وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها وكأن رؤيتها معه بعد اعترافه بحبها جدد الألم كطعنة مباغتة..اقتربت منها كارما وقالت
_عاملة إيه
ابتسمت ابتسامة ناعمة مصطنعة ردت بنبرة هادئة تخفي مايعصف بها
_كويسة الحمد لله.
خطت بعض الخطوات ثم أضافت سريعا وهي تستدير
_يلا أسيبكم بقى علشان عندي شغل..
التفتت إلى بلال
_يبقى شوف اللي يناسبك وابعتلي تمام
أومأ برأسه
_تمامخدي بالك بقى لو في أي غلطة هتتجازي يا دكتورة.
ضحكت بخفة تهز رأسها
_موافقةبس خليك رحيم عندي أقساط.
ضحك بصوته الرجولي
_يبقى أسلفك.
كل ذلك ورولا واقفة تراقبهما بصمت تمنع دموعها من الانزلاق تشعر بأنها غريبة عنه...تآلفهما أدمى قلبها.
خرجت كارما وأغلقت الباب خلفها فاستدار إليها ينظر بتساؤل
_دخلتي بزعابيب وفجأة سكتيمالك في حاجة آه في حاجة جاية ليه
ابتلعت غصتها وأبعدت بصرها عنه تحاول السيطرة على ارتعاش صوتها
_مفيش ضي جت وقالت نغير جو فجيت معاها.
ثم خفضت رأسها
_وسكت علشان اتكسفت لما دخلت ولقيت اللي اسمها إيه دي عندك.
_اللي اسمها إيه!
قالها مستغربا ثم أكمل بهدوء
_مش عارفة اسمها دي كارما..على فكرة شخصية لطيفة وهي في كلية صيدلة وعينتها هنا في المستشفى في الصيدلة تحتتاخد خبرة و..
قاطعته بنبرة حادة خرجت دون قصد
_أنا ماطلبتش أعرف عنها حاجة.
رفع حاجبه بتعجب وهو يقترب منها
_عادي دخلتي وإحنا بنتكلم طبيعي أقولك شغلها إيه إنما لو...قاطعته حينما استدارت نحو الباب قالت بوجع مكتوم
_أنا ماشيةآسفة إني عطلتك.
_استني هنا.
قالها بنبرة آمرة ثم تابع
_هو إنتي جيتي في إيه وماشية في إيه
ضغطت على حقيبتها بقوة تحاول كبح ارتعاشة قلبها
_واضح إنك مش فاضي وأنا هشوف ضي عند يوسف.
وصل إليها بخطوة واحدة انخفض صوته وهو يحدق بعينيها
_تعاليمفيش ضي ولا يوسف دلوقتي.
ثم أردف بنبرة مشدودة
_وبعدين هي عنده إنتي رايحة ليه
قاطعهم دخول الممرضة
_اطلبي فنجان قهوة للأستاذة.
أومأت له وقالت باحترام
_الدكتور وصل مكتبه حضرتك كنت قايل أول ماييجي أعرفك.
_تمام.
خرجت الممرضة فالتفت إلى رولا
_خليكي هنا خمس دقايق في حاجة الدكتور لازم يشوفها قبل ماأسجلها في الرسالة الممرضة هتجبلك قهوتك مش هتأخر.
_براحتك.
تحرك للخارج بعدما سحب الملف واتجه إلى مكتب الدكتور.
دنت رولا من مكتبه ببطء جلست على مقعده وأخذت تدقق النظر في أغراضه..مدت يدها تتحسس سماعته الطبية ثم اتجهت إلى جهازه المحمول حاولت تشغيله لكنها فشلت بسبب إغلاقه برمز خاص.
وقعت عيناها على هاتفه الموضوع فوق المكتب رفعته تتحسسه ضغطت على زر التشغيل فأضاءت الشاشة بصورة له بجوار يوسف يوم مناقشة رسالته حاولت فتحه هو الآخر لكنه كان مغلقا برمز أيضا.
