ولد فقير
بقيت مغلقة لسنوات.
ثم لم تتمالك نفسها
ألقت بجسدها عليه كما لو كانت تخاف أن يختفي لو تركته ودموعها تسيل بحرارة على كتفه النحيل.
تردد لوهلة لم يعتد أن بهذا الشكل لكن يديه ارتفعتا في النهاية ببطء
قالت وهي تبكي
ما راح أخليك تضيع. وعد.
لم يكن يدرك تماما وزن هذه الجملة ولا ماذا يمكن أن تفعل امرأة مثلها إذا قررت أن تفي بوعدها.
لكنه شعر داخله بأن شيئا ما تغير إلى الأبد.
في اليوم التالي لم يعد الأمر مجرد جلسة تمرين في شقتها.
استدعته إلى مكتب زجاجي صغير في إحدى ناطحات السحاب التي كانت تمتلكها شركتها القديمة.
وقفت أمامه مستندة إلى عصا طبية أنيقة وقالت
من اليوم هذه غرفتك.
فتح عينيه بدهشة.
الغرفة كانت بسيطة لكنها بالنسبة له قصر.
مرآة كبيرة سجادة رياضية كرات تدريب حبال مطاطية نموذج هيكل عظمي صغير ورف كامل من الكتب المختصة بالعلاج الطبيعي وعلم الحركة.
وفي الزاوية مكتب صغير عليه لوحة مكتوب عليها
Marcus Carter Student Trainer
نظر إليها غير
هذا لي
أومأت برأسها
لك. وبداية مو نهاية.
سجلته في برنامج مسائي لدراسة أساسيات العلاج الطبيعي ورتبت مع مديرة المدرسة ليحصل على دعم إضافي في المواد العلمية.
أرسلت له مدرسا يزوره مرتين في الأسبوع لمساعدته على واجباته وأعطته بطاقة مفتوحة لاستخدام مكتبة خاصة ضخمة.
قالت له في ذلك اليوم وهي تجلس أمامه على كرسي قابل للحركة وقدميها تميلان إلى الأمام بثقة لم تعهدها من قبل
إذا كانوا قالوا لك إن الفقير ما يصير شي فأنا بقول لك راح تصير كل شي.
ومع مرور السنوات تحققت هذه الجملة بالمعنى الحرفي تقريبا.
ماركوس لم يعد مجرد فتى جائع يحمل دفترا قديما.
أصبح اسما معروفا في مجتمع صغير أولا ثم في أحياء أكبر ثم على مستوى المدينة.
الناس كانوا يأتون إليه من كل مكان
أطفال يعانون من مشاكل في المشي كبار سن يعانون من آلام مزمنة أشخاص فقدوا الأمل في إعادة تأهيل أطرافهم.
كان يستقبلهم بابتسامة ويقول جملته المعتادة
ما عندنا سحر بس عندنا أمل وشغل كثير.
وكان يرفض
إذا لم يستطع أحدهم الدفع كان يقول
ادع لي بس هذا يكفي.
كارولاين من جهتها تغيرت هي الأخرى.
لم تعد تلك المرأة المنعزلة التي تغلق أبوابها أمام العالم.
فتحت جزءا من شقتها لعائلته دعت والدته ذات مرة عندما علمت أنها تعمل ساعات طويلة في التنظيف.
رأت المرأة المنهكة بيديها المتشققتين ونظرة الخجل في عينيها عندما دخلت ذلك البنتهاوس الفخم.
قالت لها ببساطة
ابنك أنقذ حياتي.
أجابت الأم بعينين مغرورقتين بالدموع
وهو يقول إنك أنقذتيه.
هكذا
وجد الاثنان أنفسهما في علاقة لا تشبه أي علاقة أخرى.
لم تعد الحدود بين الغني والفقير بين السيدة والخادم بين المريضة والمعالج واضحة.
كانا أقرب إلى عائلة خلقت بالاختيار لا بالدم.
وفي إحدى الأمسيات بعد سنوات من تلك اللحظة الأولى أمام المقهى كانت كارولاين تمشي بثبات في إحدى قاعات مركز إعادة التأهيل الذي أسسته مع ماركوس.
على الجدار صورة كبيرة لهما
هي تسير بعصا أنيقة وهو يقف بجانبها مرتديا معطفا
جاءت إليها سيدة تدفع كرسيا متحركا تجلس عليه طفلة صغيرة تبدو خائفة من كل شيء.
قالت الأم بصوت مرتجف
قالوا لي إنكم آخر أمل لنا.
انحنت كارولاين أمام الطفلة نظرت إلى عينيها مباشرة وقالت
أنا كنت في يوم من الأيام مكانك. وكان في شخص واحد بس صدق إني أقدر أقوم.
اليوم إحنا الاثنين بنصدق إنك تقدرين.
التفتت نحو ماركوس الذي كان يراقب المشهد من بعيد وابتسمت.
هو فهم ما أرادت قوله دون كلمات.
اقترب جلس على ركبتيه أمام الطفلة ومد يده
أنا ماركوس.
وبصراحة أنا أحب المستحيل لأنه بس المستحيل اللي يورينا قد إيش إحنا أقوياء.
ولو سأل أحد كارولاين اليوم
كيف مشيتي كيف
رجعت حياتك كيف خرجت من عزلتك
فهي لن تقول بفضل أفضل الأطباء.
ولا بفضل الأجهزة المتطورة.
ولا بفضل المال.
بل ستبتسم ترفع عينيها كأنها تتذكر ذلك اليوم الحار أمام المقهى ذلك الفتى النحيل الكيس الورقي المجعد الجملة الأولى التي قالها بخجل وجرأة في نفس الوقت
ولد فقير آمن في يوم أنا ما قدرت أؤمن بنفسي.