شظايا 4
المحتويات
عمرك حبيت
رفع رأسه إليها سريعا كأن سؤالها اصطدم به دون إنذار..طالعها بصمت موجوع وتعلقت عيناه بعينيها لثوان ثقيلة ثم سحب نظره سريعا كمن يخشى انكشافه وعاد يفرد القشطة بعصبية مفتعلة
_بتسألي ليه
قالت بنبرة حاولت تبدو هادئة رغم ارتعاشها
_ مش مراتك ومن حقي أسأل.
توقفت يده لحظة شد فكه ثم ابتسم ابتسامة جانبية باهتة لا تصل لعينيه ونعم الزوجة الصالحة يا أختي.
هتفضل تعاملني لحد إمتى كده
_ أنا آسف عارف إني اتعصبت عليكي متزعليش مني.
_ انسى يعني جت عليك إنت كمان..
تعرف بابا مخاصمني.
_ حقه.
_ عندك حق المهم إنك ماجاوبتش على سؤالي.
قطب جبينه متسائلا
_ عن إيه
رفعت رأسها تنظر إليه مباشرة بنبرة
جادة هذه المرة
_ والله على فكرة أنا بتكلم بجد عادي اعتبرني زي الأول فاكر لما كنت بتحكي لي كل حاجة
وأشار إليها
_ كلي ده الأول.
_ هتحكي
نظر إليها بصمت لثوان بدت أطول مما هي عليه ثم قال
_ ليه مصرة يا رولا عمرك ماسألتيني قبل كده مش غريبة
تلاعبت بالطعام أمامها وصمتت ثم هزت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة.
_ طيب خلصي أكلك هقوم أعمل قهوة..عارف إنك مابتعرفيش تعمليها.
نظرت إلى الطبق ثم إليه
_ إنت مافطرتش
تحرك نحو المطبخ وهو يجيب دون أن يلتفت
_ مابفطرش بشرب قهوة بس.
وضعت الخبز جانبا وقالت بهدوء عنيد
_ وأنا كمان مش عايزة.
التفت إليها فجأة فوجدها قد نهضت من مكانها..استدار بكامل جسده نحوها
_ إزاي يعني مش كنتي بتقولي ماأكلتيش
_ كنت بس دلوقتي ماليش نفس.. اعمل قهوتك وأنا هدخل آخد شاور لحد ماتخلص.
_ استني عندك.
توقفت متأففة تعرف تلك النبرة وتعرف مابعدها
_ نعم
أشار إلى الطعام بصرامة
_ افطري الأول.
رفعت حاجبها بسخرية واضحة
_ اللي هو يعني أنا طفلة وهتأكلني غصب عني
ونبرتها اختلط فيها العتاب بالاختناق
_ بلال أنا عارفة إنك ضحيت وعارفة إنك دفعت غالي زي مابتقول بس التحكم ده مابحبوش.
أنهت جملتها ودلفت إلى الداخل دون أن تنتظر ردا.
ركل المقعد بغيظ من استفزازها صدره يعلو ويهبط ثم دلف إلى المطبخ بعد لحظات.
بمنزل يزن..
جلس الجميع يتناولون الإفطار في جو من المحبة والألفة ترأس يزن طاولة الطعام رحيل وعلى الجانب الآخر آسر يقابلهما كريم وزوجته إيمان وابنتاهما التوأم آسيا وسدن.
كانت عينا يزن معلقتين بمقعد ابنته الفارغ شرود لم يغب عن عين كريم فتنحنح قائلا
_أول يوم هيكون صعب بعد كده هتتعود وبعدين دي بينك وبينها خطوتين.
ابتسمت إيمان وأضافت وهي تهز رأسها
_هو يزن كده فاكر بعد فرحنا كل ساعة يتصل شوية
وهتلاقيه بينط لهم هناك وبعدها هيتعود.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه ولمعت عيناه بدموع وجع حاول كتمها
_بكرة..هتتعود.
قاطعت رحيل الحديث
_إيه يا إيمان البنات مابياكلوش ليه
أجابتها آسيا ببساطة
_أنطي رحيل إحنا مابنفطرش..كابتشينو وخلاص.
