رواية حذر الفصول من 7 ل 9
المحتويات
ذاك الفتى الهندي الذي يحرس البوابة جالس في ركن بعيد يبدو عليه الحزن تركت كتابها جانبا ونهضت متوجهة إليه سألته في محاولة لتفهم سبب حزنه الظاهر حاولت على قدر استطاعتها مع لغته العربية الضعيفة إدراك أن سبب ضيقه هو عدم وجوده بين الأهل احتفالا بالعيد وقع ناظرها على بعض الأطباق التي تحمل مساحيق لألوان مختلفة فابتسمت وقررت العبث قليلا وخاصة أن أيوب بالخارج وسمعت من سعدون أنه قد لا يحضر للغذاء وكذا هذه المتعجرفة المدعوة هيفاء تنام حتى ساعة متأخرة من النهار فلا مجال لوجودها بالأنحاء إذن فالوقت سانح تماما لبعض اللهو البريء ما دفعها لتفتح هاتفها على إحدى الأغاني الهندية التي كانت تستمع إليها حين عرض أحد هذه الأفلام على التلفزيون والتي ما أن صدحت حتى اتسعت ابتسامة مالو وبدأ في الرقص دافعا مسحوق اللون الأصفر في الهواء منتشيا تنبه هزاع لذاك المهرجان الذي يحدث بالقرب ما دفعه ليركض نابحا في نشوة يتقافز فالهواء من أجل أن يطال بعض اللون المنتشر في الأجواء والذي بدأ في الاختلاط بألوان آخرى بدأت سلمى بنثرها بدورها ليقلدها ساجد في مرح ليصبح الجو معبقا بالكثير من الألوان الزاهية والموسيقى المفعمة بالفرحة الصادحة من هاتفها والرقص من جانب مالو مشاركا ساجد لهزاع في قفزه منتشيا في حماسة عالية ليتلطخ الجميع بمزيج الألوان المبهجة تصبغ محياهم بشكل مضحك ليصبحوا جميعا أشبه بمهرجي السيرك وأقرب ما يكون لألوان ببغاء استوائية
كان من الصعب في مثل هذه الأجواء الصاخبة إدراك وجود هيفاء التي نزلت من حجرتها متوجهة صوب بركة السباحة بهذا اللباس الڤاضح لتتمدد قرب المسبح بعد أن فردت على جسدها الكثير من واق للشمس وبعض الزيوت واضعة نظارتها الشمسية ولم يثير فضولها ذاك الصخب الدائر بالقرب لتنهض بعد قليل دافعة بجسدها في احترافية صوب الماء الذي ضړبته بذراعين من مرمر حتى وصلت للجانب الآخر تسبح في رشاقة جيئة وذهابا ولم تولي اهتماما لساجد الذي ابصرته ينفلت من الجمع الصاخب متجها صوب المسبح يحاول أن ينظف كفه من الألوان رن هاتفها فتوجهت صوبه نازعة نفسها من الماء حتى أصبحت على حافة المسبح ملتقطة الهاتف لتجيب في نبرة مغناجة غير مدركة ما يحدث لساجد من الأساس وأن قدمه قد ذلت ساقطا بالمسبح يصارع المياه محاولا البقاء على سطحها من أجل التقاط بعض أنفاس تمده بالحياة
تنبهت سلمى التي تركت موضعها للحظة تغسل وجهها من أثر لون قذفه ساجد في سعادة فطال عينها لتعود سريعا باحثة عنه فلا تجده بصحبة مالو وهزاع الذي نبح صوب موضع ساجد فاندفعت سلمى صوبه وبلا أي ذرة تفكير دفعت بجسدها صوب موضع صراعه بالماء ممسكة
به لكن المصېبة أنها لا تجيد السباحة أيضا حاولت أن تجاهد لتصل لحافة المسبح لكن لا جدوى وهيفاء كانت قد أنهت حديثها بالهاتف منذ لحظات لا تكترث لما يحدث على خطوات منها واضعة سماعات الأذن تستمع للموسيقى في لا مبالاة حتى مالو لم يتنبه وظل صخب الغناء والرقص مستمرا طاغيا على صوت استغاثة سلمى
ظهر أيوب قادما من الخارج مندفعا صوب موضع الغناء يستطلع ما يحدث ليجد هيفاء بوضعها المخزي وسلمى تستغيث في عجز وهي متشبثة بساجد بين ذراعيها تحاول ابقائه خارج الماء ما دفع أيوب لېصرخ باسم ساجد في هلع ليتنبه مالو لوجود أيوب ثم ما يجري لسلمى وساجد فاندفعت مهرولا لداخل الفيلا مستدعيا سعدون ونفيسة خلع أيوب عنه غطرته وعباءته التي كان يضعها على كتفيه فوق جلبابه قاذفا نفسه بالماء مطوقا كلا من سلمى وساجد
