الفصل التاسع والثلاثون والاربعون من كأنها لي الحياة
استمتع بارتباكها.
تراجع مترنحا خطوة للخلف.
_ علشان تحترم نفسك..إيه مابتعرفش تتكلم وإنت بعيد
هذا الرجل سيقودها إلى الجنون
_ بلال ابعد بقى إحنا قولنا إيه.
رفعت عيناها إليه سريعا لترتجف نظراتها وتترقرق الدموع..
في تلك اللحظة لم ترغب في الهرب فاقت على كلماته التي كانت كالسيف على العنق حين نطق
_ قلت لك مليون مرة اتعاملي معايا على إني جوزك يا رولا ليه الكلام اللي يحرق الدم ده
ابتلعت غصتها وردت بصوت متكسر
_ بس إنت مش جوزي إنت جوزي قدام الناس بس هنا لأ.
سقط الصمت بينهما كضربة قاضية. عجز عن الرد..رفعت عينيها تعانق عينيه بثبات موجع
_ ليه بتقنع نفسك بكده
توقفت أنفاسه فتابعت
_ هو إنت ممكن تكون جوزي فعلا
صمت قاتل لترتفع أنفاسه فأومأت برأسها كأنها تفهم الإجابة قبل أن تقال
_رد ممكن نكون زي أي اتنين طبيعيين
صوتها يخترق صمته
_ قولي يا بلال ممكن نعدي اللي حصل ممكن تنسى اللي حصلي ونكمل حياتنا
تراجع كمن لسع من النار واستدار موليا ظهره لها
_ رولا إنتي عارفة اتجوزنا ليه وإنتي نفسك كنتي رافضة الجواز ده.
ثم استدار بنصف جسده
_ علاقتنا اترفضت من سنين وكملنا على المنطق ده وأنا مش الشخص اللي يبص وراه.
هزت رأسها وانزلقت دمعة على وجنتها
_عندك حق
_ رولا
تاهت في نظراته ليقول بصوت منخفض لكنه موجع
_ إنتي غالية علي قوي وصدقيني لو مش غالية ماكنتش وافقت على العلاقة دي.
_ علاقة!
رددتها بذهول صريح.
نظر لعينيها مباشرة
_ هنوجع بعض وممكن نكره بعض بلاش نوصل للمرحلة دي.
زفر بقسوة
_ إنتي مش عارفة أنا حاسس بإيه أنا دلوقتي راجل متجوزومن مين من البنت اللي كانت أقرب صديقة.
_ قصدك اللي رفضتك
استدار وتحرك نحو غرفته
_ كلام صبياني أنا نسيته وأظن ماكانش فارق معاكي حتى مش فاكر منه حاجة.
لحقت به سريعا
_ خلاص مالكش دعوة بيا.
هز كتفه بلا مبالاة
_ وأنا قلت لك حاجة قلت تاخدي بالكعلشانك إنتي مش علشاني.
ثم أضاف بحدة
_ ولو كلام الثانوي لسه معلم في دماغك تبقي هبلة وعبيطة..ده كلام عيال هو فيه حد بياخد على كلام العيال
اشتعلت عيناها
_ ومين قالك إني فاكرة حاجة أصلا
سخرت بمرارة
_ إنت لسه قايل كلام عيال يعني وأنا عيلة رفضت هوافق وأنا كبيرة وعاقلة كده
كلماتها كانت كالنار التي أحرقت صدره حتى صار جمرة..فرسم ابتسامة موجوعة وقال
_ طول عمرك عاقلة بدليل إنك وصلتيني لكده.
قالها ثم أغلق الباب خلفه بعنف هاربا قبل أن ينزلق الحوار إلى جرح أعمق جرح لن يبرد
ارتعش جسدها وهي تحدق في الباب الذي انغلق خلفه بضجر صريح بقيت في موضعها دقائق تتنازعها الحيرة
أتتبعه أم تعود لغرفتها
خطوة للأمام..ثم تراجع.
