ولد فقير

لمحة نيوز

لكن ماركوس للأسف
لم يكن يحمل مفاجأة واحدة فقطبل شيئا أكبر بكثير مما كانت كارولاين تتوقع من صبي في الرابعة عشرة يطرق باب حياتها المنهارة.
عندما اقترب منها ليبدأ التمرين الأول لاحظت كارولاين تلك الرعشة الخفيفة التي مرت عبر يديه.
كانت رعشة ليست غريبة عنها رعشة تعرفها جيدا.
رعشة تشبه تلك التي عاشتها في أيام المستشفى الأولى بعد الحادث حين كانت يداها ترتجفان من أثر الأدوية والخوف والصدمة
لكن هذه الرعشة فيه لم تكن بسبب ألم جسدي
بل بسبب شيء أعمق بكثير.
جوع.
جوع يضرب في العمق جوع قديم تعلم كيف يختبئ خلف ابتسامة متعبة جوع يعلم الإنسان كيف يخفي حاجته كي يبقى واقفا لا يسقط.
كانت كارولاين تراقب حنجرة ماركوس وهو يبتلع ريقه بين لحظة وأخرى وكأن جسده يحاول أن يقنع نفسه بأنه لا يحتاج إلى شيء رغم أن معدته كانت تصرخ بصمت.
سألته فجأة دون أن تخطط لذلك بصوت أقرب للعفوية منه للفضول
متى آخر مرة أكلت
لم تتوقع أن يهتز هكذا.
رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بارتباك طفل خائف أن يفتضح أمام معلمته.
تردد عض شفته السفلية حاول أن يلف الكلام أن يرمي نكتة أن يغير الموضوع
لكن الحقيقة خرجت منه رغما عنه بصوت خافت لا يكاد يسمع
يمكن يومين. ما أدري بالضبط.
ساد الصمت.
حتى صوت جهاز التكييف بدا

بعيدا فجأة.
نظرت إليه كارولاين وشعرت بشيء ثقيل حقيقي ينزلق فوق صدرها ببطء كأن قلبها لم يتحمل الفكرة أن الصبي الذي جاء ليعلمها كيف تنهض لا يجد ما يأكله.
اعتادت أن تحكم على الناس بسرعة أن تصنفهم هذا انتهازي هذا كاذب هذا متسلق
كانت قاسية صارمة لا تعطي فرصة ثانية بسهولة.
لكن أمام هذا الصبي ذاب جزء صغير من تلك القسوة دون إذن وكأن شيئا في روحه لامس جزءا طفوليا دفينا في قلبها لم تمتد إليه يد منذ سنوات.
ومع ذلك لم تظهر أي شيء.
خبرتها الطويلة في مجال الأعمال علمتها أن تخفي مشاعرها خلف جدران سميكة من البرود.
فقالت بلهجة جافة ثابتة تحفظها عن ظهر قلب
ابدأ شغلك أول بعدين ناكل كلنا.
مرت تلك الجملة فوق رأس ماركوس كأنها أمر عسكري لا نقاش فيه.
هز رأسه فورا كجندي صغير تلقى التعليمات واقترب منها أكثر.
في البداية كان يلمس ساقيها بخفة شديدة بأطراف أصابعه وكأنه يخاف أن يؤذيها أو يخاف أن يشعرها بأنه لا يعرف ما يفعل.
كان يراعي كل حركة يتحسس كل عضلة يختبر رد الفعل وكأن جسدها لوحة أمامه يحاول أن يقرأها للمرة الأولى.
مرر يديه حول ركبتيها بحذر رفع ساقها قليلا ثم أنزلها ثم أعاد المحاولة بزاوية مختلفة.
كانت عيناه تتحركان بتركيز عجيب بين حركة أوتارها وارتجاف عضلاتها كأنه يحاول
أن يحفظ خريطة الألم في جسدها ليعود إليها فيما بعد.
كانت تحاول ألا تظهر الألم.
شدت فكيها ضغطت على ذراع الكرسي وابتلعت أنينها.
لكن ماركوس بعين طفل عانى كثيرا كان يرى ارتجاف شفتيها في كل محاولة يرى تلك النظرة التي تمزج بين الخوف والغضب واليأس فيسارع إلى قول جملة لا يعرف هو نفسه من أين تأتيه
الوجع يعني لسه فيه حياة جوا العضلة. ما يخوف.
اندهشت.
الأطباء الذين قابلتهم منذ الحادث كانوا يتحدثون بلغة مختلفة نسب احتمالات فشل وظيفي عجز دائم
لم يقل لها أحد أن الألم يمكن أن يكون إشارة إلى حياة.
في الأسبوع الأول لم يتغير شيء تقريبا.
كانت التمارين مؤلمة وجسدها يرفض التعاون وكل صباح تستيقظ وهي تسأل نفسها لماذا سمحت لصبي مجهول أن يدخل حياتي
كانت أحيانا ترفع هاتفها وتفكر أن تتصل به وتقول لا تأت بعد اليوم.
لكن في كل مرة كانت تضع الهاتف جانبا وكأن هناك صوتا خافتا في داخلها يقول اصبري جربي مرة أخرى.
ولولا جوع ماركوس ربما كانت طردته بالفعل.
كانت تعرف أنه لا يملك رفاهية الاختيار مثلها فهو محتاج لهذه الفرصة أكثر مما تحتاج هي لخدماته.
وهذا الشعور وحده كان يمنعها من قطع ذلك الخيط الرفيع بينهما.
ما كان يدهشها ليس التمارين نفسها
بل إصراره.
حماسه.
الضوء الذي يخرج من عينيه كلما
بدأ جلسة جديدة وكأنه يرى نتيجة لا تراها هي بعد.
كان يأتي كل صباح وهو مبلل من المطر في الأيام الباردة وفي بعض الأيام كان يرتجف من البرد لأن قميصه الخفيف لم يعد يصلح لأجواء الخريف.
كانت قطرات الماء تسيل من أطراف أكمامه الممزقة على أرضية الرخام اللامعة فيترك وراءه أثرا صغيرا من البلل كخط باهت يعلن أنه مر من هنا.
ومع ذلك كان يقف أمام الباب وينفض الماء عن كتفيه ويقول بابتسامة صغيرة
أنا جاهز.
وذات صباح بينما كان يرفع ساقها اليسرى بحذر لاحظت شيئا لم تره من قبل
ندبة طويلة ممتدة عميقة بشكل لا يليق بطفل في عمره تمتد على جانب ضلوعه اليسرى كخط أبيض خشن يقسم جلده.
تقلصت ملامحها دون أن تشعر.
سألت بحدة انعكست فيها عادة قديمة في استجواب الموظفين المتخاذلين
شو هذي
تجمد ماركوس في مكانه.
يداه توقفتا أنفاسه انحبست وعيناه تهربتا نحو النافذة البعيدة.
كأنه سمع سؤالا
محرما سؤالا لا يطرح في العلن.
مو مهم.
قالها بسرعة وكأنه يحاول إغلاق باب فتح دون انتباه.
لكن كارولاين لم تكن من النوع الذي يتراجع.
خفضت صوتها لكنها شددت نبرتها تلك النبرة التي كانت تستخدمها عندما تريد أن تستخرج الحقيقة من بين أسنان محام مراوغ
ماركوس. أنا سألتك.
مرت ثوان طويلة قبل أن يتنفس بعمق.
ابتلع ريقه
وعاد نظره يتحرك بين الأرض وجدار بعيد كأنه يبحث عن ملجأ.
ثم خرج صوته
تم نسخ الرابط