رواية الرواية ج2من 46-50
المحتويات
روحها
لن تستطيع تكرار مأساة الماضي لن تكرر ألم فاتح لها
نبهها صوت داخلها وهو يزجرها مؤنبا
ألم تري بعد الفارق بين فاتح وعبدالرحمن.. ألم تلاحظي من منهما يحبك حقا ويريد سعادتك!
ألم تعقدي الكثير من المقارنات في البداية.. ماذا الآن
اتريدين زج عبدالرحمن في صورة فاتح وألمك منه
نفضت رأسها بعنف وهي تؤكد لنفسها أنها لا تفعل
هي فقدت تتخذ الحذر وسيلة لحماية نفسها
وايضا هي تدرك قيمة عبدالرحمن وتقدر حبه ولكن لا يسوئه أن تظل حذرة متيقظة.. هي فقط خائفة
مبرراتها الساذجة جعلتها تنتفض من الفراش وتتأفأف بحنق تنظر لساعة هاتفها التي تجاوزت الثالثة فجرا ولازالت عاجزة عن النوم.. عقلها غارق في تفكير لن يقدمها خطوة بل سيؤخرها خطوات
فتحت الفيسبوك تتابع مايعرض أمامها بلا مبالاة تحاول امضاء الوقت إلى أن يأتيها النعاس وترتاح من ذاك الأرض المزعج ولكنها توقفت فجأة ونظرت للمنشور المعروض أمامها والذي كان عبارة عن تهنئة كتبتها إبنة عمها بمناسبة خطبة فاتح على إحداهن
فاتح ارتبط!
لا تعلم ما سبب تلك البلادة التي تشعر بها فجأة
وكأنها قرأت الخبر عن شخصا لا تعرفه.. أو لا يهمها إن ارتبط أو سافر أو حتى فعل أعاجيب الدنيا
اغلقت الهاتف وتركته جوارها وهي تنتظر من نفسها أي ردة فعل واضحة على ذاك الخبر الذي علمته
انتظرت أن تبكي أو يؤلمها قلبها أو تدمع حتى قهرا أنه ارتبط بأخرى بعد الذي كان بينهم
ولكن لم تشعر بأي شيء مما ذكر.. الوصف الوحيد الذي يصفها في هذه اللحظة هو وصف اللا مبالاة أو البلادة.. وكأنها نجحت في نسيان فاتح.. أو أن عقلها وقلبها استوعبا أنهم لن يكونا معا ابدا
أن أنها ماعادت تهتم لأمره وأيقنت أن لا فائدة من التفكير.. لا تدري صدقا لا تدري ماسبب تلك البلادة!!
ودت لو تحادث احدهم وتخبره بخطبة فاتح
تحتاج أن تقول الخبر لتسمعه اذنها ويفسر لها أحدهم تلك الحالة التي تمر بها
مر الوقت طويلا وهي لازالت على شرودها وتفكيرها
إلى أن انتزعها صوت آذان الفجر يذكرها أن لها ملجئ تلتجئ إليه في كل أوقات اضطرابها وسكونها
فوقفت تتوضأ بعدما سمعت طرقات والدتها توقظها للصلاة.. لا تدري أن النوم لم يزورها تلك الليلة من الأساس
وقفت على سجادة الصلاة ورفعت كفها تكبر وتفتتح الصلاة وتتلوا الأيات بهدوء وتريث كي يتركوا تأثير السحر علة قلبها.. يتركوا السكينة والرضا مع كل حرف تتلوه.. ثم يليه الركوع والسجود وهي تقول داعية الله بصدق...
يارب ارضني بما قسمته لي.. يارب وفقني في حياتي يارب ابعد عني وساوس الشيطان
يارب اجعلني زوجة صالحة لعبدالرحمن واجعله خير معين ليا.. يارب ارضيني يارب وفقني
ظلت تكرر دعائها في سجودها إلى أن انتهت الصلاة
وانتهت معها كل مشاعر التيهة وغلف قلبها هدوء.. غريب لو كان أحدهم أخبرها أنها ستكون هادئة هكذا حينما تعلم ذاك الخبر لم تكن لتصدقه ابدا
ولكن الآن هي راضية قانعة بما قسمة الله.. قانعة ب عبدالرحمن
حينما انتهت من صلاتها ووقفت تجمع مصليتها وهي ترى والدها يدخل المنزل بعد انتهائه من الصلاة في المسجد..اقتربت منه تقبل وجنته متمتمة..
