رواية الرواية ج2من 46-50
46
..........................................................
عاد من عمله عابس الوجه متعكر المزاج..دلف غرفته وكالعادة لم يجدها في الغرفة بالتأكيد هي الآن بالمطبخ تعد الطعام لهم.. تأوه وهو ينزع ربطة عنقه ويلقيها جانبا واختناقه يكاد يخنقه وكيف لا يكون وتلك العنيدة تكويه بنار أفعالها.. تحرقه بنظرات البرودة والسكون التي تغلفها حتى أنها باتت تقابل نوبات عصبيته بهدوء مريب وقد تسلحت بكافة اسلحة السكون.. يظن ايضا انه لو رفع كفه يصفعها لو تدير وجهها له بل ستتلقى الصفعة بثبات يزيد من جنونه
تلك الفتاة تعشق دور الضحية وتتقمصه بكل ما أوتيت من قوة.. منذ علمها بأنه يعلم ماحدث لها وهي لا ترى نفسها إلا كشيء ناقص ترى نفسها خادمة برتبة زوجه.. تستيقظ مع أذان الفجر تحضر الفطور لوالده الذي يذهب للصلاة في المسجد.. ثم تبدأ باعداد الفطور لكافة العائلة عن السابعة صباحا
تجلس معهم كصنم من حجارة تتناول لقيمات صغيرة وتظل تنتظرهم لينهوا افطارهم لتبدأ بتنظيف الطاولة وتقديم الشاي إلى أن يذهب الجميع لأشغالهم.. ثم تبدء مرحلة اخرى من التنظيف اليومي
لا تتوقف عن التنظيف.. بل تخلق فوضى لتنظفها
ثم تبدء في اعداد الغذاء ليأكلوا بعد عودتهم من عملهم
ومجرد ساعة أو أقل تدور على الغرف لتجمع ملابسهم المتسخة لتغسلها وتنتظر جفافها فتنشغل بكيها ووضعها في أماكنها
تفعل كل هذا بصمت وبصبر غريب يجعله مختنق
يختنق من نظرات عائلته لها.. يختنق من أنهم اعتادوا عليها كخادمة وليست كزوجة.. هم لا يعاملونها بسوء.. ولكنهم يستقبلون ما تفعله لهم بترحاب والدته التي كانت تبغضها صارت مندهشة منها بل ومبهورة بقدراتها على التنظيف واعداد الطعام..انبهارها كان كعلامة نصف رضى عن زينة
الوحيد الذي يبدو واجما مثله هو أباه.. ينظر لزينة نظرات صامتة مشفقة ثم يلقيه بنظرات متهمة عاتبة
فتاة بعمر الورود تفني نفسها بين ماتفعله
استفاق من شروده وهو ينظر لها حين دخولها لغرفته
وكعادتها امسكت سترته تخرج منها متعلقاته وتضعها على الطاولة وتتجه نحو الخزانة تخرج له ملابس منزلية كاشارة منها أن يغير ثيابه ويعطيها لها لتغسلها
انتفض من جلسته يجذب مرفقها يبعدها عن الخزانة ويقول بحدة...
أنا مش صغير بعرف اخرج لبسي لوحدي
بطلي الي بتعمليه دا
رفعت حاجبها بلا مبالاة وهي تجذب مرفقها منه
فكان ردها الوحيد أنها صفعت الخزانة وهي تجذب سترته المتسخة وتتجه نحو الباب تقول بجفاء...
غير هدومك عشان هحط الأكل على السفرة
اخواتك جم من شغلهم من بدري وعايزين يتغدوا
كاد أن يهتف غاضبا في وجهها ولكنها غادرت
ذهبت لتحضر الطعام وتضعه على السفرة ثم تذهب للجميع في غرفهم تنبأهم أن الطعام جاهز.. كعادتها الرتيبة.. وكما اعتادوا
بدل ملابسه وهو يكاد يمزقها من غيظه.. يود لو يصفع رأسه بالجدار من أفعالها أو يصفعها هي
علها تستفيق من حالتها تلك.. علها تعود لرشدها وتعود لزينة الشرسة التي تزوجها ليبعدها عن حياتها التعيسة.. وليس لجعلها تعيش حياة أتعس!
اتجه حيث غرفة الطعام فوجد عائلته مجتمعة حول المائدة وزينة تسكب الطعام وتضعه أمامهم ليشرعوا في الأكل بصمت مع تمتمات شاكرة..
تحدثت زهرة شقيقته وهي تشير لأحد اصناف الطعام..