تحرك الجمع لم يبق إلا مالو فأمره أيوب بالعودة لقرب البوابة أما هيفاء التي استفاقت اخيرا على ما يحدث فقد خلعت عنها سماعات الأذن وتطلعت بلا اكتراث لما يحدث ولم تغادر موضعها إلا عندما أبصرت أيوب وسلمى وحيدين بالمسبح فنهضت تسير في هوادة صوب موضعهما ليصلا لأقرب سلم للمسبح دفع نفسه خارجا وانحنى على طرف المسبح قرب السلم مادا كفه نحو سلمى هامسا في لين هاتي إيدك
وضعت كفها بكفه في تردد ليجذبها لخارج المغطس في حرص مستعينة بالسلم الزلق خرجت تقطر مياه ملونة من أثر ألوان عيد مالو تضم جسدها بذراعيها ف اضطراب اندفع ايوب صوب عباءته جاذبا إياها من موضعها أرضا ليعود دافعا بها فوق كتفيها مدثرا إياها يعلم أن ترددها فالخروج من المسبح ما كان إلا لملابسها المبتلة التي ستكون ملتصقة على جسدها مسببة لها الكثير من الحرج أكد هاتفا في تأدب وهو يغض الطرف عنها اطلعي على فوق قبل ما يمسكك البرد
تحركت سلمى في هوادة ملابسها غارقة تماما بالماء مدثرة بعباءته ما أعطاها الفرصة لتسمع توبيخه لهيفاء أمرا إياها بالرحيل فورا من داره بعد خرقها لأوامره في عدم التخلي عن الحشمة طالما هي داخل بيته وتعيش تحت سقفه أنا حذرتك وأنت ما تسمعين دقائق فقط دقائق يا هيفا وتكونين خارج الفيلا فلا مكان لك هنا
اندفعت هيفاء في حنق لداخل الفيلا تعد نفسها للرحيل بعد أن فشلت كل محاولاتها في جذب ذاك الذي كان يوما متيما بها
دخلت سلمى حجرتها ومنها للحمام لتخرج بعد أن تخلصت من أثر البرودة بعظامها لتقع عينيها على عباءته السوداء ذات الحواف الذهبية الموضوعة جانبا لتشعر لأول مرة منذ ۏفاة والدها أن ذاك الأمان المفتقد قد مس قلبها لمحة منه حين أسدل أيوب عليها ستر عباءته ليسري بقلبها لا بجسدها ذاك الدفء القيم دفء فيض من أمان
كررت دقها على هاتف أخيها لعل وعسى تفلح هذه المرة في الوصول إليه وقد يكون عنده الخبر اليقين فيما يخص غياب زوجها مرة تلو الآخرى ولا مجيب وعند المرة الثالثة التي قررت فيها عدم الاستمرار في سماع صوت هذه الرسالة المستفزة التي مفادها أن الهاتف قد يكون مغلقا تلقت رنينا بدلا منها لتنتفض في فرح ما أن أجاب صبحي أخيرا إزيك يا صبحي! في إيه! رنيت كتير والموبايل مقفول!
هتف صبحي بصوت مرهق معلش يا سلامات كنت رامي الموبيل على جنب ومش مركز إنه فصل شحن معلش أصل الواد الصغير تعبان أوي
هتفت سلمى في ذعر ليه ماله!
تنهد صبحي والله ما عارفين من آخر مرة كلمتيني فيها وإحنا دايرين ع الدكاترة وكل واحد برأي
هتف سلمى مستفسرة يعني ايه! محدش عرف ايه اللي فيه!
نفى صبحي لا وأدينا دايخين من هنا وهناك كشوفات وتحاليل وربك يعدلها
هتفت سلمى متعاطفة طب ومصاريف الكشوفات والتحاليل دي كلها جبتها منين يا صبحي! ما أنا عارفة البير وغطاه
أكد صبحى متنهدا في قلة حيلة اهو يا سلمى يعني هنجبها منين!
هتفت تطمئنه والله هايبقى زي الفل بص أنا قبضت مرتبي هبعتهولك تكشف ع الواد عند دكتور شاطر وبإذن الله خير
تحشرج صوت صبحي هامسا لا ربنا يخليكي أنا بتصرف هنا واهي ماشية خلي قرشك لنفسك محدش عارف دنيتك جايبة إيه!
