رواية اعشقها جدا الفصول من 13 إلى 16
الثالث عشر
لم يغمض له جفن فى تلك الليلة فبعد مرور يومان فقط ستبدأ أيامه السعيدة ظل يتقلب بالفراش يريد بزوع فجر اليوم الجديد الآن لعله يراها على نور الصباح
فشعرت به زوجته فأستدارت إليه قائلة
مالك يا فاروق عمال تتقلب ليه كده مش عارف تنام ولا إيه
أدعى فاروق الكذب وهو يقول
لاء مفيش بس شربت قهوة فى العزا ومش عارف أنام أنا هخرج اتمشى برا فى الجنينة نامى أنتى يا حبيبتى
داهم النعاس جفنيها فتثائبت وهى تقول
ماشى يا حبيبى تصبح على خير اليوم النهاردة كان متعب أوى
عادت إلهام ثانية الى نومها فخرج ذلك الرجل الخبيث ولكن عوضا عن الذهاب الى الحديقة كان يتسلل قاصدا غرفة ليان ظل يلتفت يمينا ويسارا يتأكد من عدم مجئ أحد فهو يريد رؤيتها لذلك مد يده على مقبض الباب يديره ببطئ ولكنه وجد الباب موصد بإحكام من الداخل
فسمعت ليان صوت أمام باب غرفتها ورأت تحرك مقبض الباب فابتلعت ريقها پخوف فمن يفعل ذلك
فتمتمت پخوف
بأحد المنازل التى تشبه القلاع رجال متفرقون بكل مكان يراقبون كل صغيرة وكبيرة وأصوات كلاب ضخمة تنبح بحديقة المنزل فذلك المنزل ملكا لأحد رجال الأعمال المشهورين ويدعى عامر الرفاعى
تجلس شهيرة برفقة والدها ذلك الرجل الذى يجلس بكل غرور و كبرياء ينفث دخان سېجاره الغالى ببرود فهو رجل معروف عنه القوة والجبروت فى سوق رجال الأعمال و هى ابنته الوحيدة التى قام بتربيتها بدلال زائد عن الحد المطلوب والمعقول
لاحظ حركتها المتململة وفرك يديها منذ جلوسها فهتف بها متسائلا
مالك يا روح بابى متعصبة ليه كده من ساعة ما جيتى حاسس أن فى حاجة مخبياها عليا
حكت شهيرة جبهتها فسرعان ما نظرت لوالدها بتبرم
أكمل يا بابى اليومين دول مش مريحنى خالص حاسة كده كأنه مش أكمل اللى أعرفه
قطب عامر حاجبيه قائلا
ليه عملك ايه يا حبيبتى قوليلى
تركت شهيرة مقعدها وظلت تروح ذهابا وإيابا أمامه وهى تقول بغيظ مفرط
أحواله كده مش عجبانى وكمان من كام يوم رجع هو وكنزى متأخر لما سألته قالى ملكيش دعوة وزعقلى يا بابى
نهض عامر عن مقعده الوثير وصاح غاضبا
إيه زعقلك ! هو نسى نفسه ولا ايه ده كمان هو مش عارف انتى مين وبنت مين ولا ايه لو نسى احنا نقرصله ودنه قرصة صغيرة كده علشان يفتكر وميعملهاش تانى
أقتربت منه شهيرة وهى تقول ببرود
مش للدرجة دى يا بابى ثم انا اعرف اتصرف معاه كويس وأعرف أخليه يرجع يحترمنى إزاى تربية الحوارى ده كمان
وضع عامر سېجاره بفمه وأخذ نفسا عميقا سرعان ما نفثه ببرود وهو يقول
مش أنتى اللى صممتى تتجوزيه وسيبتى أحسن شباب من أكبر العائلات وطلبتى تتجوزيه
وضعت شعرها خلف أذنها وقالت
أنا كنت عايزة واحد يبقى خاتم فى صباعى وميقدرش يرفض ليا طلب
مد عامر يده وداعب وجنتها بلطافة
وهو زى الخاتم فى صباعك ولو حاول يتنمرد أنا أعرف أتصرف معاه كويس لأن مش أى حد يقدر يزعل وحيدتى وأنا أسكتله أنا أندمه على اليوم اللى أتولد فيه
إبتسمت شهيرة على قول والدها وهى تقول
ربنا ما يحرمنى منك يا بابى أنا لازم أمشى دلوقتى سلام
لم ينسى عامر تقبيل جبين إبنته قبل رحيلها وقال
مع ألف سلامة يا حبيبتى ولو فى أى حاجة بلغينى ماشى يا شهيرة
إبتسمت شهيرة له قائلة
ان شاء الله يا بابى وتسلملى يارب على الدلع ده كله
أنا معنديش غيرك يا شهيرة وتدلعى براحتك يا حبيبتى
قالها عامر بحب لإبنته الوحيدة