تقبل الله
ربت على ظهرها بحنان وهو يقول بخفوت..
منا ومنكم صالح الأعمال يارب
قالت فجأة بهدوء..
كنت سألتني عن ميعاد يناسبني للفرح يابابا
وفكرتي في ميعاد يناسبك!
حركت رأسها بإيجاب وقالت باسمة...
زي ماانت اقترحت بعد الامتحانات عشان نكون فاضيين تماما..
حينها ابتسم والدها سعيدا وأخرج هاتفه من سترته يخاطب صديقه المقرب والد عبدالرحمن يخبره بذاك الخبر السعيد
وانتقلت عدوى السعادة لصديقه ولها.. ولذاك الذي أنهى صلاة الفجر وختمها داعيا أن يرق قلب سارة له
وجائت ثمرة دعائه بأسرع مما توقع.. رق قلب الحبيبة
كانت تدور في شقة غزال بلا هدف فالجميع في الخارج وفاء في عملها وغزال والسيدة علية ذهبوا لزيارة والدة سلطان.. وبقت هي وحيدة بين تلك الجدران.. تسير بين الطرقات تحاول استرجاع اوقاتها الماضية هنا.. ولكن أوقاتها تلك لم تكن سوى تنظيف وغسل وكي واعداد طعام.. لم تكن أوقات سعيدة تهون على حزنها في هذه اللحظة
ساقتها قدماها لغرفتها القديمة تلك الغرفة التي اقسمت غزال ألا تقيم بها.. بل تمسكت بها أن تستقر معها في غرفتها.. تتقاسمان الخزانة وكذالك الفراش كالشقيقات.. وهذا أذهلها للحظات حينما سمعت هذا الكلام من غزال!
الغرفة الرئيسية تبيت بها السيدة علية والغرفة الثالثة اتخذتها وفاء
أما غرفتها القديمة فأغلقت نهائيا.. فتحتها وتأملت الفراش الصغير للغاية وتلك الخزانة التي كانت تضم ملابسها.. رباه هي لم تشتاق لتلك الغرفة ابدا
هي لم تشتاق لأي شيء حولها.. إلى هذه اللحظة لم تعتاد على مكوثها هنا رغم أن في تلك الشقة قضت نصف عمرها ولكن العام الذي قضته مع شريف في قصر الصياد جعلها عاجزة عن التأقلم من جديد تنهدت مختنقة وهي لا تدري مالذي ينبغي عليها فعله لتعوض ذاك الفراغ الذي بات يأكل قلبها.. ماالخطوة القادمة لتملئ حياتها الجديدة
أعليها أن تتابع دراستها في تلك الجامعة التي يدفع تكاليفها شريف.. أم تسحب أوراقها منها وتقدم في جامعة تليق مع وضعها الاجتماعي البسيط
طالت حيرتها وكثرت أفكارها وهي تحاول رسم طريق جديد تسير عليه.. تحاول بناء نفسها من جديد
لن تعتمد على أحد.. حتى أنها لن تأخذ فلسا واحد من المال الذي تركه لها في حسابها في البنك.. ولن تستخدم تلك البطاقة المصرفية التي أعطاها لها عنوة في أخر لقاء لهم
تسمرت قدماها للحظات وهي تقاوم دموعها التي تود التحرر من سجن عيناها هزت رأسها بعنف تحاول طرد تلك الدموع لقد تعبت من البكاء وهلكت..