وأخيرا استسلمت وعادت تجر أذيال خيبتها.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها أسندت ظهرها إليه كأنها تستمد منه توازنها المفقود وهمست بمرارة توبخ نفسها
_وبعدين يا رولا هتفضلي في الحال ده لحد إمتى
فوقي..خلاص فوقي.
ولا كأنه يفرق معاكي إنتي سمعتي بنفسك إنه بيحب واحدة تانية مستنية إيه أكتر من كده
لازم تفوقي لازم.
أومأت برأسها عدة مرات كأنها تقنع قلبا يأبى الفهم ثم تحركت بخطوات واهنة نحو الفراش تمددت عليه تسحب هاتفها بيد مرتعشة تحاول الهروب من أفكارها بأي شيء..أي شيء.
بينما في غرفة بلال
كان الغضب يثور بداخله كبركان على وشك الانفجار كلماتها معه مازالت تتردد في رأسه تؤجج نيرانه أكثر..مسح وجهه بيده بغضب حارق يستغفر ربه أن يقوده غضبه إلى طريق لا يرضيه.
توضأ ثم قضى فرض ربه صلاة العشاء التي فاتته بسبب حفل الخطوبة صلاة مثقلة بالشرود لكنها صادقة.
نهض بعدها واتجه إلى مكتبته سحب عدة كتب بلا وعي عاد بها إلى فراشه ارتدى نظارته الطبية وفتح أحدها
يحاول أن يقرأ يحاول أن يفهم
يحاول أن يهربلكن قلبه كان في مكان آخر تماما.
فقد اتزانه فجأة نهض من مكانه بعصبية وتحرك إلى المطبخ ليعد قهوته أخذ يفتش بين الأغراض بعنف يفتح الأدراج ويغلقها بقوة وهو يحدث نفسه بغضب مكبوت
_مشت الشغالين أهو مش عارف أشرب فنجان قهوة في بيتي.
والأستاذة عاملة ست بيت وهي أخرها تغسل خيارة!
سقط أحد الأواني من يده وارتطم بالأرض بقوة محدثا صوتا حادا شق سكون المكان.
في الأعلى فزعت رولا..وانتفض قلبها قبل جسدها ظنت أن شيئا أصابه نهضت سريعا من فوق فراشها سحبت روبها وارتدته على عجل ثم خرجت.
نزلت درجات السلم بخطوات مترددة تطوف بعينيها في المكان
ياترى صوت إيه ده
وصلت إلى المطبخ وتوقفت على بابه..
كان بلال يجمع شظايا الزجاج المكسور ويلقيها في القمامة بعنف.
تابعته بصمت حتى وقعت عيناها على إحدى الشظايا الكبيرة الملقاة على الأرض.
اقتربت خطوة كان يوليها ظهره
_بلال
التفت إليها سريعا غير مكترث بقطعة الزجاج التي ضغط عليها بكفه فجأة صرخ متأوها وقد اخترقت الزجاجة راحة يده... ركضت نحوه بلهفة
_خد بالك!
لكن الدم كان قد سال بالفعل..
نهض متألما
_جرحتك قوي وريني
نزع قطعة الزجاج بعصبية
_ابعدي علشان متتئذيش مفيش حاجة طلعتها خلاص..
وانحنى ليلتقط باقي الشظايا.
_استنى!
جذبته نحو الحوض فتحت المياه وبدأت تغسل الدماء
_أومال لو مش دكتور استنى نشوف الجرح.
سحب منديلا ورقيا ثم تحرك إلى صندوق الإسعافات الأولية..جلست أمامه تساعده في تعقيم الجرح بصمت مشحون.
قطعت الصمت بصوت منخفض
_إيه اللي حصل..
وإزاي القزاز ده وقع كده
رد ببرود مستفز
_كنت بلعب معاه.
نظرت إليه لحظة ثم قالت بسخرية موجوعة
_واللهوياترى بتلعب معاه ايه
_عروسة وعريس بعد نص الليل
_تصدق تستاهل.
استدارت لتغادر
قال بنبرة تجمع بين الاستفزاز والتحدي
_عايز قهوة
مش إنتي عاملة ست بيت شاطرة اعملي قهوةويارب تعرفي تعمليها.