فتذكرت شهيرة إخباره بأمر سفرها فنظرت إليه قائلة
أه أفتكرت كنت عايزة أسافر اليونان يابابى
نظر لها عامر وتساءل
تعملى ايه هناك يا حبيبتى
قالت شهيرة بحماس
أصحابى يابابى مسافرين وعايزة اسافر اتفسح معاهم بقالى فترة مسفرتش أى مكان
أشار عامر لعينيه بالتوالى قائلا
بس كده من العين دى قبل العين دى
أبتهجت بقول أبيها فقالت
ميرسى أوى أوى يا بابى أنت أجمل أب فى الدنيا دى كلها
أقتربت منه بسعادة غامرة متناسية أمر زوجها وطفلتها فكل ما يهمها هى سعادتها هى فقط فهى إبنة أنانية لأب افسدها بدلاله الزائد لها
لوحت له بيدها وهى تقول
عايز منى حاجة يا بابى قبل ما أمشى
رد عامر قائلا
سلامتك يا روح بابى بوسيلى كنزى
يوصل ومتنساش بقى حجز التذاكر لليونان
قالتها شهيرة وأقتربت من باب المنزل
ولكنها سمعت صوت والدها وهو يقول
أنتى هتاخدى كنزى معاكى اليونان يا شهيرة
إستدارت إليه وقالت بنفى
لاء هسيبها هنا مع باباها لأن لو أخدتها مش هعرف أستمتع بالرحلة هبقى متقيدة بوجدها
لم يستحب والدها قولها فقال بصوت مستاءا قليلا
بس دى بنتك يا شهيرة إزاى تسيبيها هنا يعنى وتسافرى
نفخت شهيرة بضيق وقالت
بليز يا بابى متعمليش زى أكمل لما يقعد يقولى دى بنتك خدى بالك منها هى كنزى فيها إيه عايزة اعرف هى بتلبس احسن لبس بتروح احسن الحضانات عايشة فى مستوى عالى ايه ناقصها تانى
حاول عامر التخفيف من وطأة ضيقها فهتف بها قائلا
اهدى يا حبيبتى مش معنى انك خلفتيها ضد رغبتك أنك تهمليها دى برضه بنتك فى الأول والآخر
اشاحت بيدها وهى تقول
أنا مأهملتهاش أنا بس مش عايزة ابقى زى الستات اللى يبقى كل همها تاكل وتشرب وتنيم واهمل نفسى وجمالى واتحول لحاجة كده شبيه بست
لم يجد طائل من الجدال بينهما فهتف بها قائلا
خلاص يا شهيرة يلا روحى وبكرة التذاكر هتبقى عندك
ردت شهيرة قائلة
اوك يا بابى سلام
فتحت الباب وخرجت تشعر بعصبية طفيفة من حديث والدها حول علاقتها بابنتها ففكرت لماذا يظن الجميع أنها تكره طفلتها فهى تريد ان تعيش حياتها فقط قبل فوات الأوان وتتحول من إمرأة جميلة إلى امرأة فاقدة الحياة وتضيع حياتها وشبابها وجمالها فى أمور المنزل المملة من وجهة نظرها فهى رأت العديد من صديقاتها يشكين من تربية أولادهن ورأتهنج كيف تحولن من الأناقة والجمال إلى مجرد نساء يفتقرن للحياة ويطلق عليهن نعت نساء بائسات
_______________
فى الصباح الباكر ومع تسلل أول خيوط النهار من خلف السحابة السوداء التى كان الليل يخيم بها على السماء كانت ليان تاركة فراشها فأغتسلت وتوضأت وأدت فرضها وفكرت أن تخرج لحديقة المنزل لإستنشاق بعض الهواء النقى قبل إستيقاظ من بالمنزل فهى ربما على وشك أن تحرم من كل هذا فخرجت لحديقة المنزل بحرص فهى تنتعل حذاء خفيف لايصدر صوتا بسيرها
أسفل تلك الشجيرة المفضلة لديها كانت تجلس بإرتياح فعقدت ذراعيها وجلست بصمت تراقب المنزل كأنها تريد حفر تفاصيل ذلك المشهد الذي تراه بعقلها وبخضم أفكارها لم تنتبه لخطوات ذلك الذى يقترب منها وعيناه تتأمل وجهها البرئ على ضوء النهار ولكن حدسها أنبأها بأن أحد قادما بإتجاهها
فألتفتت ليان جانبها فرأت رفيق يقترب منها ولكن عوضا عن
صباح الخير عاملة إيه دلوقتى
قالها رفيق وهو يقف بالقرب منها عاقدا ذراعيه
فتحاشت النظر إليه وردت بإقتضاب
صباح النور الحمد لله نحمد ربنا خير كنت عايز حاجة
ألتوى ثغره بإبتسامة قائلا
