الفصل الثاني والاربعون والثالث والاربعون بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز


يقول بنبرة غاضبة
_مش هتتغير أبدا. 
بينما ضي حاولت رسم ابتسامة مطمئنة
_كويس أنا لسة راجعة من عنده. 
طالعتها ميرال بتقييم متسائلة
_وليه رايحة له المستشفى هو مش مبيت في البيت. 
ارتبكت في بادئ الامر ولكنها سيطرت سريعا على ارتبكاها وقالت
_مشي وأنا نايمة ومعرفتش إيه اللي أخره إمبارح فروحت أطمن عليه.
_يعني هو كويس 
_جدا والله وسافر كمان ادعي له بقى 
ربنا يوفقه ويبعد عنه الأذى يارب. 
_يارب تمتمت بها ميرال واستأذنت متحركة إلى منزلها.
بمنزل يزن.. 
طرق على غرفة مكتب والده ثم دلف للداخل وهو يحمل بعض الأوراق وجده يجلس مع كريم 
_فاضي يا بابا 
أشار إليه يزن بالدخول واستدار إلى كريم 
_شوف المساحة وعرفني إلياس مش هيعترض وكمان طارق قالي لما يرجع من السفر هيرجع بيته عايز ولاده يتربوا هنا. 
نهض كريم وقال 
_تمام هشوف إيمان الأول أنا عجبني الكمبوند لكن لازم موافقة إيمان. 
_شوفوا اللي يريحكم بس من رأيي تفضلوا هنا اللمة حلوة وزي ماإنت شايف ماتعرفش بيت مين. 
أومأ ورد 
_ودا اللي عجبني بيفكرني بحياة والدي الله يرحمه. 
_الله يرحمه معتقدش إن إيمان ترفض خلي بالك..وكلم أنس ابنك برضو وخد رأيه هو هيفضل مسافر طول حياته.
_رافض مصر خالص يا يزن بنحاول أنا وإيمان يرجع لكن رافض قطعا.
_ربنا يهديه حبيبي. 
_هعدي على المستشفى. 
جلس آسر يمد يده ببعض الأوراق لوالده بعد خروج كريم
_دي ميزانية الحفلة اللي هنعملها الأسبوع الجاي عايز حضرتك تلقي نظرة عليها. 
أخذها يزن يتطلع إليها ثم أومأ له
_كويس
حبيبي وخلي أختك برضو تشوفها عرفت إن عمك إلياس كان رشحها إنها تتابع مع منظمة الحفل. 
_اتحرجت الصراحة يا بابا دي لسة عروسة ومينفعش نشغلها. 
_كلمها وعرفها لو فاضية مش هتعترض.
_حاضر..هعدي عليها دلوقتي فيه حاجة كمان عايز أتكلم مع حضرتك فيها. 
أنصت إليه فقال
_مش عايز حضرتك تتدخل في المكتب رجاء ولا حتى رواتب الموظفين عايز أعتمد على نفسي. 
نهض يزن من مكانه وهو يطالعه بفخر 
_حبيبي أنا فخور بيك وكلامك دا بيسعدني لكن أوعدني لو فيه أي مشكلة أنا أول واحد يعرف مفيش حد هيخاف عليك قدي حط دي في دماغك.
_من غير ماتقول حضرتك. 
قاطعهما دخول رحيل 
_هنخرج ولا إيه الاجتماع هيبدأ بعد نص ساعة. 
توقف يزن وهو يطالع ابنه
_شوف اللي محتاجه في الأول وبعد كدا نتكلم. 
_تمام..
_فيه مشكلة حبيبي ولا حاجة
هز رأسه بالنفي وقال
_لا كنت باخد رأي بابا في الحفلة. 
أردفت بحنان أمومي
_أنا موجودة وشاطرة في الحاجات دي لو بابا مشغول عرفني محتاج إيه.
_حبيبتي يا ماما متحرمش منك كل حاجة تمام. 
أومأت مبتسمة وتحركت خلف يزن وهي تتحدث إلى نجلها
_هتخرج ولا عندك حاجة في البيت
_لا حبيبتي هخرج عندي كام مشوار يخصوا المكتب وصلت إليهم سدن 
_ممكن توصلني لعند مامي في طريقك يا آسر.