هلكت من اشتياقها.. هلكت من حبها العقيم لشريف
لم تعرف أنها تحبه بتلك القوة سوى في الآونة الأخيرة.. تحبه بطريقة تجعل الدنيا حولها ضيقة ومعتمة في غيابه.. تحبه لدرجة أنها تحسد روڤان على حياتها واسرتها وكل شيء يجعلها مناسبة لشريف.. صدقا تحسدها
شهقت باكية وهي تجلس على أحد المقاعد وتخفي وجهها بين أناملها.. تبك حزنا كلما جائت صورته لعيناها..ليته يحبها ليته ينظر لمحاسنها وليتها تفعل
تبك كلما طاردتها ذكرياتهم السعيدة..كلما استرجعت تلك الأوقات التي جمعتهم انكمش قلبها بلوعة وانتفضت روحها ترجوها أن ترحمها.. وكلما تذكرت شجارتهم التي لا تنتهي تشعر بالندم
وتخبرها نفسها أن استقامة الحياة كانت بيدها كانت تستطيع تجعله يحبها ويراها زوجة مناسبة
ولكنها تمسكت بدور الطفلة الباكية.. كلما اختلفوا نأت عنه بنفسها ترفض المواجهة أو التبرير عنادها ورثاء النفس هو من جعلها الخاسرة.. والمشتاقة
طالت شهقاتها وهي تتذكر أخر مواجهة بينهم
حينما أوصلها لمنزل غزال.. كان صامتا حزينا معترفا بالهزيمة مثلها تماما لم يختلف حالهم لطالما كان النقيض منها شريف كالورقة البيضاء
مشاعره تظهر على صفحة وجهه بكل وضوح لا يحاول مدارة مايشعر به في الغضب او الحزن أو العبث او حتى الألم.. كالماء الصافي إن تعكر وضح
أما هي فكانت دائما كتومة مهارة في كتم انفعالاتها
ربما هذا أكثر شيء تجيده وهذا اسوء مافيها
اشفقت على نفسها من كثرة ما تعانيه
اشفقت على عقلها الذي يوبخها ويصمم على جعلها المخطئة الوحيدة في كل شيء.. وعلى قلبها الذي يئن مطالبا بوجوده.. يطالبها برؤيته
وبين هذا وذاك كان فعلها الوحيد هو البكاء عل البكاء يريح صدرها المختنق ويفرغ طاقتها المخزونة
جذبت هاتفها من جيب سترتها حينما بدأ في الاهتزاز يعلن عن الحاح المتصل.. نظرت للاسم للحظات قبل أن تجيب بصوت يشوبه البكاء...
ازيك ياجودي
عقدت جودي حاجباها وهي تسمع رنة البكاء في صوتها فغمغمت قلقة..
أنا الحمدلله كويسة صوتك معيط ليه يارشد
انت كويسة!
كادت كعادتها تجيبها نفيا وتخبرها أنها بخير وتنفي بكائها ولكن هذه المرة لم تستطع اخفاء مايعتمل في صدرها.. لم تستطع أن تصمد بعدما سمعت صوت جودي.. هي شقيقته كما يقال من ريحة الأحباب
فلم تشعر بنفسها وهي تقول بنبرة مهتزة...
انتوا وحشتوني أوي ياجودي
تأوهت جودي حزنا وهي ترد على نبرتها الباكية بأخرى صادقة...
انت وحشتينا ياريشة وحشتينا أوي
بابا وماما كل شوية يسألوا عليك حتى ماما اتخانقت مع شريف لما بلغها بقراركم انكم تنفصلوا.. وكمان سيدرا شدت معاه لكن قال إن دي إرادتك
انت فعلا إلى عايزة تنفصلي ياريشة!
كادت تقسم نافية أنها لا تود الانفصال ولكن داهمها عقلها بكل المرات التي طلبت فيها الانفصال وآخرهم تلك المرة التي أطاعها فيها شريف بصمت ملبيا مطلبها.. فخرج صوتها متحشرجا مهزوم...
ايوه أنا الي طلبت منه
عبست جودي عاجزة عن مواساتها.. كيف تواسيها في انفصال طلبته هي بنفسها ربما يكون ذالك خيرا لهم..
طب انت بتعيطي ليه دلوقتي.. احنا هنفضل عيلتك ياريشة ووقت مانوحشك هتلاقيني جاية عندك وبجيبك هنا تقضي الوقت معانا.. دا لسه بيتك
كلماتها الهادئة ذكرتها بكلماته فهو قد قال لها كلمات مشابه.. هل يدركون أن مايقولونه غير منطقي ابدا
كيف يظل حبل الود والوصل بينهم حتى بعد انفصالها من ابنهم كيف!
مسحت دموعها وأجلت صوتها تسائل بخفوت..
انتوا عاملين ايه.. واخبار الاستاذ هشام ايه دلوقتي
الذاكرة رجعتله ولا لسه
كادت جودي تتنهد متعبة من ذكر الأستاذ هشام
ذاك الرجل وغياب ذاكرته جاءوا على حياتها بالاضطراب والحيرة.. فقالت بصدق..
ادعيله ترجعله الذاكرة ياريشة عشان الوضع ميتأزمش أكتر.. أما بالنسبة للكل فهما كويسين
بابا في المكتب يعتبر بقا حابس نفسه فيه ولسه زعلان مننا.. وماما بردو زعلانة على زعله وبقت ملازماه الفترة دي أما سيدرا فهي مشغولة في الشركة وبصراحة الحمل تقيل عليها جدا
كادت تسألها عن شريف وهو أكثر من يهمها أمره
ولكن كبحت لسانها بصعوبة وهي تقول..