عايز سلامتك يا ليان هعوز منك أنتى ايه يعنى
نظرت إليه بسرعة ولمحت فى عينيه هذا البريق من السخرية غير المتناغمة وهذا ما جعلها تجفل إذ أن وجهه لم يكن ينم عن شئ بل كان أشبه بالبريق المضئ بليلة معتمة كان ذلك البريق علامة للهيمنة فتذكرت ليان أن رفيق كان منذ أن رأته لم يكن سوى رجل فظ غليظ القلب
فزفرت بخفوت وهى تشعر بالإستياء
أحسن برضه أنك مش عاوز منى حاجة ريحتنى والله
ضم ذراعيه أمام صدره وقال
مش بالظبط كده يا ليان أنا بس كنت حابب أعرف خططك إيه لأيامك اللى جاية لأن لازم أعرف ناوية على إيه
ده شئ ميخصكش
قالتها ونظرت إلى ملامحه الجانبية وخاصه شعره الكثيف وأثر تلك الندبة بوجهه كان مزيج من القوة والنضوج والرهبة وهذا ما أزعجها كثيرا
نظر إليها عن عمد وقال
ميخصنيش إزاى وأنتى وأخوكى جدتك سابتكم أمانة فى رقبتى وأنتى بقيتى أمر واقع فى حياتى
كزت ليان على أسنانها وقالت بغيظ
ممكن أوى تتخلى عننا ويكون أفضل للكل لأن أنا الصراحة لا طيقاك ولا طايقة أشوف وشك ولا حتى أسمع صوتك
قال رفيق بهدوء
أنا بس هعذرك علشان الظروف اللى أنتى فيها وبعد كده هيبقى ليا كلام وتصرف تانى معاكى يا ليان لأن مش من طبعى أستغل حد فى ظروف ضعفه
قالت ليان وهى تتبسم بسخرية
شهم أوى أنت الصراحة يا أستاذ رفيق هتخلينى أعيط من فرط شهامتك
عمقت إبتسامة صغيرة خطوط السخرية المحيطة بفمه وهو يقول
المشكلة يا ليان أن عقلك لسه بيفكر بمنطق الأطفال بس معذورة أنتى لسه برضه مراهقة ومتعرفيش توزنى كلامك أو أمورك كويس لازم حد يوجهك وجايز الحاجة الوحيدة اللى كنت بعتب على الحاجة علية الله يرحمها فيها أنها دلعتك بزيادة ومخلتكيش تعرفى تحطى حدود لكلامك مع حد سواء كنتى بتحبيه أو بتكرهيه ودى الصراحة تبقى إسمها قلة أدب ودلع فارغ وتفاهة
ألتقطت ليان أنفاسها المتتابعة ومازالت كلماته يدوى صداها بعقلها فذلك الرجل الطويل غير المبتسم والذى يقف أمامها كالمارد ليس بشاب يمكن أن ينمق حديثه من أجل إرضاء أحد سواء صغيرا أو كبيرا لقد أخافها بوجهه الجامد وملامحه البارزة وعينيه الحادتين وسخريته اللاذعة
فأنسابت دموعها رغما عنها
ولكن عملت على إزالتها وهبت واقفة أمامه وهى تصرخ بوجهه
أنت واحد قليل الذوق ومعندكش ډم كمان
أنهت عبارتها ورفعت يدها لټصفعه على وجهه فأنتهى بها الأمر وكفه العريض قابضا على أصابعها تشعر بسحقه لعظام يدها
بيأس حاولت تخليص يدها من بين أصابعه القابضة عليها كقضبان من الحديد تحركت بعصبية وهى ترى نفسها تكاد تشعر بأنفاسه ټحرق وجهها وفجأة كفت عن التحرك فنظرت بعيناه تحاول سبر أغوارها لمعرفة لما يظل يزعجها إلى هذا الحد
رأى هدوءها ففضل ترك يدها ربما هى تأذت من فعلته فنظر إليها فتحاشت هى النظر إلى أعماق عينيه فسألها
أنتى ليه بتعملى كده يا ليان ماهو مش معقول كرهك ليا ده كله بسبب أن أشتريت أرض باباكى أنا حاسس كده زى ما يكون فى سبب تانى
أحنت رأسها وهى تدلك يدها لتخفف شعورها بالألم فأجابته بتبرم
لا تانى ولا تالت هو مش فى ناس أول ما تقابلها تكرهها من غير سبب أهو أنا كده كرهتك من غير سبب
رجفة صوتها أنباته بأنها تكذب بهذا الشأن ولكن لا يعلم علام هى تكذب فتطلع إلى وجهها وقد بدا شاحبا فى ضوء النهار وفى عينيها تعبير مبهم
مش عارف ليه مش مصدقك يا ليان المشكلة أنك الواحد يقدر يقرأ اللى جواكى بسهولة أينعم فى الأول كان باين فى عينيكى الكره لكن فى اللحظة دى لاء وأنا زى ما قولتلك أنتى بقيتى أمر واقع فى حياتى زى ما أنا كمان بقيت أمر واقع فى حياتك
