كأنها لي الحياة الثامن والاربعون بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
بسم الله على قلب أحبك حتى الممات
بسم الله على قلب لم يعرف سواك..
قل لي يا من تهوى الهوى
هلا تذوقت حلو الهوى أم قيدت بمره
فيا حبيبة قلبي الذي حين رآك عاد إليه نبضه وكأنك جئت لتكوني أنت لي الحياة..
ولكن أخبريني.. كيف لروح مثلي أرهقها الشتات طويلا أن تنجو من طوفان عينيك
يؤلمني أنني أحبك بهذا العجز وأنك صرت النفس الذي أخاف أن يضيق والنبض الذي أخشى توقفه صرت أخاف من كل لحظة تمر دونك وكأن غيابك خنجر يترصد بخاصرة أيامي..
فأخبريني يا قدري.. هل سيكون الغياب موتا محتوما أم أن رحمة الله ستبقيك لي الحياة
قبل شهر وتحديدا ليلة عيد الأضحى
لم يذق طعم النوم.. بينما هي غفت كطفلة..كانت هادئة ناعمة تنام وكأنها لم تعرف النوم منذ أيام.
أغمض عينيه وعقله كاد ينفجر.
كيف استطاعت أن تفعل به ذلك كيف جعلته ضعيفا إلى هذا الحد
ذهبت ذاكرته وتذكر تلك الليلة
كان منشغلا بعمله على جهازه بحديقة منزله استمع إلى صوت رحيل
_عامل إيه
نظر إليها بابتسامة وقال
_أنا كويس حضرتك عاملة إيه
سحبت المقعد وجلست بمقابلته
_أنا كويسة الحمدلله بلال أنا طالبة منك طلب.
قطب جبينه وقال
_أؤمري.
_الأول قولي انت بتحب رولا
ارتبك قليلا ثم اتجه إلى جهازه وكأنه يهرب وقال بتقطع
_رولا زيها زي ضي أكيد بحبها وبخاف عليها.
_بس مش دا قصدي يا بلال رولا حكت لي إنك كنت بتحبها.
_دا كان يا طنط أيام ماكنا ولاد هي كبرت وأكيد قلبها ارتبط بحد تاني.
_وإنت صمت وعجز عن الرد للحظات ثم قال
_حضرتك عايزة توصلي لإيه
_ولا حاجة حبيبي...المهم كنت عايزة تطلب من رولا تروح للدكتور أنا طبعا مقدرة تضحيتك بس قبل الفرح عايزاك تقنعها.
_دكتور إيه مش فاهم
_لا إنت فاهم بس خايف تصدق.
_مش محتاجة دكتور طرد زفرة حارقة وقال
_الموضوع هيكون صعب عليها بلاها غير إني كنت هناك وشفت يا طنط.
_شوفت بس متأكدتش البنت كانت مخدرة هب من مكانه وحاول السيطرة على عاصفة ألمه
_رجاء يا طنط بلاش نرجع نقلب في اللي حصل هتجوزها وزي ماتيجي فترة وكل واحد يروح لحاله.
_طيب حبيبي أنا معاك افرض البنت مفيهاش حاجة واتجوزتها وطلقتها وبعد كدا اتجوزت تاني وكانت سليمة صورتك هتكون إيه
ججظت عيناه وفقد النطق
_عمك يزن رافض أوديها لدكتور خايف على نفسيتها بس أنا أم ومن حقي أطمن وإنت الوحيد اللي تقدر تقنعها بكدا.
_مش هقدر صدقيني لو أقدر كنت عملتها وقتها صعب عليها.
نزلت دموع رحيل
_عايزة أطمن عليها يا بلال بس خايفة عليها بعد كدا مفكرتش لما يتقفل عليكو باب واحد هي هتحس بإيه
_مطلوب
_تقف جنبها وتحاول تقنعها تروح تكشف.
هحاول يا طنط بس أنا من جوايا رافض.