ان شاء الله طنط وعمو يهدوا وترجعوا أحسن من الأول.. وربنا يقوي سيدرا حاولي تخليها متضغطش على نفسها بالشغل
والله أنا مبقاش فيا دماغ لحد ياريشة.. لأول مره أحس اني فيا الي مكفيني وبعدين سيدرا مبينفعش معاها كلام.. أهي جت من الشركة مكملتش ساعة وراحت خطوبة روڤان مش مدية نفسها فرصة ترتاح لنفسها ساعة
توقف عقل ريشة عن العمل للحظات وهي تعيد كلمات جودي في عقلها مرة أخرى وكأنه شريط كاست..توقف قلبها بوجل للحظات وهي تردد..
خ.. خطوبة روڤان!
لم تنتبه جودي لنبرة الصدمة في صوت ريشة فثرثرت بلا مبالا وهي تتصفح الكتاب في يدها...
اه سمعت ان خطوبتها انهاردة استغربت جدا بس ربنا يسعدها ويوفقها ورغم إن سيدرا اتخانقت معاها ساعة موضوعك انت وشريف
بس مردتش متروحش خطوبتها لما عزمتها وعزمتني أنا كمان لكن بصراحة الشغل وهشام هلكوني عايزة اقضي اليوم قاعدة مبعملش حاجه
ازداد شحوب ريشة وارتجفت أناملها الممسكة بالهاتف وهي تقول بصوت مرتجف...
هتتخطبت لشريف!
جعدت جودي وجهها بدهشة وهي تردد..
لا طبعا انت مين قالك كدا هتتخطب لظابط صاحب اخوها تقريبا.. دا الي عرفته من سيدرا
صمتت للحظات قبل أن تنتفض وتقول مدهوشة..
هو شريف مقالكيش انه نهى موضوعهم من قبل ماتسيبي البيت وتمشي!
ضاعت أنفاسها نهائيا وازداد شحوب وجهها أكثر
شعرت أن الدوار يلفها إلى أن سقط الهاتف منها وباتت تندفع الدموع لعيناها من جديد.. دموع أخرى
دموع حائرة تحمل ارتياحا ولوعة
شريف لن يتزوج روڤان..شريف لن يتزوج أخرى!
لم لم يخبرها لم تركها في وهم أنه سيذهب لأخرى
شريف لن يتزوج غيرها.. روڤان ستتزوج رجلا أخر!
خرجت من فمها شهقة باكية عنيفة وهي عاجزة عن السيطرة على رجفة أناملها.. شريف لن يتزوج اخرى
شريف لن يتزوج روڤان ظلت تكرر تلك الكلمة في نفسها وهي تضم كفاها إلى صدرها.. غير منتبهة لدخول غزال عليها وهي تراها في تلك الحالة من هيستيرية البكاء
مالت عليها سريعا تمسك كفها بجزع قائلة...
في ايه ياريشة مالك.. بتعيطي كدا ليه!
سمعت همهمات ريشة بين بكائها وهي تقول..
خ خطوبة روڤان إن..انهاردة.. شريف مش.. مش
لم تستطع إكمال حديثها وسط البكاء وارتمت على صدر غزال تبك بعنف وبكل قوتها وهي ترتجف كورقة خريف.. أما غزال فتوسعت عيناها بصدمة وهي تتمتم بحدة...
يانهاره أسود.. خطبها خطافة الرجالة الحرباية
انتهبت غزال على هاتف ريشة الملقى جوارها على الأريكة ومن الواضح أن احدهم لازال على الخط
امسكت الهاتف بعدما رأت اسم جودي على الشاشة.. فوضعت الهاتف على اذنها لتسمع صوتها القلق وهي تقول..
ريشة انت بتعيطي ليه.. والله ماقصدش اصدمك
ألوو.. ياريشة ردي عليا
خرج صوت غزال حادا وهي تقول بقوة...
عنوان الخطوبة دي فين!
مين معايا.. ريشة فين
أنا غزال قوليلي الخطوبة
عقدت جودي جبينها بحيرة وهي تمليها العنوان
لتتفاجأ بعدها بإغلاق الخط في وجهها!
أما غزال فنظرت لريشة التائهة وربتت على كتفها بعزم تقول...