أطلقت زفرة مهزوزة وقالت
أنت مفكر نفسك دكتور روحانى وهتقعد تحلل شخصيتى وردود أفعالى
إبتسم على نحو غريب عندما قالت ذلك فرد قائلا
مش دكتور روحانى ولا حاجة بس جايز علشان عارف البنات فى المرحلة دى تقريبا بيفكروا إزاى تقدرى تقولى أن أنا بقول كده من واقع خبرتى
صمت لهنيهة فما لبث أن قال بإهتمام بعد شعوره بإرتجافها يدها بين كفه
أنتى مالك بترتعشى ليه كده أنتى بردانة ولا حاسة أنك تعبانة قوليلى
لم يكتفى بقوله بل رفع يده اليمنى ووضعها على جبينها يخشى أن تكون أصيبت بحمى مفاجئة ولكن لم يجد بها شيئا فإبتسم بدهاء
حرارتك مش مرتفعة ولا حاجة أمم تكونيش مكسوفة علشان ماسك إيدك عمر ما فى حد مسك إيدك قبل كده
جفلت ليان لأن ثقته الزائدة بأقواله أوحت لها بأنه ربما عاړك الحياة بالجيد والسىء فهل هو رجل خبير بالنفس البشرية وخاصة النسائية ليستطيع قول هذا أم ماذا
فأرادت إنهاء هذا الجدل بينهما وسحبت معصمها من بين يده وقالت
الظاهر كده أنك حبيت دور الواصى عليا بس أحب أقولهالك مش أنا اللى ممكن أسمع كلام لحد وخصوصا لو الكلام ده مش عاجبنى زى كلامك كده وفره لنفسك عن إذنك
تركته وعادت للمنزل فهو يعلم أنها مهمة ليست سهلة أن يستطيع كبح جماح تلك الفتاة فهل كان محقا بقبول رعايتها هى وشقيقها أم كان هذا حماقة من جانبه أن تعيش بكنفه فتاة كالهرة الشرسة التى لا تستطيع إخفاء مخالبها فتمزق
زرع ماجد غرفته ذهابا وإيابا يكاد ېموت قهرا كلما تذكر ذلك المشهد الذى رأه بالمشفى
فظل يضرب بقبضة يده پغضب عارم على مكتبه حتى شعر پألم شديد فى يده ولم يكتفى بهذا بل قام بنثر الاوراق والكتب التى كانت أمامه محدثة جلبة فى الغرفة دخلت على إثرها والدته تنظر اليه بتعجب
فأنحنت تلملم الكتب وهى تقول بغرابة
فى ايه يا ماجد انت رامى كتبك كده ليه على الأرض ايه اللى حصل
أطلق ماجد زفرة قوية وهو يرتمى على مقعده مغمغما
مفيش يا ماما بس هم وقعوا منى ڠصب عنى
وضعت صابرة الكتب من يدها على سطح المكتب فرمقته بتساؤل قائلة
هو فى ايه اللى حصل فى العزا يا ماجد من أمبارح ومن ساعة ما رجعنا وانت مش طايق نفسك حتى انت وابوك فضلتوا لاخر العزا ورجعت انا لوحدى من عزا الستات
مسح ماجد وجهه بيده وهو يقول
علشان بابا كان عايز يطمن على ليان وباسم هيعملوا ايه بعد مۏت جدتهم
تساءلت صابرة بشئ من الفضول
اه وهيعملوا ايه بقى يا ماجد
شعر ماجد بنبرة الفضول بصوت والدته ولكنه يعلم أنه فضول من أجل رغبتها فى إبعاد ليان عنه فرد بضيق وقال
معرفش يا ماما محدش قال حاجة بس أمها وجوزها شكلهم هيخدوهم معاهم على القاهرة هيروحوا فين يعنى ما هو مش معقول
قالت صابرة بعدم إكتراث
طيب ربنا يوفقهم اعمل حسابك احنا هنسافر و هنرجع بيتنا بكرة
إعتدل ماجد قائلا
بس بس يا ماما مينفعش نمشى دلوقتى ونسيبهم فى الظروف دى قبل ما نطمن عليهم
عقدت صابرة ذراعيها أمام صدرها وقالت بتبرم
بس ايه وبتاع إيه ما خلاص عزينا وعملنا الواجب نفضل هنا تانى ليه عايزين نشوف مصالحنا أنت ناسى أن الترم التانى فى الدراسة خلاص مبقاش عليه كتير وأنت وأخواتك هترجعوا دراستكم مش عايزة حجج فارغة
أزدرد ماجد لعابه قائلا برجاء
خلينا بس ياماما اليومين دول و هنرجع البيت بعد ما بابا يطمن ان ليان وباسم هيروحوا مع أمهم وكمان تكون أيام العزا خلصت
