رواية الرواية من 56-60
اهو .. طمني عليك لما توصل ..تصبح على خير كوكو
ثم هبطت من السيارة سريعا وهي تحرك كفها مودعة قبل أن تركض للبناية تصعد لصديقتها بسعادة وإقبال
بينما هو نظر في أثرها وعلى ثغره ابتسامة مندهشة من ذاك الدلال الطفولي والمريب الذي يهدد هيبته فكرر ذاهلا...
كوكو
ولكن لم تطول دهشته وبدء قيادة سيارته إلى قصر الصياد سيقضي ليلته به
فقد اشتاق لوالداه وشقيقاته رغم انه يرى سيدرا يوميا في الشركة حينما عاد لعمله ذاك الاسبوع
لم تخفي ضيقها منه في وضع كل العمل على عاتقها وغيابه الذي طال أكثر من اللازم
ورغم أنها كانت واجمة وهي تحادثه إلا أنه رأى تلك الراحة في عيناها عندما علمت بعودته لزوجته الصغيرة.. فدعت له أن يستقر زواجه وأن يبعد الله عنه أي سوء.. ولم يذوب غضبها إلا حينما عانقها معتذرا برقة
عارف اني بتعبك معايا.. كل مااجي اخد اجازة انتي الي بتتعبي في الشغل لكن خلاص دي أخر مره يانجمة ومش هتلاقيني مدبسك في حاجه تاني
_ياشريف أنا مش عايزة حد من مجلس الادارة يقول عليك كلمة واحدة.. في الف واحد غيرك عايزين ياخدو مكانك ولما يفيض الكيل المجلس هيبدء تصويت ان واحد غيرك الي يمسك الادارة..واحد منضبط ويكون أكفئ منك وبابا مش هيحب كدا ابدا
عشان خاطري وازن بين حياتك الشخصية وشغلك ياشريف..اثبتلهم انك قد المسؤولية وتقدر تكون خليفة بابا بلاش كل كام شهر تسيب الدنيا وتختفي
ومهما قالوا في اجتماع الاسبوع متضايقش منهم خليك هادي واستحمل تبعات غيابك وبلاش تنفعل على حد.. انت دلوقتي مش شريف الضابط
لا انت مدير مجلس ادارة الفرع الرئيسي لشركات الصياد
حينها لم يعترض على كلمة واحدة مما قالت
هي محقة هو يحتاج الالتزام لعمله أكثر من ذالك
يحتاج أن يحارب ويحافظ على منصبه حاليا بإلتزام وانضباط.. وبالفعل عاد للعمل بحماس وإصرار
يذهب للشركة قبل الجميع لينجز مشاغلة.. ويغادر بعد كل العاملين.. يعمل لمدة ثلاثة عشر ساعة كاملة
كي يعوض غيابه ويقلل الأعباء عن كتف سيدرا
غير أن مجلس الإدارة كانوا قاسوا الحديث معه
الجميع هاجمه على اجازته التي طالت.. وأنه قدوة للعاملين وعليه أن يتصرف كرب عمل مسؤول
وها هو يلتزم بأعماله
تنهد وهو يوقف السيارة أمام القصر.. ويدخل من تلك البوابة الضخمة ويصف سيارته جوار بقية سيارات العائلة.. ثم هبط من السيارة يسير لداخل القصر وهو يكاد يسقط من شدة الارهاق!
وحالما دلف للقصر وسار ليصعد إلى جناحه.. ولكن ضوء مكتب والده كان مضاء.. نظر لساعة معصمه
وجدها تشير لثانية بعد منتصف الليل!
تحرك نحو المكتب ببعض التردد.. فعلاقته بوالده مؤخرا لم تكن على مايرام.
طرق على الباب للحظات قبل أن يصله صوت أباه...
ادخل
فتح شريف الباب وطل من خلف الباب يقول بهدوء..
أنا شريف يابابا
كان أدم يمسك بكتاب يقرأه..فتحدث وهو يبعد نظارته عن عيناه مغمغما...
عارف.. سمعت صوت عربيتك
صمت والده لم يشجعه.. فكاد يستأذن ويغادر
ولكن تحدث أدم فجأة بنبرة غريبة...
تفتكر ايه مخلي علاقتنا كدا ياشريف.. ايه مخليك شايفني مكتفك.. وايه الي مخليني شايفك متمرد!
سؤاله جعل شريف يجعد وجهه للحظات وقد جائته تلك اللحظة التي كان ينتظرها من سنوات عدة
سؤاله عن سبب ما يفعله.. سؤاله عما يريده
فأتاه صوت والده يقول من جديد...
لما اتجوزت تقى كنت بسأل نفسي.. هو لما يجيلي ولد.. هيحبني ولا هيكرهني زي ما أنا كرهت ابويا
هيكون مطيع ليا ولا هيتمرد زي ما اتمردت على ابويا
وعاهدت نفسي اني معيش ابني الألم الي عيشته لما كنت طفل ومراهق وشاب والغريبة اني تحاشيت كل الأخطاء الي وقع فيها ابويا لكن انت بردو.. كرهتني!
اندفع شريف يقول نافيا وهو يدلف للمكتب ويسير بخطوات ثقيلة وقد فاضت نفسه بعتاب مر..
أنا عمري ماكرهتك يابابا.. أنا مش حابب تصرفاتك معايا أنا معرفش ايه الي كان بينك وبين ابوك عشان تكرهه.. لكن أنا عارف انك مهما عملت عمري ماهكرهك.. بس هكره أفعالك معايا
افعالي صادرة عن شخصي ياشريف
وبعدين أفعالي ايه الي انت كرهتها.. اني خليتك تسيب شغلك كضابط وتمسك شغلي رغبتي في الاعتماد عليك هي الي خلتك متمرد كدا
صعد المذاق المر إلى فمه فتحدث بصوت شابته الحسرة وقتله اليأس من والده..