_حبيبتي محتاجة حاجة
_لا أنطي بس كنت متفقة مع مامي نخرج بعد شغلها نعمل شوبينج.
_تمام..التفتت إلى ابنها
_عندك وقت توصلها ولا أخلي السواق ياخدها. 
نظر بساعته وأومأ لها
_هاخدها في طريقي بس ادعي لي الطرق متكنش زحمة دلوقتي.
ابتسمت رحيل وغادرت. 
قالت سدن 
_ ليه هنا عربيات بتطلع دخان وريحتها وحشة
_ مش بالظبط فيه عربيات لسه مااشتغلتش بالغاز فطبيعي البنزين بيتحرق مع زحمة القاهرة.
_ أوبس يا أسر أنا مابحبش الزحمة ولا الريحة دي.
ارتدى نظارته الشمسية وأشار لها أن تتحرك ثم توقف فجأة وعيناه تستقران على ملابسها بثبات أربكها
_ إنتي هتخرجي كده
نظرت إلى نفسها ثم أومأت بلا اكتراث
_ آهماله ده جيب.
_ لا ده مش جيب يا سدن ده شورت وما ينفعش تخرجي بيه.
التقطت حقيبتها ونبرتها خرجت حادة
_ مابحبش التدخل في حاجتي الخاصة آسر هتوصلني ولا أشوف تاكسي
زفر ببطء كأنه يحاول كبح شيء أعمق من الغضب
_ أنا مش بتدخل أنا بنصح..
إحنا مسلمين وربنا لما كرم الست ماكرمهاش إنها تبقى معروضة..فيه حدود للمسلمة ماتتخطهاش.
_ إيه هي الحدود عندك أستاذ محامي.
جاء صوتها من الخلف..
التفت آسر سريعا لتقع عيناه على آسيا التي وصلت تحمل كوب مشروبها.
لمعت عيناه بلا وعي وكأن حضوره أمامها يخلخل توازنه.
استند إلى الجدار ونظر إليها

بنظرات صقرية ثابتة
_ لا يا باشمهندسة مش عندي..
ربنا قالها صريحة
ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها
وقال كمان
وليضربن بخمرهن على جيوبهن
ده مش تقليل من الست ده حفاظ عليها.
ابتسمت آسيا بسخرية خفيفة
_ حفاظ ولا خوف من جمالها
اقترب خطوة وصوته ازداد عمقا
_ بالعكس
ربنا كرم الست بجمالها
وعلشان كده طلب الحفاظ عليه..
الجوهرة مابتترميش في الشارع
ولا بتتحط في إيد أي حد..
الجمال في الإسلام نعمة
والستر احترام للنعمة مش إنكار ليها..
يعني ستر مش استعراض
وحدود مش أذواق شخصية..
_ بس ربنا بيحاسب القلوب مش الأقمشة.
قالتها آسيا بثقة.
_ صحيح بس هو نفسه اللي قال
ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين
يعني الشكل رسالة مش تفصيلة مالهاش قيمة القلب اللي فاهم بيحافظمش بيجادل.
_ يعني اللي مش محجبة قلبها فاسد
قالتها بنبرة متحدية.
هز رأسه نفيا بعنف مكبوت
_ لا بس اللي عارفة إن ربنا أمر
وتحول الأمر لنقاش علشان ترتاح
دي مش حرية.
الحرية إنك تختاري نوع لبسك مش تتناقشي في أساسيات في الإسلام مش إنك تغيري معنى التكريم علشان يناسب مزاجك.
زمت شفتيها باستخفاف
_تخلف جهل عند الست تحكمات إنما الراجل براحته. 
_يعني مامتك متخلفة وجاهلة!
تدخلت سدن وهي تلوح بيدها بضجر
_ يوووه up بقى أنا عايزة أخرج.
لكن آسر لم يبعد عينيه عن آسيا واستكمل وكأنه يخاطبها وحدها
_وبالمناسبة
ربنا ماحملش الست الذنب لوحدها..
قال للراجل قبلها
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
وبعدها مباشرة
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن
يعني احترام متبادل مش ست بتستخبى
ولا راجل بيتفرج.
رفعت آسيا ذقنها لكن نبرتها فقدت حدتها الأولى
_ الزمن اتغير يا آسر.
ابتسم ابتسامة قصيرة موجعة
_ دي مش تكنولوجيا يا باشمهندسة دا دينا وأظن معظم الأديان بتدعي للتكريم والتكريم مابيتغيرش..