رفعت حاجبها بمشاكسة
_مش لما الاقي راجل البيت علشان ابقى ست البيت
هب من مكانه فركضت الى غرفتها سريعا بينما توقف يبتسم على طفولتها
_الصبح اقوم الاقي الفطار جاهز علشان هعرفك راجل البيت
ضحكت على كلماته استندت على الجدار وعيناها على جلوسه وهو يقوم بلف الضماد على كفيه.
بمنزل طارق..
دلفت إليه تحمل قهوته وضعتها أمامه على المكتب بهدوء ثم سحبت المقعد وجلست قبالته راقبته لحظة قبل أن تقول بنبرة هادئة تخفي قلقها
_ هتفضل سهران كده ولا إيه
نظر إلى ساعته ثم رفع عينيه إليها
_ معلش يا حبيبتي عندي شغل مهم عايز أخلصه قبل السفر وإنتي شوفتي الخطوبة عطلتني قد إيه.
_طيب إنت قلت لإلياس على اللي حصل
رفع الفنجان وارتشف منه ببطء ثم قال
_ ماقلتش بس هو أكيد عرف..إنتي ماتعرفيش إلياس ده عارف كل واحد بيعمل إيه.
_ طيب قالك حاجة
زفر بحدة خفيفة وعيناه اشتعل فيهما القلق
_ هند أنا اللي اتصرف..الولد ابني أنا مش ابن إلياس.
تنهدت بحزن ثم قالت بحذر
_طيب يا طارق متزعلش مني بس هو إيده طايلة أكترغير طبعا أرسلان ده بتليفون هيعرف كل حاجة.
شد على الفنجان بين أصابعه
_ هجيبها من تحت الأرض صدقيني وهحاسبها على كل اللي عملته.
_ حبيبي متقلقشإن شاء الله هتلاقيها.
رفع رأسه إليها بعينين مضطربتين
_ أنا هتجنن يا هند ليه جابته وليه عرفتني بيه وبعد ما كتبت عليها فص وملح وداب.
_ طيب ممكن تهدى وتسمعني علشان كده هي أكيد بتخطط لحاجة أكبر من موضوع اعترافك بالولد..وبقولك لازم تعرف إلياس أو أرسلان.
مرر كفه على وجهه بإرهاق
_ لما بفكر في نواياها دماغي هتنفجر.
همست بنبرة حنونة
_ طارق علشان خاطري اهدى ولازم إلياس يعرف..هو هيتصرف مش علشان إنت ضعيف لابس زي ماقلت لك إيده طايلة غير شغله مع الأشكال دي.
رفع عينيه إليها فابتسمت
_عارفة إنك مش عايز تدخل نفسك في موضوع صغير بس أنا خايفة عليك يا حبيبي.
_ مش عارف عملت إيه كويس علشان ربنا يكافئني بيكي.
_ ده نضيف علشان كده ربنا رزقك بواحدة قمر زيي.
ضحك بصوت مرتفع ثم طرق الباب وتدخل المربية
_علي عايزك يا مدام.
_ هنيم علي وإنت خلص بقى.
ابتسم وغمز لها وهو يرد
_ إنتي تؤمري يا باشا.
بمنزل مالك..
داخل غرفة طفلته كان يجلس على الأرض يلاعبها وصوت ضحكاتها يملأ المكان ضحكات بريئة كانت كفيلة بأن تنسيه العالم كله.
دلفت غادة إليهما تحمل كوبا من اللبن توقفت تراقبهما بعين دافئة وقلب ممتلئ
_ يلا يا حبيبة مامي نشرب اللبن علشان ننام.
أسرعت الصغيرة نحو أمها فجلست غادة أمامها ناولتها الكوب بينما عيناها تلاحقان مالك الذي نهض بهدوء وخرج إلى الشرفة.
_ حبيبتي اشربي كوبايتك كلها علشان تكبري وتبقي شطورة.
_ حاضر يا مامي.
خرجت غادة إلى الشرفة توقفت بجواره لاحظت شروده ونظراته المعلقة بللاشي
_ مالك الدكتور قالك إيه
انشغلنا بالخطوبة ومتكلمناش.