أنا هروح أعلم خطافة الرجالة دي الأدب
أمسكت هاتفها وهي عاقدة العزم على تنفيذ كلماتها
ثم انطلقت خارج الشقة دون أن تنتبه ريشة للفهم الخاطئ الذي استنتجته غزال!
الفصل التاسع والأربعون
..................................................
كان جالس في أحد الحدائق الداخلية
مسترخ على مقعد خشبي واسع يضم عدد أفراد ولكنه كان فارغ لا يحوي سواه وسوى أغراضه القليلة الموضوعة جواره مع كوب قهوة سوداء اشتراها من بائع متجول مشهور بقهوته اللذيذة
لم يكن وحيد بشكل تام.. بل متزاحم مع ذكرياته يصارع أفكاره مهموم البدن مثقل القلب
فجأة تحول فؤاده إلى مجرد قلب!
ألا تدرون الفرق بين القلب والفؤاد يارفاق!
لا بأس إن كنتم تجهلون كان في الماضي يعتقد أن الفؤاد هو القلب ولكن مجرد مسميات مختلفة تدل على نفس المعنى
ولكن وفاء جائته متفلسفة ذات مرة ورفعت رأسها بنظرة تكتيكية وأنف شامخ غرورا بعلمها شيء لايعلمه وقالت...
الفؤاد دا القلب الي بيحب.. انما القلب دا خال من الحبيب أو الحب.. يعني تقولي ياحبيبة الفؤاد مش ياحبيبة القلب
كانت تود أن تحصد منه نظرة الذهول أو حتى الانبهار وهو يقول الكلمة المعتادة التي تغذي غرورها الطفولي بجد مكنتش أعرف ياوفاء
هكذا اعتاد أن يبدي ردة فعله حينما تقول أي شيء
سواء كان صحيح أو لا.. لا يبخل عليها بردة فعل مبالغة تزيد سعادتها أو بسمتها المظفرة
في بداية شبابه سمع حكمة عظيمة من فم عاشق
واتخذها كمنهج أساسي في علاقته بوفاء
رنت كلمات ذاك المحب إلى اذنه وهو يقول
الحب انك تنبهر بشريكك وتغذي جواه شعور الثقة
يعني مثلا انبهر برأي أو فكرة تطلع فجأة انبهر بالانجازات الصغيرة.. ياعم حسسها أن ليها اجنحة وبتطير.. ومستغربش لو لاقيتها بتطير من الفرحة بعدها فعلا الانبهار له مفعول السحر
وللحق كان حديث الرجل حقيقي تماما كانت عيون وفاء تلمع بعدما ترى ردة فعله المنبهرة به دائما
ولكن حينما افترقا جائه خاطر ذات ليلة وهو يسترجع ذكرياتهم التي تدفئ قلبه وتبعد نار الفراق
وتذكر جدالها معه حول قلب أو الفؤاد
فقرر أن يبحث عن المعنى بنفسه إلى أن وجد التعريف الصحيح لكل منهم
التعريف الأدبي للفؤاد
الفؤاد اسم جمعه أفئدة ويتضمن معناه القلب و العقل إذ يقال فؤاد الإنسان فهو قلبه ويقال فارغ الفؤاد دلالة على أنه خال من الهم والحزن أي غلب عليه اليأس ولا أمل فيه ويقال راجح الفؤاد أي أن عقله راجح
أما تعريف القلب
عضو من أعضاء الجسم العضلية ذو شكل أجوف وظيفته استقبال الدم من الأوردة ودفعه إلى الشرايين يضم بداخله تجويفان أيسر وأيمن
لم يريد أن يبحث خلف كل حديثها ويكتشف أن أغلب ماتقوله غير صحيح أراد أن يظل منبهرا بوفاء
بذكائها وقوتها وعلمها ومحاولاتها دائما أن تبهره
أراد أن يظل النسخة القديمة من شعوره
ليت وفاء أحبته كما أحبها.. كانت هي أكثر الأشياء التي يحبها.. بل كانت هي كل الأشياء
كانت تعويض عن أسرة غريبة سامة
كانت هي البديلة عن والدته القاسية التي لا تفكر سوى في نفسها
والتعويض عن والد مريض نفسي ضعيف الشخصية
وشقيق يبتعد عنه بكل قوته وقدرته
كانت وفاء هي المسكن لألم وحدته وسط عائلته
ولطالما أخبرها بذالك أخبرها أن حياته دونها كئيبة سوداء أخبرها أنه رجلا فارغ الروح جائع للحب
عاجز عن حب نفسه بسبب ظروفه العائلية
اخبرها عن كل شيء ورغم ذالك تخلت بكل سهولة
اطلق زفيرا طويل وهو يغمض عيناه ويبتلع تلك المرارة التي تسيطر على فمه مرار لم يكن نابع سوى من مرارة جوفه.. وهو مشكور يزيد المرار برشفة من قهوته السوداء التي بردت ورغم ذالك يرفعها لفمه ويأخذ بعض رشفات وداخله رغبة عميقة في الهروب
يهرب من كل شيء يبتعد عن أسرته ووفاء ومصر
يبتعد عن كل شيء.. يبتعد عن الشيء الأهم.. وفاء
انتبه من شروده على ذاك العجوز الذي جلس جواره
وفتح جريدته يقرأها بعدما أخرج نظارة كبيرة من جرابها لتصحح نظره.. وبدء يقرأ
أهنالك أحد يقرأ جرائد في هذه الأيام!