إحنا بس اللي بقينا فاكرين
إن كشف الجمال حرية..
ونسينا إن الحفاظ عليه كرامة..افهمي الحرية يا باشهمندسة مش يمكن حضرتك اللي فاهمة الجهل والتخلف بطريقة المكان اللي حضرتك اتربيتي فيه 
سحب نظره منها أخيرا والتفت إلى سدن
_ براحتكتاكسي أو أوصلك.
سحبت آسيا نظرها من عينيه وهي تقول ببرود متعمد
_ اتأخرت أستاذ محامي.
وغادرتبينما ظل واقفا
يشعر أن الجدل لم يكن عن اللبس فقط بل عن معنى أعمقلم تحسمه الكلمات بعد.
صاحت سدن 
_تفضل واقف كدا
بمنزل أرسلان..
كانت قد انتهت لتوها من ارتداء ملابسها تعدل حجابها أمام المرآة دلف إليها مبتسما يراقبها وقال 
_حضرة الناظرة خارجة ولا إيه
التفتت إليه مبتسمة وهزت رأسها وهي تحكم لف حجابها
_أيوه بقالي كام يوم مارحتش المدرسة عايزة أعمل كبسة عليهم شوية.
اقترب ضاحكا
_أحلى ست ناظرة تعمل كبسة.
رفعت وجهها إليه بنظرة متصنعة الغضب
_بتتريق يا باشا الله يرحم.
تعمق النظر في عينيها بنبرة صادقة
_تعرفي أكتر مهمة حبيتها في حياتي إيه
ضيقت عينيها تنظر إليه باستفهام
_مهمة شقة الإرهابي اللي اتقابلنا فيها فاكراها
حاولت التذكر ثم هزت رأسها نفيا
_مش فاكرة الصراحة.
تحدث بنبرة مصطنعة الاستياء
_معقول ناسية! ده أنا المهمة دي في قلبي وحضرتك بتقولي مش فاكرة
ضحكت بنعومة
_لا طبعا فاكرة بس مش دي أول مرة نتقابل فيها يا باشا شكل الباشا كبر وبينسى كتير.
همس وعيناه تخترقان عينيها
_والله الباشا لسه شباب بس إنتي اللي ظلماه ولو عايزة تعملي تجربة معنديش أي اعتراض.
ضحكت بصوت مرتفع بينما هو همس
_ربنا يخليكي ليا يا غرامي يارب.
_ويخليك ليا يا حبيبييلا لازم أخرج دلوقتي واعمل حسابك النهاردة هنسهر عند إلياس.
ابتسم بطاعة عاشق
_إنتي تؤمري يا جميل.
سحبت حقيبتها واتجهت نحو الخارج لكنها توقفت عند الباب التفتت إليه قائلة
_بقولك إيه إيه رأيك تعدي على رولا وتشوفها عاملة إيه معرفش حاسة إنها بقت تتكسف مننا أوي دي ماكنتش كده قبل الجواز.
هز رأسه بتفهم
_تمام يلا علشان ماتتأخريش.
بغرفة شمس
كانت تجلس بشرفة غرفتها تتفحص صور خطوبتها عبر هاتفها. ابتسامة رقيقة شقت شفتيها حينما وقعت عيناها على حمزة وهو يلبسها الدبلة وكأن اللحظة تعاد من جديد.
قطع شرودها رنين الهاتف التقطته سريعا حين رأت اسمه ينير الشاشة.
_صباح الخير
صمت قصير وأنفاس هادئة تسبق صوته الدافئ
_صباح الحب يا حبيبي
ابتسمت وهي تقول بنبرة هادئة 
_لسه صاحي ولا إيه
_آه بكلمك من على السرير لسه ما فوقتش. لازم أسمع كروان حياتي
الأول
أفلتت ضحكة خافتة وهمست
_فوق بقى الضهر أذن أصلا إيه الكسل ده
اعتدل في جلسته مرر يده بين خصلاته وتنهد بحب
_لما تيجي عندي وعد مش هنام غير كام ساعة بس
ارتجف قلبها وقالت بجدية لطيفة
_حمزة لو سمحت بلاش الكلام ده
ضحك بصوت عال
_نفسي أكون قدامك دلوقتي
_ليه بقى
_علشان أشوف العيون البريئة والفراولة اللي على الخدود
اتسعت ابتسامتها وقالت بلهجة محذرة
_طيب يا كابتن كده هضطر أقفل
تحدث سريعا
_وأهون عليكي مش هصعب عليكي
تنهدت ثم قالت بحنان حاسم
_طيب بطل بقى كلامك ده ويلا قوم صلي الضهر. ومتنساش بعد كده تظبط المنبه على صلاة الفجر في المسجد.