التفت إليها ورسم ابتسامة حاول أن يجعلها طبيعية
_مفيش حاجة تقلق يا حبيبتي بس عايزك تجهزي الولاد من بكرة هنروح الفيلا عند ماما.
طالعته بذهول واضح وصدمة ممزوجة بعدم فهم
_ فجأة كده..إنت كنت رافض..وكمان عمك هناك ممكن أعرف عايز توصل لإيه..أو بتخطط لإيه
تنهد بعمق ونبرته خرجت مثقلة بالواجب أكثر من الرغبة
_ ماما تعبانة ومستحيل تسيب بيتها وتيجي هنا..هي مكبرتنيش علشان أسيبها في الظروف دي.
أومأت بتفهم رغم القلق الذي لم يفارق ملامحها
_خلاص إن كان كده أنا موافقة بس بنت عمك لو حاولت تطاول علي
قاطعها بثقة حادة
_ ولا تقدر تعمل حاجة وإنتي مش قليلة متنسيش إنك غادة السيوفي.. بزيادة عليها بس إنها تكلمك.
قالها بصوت أكثر حدة
_ غادة أنا عايزك تتعاملي معاها بالذات على إنك غادة السيوفي..دي واحدة مبتفهمش غير لغة القوة وعايزة اللي يوقفها عند حدها.
تراجعت خطوة تطالعه بدهشة
_هي عملت فيك إيه مخلياك كارهها بالشكل ده
سكت طال الصمت أكثر مما يجب..
عيناه شردتا بعيدا كأن الشرفة لم تعد تتسع لما يراه داخله
_ استهونت بقلبي
قالها أخيرا بصوت منخفض لكنه مثقل..
_ داست عليه وخلتني أضحوكة قدام صحابي..فيه أكتر من كده لما الواحد يحس إن رجولته اتداس عليها
_ ليه عملت إيه لكل ده
وقبل أن يكمل
جاء الصوت الذي شق قلبه نصفين
_مامي خلصت اللبن كله.
تذكر كلمات الطبيب ونبرته المترددةونظراته التي حاولت أن تخفي الحقيقة.
فيه شك احتمال..محتاجين تحاليل تانية.
سرطان الدم
كلمة لم ينطقها الطبيب صراحة
لكنها سكنت رأسه كوحش لا يرحم.
لاحظت غادة رجفة يده
والشرود الذي عاد فجأة
والعين التي لم تعد ترى شيئا سوى خوف أسود..
مالك مالك يا حبيبي
ابتلع ريقه رسم ابتسامة مهزوزة
_مفيش..ياله علشان ننام.
بمنزل يوسف..
استيقظ على رنين المنبه سحب هاتفه ببطء وأغلقه لكنه بقي واقفا محدقا فيها وهي تغفو.
_صباح الخير
_صباح النور
نهض لكنها توقفت أمامه بعينين ملتهبتين
_ممكن أعرف كنت فين إمبارح
كان قلقا ومتوترا
_قلت لك كان عندي شغل.
_وأنا مش غبية عشان أصدق دا إمبارح كان خطوبة أختك إزاي ماحضرتش
_وإنتي دلوقتي بتحاسبي مش كفاية
_أنا عايزة أعرف جوزي كان فينوليه مارديتش على التليفون
تحرك بخفة كأن كل خطوة تقطع حبل صبره
_ضي أنا مصدع من الصبح الواحد بيقول صباح الخير مش نكد..
لكنها تذكرت كل ماحدث بالأمس غضبها انفجر
_وأنا مش هسكت غير لما أعرف كنت فين وليه رجعت بالطريقة دي
_بالطريقة إيه إنتي عايزة تتخانقي وخلاص
_طيب كدبني يا دكتور
قالتها بصوت مرتجف ثم انفجر دفعة واحدة
_راجل يطلع من البيت طول اليوم مايحضرش يوم مهم لعيلته يرجع بعد نص الليل!
كانت الكلمة الأخيرة خنجرا مسموما..
كور قبضته بقوة أظافره غرست في راحته جسده كله ينتفض وهو يقاتل نفسه حتى لا يصفعها..