لا متحطليش منها مش قادرة أكل حاجه بصلصة
او بصي حطيلي البطاطس ومتحطيش حواليها صلصة
تحركت زينة بآلية تنتقي البطاطس من بين صلصة الطماطم واستغرق هذا نحو الدقيقة او اثنتين
ثم وضعت الصحن أمامها.. واتجهت لتضع للأخرى
وبدأ الجميع بتناول طعامهم عداها.. هي الوحيدة التي لازالت واقفة تسكب باقي الاصناف!
وقف عن مقعدة بعنف اتجه بحدة حيث تقف جوار مقاعد شقيقتاه يجذب ما بيدهل ويضعه في منتصف الطاولة ويجذب كفها يجلسها على احد المقاعد تحت نظرات اسرته المندهشون
من حدته وتعامله الخشن فجأة.. حتى أن زينة همست له بضيق...
ايه الي انت عملته دا
تحدث بصوت واضح وضيق كبير...
اخواتي بيعرفوا يحطوا الأكل لنفسهم هما مش صغيرين اقعدي كلي من سكات يازينة
تحدثت والدته مندهشة من انفعاله...
في ايه ياوائل ماهي بتعمل كدا كل يوم من نفسها
تحكم بأنفعاله كي لا يصيح في وجه والدته او يفقد أعصابه في وجود والده فقال بجمود...
وأنا كل يوم اقولها قدامكم تقعد تاكل
كلنا بنعرف نعمل الي هي بتعمله ياأمي
ازدادت الاجواء توترا خاصة أن ماقاله جعل شقيقتاه يتململون بحرج صامت.. هم يعلمون مالذي يضايقه
جميعهم يعلمون أن ماتقدمه زينة ببزخ يجعله غاضبا
غاضب من تلقيهم لخدماتها بصمت..لذا تطوعت زهرة ترد على حديثه مدافعة...
احنا بنعرف بس زينة هي الي بقت تحطلنا محدش فينا طلب ولا غصبها
صفع معلقته على الطاولة وتحدث بغضب مكتوم ووجه عاجز عن كتم انفعاله وهو يقول بقوة..
ولا رفضتوا.. مطلبتوش بس مرفضتوش سايبينها تعمل كل حاجه لوحدها
تحدثت زينة بحدة متجاهلة جميع الجالسين...
ملكش دعوة أنا عايزة كدا
القاها بنظرة نارية تحرقها جالسه وصاح بغضب..
انت تخرسي خالص مش عايز اسمع منك كلمة واحدة انت الي عاملة كدا في نفسك شايفة نفسك خدامة ف شافوك كدا
شهقت والدته واعترضت فورا تقول بحدة وهي تترك شوكتها.....
ايه الكلام دا ياوائل احنا مش شايفينها كدا
وبعدين محدش فينا بيطلب حاجه.. ولو هي قالتلك كدا تبقى بتكدب عليك
تقدري تقوليلي مين الي غسل كل سجاد البيت ياأمي.. احنا طول عمرنا بنوديهم التنضيف برا
من امتى حد هنا او حتى العاملة مش هي الي بتغسلهم.. وبتقوليلي مش شايفينها كدا
ارتبكت والدته للحظات وتلجلج لسانها قبل أن تقول مبررة وهي تنظر لزينة...
مش انت يابنتي الي صحيتي الصبح خديتهم وطلعتي فوق البيت تغسليهم.. هو أنا طلبت منك!
توهج وجه زينة بحرج وغضب من نظرات الاتهام التي القتها عليها حماتها بسبب كلمات وائل فتحدثت بحدة وهي تقف من مقعدها..
وائل كفاية محدش طلب مني وبعدين دا دوري هنا وانت متجوزني عشان كدا
تحدث الأب لأول مرة وقد خرج عن دور المتفرج فقال بهدوء...
ولادنا مبيتجوزوش بنات الناس عشان يعملوا الي انت بتعمليه يازينة.. ولو كنت اعرف انك طلبتي امشي العاملة عشان شايفة ان دا دورك مكنتش نفذت طلبك ابدا
وككلمة أخيرة منه وقف عن السفرة وهو يقول بحزم..
من هنا ورايح زينة متعملش اي حاجه والعاملة هترجع تاني وائل معاه حق.. طالما مراته شايفة نفسها كدا طبيعي غصب عننا هنشوف كدا
ثم تركهم وغادر المائدة تاركا الاجواء التي ازدادت سوء.. فوقف
وما ان دلفوا للغرفة انفجرت به بالفعل وهي تصيح بجنون...
