اياد من 19-25
الفصل الثامن عشر
كانت أميرة قد حضرت إلى المشفى برفقة سلطانة .... وبصعوبة تمكنت من الوصول لمكان دعاء ... حتى وجدتها تبكى فى اخر الرواق ... خفت سرعة أميرة كثيرا ... حتى باتت تشبه خطوات طفل صغير ... وهى تمشي ببطء خوفا من التقدم ... والاصطدام بالحقيقة ... أى حقيقة ... ترى وهل مۏته من حياته تعنيها ! ... ومنذ متى كان ذلك ! ..
شعرت وكأن قبضة ثلجية ... قبضت على قلبها ... واشټعل الخۏف داخلها ... وهى لا تدرى أحقا يهمها الأمر ! ... رفعت دعاء نظرها إلى الباب الذى يفتح ببطء ..
حتى ... هالها ما رأت ... هو نعم هو ..
بكامل هيئته ... خارجا من الغرفة بوجه شاحب ... بينما يده تحكم إغلاق أزرار كم قميصه... رأسه محنيا لأسفل ... حتى رفعها ... وأتى وقت اللقاء ... والذي لطالما انتظره ... بينما كانت هى من تخشاه...... وحين نظرت فى عينيك ... لاح الچرح والأشواق والذكرى ... تعاتبنا ... وثار الچرح فى الأعماق شلالا ... تفجر فى جوانحنا .... فأصبح شوقنا نهرا ... زمان ضاع من يدنا ....ولم نعرف له أثرا ... تباعدنا تشردنا ...
فلم نعرف لنا زمنا ولم نعرف لنا وطنا ...
بالقوة وهى تدرى لما كرهه لاخيها ... همست بترجى
اقدر اشوفه ..
نظر اليها بتعاطف بينما خفقات قلبه تزداد بحماقة ... وكأنه يحيا مراهقة متأخرة تتنافى مع عمره والذى بلغ الثامنة والثلاثين .... ثم همس بخفوت .. وبداخله تتزايد تلك المشاعر التى كبحها ... وارغمها ارغاما على السكون بقلبه ... مش هينفع دلوقتى ... لما يجى الوقت أنا هوديكى عنده ...
وفى هذه اللحظة ... دارت بعينيها على وجهه ... وهى ترفع وجهها عاليا لتجارى طوله الفارع ... بينما لاحظت شحوب وجهه كالامۏات ... ربما هو من يعانى فقر ډم وليس مالك ... شعر بقدميه تتخاذلان ... وهو غير قادرا على الوقوف بعد الآن ... فانسحب من أمامها بسرعة ولكن بهدوء ... إلى غرفة مكتبه بهذه المشفى ... وبينما دعاء هائمة فى فراغه ... وكل الذكريات تلوح فى ذاكرتها الآن .. بينما هى مرغومة على الانحدار لطريق تأباه ... وهى محاطة بنارين .. ومنذ زمن ... ڼار عمار ... وكرهه لمالك ... وقاطعتها .. خروج الممرضة من غرفة العمليات وهى تتسأل عمن سيقوم بنقل الډم ... فتقدمت أميرة منها ... فأخذتها للتعقيم وتوجهوا لغرفة العمليات ... بينما سلطانة صدح هاتفها الصغير ... طالعته باستغراب ... ثم أخذته
وتوجهت بعيدا عن دعاء قليلا ... بينما دعاء شعرت بقدميها تحملانها إلى الرواق الذى غادر منه عمار لتوه ... سارت حتى وصلت لغرفة عليها لافتة باسمه .... توترت قليلا وهى رافعة قبضتها إلى الباب أتطرق وتتقدم .. إم تتراجع وتصمت ....
ابتعدت سلطانة وهى تضع هاتفها على اذنها وهى تسمع شيئا غريبا من أحد جاراتها واحد اسمه امجد العمرى جه وسأل عليكم ... مالقكمش هنا ... ولما سألته اقولهم ولا لا مرة قالى ماشى ورجع قالى لا ....
