كأنها لي الحياة الثامن والاربعون بقلم سيلا وليد
خرجت خلفه.
كان يتحرك بجوارها كمن سلبت روحه.
وصلا إلى السيارة..رفع نظره إليها أخيرا
_نرجع البيتولا
قالت بهدوء ناعم
_ممكن تاخدني على النيل شوية
استقل السيارة دون تعليق وهو يلقي الورقة بدرج السيارة وقام بتشغيل المحرك.
سحبت رولا الورقة من درج السيارة دون أن يلاحظ ثم فتحت النافذة
وتركتها تطير في الهواء..
كأنها تتخلص من الحقيقة نفسها.. استدار إليها كانت تضع رأسها على زجاج النافذة تنظر للخارج بهدوء حمحم وقال
_رولا.
التفتت إليه ونظرت لعينيه الحزينة تصنعت الحزن وقالت
_أتمنى مانتكلمش في حاجة أنا أستاهل اللي حصل لازم أدفع تمن أخطائي.
أومأ دون حديث.
عودة للحاضر..
_عارفة لو كنتي قولتي الحقيقة من الأول مكنتش دي حياتنا.
_كنت خايفة تسبني خوفت أوي أخسرك حبيتك يا بلال ولما سمعتك بتقول ليوسف كده اتمنيت أموت.
_بعد الشر عليكي أنا اللي مت وقت ماحسيت إنك انتحرتي علشان نتجوز.
رفعت رأسها تنظر إليه
_لأنك غبي يا حبيبي ومحستش بقلبي يوم كتب كتابنا.
طاف بعينيه على ملامحها
_غبي ومتخلف كمان أنا آسف.
همست بخفوت
_أنا بحبك أوي.
أغمض عينيه يتذوق حلاوة نطقها من يخبرنا أن اعتراف الحبيب لحبيبه هو عودة الروح للجسد
_الليلة أجمل ليلة في حياتي كلها أول مرة أحس بالسعادة دي حاسس إني ماسك النجوم كلها.
رفعت رأسها إليه وعيناها تنطقان بالفرح
_وأنا كمان سعيدة أوي.
_إنتي تسكتي خالص دلوقتي بقى تفضحيني عند الدكتورة كده..طيب دلوقتي لو اتقابلنا مثلا تقول علينا إيه
قهقهت بصوت مرتفع
_أنا مكنتش أعرف إنها هتقول كده أصلا!
_لا والله! أومال كنتي مستنية منها إيه يالهوي على فضيحتك يا بلال آخرك دكتور ! ودتيني يا بت لدكتورة ! دي إنتي جبروت وحياة رحمة أبويا اللي نايم تحت ده لأعرفك يعني إيه دكتور لو ماهديتش حيلك!
_بس بقىبتكسف.
_شوف إزاي! أيوة طبعا بتتكسف وأنا المفروض أصدق
نطت جالسة
_نعم عايز إيه ماقولتلك مكنتش أعرف الموضوع هيقلب كده.
رفعت أصابعها أمام عينيه
_روحت فين
_لدكتور يا أختي!
ارتفعت ضحكاتها
_دول وحشين وكذابين يا حبيبي!
_يا بت مش عايز أسمع صوتكأنا هنزل أصلي العيد وإنتي نامي واشبعي نوم بالليل هنهرب من مصر كلها.
شهقت واعتدلت
_هنروح فين إنت ناسي الدكتوراه بعد تلات أيام!
_مش مهم المهم عايز ألف الدنيا معاكي.
_ياسلام! والدنيا هتلفها في يومين لا يا حبيبي خلص رسالتك وبعد كده نلف براحتنا.
_برضه نامي واشبعي نوم.
_تماملسه ساعة على الصلاة خليك شوية لما أنام.
سحب الغطاء يدثرها جيدا وقلبه يعزف بالسعادة..
_أجمل ريحةطول عمري بدعي ربنا أنام وأصحى عليها.