انت ايه الي عملته دا
حينها قبض على مرفقها بعنف وصرخ في وجهها باعصاب منفلته...
اسكتي بقا.. اسكتي بطلي دور الضحية دا بطلي الي بتعمليه انا مش جايبك هنا خدامة فوقي لنفسك يازينة واطلعي من افكار الاطفال دي.. انا مش متجوز عيلة صغيرة هتفضل تشفق على نفسها وتبص للناس على انهم عايزين يستغلوها
انكمشت في نفسها بصدمة من كلماته الجارحة
فترك مرفقها واشاح وجهه عنها يتنفس بقوة إلى أن مرت الدقائق ثقيلة محملة بالصمت فقال بجفاء منفعل...
انا مش هعرف اكمل باسلوبك دا.. انتي حابة حياة انا مش حاببها.. أنا مش هفضل طول الوقت خايف عليكي وانتي مش خايفة على نفسك
كاد يخرج من الغرفة ولكنه والتفت وقال بجمود...
اخوكي هشام عامل حادثة بقاله فترة ومحجوز في المستشفى اعملي حسابك هنروحله انهاردة
وكإخر توقع توقعه عن ردة فعلها.. صرخت بجزع وهي تضرب على صدرها بعنف وتقول شاحبة...
هشام اخويا!
توسعت عيناه للحظات وهو يرى جسدها الذي اختل وارتمت جالسة على الفراش بفزع شاخصة العينان بخوف وهي تردد بإسم شقيقها وتبك
حينها أدرك أن هناك شيء خاطئ في رواية والدتها
ورواية طاهر.. كيف تقلق على هشام بعد الذي فعله معها.. ماالرواية الصحيحة لم حدث في تلك الليلة!
تأفأفت غزال وهي تلقي هاتفها جانبا وتركز نظرها على ريشة النائمة جوارها تتكور في نفسها وتنام بطريقه تؤلم قلبها.. أو أن ما يؤلم قلبها حقا هو قدومها لها منذ يومان تطرق الباب وتمسك بحقيبة ملابسها وعيناها تلمع بدموع حبيسة
حين رأت تلك الدموع اجزمت أن ريشة تحب زوجها
تحبه رغم كل ماتعانيه معه.. ريشة الصغيرة كبرت وصارت تحب وتعشق وتتألم لوعا من الحب!
حاولت مرارا أن تعلم سبب خلافاتهم ولكن ريشة تكتفي بقول أنهم غير متكافئان وحياتهم المختلفة تجعل علاقتهم مستحيلة.. هو لن ينسى أنها ريشة الخادمة.. وهي لن تنسى أنه يليق بامرأة اخرى
حينها شهقت غزال مستنكرة توبخها بحنق...
ايه الكلام الفاضي الي بتقوليه دا ياريشة
هو هيتجوزك ليه لو مستقل بيك
حينها نظرت لها ريشة نظرة حزينة تحمل الألم بين طياتها وهي تقول بخفوت...
وهو أنا مش كنت خدامة عندكم ياغزال.. انت نفسك مكنتيش بتشوفيني غير كدا مابالك هو الغريب!
حينها انكمشت غزال وشعور الخجل يحاصرها
خجل وندم يقتلانها على ماكانت تفعله بريشة
تود لو يعود بها الزمن للخلف وتصلح كل ما افسدته
ليتها تعتذر لجدها قبل وفاته وتعامل ريشة كشقيقة لها.. ليتها تعود بالزمن للوراء وتمحي عبيده من حياتها.. ليتها وألف ليت
ولكن الفرص تركض دون انذار
وليت تكويها بنار الحسرة وتزيد الألم!
تنهيدة عميقة خرجت من صدرها واقتربت من ريشة تعانقها في نومتها وتربت على ظهرها بحنان تواسيها
هي لا تعلم كيف تكون المواساة لم تواسي احد قط
كانت دائما محور الاهتمام ويواسيها الجميع دائما
أما الآن فريشة تحتاج لها.. تحتاج لدعم ولو بربته وعناق.. تحتاج كلمات تطمئنها أن المستقبل أجمل
ولكن غزال عاجزة عن منحها تلك المواساة.. ليس بخلا منها وانما جهل.. هي جاهلة بما تفعله
لا تعرف مالذي ستقوله لامرأة سيتزوج زوجها
أتقول لها هيجيلك سيد سيده أم تقول هيندم ويرجعلك
في كل الأحوال سيستمر ألمها.. سيزيد حزنها
كل ما تستطيع فعله أن تربت على كتفها وتكون جاهزة لنوبات حزنها.. كما هي جاهزة الآن
وبالفعل دقائق وتخلت ريشة عن تمثيلية نومها
وتمسكت بكتف غزال وبدأت تبكي.. تبكي بقوة وعنف كما لم تبكي من قبل.. تبكي وهي تتذكر نظراته المنطفأة وهو يوصلها لمنزل غزال ويقول بصوت أجش شابه الاهتزاز...