باليوم التالي..
ذهبت اليه المشفى طرقت الباب ودلفت
رفع عينيه من فوق شاشة الجهاز
_ رولاخير في إيه
خطت نحوه ببطء وابتلعت ريقها بصعوبة كأن الكلمات ثقيلة على لسانها
_ مش عايزة الفرح يا بلال انت ليه مصر انك تعمل فرح واحنا عارفين دا مش جواز حقيقي
شعر بقبضة تعتصر قلبه حاول أن يتمالك نفسه رغم العاصفة التي اشتعلت داخله استدار إلى الجهاز مرة أخرى وكأنه يهرب من عينيها
_ قلتلك إمبارح ليه مصرة كل شوية أكررها
قالت بصوت متقطع لكنه ثابت
_ وأنا مش موافقة.
رفع رأسه فجأة فاصطدمت عيناه بعينيهاوجهها كان شاحبا ولونها تغير هل من الخوف أم من القرار لم يعرف.
لكنه في تلك اللحظة فقط أدرك أن هذه الفتاة قادرة أن تهدمه بجملة واحدة كما كانت قادرة لاحقا أن تبنيه من جديد.
في تلك اللحظة شعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الفقدبل خوف أنه يحبها أكثر مما ينبغي...أكثر مما يحتمل.
أكثر مما سينقذه لو بقت أو يدمره لو رحلت..
تراجع مبتعدا وحاول الثبات أمامها
_رولا..لازم تفكري في باباكي وأخوكي ابعدي كل حاجة دلوقتي ابعدي شخصية رولا العنادية وافتكري باباكي اللي كان هيموت.
جلست على المقعد المقابل له
_بلالمش هقدر صدقني مش هقدركفاية أتجوزتك لمجرد إني أنقذ نفسي أنا تعبانة.
قالتها وانسابت دموعها بصمت.
صمت موجع التهم روحه وهو يرى انهيارها سحب نفسا عميقا وزفره ثم مال بجسده يستند إلى المكتب وعيناه معلقتان بعينيها الباكيتين اللتين تحرقان كل حواسه
_طيب عندي حلكنت عايز أقولك عليه من فترة بس
صمت فجأة وضع كفيه على وجهه يمسحه بعجز وكأن الكلمات خانته.
لحظة واحدة كانت كفيلة بإحراقه
_سكت ليه كمل.
نظر إلى عينيها المرتجفتين وقال
_تكشفي يا رولالازم تكشفي وتتأكدي من اللي حصل.
ارتفعت أنفاسها وهي تنظر إليه بذهول
_تقصد إيه
غضب من نفسه ومن المأزق الذي وضعها فيه لاحظ ارتجاف جسدها
_عارف الموضوع صعب بس ده الحل الوحيد اللي يخليني أوقف الجواز أوعدك لو
انهارت دموعها تنظر إليه بتيه وشعرت وكأن الأرض تدور بها
_أفضح نفسي
هز رأسه سريعا وقال
_هنروح مستشفى محدش يعرفنا فيها وكمان هقول إنك مراتيأنا هتصرف المهم أتأكد.
_تتأكد طيب وحالتي مفكرتش فيها!
نهض من مكانه وأدار ظهره وتمتم بصوت خرج مكسورا
_خلاص نكمل الجواز زي ماقلت لك سنة تستحمليها غير كده مينفعش أخذل باباكي ولا حد.
التفت إليها سريعا وقال
_على فكرة حتى لو أنا ماكنتش اتكلمت يوسف كان هيكتب عليكي يرضيكي توجعي ضي كده محدش مننا ينفع يسيبك في الحالة دي وإحنا مش عارفين إيه اللي
كور قبضته وعجز عن إكمال حديثه.
نهضت تمسح دموعها وقالت بصوت متماسك رغم ارتجافه
_موافقةبس عندي شرط.
التفت إليها.