مصمصت صابرة شفتيها وهى تقول
أبوك برضه اللى يطمن ولا أنت اللى تطمن على ليان أنا قولتلك سيبك من الموضوع ده خالص اللى فى دماغك لو انطبقت السما على الأرض مش هيحصل يا دكتور
أنتفض ماجد من مكانه وهو يقول بحدة
ماما كفاية كلام بقى فى الموضوع ده كل شوية حرام كده
ردت صابرة قائلة ببرود
انا بس بعرفك اللى فيها يا ابن بطنى
خرجت صابرة من الغرفة فجلس ماجد تلك المرة على الفراش ممتعضا من حديث والدته التى لديها الاصرار التام على التفريق بينه وبين ليان ألا يكفى ذلك الخۏف الذى زرع بقلبه منذ رؤيته ذلك الرجل المدعو ...رفيق
_________________
لم يكن والد زوجته بالعادة يستدعيه هكذا بوقت باكر فأثناء خروجه من المنزل متجه إلى مقر عمله جاءه إتصال ملح منه بضرورة رؤيته على وجه السرعة فقاد أكمل سيارته وهو يفكر بأى شأن هو يريده فربما زوجته المصون ذهبت إليه شاكية ولا يعلم تلك القدرة العجيبة التى تملكها بأن تخرج من الأمور بصورة المجنية عليها
فزفر أكمل وهو يقود السيارة مدمدما بغيظ
ياترى يا شهيرة هانم عملتى إيه المرة دى بسلامتك وأبوكى عايز منى إيه يارب خلصنى من الناس دى بقى هو انا هفضل اتعاقب على غبائى ده كتير
ظل يحدث نفسه طوال الطريق حتى وجد نفسه أمام منزل عامر الرفاعى فأطلق بوق السيارة ففتح الحارس له الباب فهو يعلم أنه قائد السيارة هو صهر رب عمله
ولج أكمل بسيارته للداخل وترجل منها إصطحبه رجلا حتى وصل للمكان المتواجد به عامر فهو يبدو عليه أنه يتناول إفطاره
فتقدم أكمل قائلا
صباح الخير يا عامر باشا
رفع عامر يده بترفع يشير إليه بالجلوس
صباح النور تعال أقعد أفطر
جلس أكمل على أحد المقاعد وهو يقول
شكرا يا باشا أنا فطرت أنا جيت علشان حضرتك طلبتنى خير
وضع عامر قطعة من الجبن الأبيض بفمه وهو يحدق بوجه أكمل ولكن سرعان ما قال
أنا جبتك علشان أعرف أنت مزعل بنتى شهيرة ليه
أنتفخت أوداج أكمل فعلا صوته قليلا
أنا يا باشا اللى مزعلها أنت مش عارف بتعمل ايه فيا أنا وبنتها كأننا مش عايشين معاها فى البيت
رفع عامر يده قائلا
وطى صوتك يا أكمل وأنت بتتكلم مفهوم
كم يشعر أكمل بالكره تجاهه وتجاه إبنته المدللة بذلك الوقت بل يشعر بالمقت الشديد لنفسه أنه وقع بالمنتصف بينهما ولكن إذا حاول الخروج ربما سيتسبب ذلك بخسارة فادحة ستتمثل بصغيرته كنزى
إستند أكمل بمرفقه على المائدة الطويلة وزفر بإرهاق
أنت عايز منى إيه دلوقتى يا باشا
مسح عامر فمه بمحرمة قطنية بيضاء وهو يقول بشبه أمر
عايز بنتى متضايقش من أى حاجة وتعاملها كويس ومتزعلهاش وإلا أنا كده اللى هزعل وأنت عارف زعلى وحش يا أكمل ولا إيه أظن أنت مش حابب تتأذى ومش هتبقى أنت لوحدك لا وصاحبك رفيق كمان متنساش أنكم انتوا الاتنين شغالين فى السوق بأمرى أنا وممكن أمر واحد كمان وتلاقى نفسكم بقيتوا على الحديدة
لم ينبث أكمل ببنت شفة بل ظل صامتا يتطلع بوجه والد زوجته بهدوء فطالت النظرات بينهما إحداهما فحواها ټهديدا صريحا وأخرى مزينة بكراهية مبطنة
نهض أكمل عن مقعده وهو يقول بهدوء
أى أوامر تانية يا باشا علشان أتأخرت على شغلى بس ياريت يا باشا تفكر بنتك أن أنا جوزها وعندنا بنت أحسن تكون ناسية ولا حاجة عن إذنك