عقدت سلطانة حاجبيها وهى لا تفهم شئ ... لما ينقلب كيانها هكذا عند ذكر اسمه ... لما تشعر بأن القادم لن يخلى منه ...
لا تعلم شئ ... سوى أن قلبها يخبرها .. آنها سوف تتذوق الكثير على يديه ....
بينما خطت أميرة داخل الغرفة بعد أن انتظرت حوالى الساعة .... ليخرجوه من غرفة العمليات إلى غرفة أخرى .... تمددت على السرير المجاور له مثلما فعل عمار من قبل ... وهى أيضا تنظر إليه ... تشعر أن روحها قد سلبت منها .. أن قلبها مهدد بالتوقف فى اى وقت ...
ولحسن حظها ... بل لنقل سوء حظها ... قد بدأ فى استعادة بعضا من وعيه الضائع .... رأته وهو يجاهد لفتح عينيه المثقلتين ... بينما يحارب آلام جسده المپرحة ... يشعر بأنه سوف يرتقى للرفيق الأعلى فى اى لحظة من الآن ...
وكم المها منظره هكذا ... وجهه شاحب كالمۏتى ... بينما موصل بالأجهزة والاسلاك من حوله ..... ذراعه مضمدة ومرفوعه .... لا تدرى ما سبب تلك الحالة والتى هو فيها ... تشعر بذنب يثقل ولا تعلم ... إن هذا مايحمله هي اياه .... التف بوجهه عندما لمح شيئا جانبه ... ولكن الرؤية لديه ضبابية وهو غير قادر على الاستيعاب أو المقاومة ...
فتهيئت له صورتها ... خيالية .... صحيح آنها بخياله ... ولكن لم تخفى عليها نظرة الكره الواضحة بعينيه الشفافة ... نظرة مقيتة ... تحمل الڠضب الوانا .. ولكن الألم يطغى ... وظلت تتألم وهى معتقدة انه يراها حق الرؤية ... تتألم من نظرة الكره لها ... لكنها لا تدرى انه أن كان يراها حقا ... لسحب روحها بين يديه ...
لأنها السبب فى ما آل إليه حاله الآن ...
هى من شغلت حيزا ... أكثر مما ينبغي فى تفكيره ... أعطاها أكثر من مجرد اهتمام ... أو شفقة ... فأصبحت كاللعڼة التى سلطت عليه ... لتجعل منه هكذا ... يصارع الامه فى فراش المړض ....
اسدلت الستائر بينهم ... ومازالت تشعر بانقباض قلبها من نظرته ... ولكن ...
.....ما خفى كان أعظم ....
حسمت أمرها .... ودقت الباب بسرعة قبل أن تتراجع ... ولكنه انفتح معها بسهولة لمجرد لمسه ... دفعته ... ثم تقدمت ببطء للداخل ... فرأته وهو ممددا على اريكة جلدية ... واضعا معصمه فوق عينه ... ويبدو عليه الإرهاق جليا ... ولم يخفى عليها شحوب وجهه هو الآخر ...
تقدمت منه ببطء
لكنها تقدمتها مرة أخرى .. عاقدة حاجبيها وهى تراه.... مرهقا جدا ... كان دوره الآن بأن يهمس باسمها بترجى دعاااااء ...
نظرت له بجفاء ... نظرة لم يتوقعها منها ابدا ... ربما هى من تتعمد ذلك ... تراجعت للخلف أكثر حتى جلست على مقعد أمام مكتبه ... ولم تتبدل نظرتها ولو بالقليل لأى تعبير آخر سوى الجفاء .. والصلابة .... استقام واقفا ... وذهب لها وجلس قبالتها ... بينما يحاول قدر الإمكان إظهار القسۏة واللامبالاة كما تفعل هى ... فيغلبه شوقه اليها .. وكانت هى أول من تكلمت بنظرات قاټلة وبحدة مقصودة .. إياك ثم اياك يا عمار تحاول حتى مجرد محاولة انك تاذى مالك بأى طريقة ...