_لسانك يا مدام..لسانك يا محترمة.
كسر حدة صوته قسرا
_آسفمش هتتكرر تاني.
قالها بهدوء قاتل هدوء الرجل الذي يخشى أن ينفجر لو نطق أكثر..استدار متجها نحو الحمام هاربا من نظرتها من نفسه من ذنبه.
لكن شيطانها كان قد استولى عليها.
لم تعرف لماذا هذا الغضب الجامح لماذا كل هذا الجنون..عقلها يحاول أن يهدئها أن يصدق كذبه أن يتمسك بما تبقى
لكن العقل سقط في غيابات الجب.. وثار القلب.
غيرة قاتلة شك شرس إحساس مريب ينهش صدرها.
هناك شيء يحدثشيء لا تراه لكنها تشعر به في دمها.
الوجع لم يكن فقط مما فعله
الوجع كان فيما تخيلته فيما رسمه عقلها طوال الليل صور لم تتخيل يوما أنها ستراها خيالات كسرت ثقتها بنفسها.
كل ماأرادته الآن في تلك اللحظة أن يشعر أن يتألم كما تألمت..
أن يذوق وجعها خوفها نار الغيرة التي أحرقت صدرها حتى الفجر.
لم تكن تريد الحقيقة
كانت تريد الانتقام من وجعه.
توقف يوسف مغمض العينين يعلم أنها تلحق به لتفهمأو ربما لتضغط على جرحه أكثر لتعصره حتى يفقد أنفاسه.
استدار إليها محاولا التماسك أن يبقى واقفا رغم التصدع الذي ينهشه من الداخل
_اطلعي برة
قالها بجمود مصطنع ثم أضاف بصوت منخفض محذر
_والزمي حدودك إنتي كده بتغلطي.
وهو يراقبها بعينين متأهبتين.
وقفت أمامه همست بهسيس مرعب
_مش يمكن بغريك يا باشاعلشان تكمل جرعة إمبارح
في تلك اللحظة انهار كل شيء..
لم يعد يحتمل كلمة واحدة إضافية لم يعد يحتمل الضغط الشك الإهانة..
كان يكفيه مايحمله داخله.
دفعها إلى الخارج كأنها لعنة حياته لا حبيبته وأغلق الباب بعنف هز الجدران.
وقف يتنفس كمن يركض في ماراثون صدره يعلو ويهبط بجنون.
اندفع نحو المرآة دفع كل مافوقها ليسقط ثم لكمها بقبضة يائسة.
تناثرت شظايا الزجاج في المكان واخترقت يده ليسيل الدم لكنه لم يشعر بالألم الألم كان أعمق.
مرت دقائق جحيمية شعر فيها بأنفاسه تنسحب منه كأن روحه تسحب ببطء.
اتجه إلى المياه فتحها بعصبية يريد أن يغسل كل شيء..الغضب الذنب الخوف..كل ماكان يريده الآن
أن يرحل عن هذا المنزل أن يهرب منهاقبل أن يؤذيها أكثر وقبل أن يتحول إلى الشخص الذي يخشاه.
دقائق مرت كعام ثقيل على قلبه كل ثانية فيها كانت صراعا بين الغضب والندم.
خرج متجها إلى غرفة الملابس وجدها جالسة على الفراش عينها شاخصة في نقطة وهمية كأن العالم كله اختفى حولها..رفعت عيناها للحظة بعد خروجه لكنه دلف لغرفة الملابس دون أن يلتفت إليها كأنها لم تعد موجودة في عالمه.
دقائق معدودة انتهى من فريضة صلاته جمع أشيائه الخاصة وخرج من ذلك المنزل..دعائه في سريرته كان صامتا متوسلا الله أن لا يضطر للعودة مرة أخرى أن يبتعد عن كل مايذبح قلبه.
نزل درجات المنزل بسرعة كأنه مطارد لا يريد أن يرى أحدا لا يريد أن يتحدث مع أحد..كل مافي قلبه كان ألما متفجرا شعورا
ثقيلا يوزع على العالم كله.