خلي بالك من نفسك.. وأي وقت تحتاجيني كلميني
هكون جنبك دايما ياريشة
حينها جردها من اسمها الذي اعطاه لها وعادت معه لنقطة الصفر وللفظة ريشة عادت غريبة بالنسبة له.. وكأن كل ما كان لم يكن.. وكأن ماحدث بينهم مجرد حلم مؤلم تخللته ذكريات سعيدة كانت سببا في وقوعها بحبه.. وبكل الأسف والحزن حينما أحبته أراد هو الزواج بغيرها.. حينما أحبته طلبت الانفصال عنه ووافق بسهولة لم تكن تتخيلها
وبالأخير يخبرها أنه سيكون موجود إن احتاجته
يلقيها بكلمات دبلوماسية لطيفة ينهي بها زواجهم الذي دام لعام كامل.. عام وهم داخل دوامة الحب والعذاب.. دوامة جعلتهم مستنزفان عاطفيا وجسديا
وانتهى الأمر بينهم بطلب منها واستجابة منه
وانتهت قصتهم الخيالية!
تمسكت بكتف غزال وهي تشهق باكية تقول بعذاب تتمنى المحال..تتمنى الشئ الوحيد الذي كان ليكون منطقيا بينهم...
ياريتني.. كنت أليق بيه.. ياريتني زيه
عندي أهل.. ياريتني معاه.. ياريته زيي
ربتت غزال على رأسها وهي تقاوم الدموع التي تغزوا عيناها حزنا على ريشة.. وهي عاجزة عن الرد
عاجزة عن قول مايهدئ نيران قلبها.. فتابعت ريشة ببكاء لم ينضب...
أنا نفسي أرجع زي الأول.. نفسي انسى الي حصل
نفسي الحج كامل يرجع تاني وارجع زي ماكنت
كإني كنت بحلم.. وصحيت من النوم ناسية الحلم
انما دلوقتي هرجع اعيش تاني ازاي.. هتعود تاني ازاي هتصرف كإنه مكانش ازاي ياغزال
تحدثت غزال بخفوت وقد هطلت أول دمعاتها ولم تمنعها.. بل تركت لدموعها العنان هي الأخرى وقالت..
هنرجع زي الأول ياريشة.. ممكن مننساش بس هنتعود على الوضع الجديد هنتعود ان الدنيا مش هتمشي دايما زي مااحنا عاوزين بكره تنسي
بكره تنسي ويقل الزعل
رفعت ريشة وجهها لها وقالت بصوت حزين باهت ونظرة يائسة وعينان حمراواتان تسيلان الدموع..
أنا بحبه.. هنسى ازاي حد بحبه
للمره الثانية تشعر بعجز.. بماذا ستجيبها
سؤال ريشة منطقي كيف ننسى شخصا نحبه
كيف تتخطى الرجل الذي دلف لقلبها وقرر أن يكون سلطانه.. كيف تخرجه من مسكنه.. كيف تنسى وتتعايش!
هي أخر فتاة في الدنيا تجيب على تساؤلها
لم تتخطى عبيده بعد لتكون خبيرة بالنسيان ومراحله.. قد تكون بدأت تحقد عليه.. ولكنها لم تنساه.. وستكون كاذبة لو قالت خلاف هذا الكلام
فتمتمت متنهدة بلا حيلة...
يمكن كل حاجه تتصلح.. يمكن يصرف نظر عن..
قاطعتها ريشة بحزن مرير..
شريف عنيد اوي.. عنيد وهيعاقبني على طلبي للطلاق.. هينفذ تهديده ليا ويتجوزها ويخليني اشوفه معاها.. مع واحدة تليق بيه زي ماقالي زمان
مفيش معجزات.. مفيش القصص الي كنا بنقراها زمان.. الواقع وحش وبيصدم.. وحش اوي ياغزال
ربتت الأخرى على كتفها برفق وقالت بحدة
تلك التي سرقت زوجها بكل حقارة ودمرت حياتها...