أكدت سلمى بص أنا هبعتهم ده مش ليك ده عشان حبيب عمته يخف ويبقى تمام
صمت
صمتت سلمى بدورها ليستطرد صبحي متسائلا في تردد يكون يعني احتمال حصل معاه حاجة! أصل الاختفاء ده غريب
تنهدت سلمى هاتفة كل شيء جايز يا صبحي أنا هستنى كمان أسبوع لو مفيش جديد هضطر أبلغ الناس اللي أنا عندهم يمكن يساعدوني أعرف عنه أي معلومة أصل خلاص فيزا السياحة قربت تخلص هقعد هنا على أي أساس
أكد صبحي هو ده الرأي التمام أنا مش هسكت وهحاول أوصل لقريبه ده اللي عمل له التوكيل عشان يكتب الكتاب واسأله عن أي معلومة ولو خلال الأسبوع الجاي ده معرفناش نوصل لحاجة بلغي الناس اللي عندك وربنا يسهل
أكدت سلمى كده تمام وأنت خلي بالك على نفسك وشوف إبنك والفلوس هتوصل لك فأقرب فرصة وأنا هكلمك تاني قريب عشان اطمن عليه
هتف صبحي تسلمي يا سلمى ربنا ما يحرمني منك ويسهل لنا فموضوع مجدي ده أنا مش عاجبني قعدتك دي لا أنت متجوزة ولا عارفين آخرة اللي بيحصل ده ايه!
هتفت سلمى آخرته خير قول يا رب
همس صبحي يا رب
أنهى المكالمة لتترك سلمى الهاتف جانبا وما زادتها المكالمة التي كانت تسعى لها إلا قلقا وحزنا دمعت عيناها ليس فقط على بقاء حالها على ما هو عليه لكن على حال ابن أخيها الأصغر المقرب لقلبها والذي لا تدرك ماذا دهاه!
نزل من حجرته مرتديا زيه الرسمي في سبيله للعمل ما دفع هيفاء التي كانت تتجهز بدورها لمغادرة الفيلا لتستوقفه هاتفة في نبرة مترجية أيوب! خذني وياك للمطار! والله طريقنا واحد
هتف أيوب بنبرة مبهمة عمر ما كان طريقنا واحد يا هيفا بس اتفضلي ما يخالف
ازدردت هيفاء ريقها في حنق مستشعرة أن هذا الأيوب الذي تطالعه اللحظة قد تبدل بل استبدل تماما عن ذاك الذي عاشرته لسنين طويلة وكان بينهما ما كان من هذا الرجل! تعترف أن النسخة الجديدة تثير فضولها وإعجابها عن هذه النسخة القديمة التي هجرت ربما هي من تغيرت ففكر فتاة جامحة فالرابعة والعشرين بالطبع مخالف تماما لفكر نفس الفتاة وقد كسرت حاجز الثلاثين من عمرها أيوب لم يتغير وحده بل هي تغيرت كذلك يبدو أن الزمن لا يترك أحدا إلا وطبع بصماته على روحه ونال منه بطريقة أو بآخرى!
هتف أيوب منتزعها من خواطرها انتظريني بالسيارة حتى اطمن على ساجد قبل ما روح!
هزت رأسها بالموافقة لا قبل لها على الرفض ولا حتى عرضت مرافقته لتودع طفلها نزلت الدرج يتابعها بناظريه حتى عبرت للخارج فصعد الدرج يفتح حجرة ساجد الذي كان مستلقيا بفراشه يغط في نوم عميق بعد ما حدث بأول النهار انحنى مقبلا وجنته رابتا على كتفه قبل أن يغادر الحجرة في هدوء وقع ناظره على باب حجرة سلمى هل من اللائق الطرق عليها في مثل هذه الساعة!
كان في أمس الحاجة للاطمئنان عليها قبل رحيله لا يعلم لما هذه الرغبة الملحة في رؤيتها! لكنه روض جموح رغبته مسيطرا عليها واندفع صوب الدرج مهرولا قبل أن يتراجع دافعا نفسه دفعا جوار هيفاء بسيارته في سبيلهما للمطار
ساد الصمت الثقيل بينهما ما قطعه إلا وضعها لكفها فوق كفه التي كانت تمسك اللحظة بمبدل السرعة الكائن بين مقعديهما لم يتحرك فيه ذرة ولم تتغير قسماته بل ظل جامد الملامح لم يتأثر مطلقا بلمساتها التي كانت تذيبه قديما ضغطت على ظاهر كفه لعله يلين لكنه همس بنبرة حازمة لا تقبل الشك يدك عني
هتفت في حنق وقد طعنت أنوثتها في مقټل أيوب! كل هاد بسبب ايش اسمها اه سلمى الله لا يسلمها!