استقل سيارته وانطلق بسرعة جنونية حتى ارتجف الحارس من هول طريقة خروجه.
أما هيظلت في مكانها تبكي بصمت للحظات ودموعها محملة بالندم والحيرة تعلم أنها أخطأت لكن قلبها كان يحترق بشدة.
لم تعد تعرف ماذا عليها أن تفعل كل شيء حولها أصبح كابوساوكل ماتريده هو أن يهدأ قلبها حتى لو كان الثمن أن تخسره إلى الأبد.
بمنزل بلال..
استيقظت بنشاط وفتحت إذاعة
_صباح الخير يا مامي.
_صباح الورد حبيبتي..صاحية بدري يعني.
_أه..عايزة أعمل رياضة من وقت الفرح وأنا قاعدة وحاسة جسمي زاد شوية المهم عايزة أعمل فطار لبلال قبل ماينزل الجامعة قوليلي أعمل ايه.
_افتحي التلاجة وشوفي فيها إيه يا قلبي وحاولي تعرفي هو بيحب إيه.
_أممم..فيه بيض وبسطرما لانشون وجبن وكمان حاجات كدا معرفش إيه هي أه ومعلبات غريبة.
ضحكت رحيل وهي تضع القهوة إلى يزن
_حاجات غريبة يا رولا المهم هو بيحب إيه على الفطار
تساءلت بها لمغزى لتجيبها سريعا
_دا مفجوع يا مامي بيحب كل أنواع الأكل.
ضحكت رحيل حتى يزن الذي وصله صوتها..سحبت الكرسي وجلست بجواره
_يا بنتي قولي ماشاء الله هتحسديه.
_متخافيش مابيتحسدش ياله بقى قبل ماينزل ويقولي يافاشلة.
ظلت تحادثها على ماتفعله حتى انتهت بعمل الفطار ثم وضعته على عربة الطعام وخرجت به الى طاولة الطعام كانت تشعر بالسعادة فلأول مرة تشعر بهذا الشعور نزل وهو يشم رائحة الطعام
_صباح الخير يا نفرتيتي.
رفعت رأسها للحظات تطالعه وهو يثني كمه ثم قالت
_صباح العسل يا زوجي الحنون.
_استر يارب وجيب العواقب سليمة شهق وهو ينظر إلى طاولة الطعام
_مين اللي عمل الأكل دا
أشارت إلى نفسها بفخر
_أنا..إيه رأيك
جحظت عيناه ينظر للطعام
_قولي والمصحف.
_بس يا بارد..المفروض تقولي تسلم إيدك.
مسك الشوكة ووضعها بالبيض يتذوقه
_تسلم إيدك ريحة الأكل حلوة.
_الحمدلله عرفت قيمتي.
وضع الطعام بفمه ثم طالعها بصمت وهي تنتظر حديثه تهز رأسها
_إيه عجبك
_أه..تسلم إيدك..هو بس فيه ملاحظة صغنونة كدا.
زمت شفتيها
_اللي هي يا أبو جلامبو.
_الملح يا روحي بدلتيه بالسكر.
قالها وهو ينفض كفيه
_سكر!! أكيد بتهزر
_دوقي يا مسكرة ولا عندك السكر والملح واحد.
_ظريف يا خفيف.
بعد فترة بالمستشفى دلف بلال وهو يحمل فنجان قهوته
_صباح الفل يا جو.
رفع عيناه من فوق جهازه
_صباح الخير.
ابتسم بلال
_قولت أشرب قهوتي معاك عرفت إن عندك عملية بعد ساعتين.
أومأ يوسف وهو يأخذ فنجانه
_أه..وعندي سفرية لسوهاج مع الدكتور..فيه مستشفى هناك جمعت حالات والدكتور هيعمل بنصف التكاليف.
_طيب والله كويس..العمليات دي بتكلف وتكون خطيرة مش كده
_مش كلها فيه حاجات طبيعية.
ابتسم يوسف قليلا
_عقبالك كل ماتدخل في حالات أكتر بتاخد ثقة وتتعلم أكتر.