_اعمل حسابك هغيرهالازم أغير كل حاجة.
_لا يا حبيبيبحب كل حاجة فيكي كده.
نظرت له بجدية خفيفة
_بلال أنا عايزة حياة جديدة من كله.
_تؤحبي مش جديد علشان أغير حاجة..أنا حبيتك كده وعايزك كده.
أغمضت عينيها وغابت في النوم ظل يراقب ملامحها الهادية يعشقها حد الجنون حد الهوس..
استمع لتكبيرات العيد ثم انسحب من جوارها في صمت.
دخل الحمام دقائق وخرج مرتديا زيه ترنج أبيض رياضي صفف خصلاته وضع عطره المميز وخرج من الغرفة بهدوء.
استنشقت رائحته ابتسمت وهي تجذب وسادته تحتضنها تهمس بين النوم واليقظة
_بحبك
بمكتب إلياس..
أنهى اتصاله ثم نقر على مكتبه
_وبعدين بقى كان ناقصني بنت عيشة زم شفتيه ينظر بشرود وتذكر ماحدث منذ يومين
_إيه اللي عملتيه دا اتجننتي تضربي الشغالة!
_أه وأموتها كمان دي بنت محتاجة تتربى كنت منتظر مني إيه وهي عماله تقول لجوزي بحبك.
جحظت أعين الياس يرمق يوسف الذي يدور بالغرفة يمسح على وجهه
_دي عيلة يا ضي وأنا كنت هتعامل معاها.
_مش هرد عليك علشان لو رديت هزعلك التفتت إلى إلياس
_البنت دي لو قعدت دقيقة واحدة في البيت هموتها.
_أكيد اتجننتي!
رمقته بغضب وصاحت
_أه إيه كان عجبك تلزيقها.
_ضي احترمي نفسك.
عيناها نيرانا تريد إحراقه
_أنا محترمة يا دكتور لو حضرتك شايف اللي حصل عادي فهو غير مقبول عندي إنت جوزي مش صاحبي علشان أشوف بنت بتقرب من جوزي وأسكت لا وكمان زعلان.
_ضي اطلعي أوضتك وأنا هتصرف.
_مفيش تصرف يا عمو فيه قرار واحد البنت تخرج برة.
_مش بقول اتجننتي عايزة تقطعي عيش الست!
_أنا ماقولتش كدا عمو هيتصرف المهم يبعد البنت دي من هنا لو خايفين عليها.
قالتها وتحركت للأعلى..خرج يوسف خلفها. بعد قليل دلفت عيشة والدة زهرة تنظر إلى الأرض بخجل أشار إليها إلياس بعدما أطفأ سيجارته
_تعالي يا عيشة.
_نعم يا باشا قالتها.
نهض من مكانه ووقف أمامها في اللحظة التي دخلت فيها زهرة..دلفت للداخل وتوقفت بينما عينا إلياس تخترقان وقفتها
_أنا مش هقولك غلطي لأنك إنت الغلط نفسه واحمدي ربنا إنك لسه صغيرة.
هزت رأسها بخوف
_مكنش قصدي اللي مدام ضي فهمتهأنا قصدي إني بحبه زي أخويا.
زم شفتيه وأشار إلى والدتها بحدة
_حجزت لها في بيت الطالبات بنتك مبقاش ليها مكان في بيتي.
_خدي البنت دي من قدامي واحمدي ربنا إني دخلت في الوقت المناسب.
_شكرا يا باشا وياريت تفهم الدكتور إنها لسه صغيرة وطايشة.
_الدكتور نسي الموضوع يا عيشة بدليل إني سامحتها..تروح تعتذر لمدام ضي وبعد كده مش عايز ألمحها في الكمبوند كله.
أومأت برأسها بطاعة وخرجت مع ابنتها التي ارتفع بكاءها.
دخلت ميرال
_أتمنى
_ميرال إنت آخر واحدة تقولي كده.