نظر إلى الامام من جديد وكتف يداه أمام صدره
أعاد ذهنه إلى استرجاع تفكيره بكآبة.. عاد يغرق فيما حدث مع شقيقه فاقد الذاكرة
ووالده الذي انغمس في انتخابات مجلس الشعب
والدته التي تسعى تزويج هشام أخاه رغم انه بالفعل متزوج بأخرى في ظروف غامضة
بشقيقته التي بدت شاحبة حينما رأها في المشفى
ومن الواضح أنها تخفي شيء هي وهشام
بوفاء التي لم تفكر مهاتفته وتطمئن عليه في غمرة كل ما يعيشه.. وأخيرا يفكر في نفسه المهملة
داهم أذنه نغمشات يعقبها صوت خشن مسترسل يتلو أبيات الشعر بشجن حزين
نظر لذاك العجوز الذي أخرج ألة قديمة ينبعث منها صوت محمود درويش وهو يلقي أحد قصائدة الحزينة ككل قصائدة التي تدمي القلب وتجعل عيناه تفيض بدمعة تلمع ولسان حالة يقول
نعم هذا أنا
مقهى وأنت مع الجريدة جالس
لا لست وحدك.. نصف كأسك فارغ
والشمس تملئ نصفها الثاني
ومن خلف الزجاج ترى المشاة المسرعين
ولا ترى
أحدى صفات الغيب تلك ترى ولكن لا ترى
كم أنت حر أيها المنسي في المقهى
فلا أحد يرى أثر الفراشة فيك
لا احد يحملق في ثيابك
أو يدقق في ضبابك إن نظرت إلى فتاة
وانكسرت لها.. كم أنت حر في إدرة شأنك
الشخصي في هذا الزخام بلا رقيب منك
أو من قارئ.. فاصنع في نفسك كما تشاء
اخلع قميصك أو حذائك إن أردت
فأنت حر ومنسي في خيالك
ابتلع رمقه وأهتزت حدقتاه لثوان
تسائل في نفسه جزعا أحقا هو منسي ووحيد!
نعم نعم هو وحيد يصارع كل شيء حوله بلا هدف
اعترف يامحروس انك إن سقطت لن يبكي عليك أحد.. لن تركض وفاء لك وتقول باكية قم يامحروس لأكون لأجلك.. ووالداك فقدوا الأمل فيك أن تكون مثلهم.. استيقظ يامحروس أنت لا تناسب أي شيء حولك.. أنت مجرد غريب في دارك وقلب من تحب
اعتصر كوب القهوة في يده وأغمض عيناه يبتلع غصة ضخمة تعيق مرور لعابه إلى حلقه
يحاول تمالك مشاعر الغضب داخله.. يكبت ذاك الحزن الذي يفور في قلبه..
ولكن إلى متى يكبت ألمه ودمعه.. إلى متى سيظل صامتا مثيرا للشفقة إلى متى سيظل على حالة
هبطت دمعه باردة على وجنته الخشنة
ومن جديد داهمه صوت وفاء من ذاكرته وهي تخبره ضاحكة أن دموع الفرحة تكون باردة.. أما الحزن فدموعه ساخنة
ومرة أخرى تكون
مسح دمعته سريعا حينما انتبه لنفسه ولنظرات العجوز الذي حدق فيه بدهشة وقال مستنكرا..
انت بتعيط من قصيدة في المقهى!