خرج أكمل من المنزل بينما ظل عامر جالسا مكانه فهو لا ينكر أن أكمل محق بما قاله ولكن حبه الزائد لإبنته يجعله يتغاضى عن رؤية الأمور بمنظور أخر غير ماتراه هى فهى منذ ۏفاة والدتها وهو يحرص على رعايتها وتدليلها لايريدها أن تشعر بالحزن أو الضيق حتى وإن كان ذلك على حساب أقرب الناس إليها فهو حقا أب أنانى وهو يقر بتلك الحقيقة بداخله
_________________
ما يحدث أشبه بالکابوس الذى لا طاقة لها على الخلاص منه فكان رأسها يمتلئ بضجيج الأفكار التى ما فتأت تعود إليها مذكرة إياها بمصيرها المحتوم فهى تجلس الأن بالصالة الفسيحة وتوافدت النسوة ثانية لتقديم المواساة لها بثانى أيام العزاء كما تجرى العادة بالقرى الريفية من أن العزاء يقام ثلاث أيام
وضعت يديها على جانبى رأسها وأنحنت للأمام تشعر پألم يكاد يفتك برأسها فربتت والدتها على ظهرها بقلق
ليان مالك فى إيه
لم تفه ليان بكلمة بل غامت عينيها وسقطت من على مقعدها مغشيا عليها فصړخت إلهام بفزع وهى تركع بجانبها
ليان ليان مالك فى إيه ردى عليا
تجمع النسوة الجالسات حولها تحاول كل منهن إفاقتها فصار الهواء ساخنا من تجمع أنفاسهن فأشارت لهن إلهام بالإبتعاد وهى تقول
معلش إبعدوا شوية علشان النفس كده هتتخنق أكتر
حرج طفيف ألم بوجوههن فأسرعن بتقديم عبارات المواساة وأنصرفن سريعا حاولت إلهام إفاقتها ولكنها لا تستجيب لها فجسدها أصبح باردا كالمۏتى
فلم يتبقى أحد معها لمساعدتها فجلبت كوب من الماء ترشق وجهها به ولكن لم تأتى فعلتها بفائدة فهرولت خارج المنزل للحديقة التى يجلس بها الرجال
فصاحت منادية
فاروق باسم ألحقوا ليان مغمى عليها إلحقونى
ليان ليان فوقى متسبينيش يا ليان
لم ينتظر رفيق سماع كلمة أخرى من أحد بل أنحنى حاملا إياها وخرج سريعا إلى سيارته المصفوفة أمام المنزل وضعها بالمقعد الخلفى وهو يقول
باسم أركب بسرعة
جلس باسم على المقعد المجاور له فانطلق رفيق بالسيارة ومازال فاروق وإلهام ينظران لبعضهما البعض فهو لم يكلف نفسه عناء إخبارهما للمجئ برفقتهم
فنظر فاروق لإلهام وشرار يتطاير من عيناه
هو إيه اللى عمله البنى أدم ده هو مين اللى أداله الحق يعمل كده هو مچنون ده ولا ايه وخد ولادك وطار حتى مقالش تعالوا معانا
حاولت إلهام تهدئة زوجها فقالت
جايز علشان الناس اللى بتعزى برا سابك هنا وانا كمان فى ستات بتيجى كل شوية
وضع فاروق يده بخصره وهو يقول
لا يا شيخة وهو مين أصلا وقاعد هنا ليه لحد دلوقتى مش خلاص عمل الواجب إمبارح مروحش على بيتهم ليه
جلست إلهام على الأريكة خلفها وهى تمسح جبهتها
معرفش يا فاروق ثم يعنى هنطرد الراجل من البيت ونقوله أمشى
بجهد لا يذكر كان رفيق يضع ليان على سرير الفحص الطبى من أجل معاينة الطبيب لها فبعد معاينتها جلس الطبيب خلف مكتبه ودون أسماء عقاقير طبية وهو يقول بمهنية
هى شكلها أغمى عليها بسبب عدم أكلها فحصلها هبوط لازم تاخدوا بالكم منها أكتر من كده هى جسمها ضعيف خالص ولازم تتغذا كويس أتفضل دى روشتة بأسماء الأدوية اللى لازم تاخدها الفترة دى
أخذ رفيق من يده الورقة فسمع صوت تأوهات خاڤتة تأتى من خلفه فإستدار إليها وجدها بدأت بإستعادة وعيها المفقود
فهمست ليان بضعف
باسم
وهو يمنع نفسه بصعوبة من البكاء قائلا
ألف سلامة عليكى يا ليان كده تخوفينى عليكى يا ليان دا أنا دلوقتى مليش غير ربنا ثم أنتى يا حبيبتى
أنزلقت دموعها من بين أهدابها وهى تحاول طمأنته
متخافش يا حبيبى أنا معاك أهو يلا نروح