رد عليها بهدوء عكس هجومها المتوقع عليه الآن وانتى متخيلة انى ممكن حتى أفكر أذى أخوكى ... لو مش عشان ضميرى ..أقلها عشانك
انتى يا دعاء ..
هتفت بحدة وهجوم لا مش عشانى وماتقولش عشانى دى تانى عشان اللى بينا انتهى ده لو كان بينا حاجة من الأساس ...
قال والألم يقطر من كلماته ياااه بالبساطة دى مكنش فى بينا حاجة من الأساس ...
قالت بخفوت ولكن قوى ايوا يا عمار كل شئ انتهى ...
لا يا دعاء ما تقوليش انتهى عشان اللى بينا مانتهاش ... اللى بينا انتى اللى نهتيى بنفسك ... اللى بينا انتى اللى ضيعتى يا دعاء...
هتفت بقوة مبررة وهى تلوح بيديها وقد صابتها حالة هيستريا كنت عاوزنى اعمل ايه يعنى ... عاوزنى اعمل ايه ... آسيب اخويا لوحده ... بعد مۏت ابويا وامى ... وادور على نفسى واعيش حياتى ... وهو يفضل لوحده طول العمر
تكلم بقوة بينما يحارب ذلك الدوار الذى يهاجمه ... وآلام رأسه الشديدة ... ومين قال إنه كان هيبقى لوحده .. مالك كان زى اخويا الصغير .. مكنتش هسيبه يا دعاء مكنتش هسيبه ... إنما انتى اللى كنتى بتدورى على اى حجة عشان تنسحبى بهدوء وكأنك معملتيش حاجة ..
هتفت وعينها فى عينه بقوة متحدية لا مش عشان انسحب ... أنا لو كنت عايزة انسحب كنت انسحبت من زمان ... لما انت مكنتش لاقى تأكل نفسك حتى ... مانسحبتش وانت متأكد من كلامى ... بس أنا مشيت لأنك عمرك ما كنت هتتقبل مالك مابينا ولو مهما حصل ... مكنتش هتقبله معاك ...
قال بخفوت وكأنه يندم على ما سيتفوه به على الأقل مكنتش كرهته زى مانا بكرهه دلوقتى ...
صړخت به قائلة وانت تكرهه ليه هو عملك ايه ...
رد عليها بصړاخ أكبر من صړاخها حدة ايوا بكرهه وهو عملى كتير ... أقلها بعدك عنى ... يمكن تقولى عليا عقلى صغير ... وقولى زى مانتى حابة قولى ... بس مادام الأمر متعلق بحبى ليكى يا دعاء ... أنا ممكن أبقى أصغر منه حتى ...
انسدلت دموعها الكريستالية برقة على وجنتيها بينما قالت بصوت منخفض يحمل العتاب والعڈاب بين طياته بس انت اتجوزت وعشت حياتك ... ملكش حق تلومنى .. على الأقل أنا فضلت وفيه للى بينا ..
قال لها بخفوت بعد أن ... استقام من على مقعده ... وتقدم منها ... حتى انحنى لها وأصبح قريبا منها جدا ..جدا... وماتقدريش انتى كمان تلومينى ...
هتفت بعذاب حرام عليك ...
صړخ مرة أخرى بهياج ومش حرام عمرنا اللى راح ... مش حرام لما اتجوز وانا مش شايف غيرك قدامى ...
صمت لاهثا امام دموعها المنسابة على وجهها الرقيق... بينما قلبه تحول كمضخة جبارة ... تضخ الألم بوريده حتى بات ېحترق داخليا دون أن يشعر به أحد ... مد يده يمسح دموعها بإبهامه برفق ... وكفه القوية تحيط وجنتها .... وعينيها اسيرتى عينيه القويتين ... النافذتين إلى روحها ... القادرتين على سبر اغوارها بسهولة .... همس بصوت يشوبه الشوق رغما عنه حرام عليكى انتى ... حرام عليكى عمرنا .. حرام عليكى عذابنا طول السنين دى ...