نظر محروس للرجل بغرابة فوجوده لا يتناسب مع تلك الحالة التي يمر بها في هذه اللحظة
فلم يتردد في حمل نفسه وأشيائه يسير مبتعدا دون أن يقول كلمة واحدة بينما العجوز في مكانه ينظر في أثره مستنكرا يغمغم وهو يعاود النظر في صفحة الحوادث من جديد...
ايه الجيل المهبب دا!
أما محروس فتابع سيره إلى تلك الشقة الصغيرة التي استأجرها ليقيم فيها مؤقتا ليستطيع زيارة شقيقه كل صباح متى أراد.. ولكن اليوم سيسلم المفتاح إلى صاحبها.. فشقيقه خرج من المشفى أخيرا واستقرت أموره وكذالك انشغل الجميع في حياته.. وحان الوقت لينشغل هو الأخر في نفسه
وقد اتخذ قرار لا عودة فيه سيسافر خارج البلاد ولن يعود ابدا وتحت أي ظرف.. ولأول مره سيختار محروس نفسه.. ونفسه فقط
ولكن شيء داخله رفض المغادرة هكذا دون أن يلقي ما في جوفه.. يخرج ما يؤلم صدره ويؤلمها كما ألمته بغيابها لذا وقف على أحد جوانب الطريق وأخرج هاتفه يتصل برقمها وهو يكظم انفعاله
وظهر ذاك الانفعال على هيئة أنامل مرتجفة.. وقطرات عرق تنضج فوق جبينه الساخن
وبعد ثوان من رنين الجرس وقبل أن تقول كلمة واحدة اندفع يقول بحدة رغم ارتجاف صوته...
انت عمرك ماحبتيني ياوفاء.. عمرك ماشوفتيني الراجل الي تحبيه وتكملي معاه حياتك دايما بتحمليني اخطاء الكل اخطاء أهلي وأخطائك نظرتك ليا على إني متهم رغم انك الوحيدة الي عارفة أنا ايه..
تاهت الكلمات منه وزاغت عيناه لثوان وهو يردد كلمته بخفوت حاد...
لالا انت فعلا مش عارفة أنا ايه..كل همك اني أفضل بجري وراك لا قلبك بيلين ولا قرارك واضح
المهم ان محروس يجري وراك.. المهم انك كل ماتشوفي وشي تفضلي تفكريني بمسؤلياتي الي عمري مانسيتها.. كإنك مدرسة وأنا عيل صغير بتعرفيه الصح من الغلط
كانت تسمع كلماته بذهول صامتة ترمش بعيناها وهي تسمع صوته الغير متزن وكلماته المجروحة تخرج على هيئة زجاج وكأنه يلقي خطابه الأخير
فسمعته يقول مختنقا بحدة وقد عاد صوته للاتهام...
لما اتخانقنا وقررنا ننفصل انت مفتكرتيش إلا أغلاطي ومبطلتيش تفكريني بأغلاطي وأفعال امي
لكن ولا مرة فكرتي انك كمان غلطتي عينتي نفسك القاضي والجلاد.. استغليتي إن عمري ماهقولك انك
غلطتي ورغم كدا بعد انفصلنا لو اتكعبلتي وانت ماشية بتتصلي تحاسبيني..تقولي كلمة واحدة.. الحقني يامحروس.. كلمة واحدة كانت بتخليني واقف قدامك.. مش عشان أنا ضعيف.. عشان كنت أهم حاجه عندي لكن نظرتك متغيرتش
أنا الي خلقت جواك انك ملاك لدرجة أن أول مافردتي اجنحتك فردتيها عليا ياوفاء
انتهت أنفاسه مع كلماته الأخيرة ولم ينتبه أنه كان يصرخ على جانب الطريق.. كان كعادته مؤخرا مثير للشفقة والحزن.. لا بل مثير للجنون والغضب
الناس يطالعونه بفضول وهم يمرون أمامه.. والسيارات تسير بضجيجها.. كل شيء حوله كان يخلق صوتا وضجة إلا قلبه.. كان لأول مره راكد تعب من التلهف والنبض لاجل وفاء.. قرر أن يهجرها
أو يتقبل هجرها
تابع بشرود وهو يقول كلمات غير مرتبة ولم ينتبه لدموعه التي تحرق عيناه من قسوة الشعور.. قسوة من حوله وقسوتها...
أنا مبقتش عايزك ياوفاء
حاسس اني لو حسيت اني عايزك ثانية كمان هنسى الي باقي من كرامتي أنا تعبت من الجري وراكي.