اه لو البت دي تقع في ايدي.. هعلمها الأدب العقربة خطافة الرجالة دي.. دي كبيرها معايا علقة تفوقها وتعرف بعد كدا ان مش اي حاجه تعجبها تنتشها من صاحبتها.. يارب تقع في طريقي
ثم اردفت متسائلة وهي تنظر لريشة...
هي اسمها ايه البت دي!
تمتمت ريشة اسمها بضيق حزين..
روڤان
برفان!.. طب يستنضف وينقي واحدة اسمها عدل قال برفان قال.. طب دي حتى بتخيل شكلها أكيد وحشة ومعضمة وكارتة و..
قاطعتها ريشة بصوت مهموم وحزن أكبر..
جميلة جدا.. احلى مني
اغمضت غزال عيناها بصبر نافذ تحاول ايجاد كلمات قبيحة اخرى وتلصقها بتلك البرفان.. ثم عاودت تقول ساخرة بحدة...
تلاقي جمالها صناعي وعمليات تجميل وبوتوكس وفيلر وسيليكون.. والله هو الخسران ساب الطبيعي وراح للصناعي.. على الأقل انت قمر وعودك مظبوط
انزلت نظرها لجسد ريشة الهزيل فعاودت تصحيح كلماتها بحنق...
اه عودك مش مظبوط أوي بس ولا يهمنا ياحبيبتي
على الأقل اسمك مش برفان.. والجمال جمال الروح اصلا.. يفيد بإيه لو وشها حلو بس كئيبة.. على الأقل انتي فرفوشة
نظرت لها ريشة بنصف عين وقد مسحت دموعها وانتبهت لكلمات غزال التي تأتي بنتيجة عكسية
فتنهدت غزال بضيق وقالت...
اه انت كئيبة شوية ومش فرفوشة.. بس اكيد تتحبي يعني عن البت التانية دي ماهو اكيد متجوزكيش لله وللوطن وبس.. الرجالة بيبقى ليها اغراض دنيئة بردو
ضحكت ريشة بلا حيلة وهي تحاول نسيان ألمها
فقالت بخفوت بعد صمت...
وسلطان بردو عايز يتجوزك لاغراض دنيئة!
شهقت غزال فور سماع اسمها فمصمصت شفاتاها ساخرة وحركتهما يمينا ويسار لتقول...
دنيئة ايه دا ممكن يعملي طابور عساكر الصبح
قلبي بيقولي انه عايز يتجوزني عشان يكفر عن سيئاتي السنين الي فاتت..
أنا بتكلم جد.. ايه جاب في عقله فجأة انه يتجوزك
وانت بردو ايه خلاك توافقي بيه بعد رفضك
اعتدلت غزال في جلستها وقالت بلا مبالاة...
اكيد عايز يتجوز عشان اقعد مع مامته واخد بالي منها وقت غيابه.. اصله بيقعد في شغله عشرين يوم
وبعدين مين قالك اني وافقت اتجوزه.. انا وافقت على خطوبة بس
فتحت عيناها مندهشة وكررت خلفها بغباء
وافقتي على خطوبة بس.. مس الخطوبة دي بيجي بعدها جواز!
حركت رأسها نافية ثم غمزت عيناها تقول بثقة...
بيجي بعدها فسخ.. اسبوعين كدا واديله الصابونة
دا أنا لو سلطان دا اخر راجل في الدنيا مش هتجوزه
وقبل أن ترد ريشة على حديثها انتفضوا من رنين الهاتف وهو يعلن عن اتصال أخر رجل في العالم ستتزوجه غزال.. سلطان
نظروا لبعضهم البعض بريبة قبل أن تمسك غزال الهاتف وتجيب على اتصاله ببرود...
الو
كتب الكتاب الاسبوع الي جاي
والفرح لما أنزل الاجازة الي جاية خالك قالي اقولك اتفاقنا بنفسي.. مبروك سلام
ثم أغلق الهاتف دون كلمة واحدة اخرى
تاركا العروس تحدق في الفراغ بلا استيعاب من ذالك الاتصال الذي بدء وانتهى سريعا وداخلها شيء يخبرها أنه ليس أخر رجل في العالم وستتزوجه هو بالأخير
تململت في فراشها ليلا نتيجة لرنين هاتفها الذي اقتحم أحلامها ينتشلها منها بأكثر الطرق ازعاجا
تأفأفت وهي تمد كفها تجذب الهاتف لها وتجيب بصوت ناعس متحشرج...
هممم
أجابها صوت ثقيل اقتحم نعاسها وهو يقول بهدوء..
انت نايمة!