لا انت عمرك مااعتمدت عليا اصلا.. عمرك ماعملتني اني شخص يعتمد عليه تثق فيه وتصاحبه.. بالعكس كان كل اهتمامك رايح لسيدرا وجودي انما أنا كنت بتعاملني كإني عسكري لازم ينفذ كل الي يتأمر بيه
معاملتك ليا اني غريب هي الي خلت علاقتنا كدا.. غيرتك على ماما واخواتي مني هي الي أكدتلي اني غريب.. استقلالك بيا وانك تخليهم يفصلوني من الداخلية بدون رغبة مني.. ومحاولاتك انك تجوزني بنت عمي جواد..كل حاجه كنت بتعملها كانت بتبعدني عنك.. وتخليني اتأكد اني مجرد قطعة شطرنج ياتحركها زي ماانت عايز.. ياترميها من حياتك
انا عمري ماحسيت اني مخير يابابا.. عمري ماحسيت اني ابنك الوحيد الي عايز تتعكز وتتسند عليه
شحب وجه والده تماما وتوسعت عيناه بصدمة وهو يسارع القول ينفي ماقاله...
أنا كنت بعمل الي فيه مصلحتك.. مكنتش فاكر انك هتحسبها كدا!
مصلحتي دي نتناقش فيها سوا يابابا
مش تعاملني كإني ابن درجة تالتة.. تحسسني اني مليش اي قيمة مقارنة بسيدرا وجودي وكإن وجودي تحصيل حاصل.. انت مدتنيش فرصة أفهم غير كدا
انا مبكرهش حضرتك.. أنا زعلان منك وبتحاشاك عشان منتصادمش ببعض أكتر
أنا بحبكم كلكم زي بعض.. قسوتي عليك عشان تبقى راجل يعتمد عليه.. قسوة متئذيش.. لما تكون أب هتفهمني
زاد انفعال شريف الذي تحدث بعصبية وقد بدى الخذلان في صوته وهو يتذكر كل صدماته مع والده..
وليه القسوة من الأساس احنا مش في حرب
انا ابنك وحتة منك والله العظيم ابنك.. هفضل تحت طوعك سواء اشتغلت معاك او مع غيرك.. سواء دخلت الكلية الي أنا عايزها او الي انت عايزها.. انا هكون موجود في كل الأحوال بس علاقتنا هي الي هتكون مختلفة.. زي دلوقتي كدا
ارتبكت عيناه الجاحظتان وقد مر على عقله مشهد سريع له حينما كان شاب في الجامعة ودار نقاش حاد مع والده فصاح فيه بعصبية منهارا ليه قسوتك عليا دي انا ابنك.. وسبق وعملت تحليل واتأكدت اني ابنك.. كفاية بقا
فخرج صوت أدم غير متزن وهو يقول..
أنا أسف.. انا مقصدش أحسسك بكل دا
أنا بخاف عليك وعلى اخواتك.. عايزكم أحسن الناس
مكنتش أعرف اني بعيشكم ولو جزء بسيط من الي عيشته مع ابويا
هاله شحوب والده وتلك الكلمة الغالية التي خرجت من فمه توا.. تلقائيا وجد نفسه يقطع المسافة بينهم ويتحدث بصوت مختنق عاجز عن التعبير او حتى معانقته...
متتأسفش يابابا.. حصل خير.
وداخله شعور حرمان لازال يؤلمة في هذه اللحظة
شعور التمني لو أن والده عانقه كما يعانق ولده الآن
لو أن والده ربت على كتفه معتذرا عن الأذى الذي بدر منه.. لو كان غمره بعطفه ولم يأخذه بذنب والدته
لكان رجلا أخر.. لكان كل شيء على مايرام
لكن ذاك الألم الذي ينبض داخله غير موجود!
انا ابنك الوحيد يابابا.. ارجوك ثق اني هكون قد ثقتك أنا مش عايز غيرها صدقني.
مسح أدم عيناه الدامعة خفية وهو يبعد عن شريف ويبتسم في وجهه ابتسامة لم تصل لعيناه وهو يتأمل ولده الذي صار رجلا فتيا.. رجلا بدى كنسخة مصغرة منه في شبابه صدق من قال الابن لوالده
فتحدث بصوت خافت مستسلم...
انا واثق فيك ياشريف.. انت ابني الوحيد.
فابتسم شريف ابتسامة مرتجفة وقد بدأت غصته من والده تذوب.. وقد ارتاح قلبه بعدما باح بكل مايؤلمة.
ظل جالس في مكتب صديقه الضابط المسؤول عن قضية قتل والدته.. وايضا قضية قتل والده على يد والدة اخوته
فقد جائه هاتف منه يخبره أنهم وجدوا القاتل لا بل سلم نفسه للشرطة معترفا بجريمته متفاخرا بها
فلم يشعر بنفسه سوى وهو يهرول أتيا لمكتب الضابط كي يرى ذاك الذي قتل أمه بكل دم بارد
قطع شروده دخول الضابط بهاء الذي حالما دخل للمكتب نظر له محذرا وقال...