تأففت وجالت بعينيها في المكان وهي تتمتم بسخرية متوترة
_بيحسسني ظابط مخابرات خايف على السرية.
دلف فجأة وهي مازالت في مكانها.. توقف يطالعها بصمت.
حمحمت ونهضت سريعا
_قولت أجرب شغل الدكاترة.
ابتسم واقترب فتح الدرج وأخرج بعض الأوراق ثم قال
_أحسن دكتورة صدقيني إنتي ماكنتيش بتاعة علوم.
ابتسمت بخفة
_أيوه مابحبش العلوم كنت بحب الرياضة أكتر غير ميولي للهندسة وأنا صغيرة.
توقف فجأة وكأنه تذكر شيئا
_نسيت الورق مخلصتش لسه.
_خد راحتك بس ممكن تفتح اللاب أسلي نفسي عليه لما ترجع.
_افتحيه طيب
تمتم بها وهو يتحرك للخارج لكنه توقف على صوتها
_مقفول بباسورد! إيه إنت شغال في المخابرات
تراجع نحو الجهاز وبحركة سريعة
نظرت إلى الجهازثم إلى سرابه خلف الباب.
ارتجفت شفتيها
_معقولة
هزت رأسها نافية
_لاأكيد أنا اتخيلت..لا أكيد مش صح.
انسلت دمعة مع دخول الممرضة فمسحتها سريعا.
بمكتب يوسف قبل قليل..
توقفت أمام الممرضة تسألها بصوت خافت
_ الدكتور جوا
نهضت الممرضة بابتسامة ترحيب
_ أهلا يا مدام أيوه جوا عنده كشف اتفضلي أكيد الكشف خلص.
دارت عيناها بالمكان فلاحظت وجود شخص آخر في الانتظار تراجعت بخطوة ثم جلست على المقعد القريب
_ هستناه يخلص.
_ حضرتك لو حابة تدخلي
أشارت بيدها بالرفض وقالت بهدوء متعب
_لابعد الكشف ده وبلاش تعرفيه إني برة.
_ حاضر.
مرت دقائق ثقيلة وهي بالخارج تتابع خروج المرضى ودخول آخرين تنهدت بضيق وهمست لنفسها
_ شكلي هعطله ولا إيه
قاطع شرودها صوت الممرضة وهي تنظم المواعيد
_ الحجز لبكرة آخر كشف دخل.. الدكتور مسافر وهيرجع بعد بكرة تحب تحجز لبكرة
أومأ الرجل بالموافقة وتكرر الأمر مع غيره.
بعد قليل خرج آخر مريض فأشارت إليها الممرضة
_ اتفضلي يا مدام كده الدكتور خلص كشف النهاردة علشان مسافر عملية برة المحافظة مع دكتور حمدي.
أومأت دون تعليق..
دلفت للداخل بساقين مرتعشتين. فتحت الباب بهدوء وقلبها ينتفض بالألم تقدمت بخطوات ثقيلة بينما كان يوسف منشغلا بجهازه تحدث ظنا أنها الممرضة
_ هدى تعالي جهزي الشنطة وخدي الحاجات دي وديها عند دكتور بلال.
اقتربت منه في صمت وعيناها ترسمان ملامحه استدار بمقعده مستكملا حديثه
_ وشوفي دكتور
توقف فجأة حين وجدها أمامه..همس اسمها دون وعي.
انسابت دموعها فورا.
نهض من مكانه
_ بتعيطي ليه في إيه
لم تجبه بكت بصوت مرتفع..سحبها إلى الأريكة الموجودة في أحد أركان المكتب
_ اهدي وبطلي عياط فهميني إيه اللي حصل
لم تنطق..فقط نشيج مكتوم يهز جسدها.
_بطلي عياط ليه بتقلقيني عليكي
همست بصوت مكسور
_ زعلان مني
صمت للحظات بينما كلمات الصباح ترن في أذنه نظرت في عينيه
_ أنا آسفة سامحني..مكنش قصدي بس إنت
_ إشخلاص.