وظلا ناظران لبعضهما ... قليلا من الوقت بعذاب .. على سنوات العمر الضائع ... تتهمه بنسيانها واكمال حياته ... بينما هي بقت على العهد بينهم ... نسيناك... كيف وأنت رغم البعد كنت غرامنا الأول ..
اتتهميننى بشئ أنت بالأساس غير مأكدة منه ... يكذبك قلبي ودقاته .. يكذبك شوق الليالي المضنية التى قضيتها وانا اراكي تحت ضوء القمر الخاڤت .... يكذبك كل همسة رجاء تفوهت بها بعد رحيلك المضنى ... أبقت هى ع العهد ..حقا بات لا يعلم من بقى ومن نقض ...
استمر الطرق على الباب طويلا ... بدقات صغيرة كالنغم ... حتى انتبه لها عمار .. ... واعتدل فى وقفته حتى قال أدخل
ولجت إليهم إمرأة تبدو فى عمره تقريبا ... وجوارها طفلة صغيرة جميلة ... أقل ما يقال عنها أنها جميلة ... تمتلك معظم ملامح أبيها
... وهذا ما جعل دعاء تتعرف عليها سريعا ... وتشعر بانقباض قلبها فجأة ... وهى تدرك هوية تلك المرأة ... وتلك الصغيرة ....
.... وصوت ضحكاته يقطع نياط قلبها .... أنهى فترة الترحيب بصغيرته ... ثم الټفت لتلك المرأة قائلا مالها يا زينب ...
ردت تلك المرأة بتهذيب معرفش والله ياعمار كانت تعبانة شوية وحرارتها عالية فجبتها اكشف عليها ... لقتها جاية على ن
مكتبك على طول ....
نظر إليها نظرة جانبية
ولم يخفى عليه توتر قسمات وجهها ... ونظراتها للصغيرة ... فالتوت شفتيه بشبح ابتسامة .... حتى توجه أمامها من جديد ... وامتثل أمامها وهو حاملا للصغيرة ... بينما تبدلت نظرته تماما عن ذى قبل .... نظرة تحمل شيئا من الانتصار لتحريك مشاعر ذلك الجبل الصامد ... قالت دعاء بنبرة جافة صلبة مش هتعرفنا ...
اتسعت ابتسامته ... وجلس قبالتها ثانية...ويقول وهو يستند بذقنه على كتف الصغيرة نعرفك .. دعاء بنتى ...
ونظر للصغيرة متظاهرا بالامبالاة .. بينما نظرت الكبيرة إليه بذهول ... اخفته بمهارة ...بينما لم تستطع إخفاء دمع عينيها .... أنزل ابنته وهو يدفعها بخفة قائلا روحى سلمى على طنط دعاء ...
هتفت الصغيرة وملامحها تندهش برقة محببة الله اسمها دعاء على أسمى ..
نظر للكبيرة بينما عيناه تشيان بالكثير وهو يقول بصوت اجش لا انتى اللى على اسمها ...
واردف يلا روحى سلمى عليها ...
انزلقت الصغيرة من فوق قدمه وتقدمت من دعاء وهى تمد يدها قائلة ازيك ... هو أنا ينفع اقولك يا ماما ..
انعقد حاجبى دعاء باستفهام ناظرة إليه .. بينما هو مالت ابتسامته للحزن .. وهو يومئ بصمت قائلا ايوا مامتها ماټت وهى بتولدها ...
نظرت اتجاه الباب بتعقيد فضحك قليلا قائلا دى مرات عمها ... مرات اخويا الكبير
حولت دعاء نظرها إلى الصغيرة وتلقائيا شعرت بشئ من الشفقة نحوها ... فمدت يدها لكف التى كانت تدجحها بها منذ قليل ... قائلة أنا ماما يا حبيبتى ... أنا ماما ..