_محدش يعرف حتى يوسف..في كل الأحوال مش عايزة حد يعرف أي حاجة.
_موافق.
اقتربت خطوة ونظرت داخل عينيه
_ولو طلعت سليمةمش هتكمل الجواز
نظر داخل عينيها بثبات موجع
_هعمل اللي إنتي عايزاه يا رولا لو دا يريحك.
قاطعهما طرق خفيف على الباب
_مساء الخير يا دكتور.
_تعالي يا كارما.
اقتربت توزع نظراتها بينهما ثم قالت
_ازيك
اومأت رولا دون حديث
فتح جهازه وأشار لكارما
_نزلي كل اللي اشتغلتي عليه هنا وبكرة أشوفهم ونكلم الصيدلية
_حضرتك مش هترجع النهاردة
نزع البالطو الأبيض وهز رأسه
_لا.
_يلا.
كانت رولا تنظر إلى كارما بهدوء غامض ثم تحركت معه..استقلت السيارة بجواره ومع ارتفاع رنين هاتفها
_أيوه يا ماما.
_حبيبتي إنتي فين أوعي تكوني كلمتي بلال في حاجةبلال كويس يا بنتي بلاش عندك يضيعك.
_ماما لازم أقفل.
صاحت رحيل بقلق
_رولا هزعل منك لو عملتي اللي في بالك صدقيني هتندمي.
أغلقت الهاتف ونظرت إليه
_هنروح فين
صمت ولم يرد.
هتفت بضجر ممزوج بالخوف
_ممكن أعرف مابتردش ليه
_لدكتورة نساهنروح مركز بلاش مستشفى.
_لا مستشفى أحسن وأضمن وفيها دكاترة كتير يعني لو ماعجبناش واحد ممكن نشوف التاني.
_هنروح لدكتورة مش دكتور.
بعد فترة توقفت السيارة قبضت على ردائها وارتعشت يدها نظرت إلى اللافتة الكبيرة التي كتب عليها
أستاذة النساء والتوليد.
استدار إليها يتألم قلبه على حالتها
_رولابصيلي
رفت أهدابها وقالت بصوت مرتعش
_أنا خايفةماما طلبت مني قبل كده بس ماقدرتش يلا نروح مش عايزة أنا موافقة
قالتها وجسدها كله يرتجف.
_تمام اهديخلاص انسي هنرجع.
انفجرت في البكاء بنشيج مكتوم
_أنا ليه بيحصل معايا كده..ليه!
قالتها بانهيار
_أنا آسفسامحيني خلاص انسي انسي.
ظل يهدهدها كطفل صغير بصوته الحاني وكلماته الدافئة حتى هدأت تماما.
رفع زجاجة المياه نحوها
_اشربي.
هزت رأسها بالرفض ثم رفعت عينيها إليه تنظر في عينيه الحانيتين وكأنها تبحث فيهما عن أمان ضائع.
_لأهكشف.
قالتها فجأة ثم ترجلت من السيارة دون أن تنتظر رده.
فتح باب سيارته بعدها بثوان ونزل يجر قدميه بصعوبة كأن كل خطوة تقربه من حكم مؤجل لا يعرف إن كان خلاصه أم إعدامه.
كان يسير خلفها ويدعو في سريرته بصوت لا يسمعه سواه
_يارب متوجعش قلبي أكتر من كده حتى لو مش هتجوزها المهم ماأشوفش كسرتها.
دخلت المصعد دون أن تنظر إليه.
لحق بها وقف إلى جوارها يختلس النظر لملامحها المنهكة ويديها المتشابكتين بقوة كأنها تمسك نفسها من الانهيار.
صعد المصعد
لا صوت إلا دقات قلبه.
دلفا إلى العيادة بعد دقائق.
جلست أمام الطبيبة جسدها يرتعش رغم محاولتها التماسك عيناها معلقتان به كأنها تستمد منه شجاعة لا تملكها.