ابعدت الهاتف عن اذنها لترى اسم ذاك الغبي الذي اتصل في الرابعة فجرا ليسألها إن كانت نائمة أم لا
ومع الأسف وجدته المحسوب عليها زوجا.. هشام
تأوهت سريعا وهي تفرك شعرها بحنق وتدبدب بساقها على الفراش.. مرة اخرى يستيقظ ليلا وتنتابه حالة ملل فيقرر أن يتصل بها ليبدد ملله ذاك
يقطع عليها أجمل وأفضل ساعات يحظى بها المرء ليخبرها جملته المعتادة...
احكيلي اي حاجه لحد ماانام
وللسخرية لا ينام إلا قرب ساعات الصباح.. أي قرب وقت ذهابها للعمل.. حاولت مرارا أن تغلق الهاتف في وجهه وتتسلح بقلة الذوق والصلافة ولكنها فشلت
هي والصلافة لا يجتمعان.. لا تستطع ان تحرجه برفضها رغم انه يحرجها باتصاله المتكرر ولكن لا بأس.. تتحامل على نفسها وتستيقظ لتحادثه
انتبهت على صوته الذي قال بخفوت....
حلمت حلم غريب.. مش عارف دا من الذاكرة ولا دا مجرد حلم وخلاص
انتبهت له حواسها واعتدلت فى الفراش سريعا تقول بقلق...
حلمت بإيه!
حلمت انك مش عايزاني
ساد صمت ثقيل على الجانبين..جودي تحاول ايجاد كلمات ترد به على حلمه الواقعي ولكنها لم تجد
اتخبره أنها اخبرته مرارا أنها لا تريده ورغم ذالك تزوجها.. أم تنفي قوله وتخبره أنه مجرد حلم لا وجود له
وقبل أن ترد سمعته يقول بهدوء...
احنا اتعرفنا على بعض ازاي..!
جعدت جبينها للحظات تقرر أنها ستخبره الحقيقة
ف البداية لم تكن مروعة كالنهاية فقالت متنهدة...
كنت في بلدكم تبع شركتنا وللصدفة أنا وفاء كنا زملاء.. فا قابلناك في الشارع وساعتها عرفت انك هشام اخو محروس الي كان خطيب وفاء
ومن بعدها بدأت الصدف تكتر لحد ماطلبت مني تقابل اهلي عشان تتجوزني
قبل حديثها المختصر فقال بنبرة ذات مغزى اربكتها..
بس كدا.. عشان شوفتك كام مرة صدفة قررت اتجوزك!
اذا لقد اخرج عليها روح الضابط وبدء يستجوبها من جديد.. لا فائدة من قول الحقيقة ستتبع المثل الذي يقول كذب مساوي ولا صدق ملغبك
تلجلجت للحظات قبل أن تقول بخفوت متوتر..
انت كنت عايز تستقر وشوفتني مناسبة و..
حبينا بعض يعني!
تسمرت للحظات وارتبكت أكثر وهي ترفع كفها تبعد غرتها عن وجهها وتردد خلفه بخفوت...
حبينا بعض!
اه مش لاقي سبب مقنع اني اتجوزك بسرعة كدا غير اني اكون حبيتك.. لأني مش من النوع الي عايز يستقر ياجودي.. اننا نتقابل فى وقت قصير ونتجوز كدا اكيد كان له سبب قوي
حركت رأسها بشرود وردت بلا انتباه...
اه
عادت إلى وسادتها تضع رأسها عليها وهي تسمع كلماته وهو يقول بذات الهدوء المرتاح بعكس توترها..
بس انا مش مستغرب احنا ليه اتجوزنا بسرعة
اشمعنا
همهم للحظات قبل أن يقول بخفوت منطقي
انت جميلة.. فيك حاجة مخلياني حاسس اني لو حتى مش جوزك هكون عايز اتجوزك..
توهج وجهها وارتبكت للحظات قبل أن تتمتم..
شكرا
قابل شكرها بصمت قبل أن يقول ساخرا..
وهي علاقتنا رسمية اوي كدا.. لدرجة انك تشكريني لما اقولك انك حلوة!
اغمضت عيناها تحاول التأني والصبر وقد اختنقت من اسألته التي تحاصرها وتحشرها في زاوية الكذب فقالت بهدوء لم تتقنه...
اه علاقتنا رسمية لأنك
مبتحبش حد يشيل الحدود الي بينك وبينه
جائها صوته ثقيلا يشوبه الاندهاش..
حتى انت
اندفعت تقول وهي تنوي ان تكون تلك أخر كذباتها الليلة...
