رواية حذر الفصول الأولى
شحنه فاصل من القعدة فالمطار وأنا ملقتش عند دادة نفيسة شاحن مناسب عشا...
قاطعها ممسكا بهاتفها بأطراف أصابعه في اشمئزاز ذاك الهاتف ذو الأزرار والذي عفى عليه الزمان هاتفا في دهشة هو ده تليفونك فعلا!
هزت رأسها إيجابا وهتفت مفسرة أصل الحكاية إن...
أشار لها لتصمت هاتفا في نزق لو حكايته شبه حكاية اسمك أو بنت خالك ولا خالتك الزيادة ولا الكتير دي...
قاطعته مقهقهة كفاية! اسمها كفاية.. دي تزعل أوي لو حد غلط فاسمها.
هتف حانقا ما تزعل أنا مالي!
مد كفه لها بهاتفها لتلقي به في جيبها وما أن همت بالتحرك من جديد تحاول الهروب من صحبته التي تورثها الكثير من القلق إلا إنه هتف باسمها مجددا آنسة سلمى!
توقفت فأشار للمكتب اتفضلي أعرض عليك أوراق الولد عشان تشوفي النتائج اللي وصل لها المعالجين اللي قبل حضرتك.
هتفت سلمى في تسرع أفضل أشوف الولد الأول وبعدين أبقى افحص تقارير الزملاء براحتي بعدين.
هز أيوب كتفيه بلا مبالاة وأشار عليها لتتبعه توجه نحو الدرج الحلزوني صاعدا في خطوات رتيبة استشعرت بحدس أنها ثقيلة عليه يحاول أن يبدو متماسكا ظاهريا لكنه داخليا يعاني ويتكتم الأمر حتى عن نفسه توقف فجأة أمام باب إحدى الغرف ومد كفه ممسكا مقبض الباب لبرهة قبل أن يدفعه في هدوء مشيرا عليها بالدخول.
دخلت وقلبها وجل متطلعة لذاك الجانب البعيد لم تكن أبدا الحالة الأولى التي رأتها على هذا الشكل طفلا يجلس وحيدا بأحد الأركان يهتز بشكل رتيب متكرر جيئة وذهابا.
تبعها أيوب لداخل الغرفة هاتفا بلهجة بدت لها ساخرة نوعا ما أو هكذا حاول أن يظهرها رغم كم المرارة التي يكتنفها ساجد ابني الوحيد مريض توحد من الدرجة اللي معرفش كام وفشل فالاندماج بثلاث مدارس وحتى اللي عرفت ببعض علاقاتي التوسط لقبوله رفضوه لأنه عڼيف وغير قابل للتكيف مع زملاءه ده اللي قاله تقرير كل مدرسة حاولت إرساله لكذا مركز تأهيلي لكن للأسف مكنش فيه أي تحسن فقررت إحضار معالجين له فالبيت لعل وعسى.
لا تعرف لما شعرت بالتعاطف معه لهذه الدرجة! رأت كثير من الآباء والأمهات في حالة أشد حزنا وقهرا ما أن يشخص طفلهم كطفل توحدي لكن هذا الرجل الماثل أمامها اللحظة جعلها تدرك معنى الۏجع الحقيقي على فلذة الكبد رغم كل تلك السخرية التي تبطن كلماته والتي تبدو هازئة لحد كبير مستنكرة حالة الطفل لكنها توحدت مع حسرته لتدرك معنى أن تتعايش الألم الحي مع أحدهم بشكل أثار تعجبها شخصيا.
هزت رأسها كأنها تؤكد على تفهمها ليهتف مقترحا أنا بقول تشوفي تقارير المعالجين عن الحالة وتقارير المدارس قبل ما...
أشارت مقاطعة بإشارة من كفها في ثقة لا تعلم من أين واتتها هاتفة بنزق انتقل كعدوى منه إليها أنا أحب اتعرف عليه بنفسي.
صمت أيوب ولم يعقب تاركا إياها تقترب من الطفل في هدوء وانحنت تجلس جواره هامسة في نبرة رخيمة أنت ساجد صح!
لم يعرها
بدون سابق إنذار كفه كانت سابقة لتسقط على وجنة سلمى التي برغم توقعها لردة فعل كهذه من خبرتها فالتعامل مع مثل هذه الحالات إلا أنها ولسوء الحظ فشلت في تفادي صڤعته التي أصدرت صوتا مدويا قبل أن يسود الصمت ويعود الولد لهدوئه ورتابة حركاته من جديد كأن شىء لم يكن.