حاولت الجلوس فأسرع باسم بمساعدتها فأستندت على كتفى شقيقها وهى تترك مكانها فهى تشعر بأن قدميها رخوتين ولن تستطيع حملها كادت تسقط أرضا
جلست بالشرفة تراقب النجوم التى ألتمعت بالسماء فحبها يشبه تلك النجوم فهو لامعا براقا ولكنه أيضا بعيد ومستحيل المنال وضعت وجنتها على يدها وهى تتنهد من وقت لإخر فإلى متى ستظل هكذا
لم تشعر بمجئ بسمة إلا بعدما رأتها تفرقع بأصابعها أمام وجهها
هااااا يا بنتى روحتى فين
أرتعشت نسرين فجأة فقال بصوت كاد يذوب من الخۏف
الله يسامحك يا بسمة رعبتينى يا شيخة وقطعتى خلفى
قهقهت بسمة وهى تجلس بجانبها فوكزتها بكتفها وهى تقول
اللى واخد عقلك يا حبيبتى يتهنى بيه
عادت نسرين ثانية لتأمل النجوم وهى تقول
هو واخد عقلى بس عقله هو وخداه واحدة تانية شكلى هفضل طول عمرى مليش حظ فى حاجة أبدا يا بسمة
ربتت بسمة على ساقها بإشفقاق
يبقى خلاص سيبك منه بقى وشوفى حالك يا بنتى أنتى هتفضلى عمرك كله كده دا حتى ميرضيش ربنا
عيزانى أعمل إيه يعنى يا بسمة
قالتها نسرين وهى تستدير برأسها لها
فتبسمت بسمة قائلة
عيزاكى تشوفى حالك بقى وبطلى ترفضى العرسان دا انا حتى خطيبى جايبلك حتة عريس لقطة زميله فى الشغل وهو وحيد أبوه وأمه وعنده شقة وعربية وحالته متيسرة
تبسمت نسرين رغما عنها وهى تقول
هو أنتى وخطيبك بقيتوا فاتحين مكتب جواز وبتوفقوا راسين فى الحلال يا بسمة
وكزتها بسمة بضيق وهى تقول
ده جزائى يا بت أن جيبالك عريس قيمة وسيما دا انا استخسرت أوديه لحد تانى قولت أنتى أولى بيه وفكك بقى من الباشمهندس مالك ده اللى مش هيجيلك من وراه إلا ۏجع القلب
كممت نسرين فم بسمة حتى لا يستمع أحد لقولها خاصة أن صوتها عاليا فهتفت بها قائلة
أكتمى يا بسمة بصوت ده هتفضحينى منك لله
أزاحت بسمة يد نسرين من على فمها وقالت
ما أنتى تغيظى يا نسرين فوقى بقى من أوهامك دى خليكى عملية شوية بلاش رومانسية المسلسلات التركية دى اللى هتوديكى فى داهية هو يا حبيبتى غرقان لشوشته فى حب أنثى اليربوع اللى إسمها ماهيتاب الشريف دى يبقى أنتى بقى شليه من دماغك وشوفى العريس ده مش جايز يعجبك وتستلطفيه
صمتت نسرين فهى لا تجد ما تقوله فربما بسمة محقة بكل كلمة تفوهت بها عندما رأى بسمة أنها أستكانت لحديثها
مسدت على ذراعها وقالت بلطف
صدقينى أنا عايزة مصلحتك يا نسرين وأنتى عارفة أنا بحبك قد إيه فعلشان كده بقولك أدى نفسك فرصة وقابلى العريس ده ارتاحتى للموضوع كان بها ما أرتاحتيش يا دار ما دخلك شړ وربنا يبعتلك نصيبك اللى يريح قلبك
وضعت نسرين رأسها بين يديها وهى تفكر بما أقترحته بسمة فحديثها يحمل جزءا كبيرا من الحقيقة التى ترفض هى أن تراها عازمة على أن تظل غارقة ببحر أوهامها من أنه سيأتى اليوم ويشعر مالك بحبها له ولكن ربما ستظل منتظرة لأبد الدهر فكم هى تشعر بالنقم على قلبها الذى لا ينصاع لحديث العقل أبدا ولكن يجب عليها أن تروضه على إطاعتها
__________________
سمع صوت طرقات خفيفة على الباب فنهض من على فراشه ليرى من الطارق فى هذا الوقت المتأخر من الليل فتح الباب فشعر بالدهشة من رؤيتها واقفة على عتبة الباب بعينان ساحرة وشعر مسدول على كتفها فى هذا الليل الشديد البرودة
برودة تغزو الاوصال وترتجف لها الأبدان تنظر اليه بعينان حزينتان عالق بهم آثار البكاء المرير الذي لم تكف عنه منذ ماحدث لها
فلم يمنع دهشته وهو يقول
ليان
خفضت وجهها أرضا وهى تقول بتلعثم
رفيق أنا أنا........