هشام لو سمحت متمدش ايدك عليه.. لسه هيتعرض على النيابة بكره مش عايزين يتقال اننا جبنا واحد بريئ يعترف بالاكراه.. افتكر ان القانون هياخد مجراه وهياخد جزائه
لم يجيبه هشام وظل ينظر له بوجوم وصبر
دخل القاتل يافتحي
ثوان وقد دلف العسكري ممسكا بكلبشات الموضوعة في كفي المتهم.. وحينما وقع بصر هشام عليه توسعت عيناه وهو يرى شاب في بادئ عمره لم يتعدى العشرون عاما.. حسن الوجه والهيئةلم يراه سابقا في بلدتهم أبدا شكله وهندامه منظمان.. لا يدل هيئته على انه شاب خطر او له سوابق إجرامية مالذي بينه وبين والدته ليقتلها بكل تلك القوة والجبروت!
استفاق على صوت بهاء وهو يشير للعسكري أن يخرج ويغلق الباب خلفه
فتحدث بهاء يقول بجدية صارمة...
عايزك تعيد كل الي قولته تاني ياحسين قتلت السيدة عايدة ليه
كانت ملامح الفتى واجمة عيناه تختزنان قهرا وألم
رغم البلادة التي ظهرت على صفحة وجهه إلا أن صوته المهتز خرج متحسرا..
قتلتها عشان وساختها وجبروتها.. ولو رجع بيا الزمن تاني هقتلها تاني
حينها لم يشعر بنفسها سوى وهو يتلقى لكمة قاسية مصحوبة بزمجرة عنيفة من ذاك الرجل الذي كان ينظر له نظرات حادة.. وقد خرج صراخة عاليا..
اتكلم عدل يلا.. وساخة مين يابن الكلب دا أنا هقتلك حالا
اندفع بهاء يحاول فك أنامل هشام من عنق حسين وهو يردد بحدة يهدئه..
هشام احنا متفقناش على كدا.. سيبه هتموته
بقولك سيبه الي انت بتعمله دا مش في مصلحتنا
تحدث الفتى بصوت مختنق وأنفاس متقطعة وقد انتشرت الزرقة في وجهه...
انت بقا.. هش..ام الي كانوا بيخوفونا بيك
موتني ميفرقش معاي..ا المه..م اني أخدت حق أختي
بدأت أنامل هشام تنفك من حول عنقه وقد حلت عقدة حاجباه.. وهو ينظر للفتى الذي حاول أخذ أنفاسه وهو يمسك بصدره بألم
تحدث بهاء وهو يبعده عن حسين هامسا بحدة...
اقعد ياهشام واسمع دافع القتل..وجودك هنا ضد القانون بس أنا مقدر وضعك.. ياريت انت كمان تقدر موقفي
ثم ابتعد عنه وعاد يجلس على أقرب مقعد وهو ينظر لحسين محذرا..
قول أقوالك وبلاش طولة لسان.. دا مش في مصلحتك.. قتلت المدعوة عايدة عبد الرحيم نصار ليه
مسح خط الدماء الذي هبط من انفه إثر لكمة هشام وقال بنبرة حادة مندفعة..
أنا مكنتش عايز أقتلها هي أنا كنت عايز أقتل جوزها ال...
صدح صوت بهاء محذرا..
هااا قولت ايه!
صمت حسين للحظات وهو يطأطأ رأسه أرضا يسترجع تلك الأحداث القاسية الاي مرت عليهم بسبب ذاك الحقير وزوجته... الألم الذي عاشته أسرته والذل والمهانة.. عرض شقيقته الذي هتك بكل وقاحة وقسوة دون حتى أن يشعروا بالندم
تلك الذكريات جعلت عيناه يبرقان بغضب وقهر وهو يقول بصوت منفعل قد اختنق...
كنت عايز أقتل جوزها واخد حق اختي الي راحت في شربة ماية بسبب الي عمله فيها الراجل دا اغتصب اختي العيلة الي مكملتش اربعتاشر سنة
وبعد كدا رماها في أرض زراعية تابعة لبلدنا..ولما ولاد الحلال نقلوها المستوصف ولحقوها اختي قالت اسمه الي سمعته من رجالته قبل مايعتدي عليها.. عرض علينا فلوس عشان نسكت وبكل بجاحة بيقولنا اعملوا لها عملية وترجع بنت تاني ولا كإن حاجه حصلت.. ولما حاولنا ناخد حقنا بالقانون.. بعتلنا رجالته يضربونا أنا وابويا وأمي ضربونا أما عدمونا العافية.. لكن انا مسكتش وحاولت ابلغ تاني وتالت وعاشر.. مراته جاتلنا البيت وعاملتنا كإننا حشرات
وقالت العيب على اختي هي الي رمت نفسها عليه
خرجت شهقاته الباكية تجرح حنجرته وهو يهتف بعنف مقهور ودموعه تهبط بغزارة..
بقا راجل شايب وعايب معدي الخمسين سنة بت الي هتوقعه يابيه.. عيلة مكملتش ربع عمره هتوقعه
بت مكملتش اربعتاشر سنة كانت راجعة من مدرستها عادي زي كل البنات.. يقوم خاطفها وعامل فيها كل دا
ويخلي رجالته ينشروا بين الناس انها خاطية ويبوظوا سمعتنا أكتر..ودي مش أول مره..عرفنا انه عمل كدا في بنات كتير وأهلهم سكتوا عشان اتهددوا
كان بيستحل لحم العيال الصغيرة.. كل دا ومش عايزني أقتله!
طرق بهاء بقلمه على المكتب وهو يقاطعه بهدوء..
كمل ياحسين.. اهدى وكمل كلامك
تحدث حسين بنبرة متألمة يكسوه التصميم والانتقام.. وعيناه تيسلان منهما الدموع بلا شعور
ولازال الألم والقهر يستحوذ على قلبه الشاب...