هتف أيوب في حزم كفي لسانك عنها هيفا! ما بينا ماټ واندفن من زمن بعيد فوقي
همست وهي تقترب في دلال بنحييه من جديد ايش فيها أنا على يقين إن حبي كالجمر مشتعل تحت رماد الذكريات عاطيني الفرصة وأنا
صف أيوب السيارة هاتفا في لا مبالاة ما عاد فيها فرص اعتقد وصلنا وهبوطك الاضطراري ما كان له داعي بشوفك على خير بعد عدة سنوات رحلة سعيدة هيفا
ترجلت هيفا من السيارة تجر خلفها خيبتها في مسعاها مع حقيبتها الأنيقة وبدلا من التوجه صوب بوابة المطار استدارت تسير في اتجاهه وما أن دنت حتى همست بالقرب من مسامعه بنبرة مغوية في أمل أيوب وأنا ما بمل أبد
تحركت نحو البوابة في هوادة مدروسة ليجر خلفه حقيبته الأنيقة مارا بها متخطيا البوابة ليلحق برحلته
جلس يتناول فنجال من القهوة التي اترتشف منها رشفة جعلته يمتعض معترفا أنه ما عاد يتذوق القهوة أو يستمتع بمذاقها إلا من صنع يدها ابتسم متطلعا نحو هاتفه هازا رأسه يحاول رفض الفكرة التي قفزت بباله اللحظة أيحادثها! لأي سبب!
ظل يغالب الخاطر المسيطر ويغالبه حتى وجد نفسه بلا وعي يضغط على زر الاتصال برقمها لحظات وردت في هدوء ألو! أيوب بيه!
هتف أخيرا حين تساءلت عندما طال صمته ولم يجب مباشرة أيوه إزيك!
كان الصمت من نصيبها صمت متعجب إنها المرة الأولى التي يتصل بها ما الداعي يا ترى!
تنبه لفعلته هاتفا بصوت محاولا اصلاح نبراته أنا قلت اطمن عليك بعد اللي حصل فالبيسين واطمن منك على ساجد كان نايم لما رحت
هتفت سلمى ساجد بخير وأنا
باغتتها عطسة قوية ساد الصمت بعدها ليهتف أيوب مازحا يرحمكم الله يابو سريع في حد فالمغارة!
قهقهت بأريحية فانتفض قلبه بين ضلوعه هاتفا مستجمعا شتاته المبعثر الظاهر داخل عليك برد أنا هوصي سعدون يجيب لك دوا كويس
هتفت سلمى محرجة لا مفيش داعي الموضوع بسيط حاجة سخنة هشربها وهبقى زي الفل
همس متسائلا أنت رميتي حالك ورا ساجد فالمية بلا تفكير! وأنت مبتعرفيش تعومي!
صمتت ولم ترد ما دفعه ليهمس في نبرة دافئة عارف الإجابة من غير ما تجاوبي
تطلع لساعة يده القيمة مستطردا في
حسرة طب أنا مضطر أقفل دلوقت خلي بالك على نفسك قصدي انتبهي لساجد سلام عليكم
همست بالتحية وهي تنهي المكالمة متطلعة للهاتف في تعجب هل كان ذاك أيوب النورسي حقا! حاد ناظرها صوب عباءته الموضوعة جانبا ثم عادت تتطلع للهاتف مجددا واستشعرت أن شيء ما يحدث شيء لا تعرف كنهه ولا تذوقت مذاقه من قبل ارتجف داخلها برهبة مجهولة المصدر فضمت جسدها بذراعيها تمنح نفسها قوة واهية فلا رغبة أو طاقة لها في مواجهة نفسها بحقائق لا قبل لها على تحمل عواقبها
كان اليوم ثقيلا قضته سلمى كله ما بين غرفة ساجد وغرفتها ټغرق نفسها بالعمل مع ساجد لعل عقلها الذي يضج بالكثير والكثير من الأفكار يهدأ ولو قليلا شعرت بالضيق فقررت النزول لإحضار إحدى الروايات لقراءتها وصلت المكتب ووقع ناظرها على البيانو الخاص به والذي كان عزيزا عليه لا يجرؤ أحدهم على الجلوس إليه لكنها تجرأت فهي على علم أنه ليس بالبيت بل هو بعيدا عنه آلاف الأميال ما دفعها لتجلس إليه في فضول ليس أكثر وبدأت في العبث بأصابعه المتباينة ما بين الأبيض والأسود تخرج بعض النغمات الشاذة من هنا وهناك حتى بدأت
متابعة القراءة