سكتت لحظة ثم أضافت بابتسامة
_ما بحبش الكسل وعلى فكرة هتلاقي نفسك نشيط قوي ووقتك فيه بركة وهتنام زي الملاك
ابتسم صوته قبل كلماته
_والله إنت اللي ملاك قلبي. حاضر. وعلى فكرة أنا في الشغل بصلي الفجر دايماثم أضاف ضاحكا
_إنما في بيت إسحاق الملايكة بتتطفش
ضحكت شمس بخفة تهز رأسها وهي تضم الهاتف إلى أذنها
_بيت إسحاق إيه بس ده أنا جاية أعمل فيه غزوة صلاة واحد واحد هتقوموا على الأذان
تنهد بحب
_ماشي يا شيخة شمس خلاص استسلمت بس أوعديني تيجي تصحيني بنفسك
_أصحيك ازاي
_لا دا مابيتقلش ياروحي وعد هتكوني منبهي الوحيد اللي بيخليني أقوم من غير ما ألعن اليوم
ضحكت من قلبها فابتسم وهو مغمض عينيه.
ساد صمت قصير صمت مريح يتقاسم فيه القلبان نفس الإحساس رغم المسافة.
_حمزة
_نعم يا روحي
_خليك دايما قريب من ربنا علشاني وعلشانك
جاء رده بلا تردد
_قريب منه والله علشان يفضل جامعني بيكي
اغرورقت عيناها لكنها ابتسمت وهي تنظر إلى صورتهما على الهاتف
ثم همست قبل أن تغلق المكالمة
_قوم بقى وأنا هشوف مذاكرتي
_ماانا قومت وتحت على فكرة انتي اللي كسولة
ارتفعت ضحكاتها وهي تقول بمشاكسة
_بتفكرني بيوسف وبلال نفس الرد
تذكر شيئا فسأل باهتمام
_اطمنت على يوسف
هنا تسلل الحزن لقلبها مع ذكرى أخيها الحنون فأجابت بنبرة دافئة
_آه يا حبيبي كان عنده عملية بره المحافظة علشان كده جه متأخر
_الحمد لله المهم يكون كويس
شردت قليلا تستعيد حديثا دار بينهما منذ فترة ثم قالت
_آه الحمد لله هسيبك بقى علشان تقوم تصلي الضهر وأنا كمان أصلي وأشوف مذاكرتي الامتحانات على الأبواب خلاص
_بالتوفيق يا حبيبي
_خلي بالك من نفسك
_حاضر
أنهى المكالمة ونهض من فراشه دقائق قضاها في الحمام ثم خرج ليؤدي فريضته. بعدها هبط إلى الأسفل ليتزامن خروجه مع خروج عمران من غرفته مطلقا صفيرا عاليا
_الله أكبر! الكابتن صحي بدري هي الشمس هتنزل الأرض في الشتا ولا إيه
رد حمزة بثقة
_الشمس في السما محدش يقدر يلمسها يا ابني
رفع عمران حاجبه بسخرية
_قول والله
_من غير ما أحلف يا ابني دي حاجة مش بيفهمها غير الأذكياء
هبط حمزة بخطوات سريعة وخلفه عمران فوجد والدته تشرف على الخدم وهم يضعون الطعام على الطاولة. رفعت عينيها إليه بدهشة
_معقول إنت صحيت
_صباح الخير على أحسن ماما في الدنيا
ابتسمت وردت 
_صباح الخير يا حبيبي إنما إيه النشاط ده ده إنت في أجازتك بتقوم الساعة ستة وممكن المغرب
_خلاص بقى يا دينا
ضحكت
_ربنا يسعدك يا حبيبي
_اللهم آمين
دخل إسحاق يتفحصه بعين مازحة
_لا حد يقولي إن اللي قاعد ده الكابتن على رأي الشمس والقمر
_والله يا إسحاق والأجرام السماوية كلها كمان ومش بس كده لا صليت الضهر كمان وهفطر وأنزل المزرعة من زمان ما شفتش ريحانة
قهقه عمران 