اه حتى أنا.. من البداية وانت الي طلبت اننا نكون كدا
كنت غبي
صمتت لا تدري مالذي تقوله.. طال الصمت بينهم ولازالت تضع الهاتف على اذنها دون أن تسمع اي سؤال أخر منه.. بل اكتفى بالتنفس الذي كان يصل لها بوضوح.. ظنته غفى وقد رحمها من استجوابه
كادت تغلق الهاتف وتنام ولكن لا تعلم كيف علم نيتها ب الإغلاق فقال بهدوء
متقفليش.. لو عايزة تنامي نامي.. لكن متقفليش
استغربت مطلبه للغاية ولكنها لم تحتار كثيرا
بل وضعت الهاتف قرب رأسها وتنهدت بقوة قبل أن تحاول اغلاق عيناها واسترجاع النوم من جديد.. بعد دقيقة واثنان وأكثر من المحاولة فشلت
شعورها أن هشام معها في الغرفه يربكها
حتى لو كان على الهاتف فقط.. هي ترتبك وتتوتر من ذاك الرجل.. وسماع صوت أنفاسه يزيد من حالة الارتباك ويبعد عن عيناها النوم.. وكالعادة كان هشام سببا في أرقها لليلة أخرى.. رغم أنه لم يتحدث بكلمة واحدة أن يجعلها تثرثر بلا هدف أو يستجوبها
إلا أن كان لصمته ذات التأثير نفسه
كتمت تنهيدة متعبة تود ألا تصل له.. والتحفت بالدثار تدخل وجهها داخله وكأنها تتختبئ من هشام.. تختبئ من عيناه الغير موجودتان إلا في ذهنها فقط
ومن صوت أنفاسه التي تلاحقها.. ومن افكارها
الفصل السابع والاربعون
...............................................
جلس على المائدة معهم بصمت يتأمل الطعام دون شهية.. يرفع ملعقة الأرز إلى فمه يمضغه وكأن طعمه رمال لا يشجعه على اكمال الطعام ابدا.. فيقف منسحبا إلى غرفته وثقل عنيف موضوع على ظهره وكأنه يحمل الجبال.. كل شيء ثقيل رمادي بدون رغدة
اتجه لغرفته بعدما تعذر كعادته كي لا يشاركهم طعام الغذاء.. وكالعادة ابتلعوا عذره مع الكثير من احتجاج والدته على ما يفعله بنفسه في غياب رغدة
وهي محقة.. هو لا يستطيع قضاء يومه دونها
لا يستطيع التألف مع سكنته دون وجودها حوله
يختنق من وجوده في غرفته التي كان يقضي فيها شبابه وعزوبته في الماضي.. أما الآن وبعد انقضاء كل تلك السنوات نسي كيف يعيش دون رغدة
نسي ما هو نظام يومه دون وجودها هي وأولاده
كان الأمر أهون بكثير حينما كان في المصحة
كان يدرك أن ما يمنعه عنها ويحول بينها وبينه سجنه هذا كي ينسحب ذاك الادمان اللعين من دمه.. كان يصبر نفسه أنها ستكون معه حينما يخرج من هنا
سيصحح اخطائه ويكون معها كما في الماضي
ولكنه صدم بالواقع صدم أن ماعاد يستطع العودة بالزمن.. رغدة القديمة اندثرت تحت غضبها وحدتها
لم تعد تود إكمال حياتها معه رفضته بكل قوة ولثاني مرة تكسره رغدة بكل عفوية.. ليتها تعلم أن مافعلته يزيد ألمه أضعافا في قلبها ليتها تعلم أنه عقب على خطأه مرتين بأبشع الطرق
أول مرة حينما اختبئت خلف سلطان منه
والثانية حينما احتمت بظهر شقيقها حين ذهبوا لمنزلها ووقف منفعلا يعترض على حديثها
لم يراها إلا وهي تختفي خلف ظهر شقيقه وعلامات الخوف مرسومة على وجهها بوضوح الشمس
ذاك الفزع الذي رأها يوم ضربها بعنف في غمرة سكرته.. منذ ذاك اليوم وهو فقد احترامه لنفسه لم يعد يرى نفسه رجلا يستحقها.. ورغم أنه نادم إلا أنه لا يؤمن بأن تكون نهايتهم هو الفراق
كيف تفترق عنه وتبتعد بأطفاله.. كيف تتركه يتلظى بنار الفراق وهي تتنعم بقوتها الجديدة
كيف ينام على فراشه كل يوم دونها يأكل ويعمل وتمر عجلة اليوم دون رغدة..