قال أخيرا بصوت خرج كالنار من صدره
_متجوزين بقالنا فترة و
قاطعته رولا سريعا كأنها تخشى أن ينطق بما لا تتحمله
_عايزة أعرف الحمل اتأخر ليه.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة عملية معتادة
_بقالكم قد إيه
_خمس شهور.
_تمامخلينا نطمن الأول بالسونار.
كانت عيناها على الشاشة بينما جسد رولا متيبس أنفاسها غير منتظمة وقلبها يدق بعنف كأنه يطرق بابا مغلقا...مرت ثوان ثقيلة.. ثم قالت الطبيبة بهدوء
مفيش أي علامات لحمل.
همست رولا بصوت متحشرج
_يعني إيه
نظرت لها الطبيبة نظرة متفحصة ثم قالت بحذر مهني
_مبدئيا كدا دا مش تأخر ولا حاجة ولو تأخر زي ماإنتي واهمة نفسك فتأخر الحمل له أسباب كتيربس في حالتك محتاجين كشف بسيط علشان نطمن أكتر.
تبادلت رولا النظرات معه.
الخوف في عينيها كان واضحا حد الألم..أومأ لها وعيناه ترسل إليها الطمأنينة نظرت للطبيبة وأومأت بصمت..
نهض من مكانه سريعا وقال
_هستناكي برة لما تخلصي..قالها وخرج وهو لا يكاد يشعر بقدميه.
جلس على المقعد وقلبه يخبط صدره كأنه يريد الهرب... يشعر بنيران تكوي أحشائه داخل الغرفة سكون ثقيل...أنفاس رولا وحدها تسمع.
مرت دقائق..إلى أن سألت الطبيبة رولا
_أنا محتاجة أسألك سؤال مباشر
إنتوا متجوزين بقالكم خمس شهور
_أيوه..قالتها رولا سريعا ابتلعت الطبيبة ريقها وقالت بوضوح قاطع
_لأن بالكشفالغشاء سليم.
شهقت رولا ثمضحكة أفلتت منها دون وعي.
ضحكة هستيرية مختلطة بالدموع.
رفعت رأسها فجأة ونظرت إلى الطبيبة برجاء
_ممكنماتقوليش قدامه
طالعتها الطبيبة بريبة
_ليه
_الموضوع ده حياة أو موت.
قالت بسرعة كأنها تخشى أن تتراجع
_قولي أي حاجة عن تأخير الحمل المهم ماتقوليش حاجة.
_هو جوزك تعبان وإنتي بتحاولي تساعديه
ضحكت رولا ضحكة خفيفة أنارت قلبها قبل وجهها
_لابس أسرار عائلية.
تنهدت الطبيبة
_ضميري المهني.
قاطعتها برجاء مكسور
_حضرتك مش هتكذبي قولي بس مفيش موانع للحمل وخلاص.
صمتت الطبيبة لحظات ثم نهضت ببطء وخرجت.
همست رولا لنفسها كمن يطمئن قلبه
_أنا سليمةأنا سليمة
خرجت وجلست أمام الطبيبة نظراتها معلقة بوجهها..ثم فتح الباب.
دخل بعدما استدعته الطبيبة وقف أمام الطبيبة جسده مشدود ينتظر الحكم وكأنه أمام قاض.
رفعت الطبيبة عينيها إليه وصوتها هذه المرة لم يكن آليا بل مشوبا بدهشة حقيقية.
قالت الطبيبة بصوت مهني متزن
_اللي قدامي مفيش موانع واضحة للحمل ممكن سفرك وبعدكم عن بعض هو اللي مأخر الموضوع.
أخرجت
_وده طبيب شاطرالأفضل تكشف عنده.
_طبيب
تمتم بها باستغراب ونقل بصره ببطء إلى رولا التي تصنعت الحزن وخفضت عينيها..كانت حالته لا تستدعيه أن يركز بكلماتها.
لم يسأل..أومأ لها وخرج