عقدت رحيل حاجبيها بحنان
_حبيبتي غلط على الصبح.
ضحكت سدن بخفة
_عصر السرعة حتى في الكوفي يا أنطي المهم بقى أنا عايزة أشوف مصر يا بابي حضرتك وعدتنا.
تراجعت آسيا بظهرها إلى المقعد وقالت بحماس
_نوووه..أنا عايزة أشوف
The Egyptian Museum.
نظر كريم إلى ساعته ثم قال
_مش النهاردة يا حبيبتي.
ثم اتجه بنظره إلى يزن
_إيه رأيك فاضي نروح نشوف الموقع ولا إيه
التفت يزن إلى رحيل
_اتصلتي برولا..اطمنتي عليها
_شوية ممكن تكون نايمة.
تقدمت سدن بحماس
_خالو ممكن أروح معاكم بابي قال هنشوف مصر كلها.
توقف كريم بعد أن أنهى طعامه
_حبيبتي النهاردة مشغولين بكرة أو بعده.
قالت رحيل بابتسامة
_خلصي فطارك وننزل مع بعض نشوف الحلوين عايزين يشوفوا إيه.
ثم رفعت عينيها إلى نجلها
_آسر هتنزل الشغل
رفع عينيه من فوق هاتفه
_لا يا ماما عندي شوية حاجات هعملها من البيت.
_تمام يا حبيبي.
ثم التفتت إيمان إلى بناتها
_يلا اجهزوا هننزل بعد ساعتين.
_أوكيه.
_أوكيه مام..قالتها سدن بينما توقفت آسيا تنظر إلى آسر
_هي رولا هتيجي هنا النهاردة
رفع عينيه وابتسم
_مينفعش عندنا العريس والعروسة مابيخرجوش أول يوم.
_أوبس!
جلست سدن بجواره بفضول
_آسر عايزة أركب Boat فاضي
نظرت إليها آسيا بملل
_أنا هخرج الجاردن وإنتي شوفي هتعملي إيه...
boat horse.
قالتها وخرجت فتابعها بنظرة صامتة لكنه التفت على صوت سدن
_مابتردش ليه
_أوكيه يا سدن بالليل دلوقتي مينفعش..أكون خلصت شغل.
_أوكيه خلاص هخرج مع مامي ومامتك.
أومأ لها فصعدت إلى الأعلى.
بعد فترة..
_جلست ممددة بالحديقة تستمع إلى الموسيقى ترفع خصلاتها بقلمها وتنظر للقطة وهي ترسمها رفعت كوبها ترتشف منه..
شعر بالإرهاق فنهض من مكانه متجها إلى النافذة وقعت عيناه على تلك الجنية الصغيرة نزعت قلمها تهز رأسها لتتطاير خصلاتها وانحنت على ألوانها لتغطي خصلاتها وجهها لمعت ابتسامة وهو يرى جمالها اتجه أحدهم إليها
_إحنا هنخرج حبيبتي هتفضلي لوحدك
_Yes.
حبيبتي نتكلم عربي اتفقنا على كدا.
_أوكيه أنا مش هروح معاكم مبحبش الزحمة..أنا هنا مع لافي كاتي.. قالتها وهي تحمل قطتها.
_تمام..مش هنتأخر.
_أوكيه.
دقائق حتى شعرت بالملل فنهضت..
قطع مراقبته لها رنين هاتفه
_أيوه يا يوسف.
_ماتيجي نروح لبلال شوية وحشني وعايز أرذل عليه.
ضحك وهو مايزال يراقبها ثم رد
_تمام خمس دقايق وهعدي عليك بس مش المفروض نتصل الأول
_لا زمانهم صحيوا اجهز يلا.
خرجت ضي من الحمام على كلماته
_إنت صحيح هتروح لبلال
_نعيما يا
_يوسف أنا فرحانة أوي.
_إن شاء الله أيامنا كلها تبقى فرح.