تنهدت بخفة
_عارفة بس يوسف مالوش ذنب.
تهكم على كلماتها
_طول عمرك عاقلة يا أم يوسف.
_بتتريق يا إلياس
نظر لها بجدية مفاجئة
_لو مكانها كنت هتعملي إيه
جزت على شفتيها وهي ترمقه
_كنت زماني أخدت إعدام يا حبيبي..
أفلت ضحكة
_من زمان مشفتش جنانك.
رفعت رأسها
_مين اللي جنن مين يا حضرة الظابط
قال بخفوت
_أنا اللي جننتك يا ميرو.
ابتسمت
_الأيام بقت تعدي فينا يا إلياس وبتجري.
_الحياة أقدار يا أستاذة الإعلام.
تهكمت وهي تقول
_إعلام إيه بس دا أنا نسيت إزاي الواحد يقول حوار.
اعتدل ينظر إليها
_أه صحيح فكرتيني النهاردة شايف الملحق بتاع يوسف بيجهز إنتي ناوية تعملي حاجة فيه ولا إيه
قطبت جبينها متسائلة
_ملحق يوسف وأنا هستخدمه في ايه!
_مش كنتي بتقولي عايزة تعملي مكتبة هناك وتجمعي المقالات
هزت رأسها بالنفي وقالت
_في بيتنا مش عند يوسف.
شرد الياس وتساءل
_غريبة أومال ليه المسؤول قال المدام اللي طلبت.
_مايمكن ضي.
_ضي! تمتم بها باستغراب ثم قال
_وضي هتعمل إيه بالملحق ضي شغالة دا تجهيزات لمكتب..زفر وهو يمسح على وجهه
_خلاص هسأل يوسف يمكن هو اللي بيحضر حاجة.
_طيب ياله هتفضل قاعد الوقت اتأخر وهتقوم بدري للصلاة.
أومأ ثم صعدا للأعلى.
بغرفة يوسف قبل ساعات..
ظل جالسا في شرفة غرفته على أمل واهن أن تأتي فمنذ ماحصل وهي اتخذت غرفتها القديمة ملجأ بعيدا عنه كأنها تعاقبه بصمتها بعد غضبه مما فعلته بزهرة شعر لأول مرة أن صوته العالي كان أقسى من قلبه.
سحب علبة سجائره أشعل واحدة تلو الأخرى لا ليستمتع بل ليخنق ذلك الفراغ الذي تركه غيابها بجواره.
نفث دخانها باضطراب وفي كل نفس كان يشعر بتوقف نبضه.
توقف قلبه عند فكرة أنه يعاقبها بتلك الطريقة بالبعد.
كيف لرجل يحب امرأة حد الجنون أن يختار الهروب بدل الاحتواء
أمال جسده على ظهر المقعد يحدق في السماء المكتظة بالنجوم وكأن كل نجمة تذكره بها..بضحكتها بغيرتها بطريقة نظرها له حين تخاف أن تخسره.
اجتاحته الذكريات كطوفان..جنونهما معا تعلقها المرضي به وتعلقه الجنوني غير المتوقع بها صفع القلب العقل.
نهض فجأة اتجه إلى غرفتها.
وجدها جالسة على فراشها ذقنها فوق ركبتيها صغيرة..منكسرة..ليست تلك القوية التي تتظاهر بها دائما.
وحين دخل اعتدلت سريعا وتصنعت الانشغال بهاتفها لكن أصابعها المرتعشة فضحتها وعيناها كانتا غارقتين في حزن لا يليق بها.
_ ابعدمش أنا مجنونة ابعد عن المجنونة!
لكنه حادثها بصوت أهدأ من غضبها وهو يهمس لها
_اسمعي قلبي
لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تنهار كل مقاومتها تبكي بلا صوت كطفلة وجدت ملجأها.