عرفت انه هيكون في الانتخابات بتاعته.. اتربصتله
وروحت لكن روحه النجسة خرجت قبل ما أخدها بإديا.. واحدة موتته قبلي ساعتها مشوفتش إلا مراته الي وقفت قدامنا وهددتنا اننا لو مسكتناش وحطينا بلغة في بقنا هتموتنا واحد واحد.. وهددتنا بولدها البيه الي شغال في الدخلية
عملت فيها الي معرفتش اعمله في جوزها.. خلصت الناس من شرهم ونجاستهم.. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.. بحق عذاب اختي وكسرة ابويا وأمي
حسبي الله ونعم الوكيل
تحدث هشام أخيرا بنبرة جوفاء وملامح خالية من أي شعور عدى عيناه التي تلونت بالصدمة والخزي..
وهربت ليه طالما هتسلم نفسك
هربت عشان ابشر اهلي اني جبتلهم حقهم.. اطبطب على اختي الصغيرة واقولها متزعلش.. لكن اختي موتت نفسها شربت السم يابيه مستحملتش تعيش بفضيحة.. ماتت قبل ما أفرح قلبها ان حقها جالها
معادش منه فايدة اني اهرب.. انا الي قتلت الست دي
وكل سنة هتحبسها هكون راضي اني قتلتها
حتى لو خدت اعدام ميهمنيش
لاحت نظرة الشفقة في عين بهاء وهو ينظر لهشام المصدوم تارة.. ولحسين المتألم.. فتحدث موجها حديثه للفتى
ضيعت مستقبلك ليه يابني.. ماكان القانون ه..
سخرية سوداء ظهرت على ملامح الفتى وصوته حينما قال يقاطعه بنبرة تقر واقعه..
انا وانت عارفين ان في الحالتين مستقبلي كان هيضيع يابيه.. حظنا كدا اختي تضيع بسبب شايب ميعرفش ربنا وأنا أضيع عشان ست معندهاش ضمير ولا قلب
صدح صوت بهاء بستدعي العسكري بعدما تنهد بثقل..
يافتحي.. تعالى خد المتهم على الحجز على مايتعرض على النيابة
لحظات وخلا المكتب من حسين
فنظر بهاء إلى هشام الذي كان يحدق في أثر الفتى بعيون جاحظة بدت دامية ووجه محتقن يكاد يختنق من شدة انفعاله المكتوم.. شعور مر وقاس ومخزي الشعور الذي يسيطر عليه الآن.
تنحنح بهاء قبل أن يغمغم بهدوء مواسيا...
عارف إن الكلام الي هقوله دا صعب.. لكن كلام الولد صحيح..كلمت المأمور الي كان في قسم البلد دي
وقال ان حسين وعيلته راحوا كذا مرة يقدموا بلاغ
وابوك كلمه بنفسه يقوله ان دا واد حرامي سرق منه فلوس وعشان أدبه.. بيتبلى عليه ان اغتصب اخته
وبالتحقيق مع بعض الحالات اتأكدنا ان ابوك كان بيعتدي على البنات الصغيرة في بلدكم والبلد القريبة منكم.. وكان بيهدد الأهالي عشان ميقدروش يتكلموا كلمه واحدة.. والموضوع بيخلص بسرية تامة
ومع الأسف والدتك مشتركة ف التغطية على أفعال أبوك.. دا غير إن حسين معاه تسجيل بصوت والدتك وهي بتهددهم
انا فكرت اسيب القضية دي لحد غيري عشان مخسركش.. لكن حتى لو استلمها ظابط مكاني بردو هيخرج الادلة الي ضد أهلك.. ومكدبش عليك أنا مش ناوي أداري الحقايق دي
صمت قليلا يتنهد بلا حيلة.. في هذه اللحظة بالذات كان وجه هشام هو الأسوء من بين كل تلك الحقائق المؤلمة كان قلبه ينتفض بسوء ماأقترفاه والداه
عقله مقيد بخزى المكائد والظلم الذي خلفوه من بعدهم بكل قذارة وألم
خطت أناملهم نهايتهم وغدت سوأتهما تطفو كطبقة عفن على سيرتهم التي تركوها خلفهم
بئس النفس الأمارة بالسوء.. وبئس الأهل هم
انتفض هشام من جلسه ينظر لبهاء نظرة المقتول غدرا ويقول من بين أنفاسه المنتهية..
طلع كل الاثباتات كمل شغلك وملكش دعوة بيا
في الكل الأحوال مش هيتحاسبوا.. على الأقل ميتحاسبش حد بدالهم
ثم تحرك بعكازة يخرج من المكتب.. وقد اسودت الدنيا في وجهه أكثر.. وبات إنهياره وشيكا
عودة لوقت مضى
دلف موسى المطعم المنشود وهو يسير بثقة يخفي خلفها بعض التوتر..بالتحديد هو لم يكن توتر فقط بل كان ترقب وخشية
يخشى أن يطلب منه أدم الصياد أن يتخلى عن رغبته في الزواج من سيدرا ابنته
ولا يدري مالذي عليه فعله في تلك الحالة ايرفض ويتمسك بشعوره نحوها
أم يستمع له بشعور الاب ويحترم رغبته ويبتعد عنها..صدقا لا يدري مالذي ينبغي عليه فعله في تلك الحالة
طرد أفكاره بعيدا عندما رأى أدم الصياد
فاقترب منه يتنحنح بهدوء متمتما بأدب...
