الفصل الثامن والثلاثون كأنها لي الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
في عالم واحد تلاقت ثلاث قصص كل قصة تحمل وجعها وحبها على طريقتها.
في ظلال استقرار يختبئ فيه الاطمئنان وانتظار طال حتى ظن أنه لن ينتهي وارتباط جاء على غير اختيار تتسلل القلوب إلى مصائر لم تكتب لها بوضوح.
فهناك من وجد سكينته حيث لم يتوقعها ومن ظن أن الصبر آخر الطريق فإذا به بدايته ومن ظن أن القرب قيد فاكتشف أنه الانجذاب الأول.
وبين نبضة خافتة وأخرى مرتعشة تتعلم القلوب كيف تحب بصمت وكيف تتمسك بما تخشاه قبل أن تفقده.
ثلاثة رجال ثلاث طرق مختلفة للحب
فهل يكون العشق نعمة دائما
أم امتحانا لا ينجو منه أحد دون خسائر
قبل حفلة الزفاف بيومين وفي مساء يوم الحنة تحديدا وبعد أن غادرت رحيل غرفة ابنتها نهضت رولا من فوق فراشها بصعوبة..كان النوم قد هجر جفونها وترك خلفه صداعا ثقيلا يضغط رأسها.
تناولت هاتفها واتصلت بالخادمة _عايزة أي مشروب دافي وحاجة للصداع. 
_حاضر يا أستاذة رولا.
تقدمت نحو الشرفة واستندت إلى السياج الحديدي تحدق في الفضاء الفسيح..أغمضت عينيها تستنشق الهواء بعمق محاولة تهدئة اضطرابها فقد كان يوما عصيبا استنزفها حتى آخرها.
سمعت طرقات خفيفة على باب الغرفة فتحركت ظنا أنها الخادمة وقالت بصوت واهن 
_ادخل.
تكررت الطرقات ثم جاءها صوته من خلف الباب
_رولا..أدخل
انتفضت قليلاوقالت بتقطع 
_لحظة...
لحظات ثم قالت 
_ادخل.
دلفت الخادمة أولا تحمل كوبا من الأعشاب وبعض أقراص الدواء وضعتهما على الطاولة وقالت
_مدام فريدة قالت أعملك الأعشاب دي هتريحك وتعرفي تنامي.
قبل أن ترد رولا كان بلال قد تناول أحد الأقراص يقرأ اسمه بعين فاحصة ثم أشار للخادمة بالخروج..وماإن أغلق الباب حتى استدار بنظره إليها _مالك
تراجعت تجلس على طرف الفراش وردت بنبرة هادئة تخفي إرهاقها _مصدعة شوية..إنت بتعمل إيه هنا ضي قالت إنكم في الكمبوند.
انعقد حاجباه 
_وبتسألي ضي علي ليه!
هزت كتفيها بلا اكتراث 
_مسألتش هي اللي كانت بتسأل عن يوسف والكلام جاب بعضه.
أومأ دون تعليق واتجه نحو الخزانة سحب حقيبة صغيرة وقال وهو يفتحها 
_فيه شوية حاجات كنت شاريها جديد وجينا هنا ونسيت آخدها مش هعرف آجي بكرة..مسافر المنصورة وراجع متأخر.
نهضت من مكانها فجأة تساءلت بقلق لم تستطع إخفائه 
_ليه المنصورة
توقف عما يفعله فجأة ورفع رأسه إليها بعينين لا تحملان سوى الضيق _وده يخصك في إيه رولا أنا مش عايز أزعلك بس

مبحبش اللي بيسأل عن حاجة متخصوش..آه قدام الناس إحنا متجوزين إنما بيني وبينك هنفضل زي ماإحنا.
في تلك اللحظة شعرت بالاختناق فارتجف قلبها لكنها تماسكت وشدت قامتها وقررت ألا تسمح له بكسرها.
قالت ببرود مصطنع 
_أنا بسألك عادي..ولو نسيت أنا طول عمري كنت بسألك في كل حاجة وبعدين الجواز اللي بتتكلم عنه ده ميهمنيش وجودك من عدمه واحد.
التفت إليها بحدة وخرج صوته غاضبا 
_طيب ياريت تقنعي نفسك بكده أنا مش ناقص أصحى في يوم على كارثة وأشيل ذنبك.
اخترقت كلماته صدرها كالسكاكين تشقه ببطء شعرت لوهلة أن قلبها سيتوقف لكنها ابتلعت غصتها 
_كارثة إيه!. وبعدين إنت مالك علشان تفوق على كارثة
_أنا عارفة حدودي كويس وكنت مستغنية عن خدماتك من الأول... متعملش راجل على حسابي يا بلال.
_أنا راجل غصب عنك.
وصوته انخفض لكنه كان أشد قسوة 
_واحدة معندهاش دين ولا أخلاق... رمت ودانها لواحدة مجرمة بتبيع وتشتري فيها وكانت النتيجة إيه..خسرت أغلى حاجة في حياتها.