أنا في يوم قولتلك اني بحبك لدرجة هفضل طول عمري اتمناك واسعدك.. مكانش قصدي بكدا اني أذل نفسي وارضي غرورك أنا كان قصدي نكون سعداء مع بعض
مسح عيناه وأنفه بمرفقه وهو يسمع صوتها الحبيب وهي تقول بهدوء ظهر بين ثناياه الارتجاف...
محروس مفيش داعي للكلام دا.. أنا مطلبتش اننا نرجع.. وأسفة لو كل الي كنت بعمله كان بيحسسك بكدا.. أنا...
قاطعها بخفوت مخذول وهو يردد..
لأخر لحظة انت أنانية.. أنا كنت بحبك ازاي!
أنهى كلماته وهو يلتفت للبحر بجنون وبكل قوته ألقى الهاتف ليسقط في الماء يغطس فيه كحجر ثقيل
ألقاه وكأنه يلقي جمرة تحرق يداه.. أو تحرق قلبه
لم يقف ليراه يطفو من جديد.. بل تابع سيره متجمد الكتفان كفاه منقبضان وفي أثر خطاه كان خاتمه يلقى أسفل خطواته.. وقد قرر التمرد على الحب في قلبه
كانت الحياة بالنسبة لليلة تسير روتينيه تماما
تحمل داخلها عدة اسألة ولكنها لا تجرؤ على طرحها
منذ أن ألقى قنبلته الموقوتة في وجهها وتركها وهي في حالة لا تستطيع تفسيرها بالكلمات حالة صمت غريب.. تتصرف بآلية وكأنما ماحدث مؤخرا في حياتها لم يحدث قط
فجأة عادت للعمل معه في ذات الشركة كي تغيظه وتجعله يموت قهرا أنها عادت للعمل دون رأيه
ولكنها قبلت بنظرات جامدة تلاها تجاهل تام وكأنها هواء.. وظل على وتيرة تجاهله لها إلى أن بدء زملاء المكتب يشكون أنهما ثنائي اقترب زفافهما
وفجأة تغير هدفها من العمل.. بدأت تشغل نفسها به وهي تحاول جديا أن تتجاهله كليا كما يتجاهلها
تنجز عملها كي لا يوبخها كما حدث منذ أيام وسلمت أحد التصميمات بعد ميعاد التسليم فنالت منه كلمات جافة موبخة وسط الاجتماع قائلا...
اهتمي بشغلك أكتر ياأستاذة ويتسلم في ميعاده بعد كدا
حينها انكمشت في مقعدها ونظرات زملائها تلاحقها بدهشة وبسبب فعلته تلك فتح عليها باب من الهمزات واللمزات التي بدأت تقتحم خصوصيتها بفجاجة ذاك الذي كان يتغنى بحبها ليلا ونهار لم يتوانى عن توبيخها أمام الأخرين وجعلها أضحوكة بينهم
ورغم ذالك تقبلت توبيخه بصمت وروح رياضية ظاهرة تخفي خلفها حرج كي تحفظ ماء وجهها
وبدأت الأيام تمر بينهم بملل وجفاء.. وكأنهم لم يكونا
وكأن تلك الحلقة الذهبية في اصبعها لا تخصه
من الواضح أن دور المدير البارد اللا مبالي أعجبه للغاية.. ولكن هي حاربته بنفس سلاحه.. التجاهل
ورغم تلك الحرب الباردة التي تدور بينهما إلا أنها لم تتوقف عن التفكير في مواجهتهم الأخيرة ولم تستطع نسيان نظراته المتهمة التي لا تفارق ذهنها أبدا
كلماته تدق في اذنها كأجراس رنانة تذكرها بما قاله
عشان رجع عايزة تطلقي وكأني كنت مجرد سد خانة.. امشي ياليلة امشي أنا خلاص مش همسك فيك.. مش هشتري واحدة مبتعملش حاجه غير انها تبيعني
كلماته تلك عائدة على وائل بكل تأكيد.. عودته جعلته يشك بها أنها طلبت الطلاق لأجله.. يشك بها صدقا!
لا تعلم من أين جاء بذاك الاستنتاج
وفي الأساس هو من يود التخلص منها وفقد
ظلت تفكر بغيظ وهي منكبة على أعمالها بلا تركيز
وضغط عائلتها ايضا يجعل حالها أكثر سوءا
والدتها لا تنفك عن السؤال عنه كل يوم وهي تطرح أسألتها التي لا تنتهي
أين صالح
لم لم يعد يأتي لزيارتك
لم تأخر موعد زفافكم
متابعة القراءة