_أوووه لا حد يقول الخطوبة بتعمل كده أنا ماليش دعوة! عايز أخطب هو خطب الشمس حد يخطب لي القمر
ضحكت دينا وهي تسكب القهوة
_يلا شدوا حالكم
التفت حمزة لوالده الذي رفع فنجانه
_مش تقول لابنك مبروك يا إسحاقو على الدراسات العليا
_مبروك وإنت فاكر إني ما عرفتش
_يعني إنت اللي نجحتني أصلي ما ذاكرتش.. قالها عمران بسماجة بينما رد حمزة
_أنا اللي كلمتهم ولما عرفوا إنك أخو كابتن حمزة نجحوك يا أهبل أي مكان تدخله قوله أنا أخو كابتن حمزة هتلاقيهم اتكهربوا
ضحك عمران
_كده أنا تمام طب ما تقول لحماك يخلف لي بنت كمان
شهق حمزة متصنعا
_وهتستناها يا أهبل
_لا هاخدها أربيها المهم يسموها قمر
قاطعتهم دينا بصرامة محببة
_هتاكلوا إنتوا الاتنين ولا تقوموا صدعتوني
حمحم حمزة وسحب فنجان القهوة
_بابا كنت عايز أطلب منك طلب
رفع إسحاق عينيه إليه
_اتكلم
_كلم القائد عرفان عايز أرجع لطيارتي اللي
اتدربت عليها مش حابب المكان التاني
_بس التاني أريح
_بس مش أنا اللي رحته يا بابا حضرتك اللي نقلتني. عايز أرجع مكاني تاني فريقي محتاجني وليه حضرتك بتدخل في شغلي
تأمله إسحاق لحظة ثم قال
_تمام عندك شغل إمتى
_هنزل السبت إن شاء الله
تدخلت دينا
_إيه رأيك نعزم آل الشافعي الجمعة قبل ما حمزة يرجع شغله
_أنا موافق يا ماما
التفتت إليه
_وهي بتسألك إنت يا حلوف
استدار حمزة نحوها
_الأول كلمي ميرال شوفي ظروفهم
أومأت دينا بهدوء
مضت عدة أيام
في منزل يوسف..
عاد صباح يوم الحفل الخاص بافتتاح مكتب آسر للمحاماة فتح الباب ودلف إلى الداخل فاستقبله سكون ثقيل سكون بيت اشتاق لصاحبته.
التقطت زهرة صوت المفتاح فخرجت مسرعة توقفت أمامه بلهفة صادقة
_حمد الله على السلامة يا دكتور.
_الله يسلمك يا زهرة.
رد بصوت هادئ لكنه يحمل إرهاقا لا تخطئه عين اقتربت منه وأخذت حقيبته
_أطلعها فوق لحضرتك
_لو مش هتعبك 
تحركت تصعد الدرج بخفة
_تعب إيه بس يا دكتور.
صعد خلفها بخطوات بطيئة رأسه مثقل عيناه تحاربان النوم أشارت إلى باب الغرفة فأوقفها بنبرة خافتة لكنها آمرة
_هاتيهالي وانزلي إنتي.
_أدخلها لحضرتك.
_لاانزلي.
_بس يا دكتور
قاطعها وهو يسحب الحقيبة
_اسمعي الكلام.
دلف للداخل وأغلق الباب خلفه بهدوء. 
توقفت زهرة مكانها تنظر للباب المغلق تشعر بوخزة حزن لا تعرف لها سببا ثلاثة أيام كاملة لم تره ولم تعرف عنه سوى سفره وضعت كفها على قلبها الذي ينبض بعنف حد الألم.
أما هو
فما إن وضع الحقيبة جانبا حتى اتجه لغرفته كانت هناك غارقة في النوم.
توقف عند عتبة الغرفة كأن قدميه تجمدتا نظر إليها طويلا اشتاقها حد الوجع اشتاق دفأها صوتها حتى أنفاسها المنتظمة.
اقترب ببطء جلس على طرف الفراش يتأملها وهمس داخله
_وحشتيني.
_ آسف هكون أناني وهفكر في سعادتنا وحبنا واللي ربنا كتبه لينا هنجنيه.