التفت ليلتقط بعض أوراقه
_ قومي روحي لازم أخرج دلوقتي.
قالت بنبرة مرتعشة
_ يعني إنت زعلان مني
توقف ثم ابتعد قليلا ناظرا أمامه دون أن يلتفت
_ مش زعلان الموضوع انتهى وقت ماخرجت من البيت.
أدارت وجهه إليها وعيناها تلمعان بالدموع التي لم تستطع حبسها
_ يوسفإيه اللي حصل معاك إمبارح ومتقولش عمليات لأني مش مصدقة.
تجمد للحظة لم تكن المشكلة في السؤال..بل في نظرتها.
تلك النظرة التي تخترقه كأنها ترى مايدفنه في صدره منذ الأمس.
نهض من مكانه سريعا كأن الجلوس أمامها صار خطرا واتجه إلى مكتبه يجمع أشيائه بيد متوترة
_ ضي أنا مش فاضي لازم أمشي دلوقتي.
كان يهرب..يعرف ذلك جيدا.
لكن البقاء أمامها يعني أن ينهار وهو لا يملك رفاهية الانهيار.
استدار بنصف جسده إليها محاولا أن يبدو ثابتا
_ هغيب تلات أيام في عمليات في سوهاج مع الدكتوروطبعا مش هينفع نرجع قبل كده.
هبت من مكانها دون تفكير
_هاجي معاك.
التفت إليها فجأة حدق فيها بذهول حقيقي شعر بانهياره لأنها تمس أعمق نقاط ضعفه
_ تيجي معايا فين إنتي اتجننتي مينفعش!
_خدني معاك يا يوسف علشان خاطري مش هقدر تبعد عني تلات أيام.
في تلك اللحظة شعر أن صدره ينهار
أنفاسه ضاقت وقلبه ارتجف بعنف..
كم تمنى أن يقول لها أن البعد يقتله قبلهالكن الحقيقة كانت أقسى.
أطبق على جفنيه وهمس بصوت بالكاد خرج
_ لازم تتعودي..قالها وهو يطعن نفسه.
يعلم أنها ستوجعها لكنه لم يجد جملة أخرى تحميها من مصير يخشاه.
رفعت رأسها تنظر إليه تهز رأسها برفض عنيد
_ مش موافقة ولا حتى يوم واحد..هاجي معاك.
اعتصر فؤاده..ياالله ماهذا الشعور الذي يكاد يخنقه ويدفنه وهو مازال حيا
شعور رجل يحب ويخاف أن يكون حبه سبب الألم.
أراد أن يصرخ أن يعترف أن يقول
أنا اللي مكسور مش إنتي
أنا اللي خايف
لكنه الرجل الذي تعلم أن يبتلع أوجاعه في صمت..
_ ضي أنا معايا دكاترة يعني مش لوحدي هتيجي معايا إزاي ده شغل مش فسحة..
العمليات دي بكتسب منها خبرات ولازم أحضرها وأشارك فيها كمان
ولا عايزاني أفضل زي ماأنا
كانت كلماته منطقية
لكن قلبه كان ينزف مع كل حرف.
أشار
_ يلا لازم أخرج دلوقتي.
قالها وقلبه معلق بها ووجعه مغلق عليه بإحكام كعادته ظلت تنظر إليه في صمت موجع ماذا تفعل هل تهدر كرامتها أمامه..
أم تخرج وتتركه وحيدا كما يحاول أن يكون
لم تبعد عينيها عنه وهو يجمع أدواته داخل الحقيبة يتحرك كأن شيئا لم يكسر بينهما.
_ يوسف أنا تعبانة أوي مش قادرة.
تجمد لثانية
كان يعلم يعلم أنه يضغط عليها دون ذنب وأنه هو السبب في هذا الوجع
_ مش زعلانخلاص صدقيني مشغول علشان العمليات زي ماقلتلك.
عانقت عيناها عينيه مع ارتجافة جسدها التي ترجوه أن تصدق.