شهق قلبه بلوعة وهو يدفن وجهه في وسادته ويتسائل..
أين انت يارغدة
أين انت من أيامي دونك.. أين انت من حياتي الباردة
أين انت من أحزاني دونك.. أين وجهك الباسم وتصرفاتك العنيدة بنكهة الحب والدلال.. أين انت من الحب والذكريات.. أين انت!
انتفض من فراشه باختناق يجلب حقيبة ملابسه
يلملم ثيابه ينوي الذهاب إلى شقته.. شقتهم هو ورغدة سيذهب ليرثي ألمه هناك حيث كانا معا
انت مزعقتليش ولا دلقت الطبيخ ياحسن عشان تيجي تراضيني وارجعلك.. أنت غيرت نظرتي لنفسي وليك أنا مقدرش أكمل مع راجل وقع من عيني
ألقت تلك الكلمات على مسامعه بكل ألم.. وبكل قوة
لا يعلم كيف استطاعت أن تجمع بين التضاد
كيف طاوعها لسانها على قول تلك الكلمات برغم بكاء عيناها.. ولكنها كانت رغدة.. صاحبة التضاد والاختلاف.. كانت مختلفة ونادرة حتى في فراقهم!
كان يجمع ملابسه كالملسوع.. يود لو يغمض عيناه ويفتحها ليجد نفسه في شقته معها ومع أطفاله
يتمنى المستحيل.. رغدة باتت كالمستحيل!!
دلفت والدته غرفته بعدما طرقت ولكنها شهقت بصدمة وهي تراه يجمع ملابسه التي وضعتها في خزانته حين عاد منذ أيام!
اقتربت منه بمقعدها المتحرك تقول بلا استيعاب..
انت رايح فين ياحسن بتلم هدومك ليه
هو انت هتسافر تاني!
حرك رأسه نافيا وهو يقول مختنقا بحديثه..
رايح شقتي ياأمي
وهو دا مش بيتك ياحسن.. طب دا دي شقتك
وكمان شقتك الي فوق شقة سلطان و..
قاطعها بحدة خافتة وهو يغلق حقيبته...
شقتي أنا ورغدة ياأمي الي اتجوزنا فيها
أنا مش مرتاح في اي مكان غيرها
شهقت بحزن وهي تضرب على صدرها عاتبة..
مش مرتاح معايا ياحسن.. مستكتر عليا تونسني بقعادك معايا ياحسن.. طب دا أنت هتروح تقعد لوحدك هناك أهون عليك ونسة الحيطان عن ونسي!
جذب حقيبته وهو عاجز على مسايرة حديثها العاتب
عاجز عن قول كلمة واحدة ينفي قولها.. ولكن صمته كان خيرا عن حديثه
ماذا يقول لها.. أيقول أن أنس الجدران التي تحمل خيالاتهما تكفيه.. أيخبرها أن أركان شقته ستربت على قلبه بذكرياتهم ماذا يخبرها ماذا يقول
تبعته للخارج وهي تحاول مجاراة خطواته إلى أن جلس على أحد المقاعد يرتدي حذائه سريعا
وعلى نواح والدته خرج سلطان من الحمام ينظر له مندهشا وهو يسأل..
انت رايح فين!
لم يستطع رفع عيناه لشقيقه الأكبر.. لم يستطع مواجهة عيناه القوية التي تذكره بخطاياه وضعفه
فقال دون أن يرفع عيناه عن حذائه...
رايح بيتي
تحدثت والدته وهي تنظر لسلطان وتقول دامعة بلهفة...
عشان خاطري قوله يقعد ياسلطان.. أنا ماصدقت شيفاك انت وهو حواليا وبعدين هو هيروح يعيش في الشقة لوحده يعمل ايه!
تعلقت عيون سلطان بشقيقه الذي يهرب بوجهه عنه
يتأمل ارتجافة جسده واضطراب أنامله
حالته الضعيفة تلك تغضبه وتجعله يود لو يلكمه ويلومه على مافعله.. ولكن مافائدة اللوم.. مافائدة التأنيب!
لذا لم يستطع منع نفسه
يروح مكان مايروح ياأمي.. هو مش صغير ومفروض عارف مصلحته فين
هو مش صغير ومفروض عارف مصلحته فين
كانت تلك الجملة ذات ضربة سوط لاذع جعلت حسن ينتفض من جلسته وينظر لسلطان بغضب ويقول باختناق...
كفاية كلامك دا بقا.. كفاية أنا شبعان لوم وشبعان ندم..مش لازم تفكرني كل شوية بالي