مساء الخير يافندم
انتبه أدم له ووقف يصافحه بوجه هادئ لا يفسر شعوره..ثم أشار له كي يجلس وهو يقول بنبرة جادة يشوبها الجمود..
مش غريبة كلمة فندم دي دا انت طالب ايد بنتي
مش هيكون في بينا الفوارق دي
فك زر بدلته وهو يجلس أمامه قائلا ببعض الجدية المغلفة بهدوئه المعتاد..
ماهو أنا لسه معرفش حضرتك موافق نشيل الفوارق دي ولا لأ.. ودا لأني عارف انك رافض جوازي من سيدرا
لمعت عيناه بنظرة غاضبة غيورة على ابنته وهو ينظر لخصمه قائلا بنبرة جامدة يتخللها الحنق..
ورغم معرفتك برأيي لسه مصر تتجوزها!
أدرك أنه يغار على ابنته الحبيبة.. أدم الصياد يذكره بذاك الفيلم القديم الذي كان الأب فيه يتصرف بصبيانية نابعة من غيرته.. فتحدث بهدوء يسايره بنبرة كان غرضها الطمأنينة..
كل الي محتاجه من حضرتك فرصة تحدد بنفسك أنا هسعدها ولا لأ.. ولو بعد الفرصة دي لسه رافض أنا معنديش استعداد اتجوزها غصب عنك
نبرة جافة خرجت منه وهو يزفر بحدة ويقول..
لا ريح نفسك.. أنا محدش بيعمل حاجه غصب عني
موافقتي على جوازك من بنتي عشان عايزها سعيدة
تخوض التجربة بنفسها وهي الي تحدد هي كانت غلطانة أو لأ.. وفي الحالتين أنا هساندها
للحظات شعر ببعض
يعني حضرتك موافق اتجوزها!
لاحت نبرة السخرية في كلمات أدم حينما قال مستخفا بسؤال موسى..
لو مش موافق ايه يخليني أقعد معاك دلوقتي
وعموما أنت الي هتحدد اذا كنت هتتجوزها او لا
عقد حاجباه ببعض الحيرة وقد بدت كلمات أدم كأحجية رغم سهولتها إلا أنها معقدة الحل.. كالسهل الممتنع فقال حائرا..
مش فاهم حضرتك..تقصد ان شروطك متقيدة برأيي!
مال على الطاولة يعقد أنامله ببعضها البعض مصدرا فرقعات وعيناه مسلطة على عين موسى بنظرات حادة تتلحف بالجمود او الهدوء وهو يقول بوضوح..
او رأيك متقيد بشروطي
عموما عشان منضيعش وقت بعض ليا شروط عشان تتجوز سيدرا أولا هتمسك إدارة فرع من فروع شركتي فرع بعيد عن الفرع الرئيسي هنا في اسكندرية بردو مش هتروح بعيد.. ثانيا هتتجوز بنتي وتقعد في قصري أنا
انت وأطفالك وبنتي هتكونوا عايشين معانا.. ليكم مساحتكم طبعا والقصر دا انت شوفته هو مش بيت او فيلا صغيرة زي شريف ومراته واخدين جناح.. وجودي لما تتجوز كمان..وانت وسيدرا واطفالك نفس النظام
هتكونوا جزء من العيلة والجزء الأساسي لأنك هتتجوز بنتي الكبيرة
تحدث موسى سريعا وقد شعر بدمائه تغلي في تلك اللحظة بسبب كلمات أدم...
أنا مش عايز أمسك فرع.. أنا متجوزتش سيدرا عش..
قاطعه بنبرة العارف وهو يتنهد بثقل وبصبر بدى ينفذ وهو يقول بلهجة تقريرية...
عارف انك مش عايز تتجوزها لوضعنا الاجتماعي والمادي لكن أنت لازم تليق ببنتي أنا مش بقلل منك.. أنا بمنع تعليقات سخيفة هتجرح بنتي في يوم وهتأثر على حياتكم.. وعموما تعينك دا مش عشان هتتجوز بنتي بس لأ تعيينك بناءا على مجهوداتك في شركات الصياد من سنين لدلوقتي
ثم تابع وهو يرى الرفض باد على وجه موسى وقد اشتد وجهه بطريقة تنبئ عن مدى ضيقه ورفضه لشروطه...
وقبل ما ترد عليا بموافقة أو رفض لازم تسمع سبب شرطي الثاني..انت لو اتجوزت بنتي هتكون مربوطة بيك وباولادك وبشغلها لو هي عايزة تشتغل.. دا كله هيكون ضغط وحمل كبير اوي عليها.. هي راضية بالوضع دا وبتقول انها مش هتتعب رغم اني عارف انها هتتعب
ووقتها هتخبي عليا وعلى الكل وهتستحمل تبعات اختيارها أنا مش عايزها تتعب أصلا ولا هستنى انها تكتم شعورها لمجرد انها تتحمل نتيجة اختيارها ليك..
ايوه أطفالك هيكونوا مسؤوليتك انت وبنتي في المقام الأول لكن أنا ومراتي هنساعدكم في المسؤولية دي.. هنعتبرهم أحفادنا ونساعدكم في تربيتهم والاعتناء بيهم
وأظن أطفالك محتاجين عيلة تحاوطهم بما انك انت وسيدرا هتستمروا في شغلكم.. وهتضاف عليكم أعباء جديدة
غمغم بضيق حاول السيطرة عليه..
تمام
عقد أدم حاجباه يفرغ ما بجعبته كاملا.. وقد ألقى الكره في ملعب موسى.. وترك زوجته تفعل المثل مع سيدرا في القصر فتابع بتصميم ونبرة بدت محذرة..