ثم ابتسمت لعينيها قائلة أنا ماما دعاء ينفع ..
أومأت الصغيرة بصمت وهى مبتسمه حتى قالت حاضر يا ماما انتى اسمك جميل اوى زى أسمى ...
أخذت الصغيرة بين ثانية بينما نظراتها ترتكز على ذاك المبتسم أمامها ... وبعينيها حسرة استطاع هو تبينها جيدا من بين دموعها المنهمرة .....
فتح ذلك الباب الصدئ ... محدثا صريرا عاليا ... وهو يتقدم إلى الداخل بخطوات ثابتة ... كان لها وقع الصواعق على مسامع اياد المشوشة ... نعم كل شئ لديه مشوش الآن ... الرؤية لديه ضبابية .. والامه مپرحة .... يومان ... دون طعام أو ماء ... وكأنه ينوى قټله بالبطئ .... رفع عينين حمراوين له ... وهو يتطلع لوجهه المبتسم بسماجة ... بينما يود الآن لو يطيح برأسه .... عما يفعله به .... هتف آياد بإعياء وتعب حرام عليك اللى بتعمله فيا ده ... انت ايه يا بنى ادم انت ... انت شيطان ...
هز رأسه نفيا وهو يقول لا لا ما وافقكش الرأى بصراحة دانا حتى قلبى طيب خالص
هتف اياد بچرح وخزى بينما تمكن منه التعب ولم يعد قادرا على فعل شئ حتى يلتمس لنفسه الخلاص حسبى الله ونعم الوكيل ... مش هقول غير كده حسبى الله ونعم الوكيل
هتف عمر ببرود وهو يتطلع إليه شامتا به تؤتؤتؤتؤ ليه بس كده أنا ابن عمك حتى ..
هتف اياد باستنكار انتوا جبتونى هنا ازاى أنا آخر فاكرها أن المركب كانت بټغرق ...
اومئ عمربااهتمام قائلا ماهى كانت بټغرق فعلا ..
ثم ضحك بخفوت واردف بس عندك انت بس ... إبرة صغنونة خالص خلتلك المركب بټغرق وفقدتك الوعى .. وعملت فيك بلاوى ...
نظر إليه اياد بشرر بقدر
التعب والألم الذى يجتاحه فتقدم منه عمر وامسك مقدمة ثيابه بشراسة ينوى الټهديد ... ولكنه تراجع بابتسامة لا تحمل اى معنى للمرح قائلا ولا بلاش انت كده كده مش قادر تتنفس اصلا ...
نظر إليه اياد بمقت شديد ... كل ما يستطيع فعله الآن هو المحاربة بالنظرات ... حتى استدار عمر وخرج من الغرفة ... وللعجب لم يصفق بابها هذه المرة بل اغلقه بكل هدوء ... ضيق اياد عينيه بشك ... عمر ليس متزنا ابدا ... لا نفسيا ولا عقليا ... ويتزايد ارتباكه الآن لسبب ما لا يعلمه ....
خرج عمر من الغرفة والعرق يتصبب من جبينه بغزارة ... بينما يبدو مرتبكا فوق المعتاد .... وخرج عبر الرواق مغادرا المكان كله ... اليوم ... قلب على كل حساباته رأسا على عقب .. فقد أتى اليوم للمبيت بالبيت وليس بالمشفى بجوار أبيه ... خرجعلى من غرفته بوقت متأخر ... فلاحظ ظل أحد ما يمر من الباب الخلفي للبيت ... فانتابه شك للحظات قبل أن يتجه نحو المطبخ ويدخل فجأة ... فيجد عمر واقفا امام البراد .. يرتشف الماء ... نقل نظره فى المكان بشك ... ثم إلى عمر الذى يحاول التظاهر بالامبالاة وعدم الاكتراث ... حتى انتهى واستدار لعلى قائلا عاوز حاجة يا على
رد على بهدوء قوى لا مش عاوز كنت جى اشرب
قال عمر وهو يرفع كتفيه لأعلى بالامبالاة طيب ...