_ربنا يوفقك يا حبيبي..أنا إمبارح ماردتش أتكلم معاك لكن حالتك مكانتش كويسة خالص فيه حاجة حصلت معاك
تذكر يوسف ماحدث بينه وبين ضي ارتدى نظارته الطبية واستدار لجهازه
_مفيش كان عمل إنساني مش عايز أتكلم عنه.
دخلت الممرضة معلنة أول كشف جلست أمامه مريضة جديدة.
_صباح الخير..إزيك
بتحسي بأي ألم أو أعراض
_صباح الخير يا دكتور..قلبي بيوجعني أوي أوي.
_تمام الألم ده مستمر ولا بيجي ويختفي
_أحيانا بيجي فجأة وأحيانا بيخف شوية.
_هل بتحسي بضيق نفس أو زيادة مع الحركة
__قلبي بيوجعني أوي أوي.
قالتها بنبرة هادئة فجمع يوسف جبينه بتساؤل
_بيوجعك إزاي يعني وهل تقدري تتنفسي طبيعي ولا لأ
_بيدق أوي يا دكتور.
_بيدق إزاي مش فاهم..بتخافي ولا حاجة
_لا يا دكتور..بيدق لما أشوف شخص كده قدامي بهيبته وطوله وحلاوته.
رفع يوسف حاجبه ساخرا وهو يكتم غيظه بينما ارتفعت ضحكات بلال مشيرا بيده
_آسف..قلبي أنا كمان بيدق أوي.
استدارت المريضة إلى بلال ثم إلى يوسف ناظرة إياه
_قولت إيه يا دكتور
ابتسم يوسف
_قولت تاخديه وتروحي للمأذون..وأنا هكون شاهد.
قالها بلال ضاحكا حتى انفجرت نوبة ضحكه.
ألقى يوسف القلم وضغط على الزر مستدعي الممرضة
_خدي الأستاذة على أقرب مأذون.
التفت لتلك الممرضة
_اطلعي برة.
نهض بلال بعدما وجد الغضب على وجه يوسف وحاول تهدئته بالإشارة إلى الممرضة
_طلعيها برة.
بالكمبوند..
انتهت رولا من رياضة المشي للتو متجهة لمنزلها ولكن توقفت عند نزول ضي حيث كانت تتجه إلى سيارتها
_إنتي مش بتقولي خدتي إجازة من الشغل
نزعت ضي نظارتها وقالت
_رايحة ليوسف المستشفى.
شهقت قائلة
_إنتي معيطة..فيه إيه متخانقة مع يوسف
أزالت دمعة غائرة سقطت من عينها وصوتها خرج متحشرج
_زعلته أوي قبل ماينزل هعدي عليه خايفة يأثر على شغله.
_طب اهدي إن شاء الله هتلاقيه نسي أصلا.
هزت رأسها وبكت
_لا..وجعته أوي بالكلام أنا واحدة غبية ومتخلفة.
_طيب استني هغير وأنزل معاكي. زهقانة وعايزة أنزل الشغل هروح أتكلم مع أبو جلمبو أخوكي.
ضحكت على كلماتها
_تعرفي أنا سميت أخوكي إيه
_سبونج بوب.
ارتفعت ضحكات ضي وفتحت باب سيارتها
_مجنونة!
_اصبري..مش هاخد وقت.
بعد فترة في المستشفى كانت تقف تنظر في الجهاز
_شوف دا..عملت عليه أبحاث حلو أوي للأعصاب وخاصة لكبار السن.. ممكن كمان تضيفه عندك.
ضغطت على فارة الكمبيوتر وتابعت حديثها
_الدوا دا كمان..لكن فيه مضاعفات يعني سن معين وجرعات معينة ولازم تحت إشراف الطبيب.
_برافو عليكي عجبني واقتنعت.
_لا..لسة اصبر..عملت جدولة حلوة هتعجبك.
_أمم..برافو بتقنعيني بأقل مجهود.
_تشربي قهوة
_أكيد..هخرج بعد نص ساعة عندي محاضرة وحضرتك اتأخرت عند دكتور يوسف.
_آسف..نسيت.
رفع الفنجان إليها مع دخول رولا
_أنا جييت!