دي شروطي.. لكن هناك حجات مسلم بيها هقولهالك كتذكير ليك بس.. بنتي تشيلها في عينك تقدرها وتحترمها لو عجزت عن حاجه من دول الأفضل انك تنفصل عنها بمنتهى الهدوء واحنا هنعوضها
متفكرش انك تجرح قلبها لأني ساعتها هندمك على اليوم الي فكرت انك تتجوزها فيه.. انت عندك بنت وعارف شعوري كويس.. خد وقتك وفكر في كلامي
لو موافق.. خطوبتكم هتكون خلال الاسبوع دا وتحددوا الجواز في أقرب وقت لأني مبحبش الخطوبة من الأساس
لو رافض شروطي يبقا انت رفضت الجوازة.. ساعتها تعتذر لسيدرا وتروح تلم حاجتك من الشركة وترجع فرع القاهرة زي ماكانت حياتك قبل كدا.
أدم الصياد وضعه بين طريقان مليئان بعقبات عديدة
لا يدري أيهما يسلك.. أيتنازل عن كبريائه ويقبل شروطه.. أم يتنازل عن حبه لسيدرا وتعود حياته كما كانت تماما قبل أن يلتقيها.. مسح جبينه بتفكير تحت نظرات أدم المتأملة له إلى أن قول واجما...
دا مش قراري لوحدي عشان اقولهولك أنا محتاج أتناقش في الموضوع دا مع ولادي.. ومع سيدرا
ساعتها اقدر أقول لحضرتك قراري
حرك رأسه بإيجاب متفهما وهو يعود بظهره يستند لظهر المقعد براحة قائلا برتياح يخالف توتر موسى..
خد وقتك وكلمني وعموما افتكر ان ياتتجوزها بشروطي دي ياتنسى الموضوع دا نهائي تمام!
كلمة واحدة استطاع موسى التفوه بها وسط زحمة أفكاره وتشتته فقد قال..
تمام
صمت موسى بضيق بينما أدم تنهد ببعض الهدوء وهو يمسك بقائمة الطعام ينظر فيها لثوان قبل أن يقول بجدية...
مبقتش حاسس اني عايز أكل.. عايز تطلب حاجه!
حرك موسى رأسه نافيا يقول بنبرة واجمة...
لا أنا جاي أسمع حضرتك
ابتسم أدم وهو يقف قائلا وهو يصافحه..
يبقا كدا ميعادنا انتهى.. هستنى ردك قريب ياموسى
مع السلامة
وبالفعل ثوان وغادر أدم المطعم تاركا موسى يقف في محله بنظرات تائهة ووجه واجم وقد حشر بين خيارين أحلاهما مر!
أما أدم الصياد فتوجه نحو سيارته يصعدها ويشير للسائق كي يقود.. وعقله منشغل بالحديث الذي دار بينه وبين زوجته مسائا حينما قالت له بلهفة...
طب يا أدم ما بدل مانمنعها من الجواز نساندها
ازاي يعني
مش احنا رافضين عشان متتعبش من مسؤولية ولاده وانها هتتعب نفسها وتبذل مجهود معاه ومع ولاده وفي شغلها.. وكمان لو جالهم طفل هتزيد همومها
ايه رأيك انها لو مصرة تتجوزه.. يبقا تتجوز معانا هنا في القصر.. نساعدها في تربية أطفاله وأطفالها ان شاء الله.. واهو تكون معانا وولادنا كلهم يكونوا حوالينا دا الحل الوحيد الي يرضيها ويرضينا
انها تتجوزه واننا نساعدها تكون سعيدة.. وكدا كدا القصر فاضي علينا اهو نكون عيلة وعزوة كدا
ثم أكملت بلهفة وهي تبتسم بسعادة من مجرد التخيل وهي تقول سريعا
هي وجوزها ياخدوا الجناح الي جنب جناح شريف
وجودي لما تتجوز هي كمان تقعد في الجناح الي فوقهم..ونتجمع كلنا في مواعيد الأكل نبقى عيلة وكتير ياادم.. طب مش حاسس بحماس زيي!
صمت حينها لا يدري أيوافق على اقتراح زوجته الذي بدى مريح لهم.. أم يترك سيدرا هي من تحدد وتتحمل تبعات اختيارها وحدها!
ولكن حيرته لم تطول وهو يسمع تقى تكمل بخفوت...
احنا واجب علينا نمهدلهم طرق السعادة يا أدم
على الأقل لو زعل بنتنا هنكون جنبها ندافع عنها.. نشيل عنها حمل هي مش شيفاه.. طالما دي رغبتها نساعدها ونحميها يا
أدم.. دا واجب علينا كأب وأم سويين نفسيا
حينها حرك رأسه بإيجاب وهو يحتوى زوجته بين ذراعاه.. ما كان عليه أن يقلق من البداية طاما أنه يملك زوجة وأم كحبيبته تقى
أنهت أمنية ارتداء ملابسها استعدادا للذهاب إلى زفاف جارتها السابقة غزال تلك الفتاة المدللة لم تنساها في دعوتها للزفاف.. فقد اتصلت بها منذ أيام تخبرها أنا ستتزوج الخميس القادم.. وتحب أن يحضر زفافها جيرانها وكل من كانت لهم علاقة سابقة بها.. وبالفعل وافقت أمنية
طبعا ياحبيبتي هاجي فرحك دا انت وجدك الله يرحمه ليكم معزة في قلبي والله.. ألف مبروك ياغزال ربنا يسعدك ويبعد عنك أي شر يارب
اخبرت رحيم برغبتها في الذهاب.. فوافقها فورا أنه سيحاول ايجاد بعض الوقت ليحضر معها..وكذالك رامي الذي رحب بالأمر.. فهو يحب تلك الأجواء الصاخبة.. واي شيء يخص الاحتفال
ومضت الأيام واليوم هو حفل الزفاف.. بعد ساعة من الآن بالتحديد.. تجهزت وحضرت فستان أنيق لتمارا يشابه ردائها الرمادي.. وانتظرت وصول رحيم من عمله كي يبدل ملابسه سريعا.. اما رامي فسيقابلهم أمام القاعة مباشرة.