_مش هقدر أبعد كام يوم وحاسس إني بموت من غيرك.
رفع رأسه ينظر لملامحها الساكنة المحببة لقلبه 
_ربنا بيحاسبني على اللي طلبته منك بس الحساب عسير ومؤلم قوي قوي بحاول بس مش قادر..
ظل يتابع سكونها للحظات ثم نهض ونزع جاكيت بدلته وألقاه بإهمال وكأن ثقله كان فوق قلبه لا جسده واتجه إلى المرحاض.
خرج بعدها توضأ ثم وقف يصلي
صلاة رجل لم يعد يملك من نفسه شيئا إلا قلبا مثقلا وذنبا يخشى ثمنه.
ماإن سجد حتى انهار..
سجدة لم تكن كسائر السجدات
كانت اعترافا وكانت رجاء وكانت استسلاما كاملا.
ناجى ربه بصوت مخنوق لم يخرج حرفا لكن صدره كان يصرخ
يارب
إن كان في قلبي ذنب فاغسله
وإن كان في قدري تأخير فصبرني
وإن كان في رحمها حرمان فارفعه برحمتك لا بعدلك.
يارب لا تجعل خطئي سدا في وجه عطاياك.
ولا تجعل خوفي القديم سببا في كسر قلبها.
هب لنا من لدنك ذرية طيبة
ترضي بها قلوبا تعبت وتجبر بها خاطرا طال انتظاره.
رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين.
إن كان المنع ابتلاء فامنحنا الرضا
وإن كان العطاء قريبا فاجعل فرحته كاملة ولا تحرمنا لذة الدعاء ولا جمال الرجاء.
يارب
نستودعك حلما خبأناه في القلب فلا ترده مكسورا.
تشبث بالأرض كأنها آخر مايملكه كأن توسله لربه في السجود وحده يمنعه من السقوط الكامل...ولما لا قرائي ألم يقل ربي عزوجل
ادعوني أستجب لكم
ظل يوسف يناجي ربه 
وها هو يدعو بقلب لم يعد يملك إلا الرجاء.
توسل ألا يؤاخذه بما اقترفت يداه ولا بما قصر فيه قلبه ولا بما ظن أنه صواب فاكتشف متأخرا أنه كان ظلما.
انهمرت دموعه رغما عنه ثقيلة حارقة
دموع رجل طال صمته وطال احتماله حتى فاض..وماأثقل بكاء الرجال
فإذا بكى الرجل فاعلموا أن كل الحوائط التي بناها حول نفسه قد انهارت وأنه لم يعد يملك رفاهية التماسك.
وخاصة إن كان رجلا بقوة يوسف
رجل اعتاد أن يخفي وجعه
أن يقف حين يسقط غيره.
أما الآن
فقد سقط بين يدي ربه فقط
لا شاهد عليه ولا قناع ولا قوة
سوى عبد يرجو سترا ورحمة وألا يكسر أكثر.
ظل ساجدا طويلا
حتى هدأ بكائه
وماهدأ وجعه..اعتدل وجلس بعض الوقت ثم نهض..عاد للفراش بجسد مرهق وروح أثقل تمدد وأغمض عينيه يريد فقط أن يغفوأن يهدأ.
استنشقت رائحته..
ابتسمت وهي نائمة ظنت أنها تحلم. تمتمت باسمه بخفوت حنون.
استدار برأسه نحوها قلبه انقبض..
همس بصوت بالكاد يسمع
_أنا هنا
شعرت به..فتحت عينيها ببطء لتجده غافيا أمامها ملامحه مرهقة لكنها مطمئنة
فتح عينيه بتعب
فهمست
_حمد الله على السلامة كنت بتقول هتوصل الضهر.
_جيت بدري يا ستيزعلانة
رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين مليئتين بالاشتياق
_لو قولت لك وحشتني قد إيه هتصدق
نظر إلى عينيها
تلك العيون التي أنهكها غيابه بقدر ماأنهكه بعدها صوته خرج صادقا
_لا مش مصدق.
ثم أضاف هامسا
_عشان إنتي كمان وحشتيني أكتر ماتتخيلي..
بمنزل بلال
طرق الباب ولم ينتظر الرد.
كانت تقف أمام المرآة
 

تم نسخ الرابط