ولد فقير
المحتويات
هادئا مكسورا يشبه اعترافا مرا
أبي ضربني. لأني ما أجيب له فلوس. لأني أروح المكتبة. لأني ما أبيع أشياء غلط. لأنه قال لي العلم ما يأكلك عيش.
تلك الجملة الأخيرة غرست شيئا حادا في قلبها.
كم مرة سمعت هي عكس هذه الجملة بالضبط
حياتها كلها كانت مبنية على فكرة أن العلم والعمل والمعرفة هي التي تصنع الحياة.
بينما هذا الطفل يعيش مع رجل يرى أن العلم لا يطعم جائعا ولا يحمي من البرد.
صمتت كارولاين طويلا.
طويلا لدرجة جعلت ماركوس يظن أنه ارتكب خطأ فادحا بحديثه.
كاد يقول آسف خلينا نكمل وكأن شيئا لم يكن.
لكنها كانت في عالم آخر.
لأول مرة منذ خمس سنوات أحست أن الألم في صدرها ليس فقط ألم فقدان الساقين بل ألم رؤية انعكاس حياتها المكسورة في عيون طفل لم يعط حتى فرصة البداية.
لم تنطق باعتذار.
لم تقل كلمة تعاطف.
لكن نظرتها لم تعد هي النظرة نفسها.
ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء بينهما.
بدأت تستيقظ قبل الموعد بوقت أطول.
لم تعد تنتظر صوت جرس الباب بضجر بل أصبحت تلتفت إلى الساعة مرارا وكأنها تخشى أن يتأخر.
مرة حين تأخر عشر دقائق شعرت بانقباض غريب
ماذا لو حصل له شيء ماذا لو منعه أبوه ماذا لو لن يأتي مرة أخرى
وعندما دق الجرس أخيرا فتحت الباب بنفسها لأول مرة بدل أن تطلب من حارس المبنى أن يصعد
كان واقفا يلهث قليلا يحمل دفتره ويقول
آسف ركضت آخر الطريق عشان ما أتأخر أكثر.
لم تكن معتادة أن يعتذر أحد لها بهذا الإخلاص.
هزت رأسها فقط وقالت
ادخل.
في الأيام التالية لم يعد الحديث بينهما مقتصرا على التمارين.
كانت تسأله عن المدرسة
أي مادة تحب
فيجيب بحماس طفولي لا يمكن إخفاؤه
الأحياء أحب أفهم كيف الجسم يشتغل. وكيف العضلة تتحرك. وكيف الجرح يلتئم.
تتفاجأ.
تسأله
وأصعب مادة
يضحك ويقول
الرياضيات بس أحاول. أقول لنفسي لو فهمت الأرقام يمكن أفهم الدنيا.
كانت تضحك لأول مرة تضحك من قلبها على جملة تخرج من فم شخص آخر لا من شاشة ولا من فيديو ولا من برنامج ساخر.
ومع مرور الشهور لم تعد جلساته مجرد تمارين جسدية.
كان يضع الموسيقى أحيانا من هاتفه القديم أغان هادئة لا تحتوي على كلمات كثيرة.
يعد لها عدد الحركات ويطلب منها أن تخبره عندما تشعر بألم حاد أو بشد مفاجئ.
وفي المقابل كانت هي تقرأ بصوت عال أحيانا فقرات من كتاب قديم عن ريادة الأعمال تعلمه كلمات جديدة تصحح له نطق المصطلحات الإنجليزية وتشرح له أفكارا عن العمل والاستثمار والنجاح.
هو كان يعطيها الأمل في الحركة.
وهي كانت تعطيه الأمل في أن يصبح شيئا حقيقيا في هذا العالم.
في إحدى الليالي بعد جلسة متعبة جلس ماركوس على الأرض
سألته
تتعب
ضحك وقال
أكيد بس التعب هذا حلو. أحسن من التعب وأنا أركض في الشارع بلا هدف.
سألته فجأة
لو خيروك تترك كل هذا وتشتغل شغلة تجيب فلوس سريعة بدون تعب بس غلط توافق
رفع رأسه نظر إليها طويلا ثم قال
في ناس جاعت وماتت وهي رافضة الغلط. بس ما حد حكى عنهم. بس أنا ما أبغى أموت وأنا مو راضي عن نفسي. حتى لو محد شاف.
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تهز شيئا قديما في داخلها.
تذكرت كم مرة باعت مبادئها بالتدريج باسم الصفقات باسم الإنجاز باسم النجاح
وتذكرت كيف انتهى بها الحال وحيدة على كرسي متحرك محاطة بثروة لا تستطيع أن تملأ الفراغ.
ومع مرور الوقت بدأت قدماها تتحركان.
في البداية مجرد ارتجاف خافت لا يرى إلا بالعين المتمرسة.
ثم شد خفيف كأن العضلة تستيقظ من سبات طويل.
ثم محاولة لدفع الأرض ببطء كطفل يحاول الوقوف للمرة الأولى.
كان ماركوس يحتفل بكل تقدم صغير وكأنه انتصار عالمي.
عندما تهتز أصابع قدمها فقط يضحك ويقول
شوفي! هذا إعلان رسمي إن رجلك رجعت على الساحة!
كانت تهز رأسها وتبتسم رغما عنها وتشعر أن شيئا ثقيلا كان يذوب من كتفيها مع كل جلسة.
وفي يوم مشمس بعد أشهر من العمل المتواصل دخل ماركوس وعلى وجهه ملامح مختلفة.
لم يكن متوترا هذه المرة بل حاسما.
قال لها بعد أن أنهى الإحماء
اليوم راح تقومين.
رفعت حاجبها
تضحك علي
ابتسم
لا. بس حان الوقت.
ضحكت ضحكة عصبية محاولة أن تخفي خوفا حقيقيا
راح أفشل.
لكن صوته جاء هادئا ثابتا
حتى لو فشلنا راح نحاول من جديد. الفشل مو نهاية هو بس طريقة تقول لنا غيروا الخطة.
مد يده نحوها.
ترددت لثوان
ثم مدت يدها هي الأخرى حدقت في أصابعها وهي تتشابك بأصابعه النحيفة وشعرت أن العالم كله يختصر في تلك القبضة الصغيرة.
سحبها برفق خطوة بخطوة.
شعرت بالأرض تميل تحتها الركبتان ترتعشان الدم يتدفق بقوة نحو قدميها كأنهما لم تعتادا على الوقوف منذ زمن بعيد.
قلبها يدق بقوة ليس فقط خوفا من السقوط بل خوفا من الأمل نفسه.
ثم
رفعت قدمها عن الأرض.
كانت لحظة قصيرة في عيون الآخرين لكنها كانت بالنسبة لها أطول من كل السنوات الخمس الماضية.
صرخة خرجت منها دون أن تخطط صرخة مزيج من الخوف والدهشة والتحرر.
ثم رفعت القدم الثانية.
وقفت.
وقفت حقا.
بدون كرسي.
بدون عجلات.
بدون مقبض معدني تسند عليه.
كانت تبكي وهو يضحك.
كانت ترتجف وهو يمسك يدها بقوة أكبر.
قالت له وسط شهقاتها
أنت رجعت لي الحياة.
هز رأسه نافيا بابتسامة لا تشبه ابتسامات الأطفال الآخرين ابتسامة من مر بكثير من الألم لكنه رفض أن ينكسر
لا أنت اللي لقيتيها.
سارت خطوة ثم ثانية ثم ثالثة
كل خطوة كانت تشبه خيط ضوء يمزق ظلمة غرفة
متابعة القراءة