نظرت لوجهها في المرأه تتأمله مليا.. عيناها التي رسمتها بالكحل الأسود..ومرطب الشفاه بلونه البني اللامع.. وبعد الحمرة لوجنتاها
تلك الزينة البسيطة جعلتها تنظر لصورتها ببعض الحنين.. حنين جمالها الرقيق الذي اندثر أسفل الحزن واللوعة.. ذاك الجمال الذي لم تشعر به أبدا في حياتها
رغم اهتمامها الدائم بهيئتها في زيجتها الأولى
ولكن مهما فعلت كانت لا تثق بجمالها.. والسبب هو ناجي ذاك الرجل الذي بخل عليها بكلمات بسيطة يخبرها فيها أنها جميلة.. او دافئة
ولكنه كان يكره جمالها.. ناجي لم يحب هيئتها ابدا
فهي كانت النقيض من حبيبته بدر.. بدر العادية تماما ولكن بملامح جريئة كانت تميزها.. وبطباع نارية كانت تجعلها متفردة
بعكس أمنية الجميلة والضعيفة والحالمة ايضا
ورغم جمالها وحبها لناجي إلا أنهما لم يشفعا لها عنده
بل ظل متمسك بسراب بدر.. وظل يخونها مع اخريات لا تعلم هل هن أجمل منها أم قبيحات
كل ما تعلمه أن ناجي كان يفضل أي امرأة عداها
وزهده فيها جعل الأنثى في قلبها تموت.. تندثر تحت الألم والثقة المهتزة.. والدموع
كرهت وجهها وشعورها نحوه.. وكرهته أكثر وأكثر
ولكن الآن وهي تنظر لوجهها النضر الذي لا يخلو من بعض تجاعيد سن الأربعون.. إلا أنها الآن ترى نفسها جميلة
ليس بسبب رحيم الذي ينظر لها وكأنها أجمل امرأة خلقت.. ولا بسبب مدح رامي لجمالها مازحا أنه سيتزوج امرأة جميلة مثلها أو يظل عازبا
ولا بسبب اطراء عائلة رحيم لجمالها.. ليس لكل تلك الأسباب
ترى نفسها جميلة لأنها تحررت من لعنة الكره
تحررت من أن كل ذنبها أنها ليست كبدر
تحررت من الضعف الذي كان يشوه جمالها في عيناها
تحررت من الناجي ونظراته النافرة منها وكأنه يلومها أنها لا تشبه حبيبته
تحررت من الألم والوجع والدموع واللوعة.. تحررت من الذل والرضى بفتات زوج لم يكن لها منذ البداية
تحررت من امرأة ضعيفة كانت تسكنها
رفعت كفها تلمس وجهها ببعض الرهبة
عيناها التي لطالما كانت حزينة باكية.. بدت الآن مرتاحة لامعة تعكس نظرات هادئة راضية
شفتاها المطليتان بالزينة اللتان كانتا في الماضي مجروحتان من أسنانها التي تأكلمها توتر وشدة انفعال..الآن تبدوان طازجان صحيتان وقد نسيت كيف كانت تدميهما بأسنانها
وجنتها المنتفختان ببعض الفتنة كتفاحتي ناضجتان أن أون قطافهما.. وأنفها وذقنها وحاجباها وخصلاتها
كل مافيها حي وحر.. حر من سجن وغمامة كانتا تكسوهم.. كل مافيها ينبض بالحياة بعدما نفضت غبار الماضي عنها وعنهم
الآن هي ترى امنية جديدة.. أمنية تحيا وتسعد
وتركت أخرى عاشت الذل والهوان.. كوطن كان مسلوب ليعذب.. وحررته فصار مزدهرا
استفاقت على وقوف رحيم خلفها ينظر لوجهها الشارد نظرات قلقة.. ترجمها فورا وهو يمسك كتفاها ويقول بنبرة لينة جادة..
مالك ياامنية.. بقالك كام دقيقة واقفة كدا.. انتي فيكي حاجه!
رفعت عيناها له بسكون وهي تحرك رأسها نافية دون أن تتكلم.. ولازالت مشدوهة بتحررها التي رأته رأى العين الآن.. وكأنها استافقت من كابوس مرعب والآن فقط تنفست الصعداء... يال السخرية ناجي الذي كان أحب أهل الأرض لها بات الآن في عيناها مجرد كابوس مزعج طال لسنوات ثم انتهى
انتشلها صوت رحيم حينما قال من جديد...
لا أنا حاسس ان فيكي حاجه.. مبتاكليش خالص وبتنامي كتير وجسمك خامل دايما.. لازم نكشف فورا ياأمنية
توسعت عيناها للحظات وهي تسأل نفسها
هل لاحظ حالاتها الغريبة منذ أيام.. تلك الحالة التي لم تلحظها هي سوى الآن وهو يخبرها.. فقالت بخفوت...