تحرك إلى غرفتهما وجلس أمامها يحاصر عينيها بنظراته
_ تباتي برة الأوضة يا ضي حصلت تعملي كده وفي يوم زي ده
نطقت بصوت مكسور
_ مش إنت اللي عايز كده..ورغم اللي حصل ولا اهتميت.
_ متعمليهاش تاني علشان مزعلش منك بجدصدقيني لو زعلت منك مش هيكون كويس لينا إحنا الاتنين.
ابتلعت غصتها وقالت بصوت مختنق
_ زعلانة منك يا يوسف
كلمة بسيطة لكنها حملت كل خوفها
_زعلانة أوي وموجوعة.
تنهد
_ طيب ممكن ننام ونتكلم بعدينلو يوسف يهمك فعلا.
رفعت عينيها المتورمتين إليه وفيهما خليطا من الغيرة والحب
_ يوسفالبنت لمستك قدامي كنت مستني مني إيه
عارفة إني غلطت واتسرعت بس أنا اتجننت من فكرة إنها تقرب منك كده
نظر إليها بحنان نظرات عاشق حد الوجع.
وفي تلك اللحظة لم يكونا متخاصمينكانا فقط عاشقين يخافان الخسارة أكثر مما يحتمل القلب
_أنا اتفاجئت صدقيني بس إحنا أكبر من اللي إنت عملتيهمينفعش تنزلي للمستوى ده تتخانقي مع الشغالة!!للدرجة دي شايفاني منحط كده
رفعت رأسها ببطء تنظر إليه وقلبها يصرخ بوجع هزت رأسها نفيا ولمعت عيناها بدموع مترددة
_ غرتآه غرت عارفة إني غلطت بس أعمل إيه
إنت السبب يا يوسف دايما بحس إن سعادتي ناقصة جوايا وجع ومش عارفة له سبب دايما حاسة إن في حاجة مش حلوة هتحصلكأن انفصالنا جايز.
شعر بانهياره يسبق دموعها فذلك الإحساس الغامض الذي يسكنها كان يسكنه هو أيضا لكنه أكثر دراية بحدته وخطورته.
حاول أن يسيطر على ارتجافة صوته وقال
_ ضيإنت نبض يوسف حافظي عليه بلاش تفكري في حاجة توجعنا لأني ضعيف قدامك أكتر ماتتخيلي.
نظرت إليه بعينين غارقتين في خوف طفولي
_ وإنت حياتي وروحي مش بس نبضي بس معرفش ليه دايما بحس إن سعادتي مسروقة كأني مش مسموحلي أفرح.
خرجت أنفاسه متقطعة كأنها اعتراف
_ طيب مش هناموحشتيني أوي من أول الليل وإنت زعلانة وبعيدة عني وعايز أصالحك.
ابتسمت رغم دموعها
_ هتعرف تصالحني أنا واخدة على خاطري أوي منك.
ابتسم بعشق موجوع
_ أؤمريحتى لو طلبتي روحي.
سكتت لحظة ثم قالت بصوت خافت كأنه حلم
_ توافق بقى يكون عندنا بيبي يا يوسف
في تلك اللحظة شعر وكأن قلبه سقط من مكانه..لم ينكسر فقط بل تهشم داخليا جمرة حارقة اعتصرت صدره وذكريات موجعة مرت في رأسه كالسكاكين.
هز رأسه ببطء
_ مش بإيدي حاجة
خرجت الكلمة منه كأنها نزيف لكنها لم تصل إليها كل مارأته في عينيه كان حزنا ففسرته رفضا.
_ ليه يا يوسف ليه الحاجة اللي هتسعدنا رافضها
قال بصوت منكسر
_ ضي حبيبتيوقت ماربنا
_ يعني إنت موافق
_ موافقأيوه موافق.
قالها وكل حرف منها كان يحرقه من الداخل كأن الحقيقة تلتهمه ببطء وهو يختار أن يكذب لينقذ