أرادت أن تطمئنلكن هروب نظراته كان يخنقها.
رسم ابتسامة متكلفة
_ إحنا في المكتبينفع كده
للمرة الأولى لمعت عيناها بسعادة خجولة.
رغم أن قلبها لم يطمئن إلا أن تلك اللحظة أراحت وجعها قليلا.
_ بحبك لدرجة الموت.
اجتاحته رجفة عنيفة.
_وإنتي نور قلبي الوحيدمش عايز منك غير إنك تتمسكي بقلبي يا ضي قلبي وبس.
هنا فاق الاحتمال قدرته..
ابتعد سريعا حين استمع إلى طرقات على الباب
_ دكتوردكتور حمدي بيقول هنتحرك بعد خمس دقايق.
أومأ دون حديث فخرجت الممرضة بهدوء.
اقتربت ضي منه بدلال طفولي تبتسم
_ خلي بالك من نفسك وعيونك الحلوة دي ماتبصش غير على حاجتين قلب مريضك وصورتي على التليفون.
ابتسمت عيناه على شقاوتها وأشار لها محذرا
_ طيب يلاشوية وهتفضحيني.
_ نعم..فضيحة إيه إن شاء الله جوزي وبصالحه محدش له حاجة عندي.
قاطعهم دخول بلال دون طرق التفتت إليه ضي وهي تضحك
_ كده أنا بقول الحمد لله إن الممرضة اللي دخلت.
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى بلال
_ مليون مرة أقوله خبط قبل ماتدخلبس عمي معرفش يربيه.
_ شوف إزاي! أنا لازم أروح لأبويا وأحاسبه إنه مربنيش..
وأخبط ليه يا أخويا دي أوضة كشف للمرضى مش أوضة في ديسكو.
_ المستشفى نورت يا روحي فيه حد ييجي للدكتور البارد ده
كنتي تعالي لي على الأقل بفهم في الحلاوة دي.
رفع يوسف حقيبته وهو يرد عليه
_ سايب لك المستشفى كلها يا أخويا يبقى اعمل فيها عريس المولد.
_ هو المولد له عريس
توقف يوسف عند الكلمة وغمز له _إنتبلاش أتكلم.
_ لا والله!
تحرك يوسف نحو الخارج ثم توقف عند الباب التفت إليها
_ خلي بالك من نفسك.
ثم نظر إلى بلال
_ خد بالك منها يا ابني.
ده إنت توصيها علي
خرج يوسف
لكن قلبه ظل واقفا عندها.
تبعته بعينيها وهو يتحرك بجوار الممرضة يتحدث إليها بنبرة هادئة عملية كأن الرجل الذي كان بين ذراعيها منذ دقائق لم يكن هو ذاته.
تحول فجأة من شخص دافئ قريب إلى آخر جامد رسمي بارد حد القسوة.
شعرت بالغربة عنه وهي مازالت على بعد خطوات.
حاوط بلال كتفيها بحركة أخوية خفيفة
_ قالك كان فين إمبارح
هزت رأسها نفيا تحاول عبثا أن تحاصر تلك الدمعة التي لمعت بعينيها وهددتها بالسقوط..استدارت إليه تسأله بنبرة مكسورة
_ إنت مش مخبي علي حاجة
تنهد بلال وقال بثبات
_ والله أبداحتى عمو إلياس فاكرني عارف حاجة.
أومأت ببطء ثم قالت وكأنها تقنع نفسها قبل أن تقنعه
_ تمام يا بلالهعمل مصدقة بس لو عرفت أي حاجة قولي.
سكتت لحظة ثم أضافت بصوت أخفض
_ يوسف مش سليم خالصفيه حاجة كبيرة مخبيها.
قطب بلال حاجبيه مستغربا
_ ليه بتقولي كده!! علشان اتأخر شوية يعني
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يكمل
_ وبعدين لو على الخطوبة هو عوضها قبل كده شايف الموضوع مش مستاهل القلبان ده كله.