ثم أضاف بجدية خفيفة
_المهم هنزل أشوف بلال مينفعش ماأسألش عنه وأشوف كلم رولا ولا لأ.
تغيرت نبرتها
_ليه هو ناوي يكلمها في إيه!.
_في طبيعة علاقتهم.
قالت بنبرة حاسمة
_ماتخافش هي عارفة كل حاجة..قوله مالوش لزوم يقولها حاجة..بلاش تحسسوها إنها رخيصة أوي.
تجمد للحظة ثم قال بنبرة معترضة
_إيه اللي بتقوليه ده يا ضي! مش ده قصدي أنا قصدي حاجة تانية خالص.
قطبت جبينها وتساءلت
_مش فاهمة.
اتجه إلى الحمام دون أن يضيف كلمة.
بمنزل إسحاق الجارحي..
انتفض من فوق فراشه كأن الخبر أيقظه من حلم وتوقف أمام والدته بعينين لا تصدقان
_يعني...مابتهزروش صح عمو إلياس وافق بجد!.
ضحكت دينا ولمعت عينيها بالفرحة ونظرت إلى عمران
_غنيله علشان يصدق.
ارتجفت شفتاه وهو يضحك
_ماما إنتي أحسن أم في الدنيا ربنا يخليكي ليا.
ابتسمت وهي تمسح على رأسه
_ألف مبروك يا حبيبي.
_وأبوك أوحش أب في الدنيا يا كابتن..
قالها إسحاق الذي دلف للتو.
التفت إلى والده وضحك بصوت خرج من قلبه
_عملتها يا إسحاق!
_ألف مبروك يا حبيبي عمرك ماتشك إنك عند أبوك أغلى من روحه.
قاطعهم عمران بمزاح
_ماخلاص بقى يا إسحاق إيه جو العشق الممنوع ده أومال هو لما أغلى من روحك..أنا إيه
_تعال إنت يا طويل وأهبل فرحني شوية بدل الدموع دي.
تعالت الضحكات واختلطت بدموع الفرح حتى امتلأت الغرفة بالدفء..
_جهز نفسك..بالليل نروح نخطبها.
اتسعت ابتسامته وكأنه يسمع الجملة لأول مرة
_اعتبرني جاهز من دلوقتي أنا مستني اللحظة دي من زمان.
ابتسم إسحاق وعيناه تبرقان فخرا
_ربنا يسعدك يا حبيبي ويكتب لك اللي يرضي قلبك.
_ربنا مايحرمني منك يارب يا بابا.
بمنزل بلال..
وصل يوسف برفقة آسر إلى منزل بلال..
كان الأخير يتسطح على فراشه يحدق في السقف بشرود ثقيل كانت مشاهد أمس تتناوب فوق صدره بلا رحمة. قطع شروده رنين الجرس فنهض على مضض واتجه إلى الخارج.
خرجت رولا بملابسها البيتية حتى توقف مكانه عيناه علقتا بها قبل أن ينطق
_رايحة فين كده
_هفتح ممكن ماما.
قطب حاجبيه فورا
_إنتي قولتي ممكن ماما..ادخلي جوة لما أشوف مين وبعد كده ماتخرجيش بالشكل ده وإنتي متعرفيش مين على الباب.
رفعت حاجبيها باستغراب
_ماله شكلي يا بلال بيجاما طويلة أهو وشعري ملموم.
تنفس بعمق يتمتم بنفاد صبر
_اللهم طولك يا روح.
تحرك ناحية الباب وفتحه فتوقف عاقدا ذراعيه ونبرة السخرية تسبق ابتسامته
_ إيه كنتوا بتحلموا بيا
دفعه آسر ودلف للداخل بلا تردد
_ وسع كده أنا مش جايلك أنا جاي لأختي اللي بحاول أصدق أصلا إنك اتجوزتها!
ماإن وصل صوت أخيها
_ آسر...
_حبيبة قلبي وحشتيني يا روليتا.
_صباح الجمال على أجمل عروسة.. قولي لي الواد ده عمل حاجة تزعلك
شهق بلال بتصنع
_شوف الغبي! بيقول عليا واد وأنا أصلا أكبر منه.