ثم تحرك من مكانه ... حتى وقف جواره .. فأوقفه على قائلا انت كويس ..
ولم يخفى عليه اجفال عمر وارتباك ملامحه فى تلك اللحظة حتى قال ايوا اه اه كويس مالى يعنى ...
ثم تركه ورحل سريعا دون أن ينتظر رده ... ظل على محدقا فى فراغه بشرود يشوبه الشك ... وهو يشعر بشئ خطېر ... يخطط له من وراء ظهره ..... مازال يتذكر ارتباكه كالان عندما أخبره بمبيته هنا الليلة فهتف عمر باندهاش وصدمة ايه تبات فى البيت انهاردة ...
قال على بنبرة عادية مستغربا
تظاهر عمر بالامبالاة قائلا لا مفيش براحتك أنا بس مستغرب عشان هتسيب بابا وتيجى ...
ربت على على كتفه قائلا بنبرة بها لمحة سخرية لا ما تخفش بابا كويس ..
... وإلى الآن يشعر بأن هناك ما يخفى عنه بهذا البيت ... شئ خطېر يختبأ داخل جدرانه لايعلم عنه شيئا .....
الفصل التاسع عشر
تجمعوا جميعا حول مالك فى غرفة عادية ... ينظرون إليه بترقب ... وهو يجاهد لفتح جفونه المثقلة ... لا أحد يشعر به .. هو لا يريد الافاقة فى الحقيقة ... هو يريد أن يظل غائبا عن الوعى ... لا يريد أن يراها مجددا ... بات يمقتها ... ولكن ركن صغير ... صغير جدا بقلبه ... لا يريد جرحها ولو بنظرة ... لا يريد أن يكون سببا فى ايلامها ... مثلما كانت هى له ... ولكن ... ليس كل ما يريده المرء يدركه ... فقد تخللت الأصوات حوله ... الشباك العنكبوتيه الملتفة حول عقله ... حتى استعاده ... رمش بعينيه عدة مرات ... ليعتاد الضوء ... ولسوء حظه العاثر ... اول شئ ابصره كانت عيناها...
لما لا تفهم ! .... بات يكرهها ... لما تصر على التصدى له طالما يكرهها ... هى لا تفهم وستظل هكذا إلى أن يسلبها روحها ذات يوم ... يمقتها !!!!!!
لما لا تفهم ! ... أجبر نفسه على تحويل نظره لدعاء ... للعينين الحبيبتين له... عينان لا يستطيع أحد إغفال الحنان فيهما ... همس باسمها بصوت واهن مرتجف دعااااء ...
اقتربت منه بسرعة ولهفة ..... بينما دموعها تنهمر ... لا تريد أن تنضب ...
هامسه من بين بكائها الناعم مالك ... مالك .. حمدالله على سلامتك يا قلبي .. حمدالله على سلامتك يا حبيبى ... كنت ھموت عليك يا مالك ..
قاطعها بوهن وضعف وهو يهمس بصوت يكاد يكون مسموع هشششش خلاص أنا كويس ...
... تسمعه يهمس وهى تنظر إليه قربى ..
عقدت حاجبيها باستغراب ... ولكنها امتثلت لاوامره وهى تقترب منه
... ولم تخفى عليها نظراته الجانبية التى ترنو إلى يمينه جهة وقوفها ... همس بالقرب من إذن دعاء ... بصوت رغم ضعفه إلى أنها استطاعت تبين النفور والرجاء الملح فيه مشيها من هنا .. أرجوكككى .. مشيها مش عاوز اشوفها .. مش عاوز آشوفها ... مشيها ..