نهضت سلمى مبتعدة عن الطفل تمر بأيوب الذي كان يقف تشمله الصدمة مما حدث هاتفة في تقرير وبلهجة حاولت أن تبدو كلهجة العالم ببواطن الأمور دلوقت أقدر أقول لحضرتك بكل ثقة فين تقارير الزملاء!
أمسك أيوب ضحكاته وهي تندفع تسبقه على غير العادة تهبط الدرج وأحد خديها مطبوع عليه أصابع طفله الخمسة حتى أن الرائي يستطيع عدهم بسهولة.
كانت تحاول أن تتقلب بالفراش فلم تستطع كان المكان ضيقا على واحدة في مثل جسدها الوافر واثنتان من بنات أخيها يشاركنها ذاك الفراش الضيق ما دفعها لجذب أحد الأغطية والخروج من الغرفة للنوم على أحد الأرائك بالردهة الضيقة لعلها تنل ساعة من نوم هانيء قبل أن تستيقظ لعملها الذي يستنفذ طاقتها طيلة النهار تمددت على الأريكة وتدثرت بالغطاء وراحت في سبات عميق بالفعل لم يخرجها منه إلا صوت ارتطام لسقوط مدوي لم يكن إلا هي حين حاولت التقلب على الأريكة الضيقة فوجدت نفسها تفترش الأرض قررت الاستمرار في التمدد أرضا والنوم على أي وضع المهم أن تنام وما أن همت بالنعاس إلا وأيقظتها تلك الضحكات الخليعة القادمة من حجرة أخيها كان هذا بالضبط هو ما ينقصها في هذه الليلة المشؤومة!
تلحفت غطائها مجددا ناهضة في قلة حيلة لتخرج للشرفة فما عاد هناك من نوم تتشبث بأذياله لعلها تنل قسط ولو هزيل منه.
عبت من نسيم الفجر الذي هلت تباشيره مع طرقات خفيفة على ميكروفون المسجد القريب ليصدح المؤذن مكبرا تنهدت في راحة رغم التعب الذي كان يعربد بجسدها وعظامها التي كانت تئن طلبا للراحة والاسترخاء هامسة في تضرع علمك بحالي يغنيك عن سؤالي يا رب.
كررت دعوة أبيها المفضلة فدمعت عيناها لذكراه ولم تفه بكلمة لكنها تنبهت أن أحدهم يناديها من الداخل مستهجنا وقوفها فالشرفة في مثل هذا الجو البارد.
تنبهت فإذا بها على فراشها الوثير داخل غرفتها الجديدة التي اصطحبتها إليها نفيسة بعد لقائها الدامي مع ساجد لتنل قسط من الراحة قبل موعد الغذاء وها هي دادة نفيسة تطرق الباب عليها في رفق تدعوها لمائدة الغذاء الذي حان وقته وعليها أن تتحضر قبل الثالثة تماما.
نهضت من الفراش متطلعة حولها في تعجب من تغير حال الإنسان منذ أيام كانت لا تجد لها موضع قدم ببيت أخيها تستقطع من ساعات نومها الشحيحة حتى تدخل الحمام قبل الصراع الصباحي لأولاد أخيها على دخول الحمام واليوم ها هي تنعم بحجرة خاصة وحمام خاص وفراش يكفي
كانت تهرول في محاولة للوصول إلى المطبخ في ميعاد تقديم العشاء المنصوص عليه كانت قد وصلت في موعد الغذاء فالموعد المحدد وقبل أن يجلس هو على المائدة بدقيقة أما الآن فقد تأخرت بالفعل وكادت أن تتعثر على الدرج لشدة هرولتها لكنها للأسف مرت من أمامه وقد جلس على المائدة منذ دقائق وقد شرع بالفعل في تناول الطبق الأول رفع عيونه بنظره حانقة جعلتها تسرع الخطى نحو المطبخ هاربة من نظرته المطولة تلك والتي شعرت أنها تحمل حنقا غير مبرر على تأخر ما تعدى السبع دقائق في مؤشر الساعة البندولية القيمة التي يشير فيها عقرب الدقائق اللحظة على المؤشر الثاني بعد الرقم واحد وعقرب الساعات على الثامنة.