شعر رفيق بالقلق فقال
فى ايه يا ليان مالك
نظرت إليه والدموع تنهمر من عينيها قائلة
أنا خاېفة أوى يا رفيق
قطب رفيق حاجبيه قائلا بغرابة
خاېفة من ايه وايه اللى مخوفك اوى كده
مسحت الدموع بظاهر يدها وهى تقول
خاېفة من الدنيا واللى ممكن يجرالى منها بعد ما تيتة راحت وسابتنى
حاول بث الإطمئنان بها فقال
مټخافيش يا ليان انا معاكى ومش هسيبك مش عايزك تخافى
مد يده يمسح دموعها بابهامه يريدها أن تكف عن البكاء فتلك العينان لايحق لها سوى السعادة والفرح وجدها تندفع نحوه تضع يديها حوله تخفى وجهها بصدره ربما كان اختل توازنه من قوة اندفاعها فى الارتماء بين يديه
إلا انه ظل ثابتا لا يصدق ما فعلته لتوها فرفع يده ببطئ يقبض ويبسط اصابعه فى حركة مترددة أيحتويها ام يدفعها عنه وجد نفسه يحاوطها بقوة مغمض العينين يستند بذقنه على رأسها صار قلبه تقفز دقاته محدثة جلبة بين ضلوعه
فمن أين ظهرت له تلك الساحرة التي هدمت عالمه الهادئ الخاوى من المشاعر الانسانية فى بضعة أيام قليلة قابلها فيها
فسمعها تقول بما يشبه الرجاء
أنا مش عيزاك تسيبنى ابدا أنا مليش غيرك دلوقتى يا رفيق
وقع اسمه منها بتلك النبرة الآسرة على مسامعه كنغمة عذبة لاقت هوى بنفسه من سماعها فهو يستمع لاسمه يوميا مئات المرات لماذا يشعر باختلاف تلك المرة لأن من تتفوه به ليست كمثل أى أحد
ماذا فعلتى بى أيتها الصغيرة كيف غزوتى قلبى وأسرتيه كيف هدمتى راحتى واستقرار قلبى جعلتيه صاخبا رافضا الانصياع اشعلتى به ڼارا لا تكفى انهار لاطفاءها فكيف السبيل الى العودة الى عالمى القديم
فأنا لا اريد مزيد من الجراح فجراحى مازالت ټنزف بداخلى فأډمت قلبى حتى بدأت أصدق ان ليس لدى قلب بين ضلوعى فماذا افعل أنا الآن وانتى قريبة تهدمى ما تبقى من عالمى بعينيكى الآسرة وبكاءك الذى ېمزق نياط القلوب
تساؤلات عدة طرحها عقله عليه يريد منه إجابة عن كل تلك الاسئلة التى لا يعلم كيف سيجيبه عليها فهو قد عاد قلبه ينبض من جديد تلك النبضات التى حطمت قلبه سابقا تاركة إياه ممزق الفؤاد وبروح فاقدة الحياة ولكن بأيام ليست بالطوال عاد
فرد قائلا بعزم وإصرار
أنا مستحيل اسيبك ياليان بعد ما لقيتك عمرى ما هخليكى تبعدى عنى أو اتحرم فى يوم إن اشوفك فيه
فتح عينيه مرة واحدة بعد سماعه صوت منبه هاتفه يعلن عن بداية يوم جديد فانتفض