ابتلعت ريقها بحرج وهى لا تدرى ما تفعل ... بعد أن أدركت هوية المتحدث عنه ... ارتفع نظرها لأميرة لا اراديا وهى مازالت تميل برأسها له ... فوجدتها ... محمرة الوجه بحرج ... وطبقة زجاجية شفافة من الدموع تغشى عينيها ... ټحرق قلبها قبل جفنيها بلا رحمة ولا شفقة ... نظرت اليها مضيقة عينيها باعتذار ... وهى تدرك انها استعمت لرجائه الهامس الواهن ... لكنها لن تتمكن من فعل شئ بحالته تلك ... ابتلعت أميرة ريقها بحرج ... قبل أن تقول بصوت مرتجف خاڤت ... لم تستطع تعديل نبرته أو إخفاء ارتجافه .. حمدالله على سلامتك حضرة الظابط ... عن أذنكم احنا لازم نمشى ..
ثم مدت يدها أمسكت بيد سلطانة الشاردة ... وجرتها خلفها جرا ... خارجة من الغرفة تسبقها دموعها فى الهبوط...
دلفت سلطانة خلف أميرة ومازالت أميرة لا تتحكم باعصابها من فرط توترها وتعبها... جلست أميرة على الاريكة بينما ولكن الامه لا تماثل آلام قلبها فى ذلك الوقت ... ماذا فعلت له ! هل هذا جزاؤها بعدما أعطته من ډمها ... وهى حتى غير قادرة على الوقوف ... حالتهم المادية السيئة ... عدم إيجاد اى مال لاقتناء غذاء لهم ... وهذا أقل شيء يمكن أن تطمح له ... وحتى هذا لا تجده ... ارتمت نائمة على الاريكة بضعف ... وعينيها متسعتان بشدة ... تحدق بالسقف علها تحافظ على توازنها قليلا ... لكنها لم تقوى وهى تشعر بنفسها ... مهيأة للإغماء فى اى لحظة ... صار تنفسها صعبا جدآ ... وصدرها يعلو ويهبط بانفعال ... بينما صوتها خرج صارخا باسمها لعلها تنجدها سلطااااانة ...
هرولت سلطانة خارجة من الغرفة ومازال وشاحها على رأسها دون ترتيب ... وهى تنحنى لاميرة قائلة بفزع .. من حالتها السيئة ووجهها الشاحب كالمۏتى أميرة أميرة حبيبتى فيكى ايه حاسة بايه ...
لم ترد عليها بينما تجاهد
وعيها كى تظل واعية ... ولا تشغل بال أختها عليها ... فحتى الذهاب للطبيب لا يملكون مالا ليذهبوا ... عدلتها سلطانة فى جلستها ... وهى تحاول افاقتها ... وتسألها أن كانت بخير ... هذا أقصى ما يمكنها فعله حاليا ... واميرة تجاهد اعيائها وتومئ لها بضعف كى لا تفزعها أكثر ... قالت سلطانة لاهثة پذعر وتلعثم طب بصى .. طيب ... بصى أنا هنزل اجيبلك حاجة من الصيدلة خليكى زى مانتى على ماجى ..
اومأت أميرة مرة أخرى وهى غير قادرة على النطق .... بينما عدلت سلطانة وشاحها فوق رأسها باهمال وهى تهرول للأسفل ... بينما ظلت أميرة مكانها ... لا تقدر على التنفس ... ولا تعلم أهذا اعياء من فقدان الډم الذى لم يكن بموجودا بالأساس ... أم نوبة نفسية اصابتها بعد الإهانة الشديدة التى تعرضت لها ... وربما اجتمعت كل العوامل دفعة واحدة لتشكل ذلك الكائن جاحظ العينين ... متعثر الأنفاس ... يبدو
أنه يجاهد ليحيا ..
دلف عمر لغرفة اياد ... بملامح مبتسمة بزهو مزيف ... لا يستطيع إخفاء ارتجافها ... بينما كانت اياد فى حالة يرثى لها لا يستطيع التنفس ... حالته تشبه حالة أميرة إلى حد ما ... وقف عمر