_وتسكت لا..لازم تختمها بحاجة عظمة
لم تصرخ..لم تبك.
لكن شيئا ما داخلها انكسر بصمت... انكسارا لا يرمم ولا ينسى...
لحظات طويلة مرت وهي ترمقه بصمت خانق عيناها تقدحان شررا كأنهما تريدان إحراقه تراجع خطوة للخلف كمن لسع التقط حقيبته بعصبية واتجه نحو الباب ثم قال بلهجة جارحة
_ أنا مبحبش البنات الغبية اللي فاكرة إن كل حاجة تتحل بالصوت والعناد وإنتي من زمان قوي كده.
استدار نصف استدارة وعيناه تتفحصان ارتجافها بلا رحمة
_ طريقتك كلها غلط وحذرتك ألف مرة بس إنتي مبتسمعيش..دايما عاملة نفسك بنت رئيس الجمهورية الكل لازم يقولك حاضر ونعم حتى الشغالين في بيتكم بقوا يخافوا يكلموكي مش فاهم على إيه!
طاف بنظره على وجهها وأردف بنبرة أشد قسوة
_ علشان حلوة شوية!! الجمال مش كل حاجة..وأنا كنت بعمل نفسي مش شايف اللي عملتيه في أبوكي وأمك اللي عيشتيهم في جحيم مش علشان مش فارقلي لكن علشان الكلام مع شخص غلط مالوش أي لازمة.
رفعت عيناها التي شعر بانكسارها وأردفت بصوت خرج مبحوحا يقطعه البكاء
_ أنا بكرهك يا بلال!
استدار بكامل جسده هذه المرة وثبت عينيه بعينيها كأنه يطعنها بنظراته
_ أنا ماطلبتش منك تحبيني يا رولا.. كفاية حبك لنفسك كفاية عنادك وكفاية بعدك عن ربنا..ربنا يهدي نفسك قبل ماتضيع منك.
ثم أضاف ببرود قاتل وهو يفتح الباب
_ ولو حاسة إنك تايهة وعايزة تموتي في دواء في الدرج يمكن يريحك واهو اخلص منك
شهقت وهي تصرخ من
أعماقها
_ مش هكمل الجواز ده! سمعتني أنا مش عايزة أتجوزك!
توقف جسده فجأة وتذكر كلمات الطبيب النفسي بعد إفاقتها..التفت إليها فرأى انهيارها الكامل كانت كمن يقف على حافة الجنون تلقي بكل ماتطاله يدها ودموعها تنهمر بلا توقف.
_ رولا..اهدي!
لكنها لم تسمع..ارتفع بكاءها وخارت قواها حتى سقطت أرضا صوتها يتقطع مع كلماتها المتقطعة
_أنا بكره نفسي بكره نفسي...
كررتها مرارا وهي تتراجع بجلستها تحاول الهروب من ذاتها.
انفجرت بالبكاء
_ أنا مش عايزة أبقى كده مش طايقة نفسي.
همس بصوت أخف أقل حدة
_ اهدي خلاص..كله هيعدي صدقيني.
غلبها الإعياء واستسلم جسدها للنوم..
نظر إلى دموعها المتجمدة على وجنتيها.. يتساءل للمرة الأولى بصدق موجع
_هل كان ظنه بها خطأ
مرت تلك الليلة أمام عينيه كصفعة لا تهدأ... غادر الغرفة مسرعا دون أن يلتفت خلفه.
قاد سيارته وقد أفلت زمام غضبه فدوى رنين الهاتف
_ أيوه يا آسر
_ إنت فين
_ كنت بجيب حاجات مهمة من فيلا السيوفي.
_ طيب متتأخرش الشباب وصلوا...
ساد صمت قصير ثم قال آسر
_ يوسف عندك
_ آه..لسه واصل.
_ تمام.
أغلق الهاتف ليرتفع الرنين من جديد
_ أيوه
_ أيوه يا دكتور دكتورة كارما تعبانة قوي اتصلنا بالدكتور وهو في الطريق قلت أعرفك علشان مانخبيش حاجة عنك.
_ تمام أنا جاي حالا.
استدار بسيارته متجها إلى منزل كارما..
وصل بعد دقائق معدودة وكان الطبيب يهم بالخروج.
_ مساء الخير.
_ مساء الخير.
تبادل بلال نظرة سريعة مع الخادمة ثم سأل
_ مالها كارما يا دكتور
_ نزلة شعبية حادة كتبت لها العلاج.
أومأ دون تعليق وأشار للخادمة فتناولته منه تحرك مع الطبيب نحو الخارج ثم عاد بعد دقيقتين وتوقف عند الباب قائلا
_ خلي حد يجيب الدوا وأنا هتصل بممرضة تفضل معاها لحد ماتخف لو في أي جديد عرفيني فورا.