قاطعهم دخول يوسف وهو ينهي مكالمة هاتفية بالخارج
_ مبروك يا ببلاوي بالرفاء والبنين إن شاء الله.
_ إنت هتستهبل رفاء وبنين إيه
نظر يوسف إلى وقوف آسر ثم اتجه نحوه
_ رولا عاملة إيه
_ كويسة وبعدين بلاش تحسسني إني كنت بعذبها.
ابتسم يوسف بخفوت
_ بلال بلاش رولا تعرف موضوع كارما دلوقتي..مهما كانت هتزعل أي حد هيزعل.
تجمد بلال
_موضوع إيه!! مش فاهم.
مط يوسف شفتيه ينظر إليه بتقييم ثم انحنى قليلا
_ مش قولت إنك بتحبها رجعت في كلامك ولا إيه
حك بلال رأسه من الخلف بضيق
_ شوفت بابا عمل إيه..طيب الخطوبة وقولت ماشي ليه يعزمها في الفرح
_ والله هو عمو اللي عزمها!.
طالعه بشك ثم تذكر شيئا فجأة
_ إنت اللي عزمتها
دفعه يوسف وهو يدخل
_ هنتكلم على الباب
ثم التفت بنظره إلى رولا صوته ألطف
_ عاملة إيه يا رولا
_ الحمد لله يا يوسف كويسة إنت عامل إيه..وضي عاملة إيه
_ كويسين هي هتيجي لك بعد شوية.
قاطعهم صوت بلال بحدة خفيفة
_ مش هتجيبي حاجة للضيوف
_ إحنا مش ضيوف أنا عايز أقعد معاها وحشتني.
تأفف بلال بتصنع
_ اللي يسمعك يقول غايبة بقالها سنين دول مش عشر ساعات.
تمنت أخاها يأتيها بصباحيتها يتشاجر مع زوجها بهذه الطريقة الطريفة يملأ البيت ضحكا وطمأنينة.
لكن الحقيقة كانت أقسى كل شيء هنا تمثيل حتى فرحتها.
جلس يوسف
_ حمزة الجارحي هييجي يطلب إيد شمس النهاردة...هتحضر ولا إيه
جلس بلال يطالعه بتساؤل
_ هو عمو وافق
أومأ يوسف
_ أيوة وإن شاء الله هيلبسها الدبل والخطوبة بعد امتحاناتها.
مضت الساعات سريعا لا تمر... بل تسحب سحبا حتى جاء موعد وصول إسحاق.
دلفت سيارته تشق حديقة الكمبوند بوقار يفرض وجوده كأن المكان نفسه انتبه لضيف ثقيل الحضور. خلفه توقفت سيارة حمزة ثم عمران وأخيرا فاروق الذي قطع المسافة إلى القاهرة خصيصا استجابة لطلب إسحاق لحضور تلك المناسبة التي لا تفوت.
توقفت السيارات تباعا.
ترجل إسحاق أولا مستقيم القامة ثابت النظرات يحمل هيبته كما يحمل اسمه. اتجه نحو دينا التي نزلت بجانبه بابتسامة واثقة عيناها تتجولان سريعا على المستقبلين إلياس ويوسف في المقدمة وبجوارهما أرسلان ويزن يقفون كصف واحد من الرجولة والحضور.
تحركت دينا بمحاذاة زوجها خطوتها هادئة وهيبتهما تسبق وصولهما.
ابتسم إلياس ابتسامة واسعة صافية وقال بنبرة ودودة تحمل صداقة السنين
_ الكمبوند نور يا إسحاق باشا.
قهقه إسحاق
_
ارتفعت ضحكاتهما ضحكات رجال يعرفون بعضهم أكثر مما يقولون لكن عيني إلياس سرعان ما توقفتا...
تجمدت ابتسامته للحظة حين وقع بصره على الفارس الذي طلع بهيئته الخاطفة للأنظار حضوره صامت لكنه صارخ.
أشار إليه
متابعة القراءة