أغمضت عينيها..
مشاهد الأمس القاسية تعصر صدرها عصرا مؤلما... ذلك لم يكن زوجها
كان شخصا آخر إما يحاول قتل أشياء بداخله أو يقسو على نفسه بشيء يحرقه من الداخلأو ربما
تاه عقلها في احتمالات تلسعها كسياط حتى أفزعها صوت بلال
_ رولا في المكتبهتيجي ولا تنزلي
رفعت عينيها إليه فجأة وكأن سؤالا ظل عالقا في صدرها وآن له أن يخرج
_ بلال إنت ناوي تعمل إيه مع رولا
استدار وهو يجيب بنبرة حاسمة
_ أعمل إيه مش فاهم
ثم أضاف بحدة خفيفة
_ لو قصدك موضوع الجواز فده مش جواز..ولو فتحتي الموضوع تاني هزعل منك.
توقف فجأة واستدار إليها يرمقها بنظرة ذات مغزى وقال بوضوح لا يقبل النقاش
_ عمري مادخلت بينك وبين يوسف.
خفض صوته وهو يكمل
_ فأتمنى تحترمي قراراتي ومتلعبيش بدماغ رولا
ثم ختم بجملة قاطعة
_ لأننا عمرنا ماهنتقابل في طريق واحد.
كانت
تستمع إلى كلماته و قلبها ينخر ببطء وحشي كأن كل حرف منه يقتطع جزءا حيا من روحها.
لم تبكلم تصرخفقط شعرت بذلك الصوت الخافت داخل صدرها صوت شيء جميل يتكسر.
استدار متحركا لكنه توقف حين لمحها.
ابتلع ريقه وهو يتأملها ملامح شاحبة تخفي إعصارا عينان متعبتان تحاولان التماسك بالقوة.
ورغم أن كلماته كانت صفعة بلا يد إلا أنها ابتسمتابتسامة من يودع نفسه لا من يجامل الآخرين.
_ مش قادرة أقعد أكتر من كده مع ريحة المطهرات والبنج.
صوتها خرج ثابتا لكن صدرها كان يختنق
_ الله يكون في عونكم.
اتجه نظرها إلى ضي وابتسامتها مازالت معلقة بوجهها كقناع ثقيل
_ يارب تكوني صالحتي يوسف ونمشي.
سكتت لحظة ثم أضافت بخفة مصطنعة كسكين مغروس
_ عايزة أعدي على الشركة أقطع إجازتي زهقت من القعدة.
كانت ضي ترى انكسارا صامتا امرأة تحاول الهروب من شخص كان يفترض أن يكون ملاذها.
شعرت بإشفاق موجع فاكتفت بهز رأسها ثم استدارت للمغادرة.
في اللحظة التي تحركت فيها تحدث قائلا
_ رولاأنا كنت بقول..
رفعت عيناها إليه ببطء كانتا تلمعان بدمعة محبوسة والابتسامة الباردة مازالت قائمة لكنها كانت ترتعش
_ إنت ضحيت
توقف صوتها للحظة تشعر بأن صدرها ينهار ثم تابعت بقسوة على نفسها
_ وأنا لازم أدفع تمن التضحية يا دكتور.
كلمة دكتور خرجت منها كمسافة كحاجز أخير بينهما.
تنفست بصعوبة وأضافت بصوت واهن متماسك
_ يومك سعيدبعد إذنك.
تحركت خلف ضي بخطوات مترنحة
تعدها واحدة تلو الأخرى
وتتوسل إلى ربها ألا تسقط الآن ألا تبكي أمامه ألا يرى كيف ماتت ببطء وهي مازالت واقفة.
بمنزل إلياس..
ترجل من سيارته وقعت عيناه على ميرال وهي تتجه نحو منزل يوسف. أغلق باب السيارة خلفه وتحرك إليها بخطوات متوترة..كانت قد وصلت بالفعل تزامن وصوله مع فتح الخادمة للباب
_الدكتور صحي ولا لسه
أجابتها الخادمة باحترام
_الدكتور خرج من بدري يا مدام من الساعة عشرة.