بعد فترة وصل إلى منزله..نزع قميصه وألقاه بغضب على الأريكة وكلماتها مازالت ترن في أذنه كطرق لا يهدأ مرر يده على شعره بعصبية فدوى رنين الهاتف..نظر إلى الشاشة توقف لحظات وهو يتخصر ثم رفعه
_ كانت لازمتها إيه الحفلة دي يوسف أنا على آخري.
رمقه يوسف بضيق ثم قال 
_ أولا أنا هلكان وبنام على نفسي..آسر اللي عامل الحفلة دماغي وجعاني خلص وتعال عايز أخلص من الليلة دي بأي طريقة.
بعد قليل وصل إلى التجمع الشبابي.. ارتفع التصفيق والتصفير فور دخوله
_إيه يا عريس! هو في عريس يشتغل يوم حنته برضه
ابتسم ابتسامة مجاملة ورد بكلمات مقتضبة كل ذلك وآسر يراقبه بصمت إحساس غامض يتسلل
إليه بأن هناك شيئا يحدث دون علمه..قطعت ضحكات الشباب شروده فاتجه إلى يوسف وجلس بجواره
_ قاعد بعيد ليه إنت زعلان من بلال
مال يوسف بجسده للخلف وأغمض عينيه
_ صداع عايز أنام..تخيل من سبع لتمن ساعات واقف بكل تركيزك النهاردة عمليتين ورا بعض حاسس إني هقع من طولي.
ربت آسر على كتفه بنبرة حنونة
_ ربنا يقويك ويوفقك يارب شوية واستأذن عادي محدش هيقول حاجة.
وقعت عيناه على بلال وهو يخرج يتحدث في هاتفه فأشار مستفهما
_هو رايح فين
اعتدل يوسف يراقب تحركه لمح دخول سيارة حمزة الجارحي فعاد لوضعه السابق وقال بهدوء
_حمزة ابن عمو إسحاق شكله جاي يحتفل مع بلال.
دلف حمزة ملقيا السلام توقف آسر ويوسف لتحيته ثم تعرف على أصدقائهم من كافة التخصصات مضى الوقت وهم يحتفلون بطريقة شبابية طريفة إلى أن نهض يوسف معتذرا
_آسف يا جماعة..كملوا احتفالكم تعبت وعايز أنام. 
قالها فتوقف بلال واتجه إليه وهو يغادر المكان تحرك خلفه
_يوسف..
استدار إليه وتوقف دون حديث اقترب منه وهو يدقق النظر بملامحه
إنت لسة زعلان مني. 
هز كتفه وهو يتجول بالمكان بعينيه
_مش زعلان قد مامتفاجئ بس برجع وأقول حياتك وإنت حر فيها.
دنا خطوة منه 
_يعني لسة زعلان 
_مش زعلان قولت لك حياتك وبراحتك أتمنى مترجعش تندم ياله أنا تعبان ومش قادر أفتح عيوني جيت بس علشان متزعلش..ياله سلام.
جلس بعد مغادرة الجميع ينظر بشرود للسماء
_يوم وتبقى متجوز رسمي مش عارف هتندم بعد كدا ولا ايه 
قطع شروده رنين هاتفه نظر اليه باابتسامة 
_عرفت انك جيت متشكرة اوي لاهتمامك 
_بتشكريني على ايه المهم عاملة ايه دلوقتي 
_أنا كويسة الحمدلله يعني اتحسنت شوية انت اخبارك ايه وعروستك اخبارها ايه وشكرا لدعوة الفرح 
_مش انا اللي بعت الدعوة 
_عارفة.. والدك زي دعوة كتب الكتاب 
بس زعلانة منك على فكرة فيه صديق مايعزمش صديقته على فرحه
_كان مستحيل اعزمك ياكارما نتكلم بعدين... ارتاحي دلوقتي اهم حاجة
صباح يوم الزفاف
استيقظت على رنين هاتفها مدت يدها بتثاقل تلتقطه وعيناها نصف مغمضتين.
_ألو
قالتها بصوت ناعس مبحوح.
كان يقود سيارته عائدا من المنصورة
_صباح الخير.
اعتدلت بنصف جلستها وكأن صوته انتزع النوم من جفونها انتزاعا
_صباح النور.
_أنا راجع على القاهرة قدامي ساعة إن شاء الله.
_ترجع بالسلامة
ثم أضافت ببرود متعمد
_بس بتقولي ليه الموضوع مايخصنيش.
_لا لازم يخصك.
توقف لحظة قبل أن يتابع بنبرة
آمرة
_ماما هتيجي لك كمان شوية وأكيد هتسألك فلازم تبقي عارفة تردي.
_هتصرف متقلقش.
_طيب فوقي كده أوصل ألاقيكي فايقة..مش عايز حد يشك في حاجة.
_خلصت ولا
 

تم نسخ الرابط