أنا كويسة يارحيم.. تلاقي دا وقت العذر الشهري
فا يمكن جيالي بهمود المرادي
عقد حاجباه للحظات وفي عيناه نظرة غريبة لم تفهمها ونبرة حذرة غلفت كلماته وهو يتسائل...
بس من ساعة مااتجوزنا وانتي مجتلكيش.. مع اننا داخلين على شهرين اهو!
توسعت عيناها أكثر بإدراك وعقلها يعقد حسابات سريعة.. حسابات أثمرت على أنها بالفعل لم تأتيها الدورة الشهرية منذ أن تزوجت.. تراها وصلت لسن اليأس!!!
ظهر الهلع في عيناها وهي تغمغم بنبرة متوترة...
معقول يكون سن اليائس!
بدت غبية.. او ساذجة في عيناه في تلك اللحظة
فتحدث مستنكرا وهو يضرب جبهتها بخفة...
سن يأس ايه دا الي بيبدء من تسعة وتلاتين سنة.. لا طبعا مش سن اليأس.. ممكن تكون مشكلة في الرحم او المبايض.. أو يكون حاجه تانية
تعالت دقات قلبها فب تلك اللحظة.. وتوهج وجهها وشعرت بدوار يلفها.. دوار جاء أثرا مما يقوله رحيم
بذاك التلميح الذي ألقاه لها وهو ينظر لها تلك النظرة الباسمة الممتزجة بالعبث.. فابتلعت رمقها تقول بأنفاس منتهية..
او ايه يارحيم
رفع كفه يربت على وجنتها بذات الابتسامة الواسعة وعيناه تتأملان وجهها النضر وهو يقول بوضوح...
أو ممكن حمل ياأمنية.. ممكن تكوني حامل
حينما سمعت الكلمة علت ضربات قلبها في أذناها وتحدثت سريعا بنبرة مرتجفة وهي تحرك رأسها نافية...
لأ لا.. حمل ايه أنا كنت باخد مانع حمل كتير في جوازي الأول.. الدكتورة قالتلي ان الكمية الي اخدتها تمنع أي حمل طول عمري
ايه.. كنت بتاخدي مانع حمل ليه انا فعلا مجاش على بالي اني أسألك..
قاطعته بذات النبرة المرتجفة وقد برد جلدها وغشت الدموع عيناها...
ناجي مكانش عايز أطفال كان عايز رامي بس هو الي يورثه ومن وانا صغيرة اتفق معايا اني مخلفش
وانا وافقت.. واخدت مانع حمل سنين.. سنين طويلة أوي.. والمرة الوحيدة الي حملت فيها في أول سنين جوازي ومكنتش أعرف اني حامل وقتها.. مانع الحمل اجهض الجنين.. والدكتورة وقتها قالتلي ان النوع الي باخده دا ممكن يسببلي عقم على المدى البعيد
بس.. بس ناجي أصر اني أفضل اخده
أنهت كلماتها وهي تشهق بعنف تبكي.. ويدها تعتصر معدتها بقهر وحسرة.. ذاك القهر الذي لم يختفي
حرمانها من الأمومة هو الألم الذي لازال يلتصق بقلبها ألم ظنته اختفى ولكن كلمات رحيم كشفت عن ذاك الجرح من الجديد.. جرح لم يندمل بعد
سار بها رحيم يجلسها على الفراش غافلة عن ذاك السباب الخافت الذي خرج منه على ناجي
بكائها وشهقاتها زاد أكثر حينما احتواها رحيم يعانقها وهو يربت على ظهرها بحنان هامسا...
لعله خير ياأمنية لعله خير
الله أعلم ممكن تكوني حامل دلوقتي.. وممكن لأ
ولو انتي حامل يبقا خير وسعادة لينا كلنا.. ولو لأ يبقا الحمدلله على كل شيء معانا رامي وتمارا ولادنا
مش دول ولادك بردو
حركت رأسها بإيجاب ولكن تحدثت بضعف حزين وهي تمسد على بطنها...
أنا كان نفسي أعرف بيحسوا بإيه يارحيم.. الحمل دا عامل ازاي.. ايه الشعور وانا شايلة حتة مني
شعور اتحرمت منه بسبب غبائي.. انا السبب يارحيم
تنهد رحيم وهو يمسك كفها ويربت على رأسها الساكن على صدره...
متلوميش نفسك.. الي فات خلاص انسيه ياأمنية
ربنا له حكمة في كل حاجه في حياتنا.. لعل المانع خير..متلوميش نفسك وتعذبيها أكتر من كدا
وللاحتياط تعالي نروح نعمل تحليل بعد الفرح.. ونشوف حالة الرحم ايه..وبأمر الله يكون لينا نصيب في طفل مننا احنا الاتنين.. ماشي!
حركت رأسها بإيجاب وهي تمسح دموعها التي أفسدت زينتها.. ولكن لم تمنع نفسها من القول بلوعة وقد دمعت عيناها من جديد...
لا يارحيم بلاش أنا خايفة ادي نفسي أمل كذاب يارحيم.. خايفة اتحسر تاني
حرك رأسه نافيا وهو يقول بهدوء وعيناه تحكيان لها الراحة والاطمئنان.. والكثير من الأمل...
وتضيعي ولو نسبة أمل بسيطة ياأمنية
بلاش الكلام دا واستعيذي بالله من الشيطان.. احنا هنعمل الي علينا والعطاء من ربنا.. قومي كدا جهزي
خرج متجها إلى تمارا.. بينما هي جالسة على فراشها
تعتصر عيناها الدامعة وكفها يقبض على بطمها هامسة بلوعة مشتاقة...
يارب..
حضروا فساتينكم عندنا فرح بكره ان شاء الله