_الساعة عشرة!.
تمتمت بها ميرال بصوت خافت في اللحظة التي وصل فيها إلياس فأشار للخادمة بالدخول
_خلاص.
ثم التفت إليها
_يوسف نزل المستشفى وهيسافر سوهاج النهاردة.
رفعت عينيها إليه والحزن واضح يكسو ملامحها
_من غير مايعدي علي!! أول يوم يروح الشغل ومايعديش علي
تحرك في اتجاه منزله
_ممكن يكون متأخر على شغله بلاش تخنقيه..إنتي عارفة لو كان عنده وقت كان عدى عليكي.
توقفت فجأة
_إلياسأنا قلبي مش مرتاح ريحني وقولي ابنك ماله
زفر بضجر ثم صاح بنبرة غاضبة لم يستطع كبحها
_هو ابنك طفل الولد كويس..ابنك راجل يا مدام ودكتور مش عيل علشان تخافي عليه بالشكل ده!
ثم تابع بنبرة أكثر حدة
_قال كان عنده عملية مهمة ينفع يسيب مريض بيتألم وييجي علشان خطوبة
هزت رأسها ببطء ووضعت كفها على صدرها كأنها تحاول تهدئة وجع لا يرى
_بتمنى يكون كلامك صح بتمنى ماتكونش مخبي علي حاجة.
رفعت عينيها المبللتين إليه
_علشان قلبي وجعني أوي ومش عارفة المرة دي الدنيا هتعاندني مع مين فيكم.
اجتاحه الألم من نبرتها ذلك الوجع الخفي الذي يعرفه جيدا..هو الآخر يشعر بأن هناك شيئا ماشيء غامض حاول الوصول إليه مرارا لكنه كان كسراب يبتعد كلما اقترب.
_وبعدين معاكي يا ميرال ليه تخرجيني على شعوري متكبريش الدنيا يوسف كويس بلاش نعامله كطفل سبيه يعمل اللي عايزه..والله أنا شلت المراقبة من عليه لو مش مصدقة اسألي مالك مينفعش أراقب راجل ودكتور.
رفعت رأسها إليه والدموع متكدسة تحت جفنيها
_مابقولش راقبه بس أكيد عارف بطرقك هو كان فين.
_كان في المستشفى مخرجش منها.. ودا عرفته من الكاميرات علشان قلبي يطمن يعني هو كويس.
أومأت قائلة بصوت خافت
_يارب دايما كويسيارب.
تحدث بطريقة تمزج بين التدخل واللطف
_فيه أم عروسة تعيط كده على الصبح..طيب لو شمس شافتك تقول إيه ماما زعلانة علشان اتخطبت.
أزالت دموعها وهي تنظر أمامها تتحدث
_هي عارفة إني كنت قلقانة على أخوها.
قطع حديثهما دخول سيارة ضي من البوابة الرئيسية..توقفت وهمست
_هشوف ضي.
_وبعدين معاكي ليه عايزة تقلقيها ميرال بطلي شغل الأطفال دا.
وصلت ضي بجوار رولا بابتسامة عريضة
_مساء الخير يا عمو مساء الخير يا طنط.
_مساء الخير على الصباياإيه كنتوا فين
_كنا في المستشفى عند الدكاترة وبعدين رولا عدت على الشركة علشان تنزل شغلها بكرة.
طالعها إلياس بنظرة
_ليه يا حبيبتي تنزلي الشغل لسة مكملتيش الشهر.
_مفيش يا عمو زهقت.
قال بنبرة حنونة
_لو حاسة إنك زهقتي انزلي.
أومأت له ثم انسحبت معتذرة إلى منزلها بينما ميرال ساءلت ضي بقلب الأم الذي يهفو من الخوف على فلذة كبدها
_جوزك فين وإيه اللي حصل معاه إمبارح.
تأفف إلياس وتركها ورحل وهو