زفرت في راحة ما أن وصلت أرض المطبخ بسلام لتجد نفيسة وسعدون يضعون على المائدة التي تتوسط المطبخ آخر الأطباق للبدء في عشائهم انضمت إليهم في هدوء هامسة وكأنها تخبرهما سرا هي الخنقة دي انتوا عايشين فيها بقى لكم أد إيه!
ابتسم سعدون مؤكدا أنا بقالي سنين طويلة مش فاكرها أصلا أنا مولود في قصر الباشا الكبير.
قاطعته سلمى ساخرة أيون شيرين باشا طويل العمر يطول عمره هاي هيييء.
قهقهت نفيسة مؤكدة يطول عمره إيه! قولي الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه.
لتسأل سلمى وأنت يا دادة نفيسة!
تنهدت نفيسة في حسرة وقد تبدلت ملامحها الودودة وتكللت بالهم وهي تهمس وقد تركت ملعقتها جانبا متطلعة للمجهول بقالي خمس سنين.
شعرت سلمى أن فالأمر سرا ما لا تدرك عنه شيئا وخاصة حين مد سعدون كفه رابتا على ظاهر كف نفيسة الممدد على المائدة في حنو بالغ جعلها تتأكد بل تتيقن أن شيء ما غامض هناك.
هتفت سلمى محاولة تغيير الجو الملبد بالحزن الذي انتشر بالمكان يعني شكله سجن أبدي مفيهوش حتى خروج بعد نص المدة لحسن السير والسلوك!
أكد سعدون مبتسما متطلعا لنفيسة أنا شخصيا مش ناوي ع الإفراج.
ابتسمت نفيسة مؤكدة وهي تتطلع لسعدون هو في سجن أحسن من كده!
هتفت سلمى مازحة هو أنا جيت المطبخ فوقت مش مناسب ولا إيه!
قهقه كلاهما لتستطرد ساخرة أقولهم سجن ألاقي المطبخ كله فراشات وقلوب! لا كده خطړ على عقلي الباطل.
قهقه سعدون مجاريا إياها خليتيه باطل امتى هو جواز عتريس من فؤادة!
أكدت سلمى مازحة وهي تضع لقمة ضخمة بفمها عقلي وأنا عرفاه يا سيدي بس خلي بالك أنت من عقلك!
قهقهت نفيسة على لعبة الأفلام التي ابتدعاها إلا أن سعدون نهض منتفضا ما أن جاءه صوت أيوب مناديا هتفت سلمى ساخرة قال يا قاعدين مفرفشين يكفيكوا شړ الحمقيين.
اڼفجرت نفيسة ضاحكة واندفع سعدون مسرعا للخارج وعلى وجهه ابتسامة لمزحتها ليعود مجددا هاتفا باسمها يا آنسة أيوب بيه
غصت بلقيمة كانت في سبيلها لبلعها التقطت كأس الماء وهي تسعل وعبت منه حتى انتهت متنهدة في راحة لحظية قبل أن تهتف في ذعر أنت قلت إنه عايزني يا عم سعدون!
هز سعدون رأسه مؤكدا لتهتف سلمى مولولة يكنش سمعني وأنا بتريق عليه! أكيد سمع صح!
أكيد هيرحلني على أول طيارة أنا عرفاهم الناس الحمقيين دول!
ابتسم سعدون هاتفا لا مسمعش ده أكيد عايزك فشغل لأني لقيته بيطلع أوراق روحي بقى جري عشان تأخرك عليه ده هو اللي هيخليه يضايق.
انتفضت سلمى مندفعة نحو الخارج في اتجاه حجرة المكتب طرقت بابها مرة واحدة دافعة إياه ما أن جاءها إذنه بالدخول امتثلت أمامه هاتفة في نبرة هادئة على غير العادة خير يا أيوب بيه!
كان جالسا في أريحية على عكس عادته على ذاك المقعد الجلدي الوثير جوار المدفأة مشيرا لملف أوراق قائلا ده ملف فيه كل ما يخص حالة ساجد.
هزت رأسها متفهمة متناولة الملف من فوق المكتب تهم بالهرولة للخارج بعيدا عن صحبته المؤثرة على هدوء أعصابها لكنه استوقفها أمرا وهو يشير من جديد لكيس كرتوني كان قابعا على طرف الطاولة أمرا خدي ده!
مدت كفها نحو الكيس مخرجة محتواه لتفاجأ أنه هاتف محمول تطلعت إليه في تعجب ليستطرد مؤكدا ده موبيل عليه خط أنا سمحت لنفسي بفتحه وحطيت عليه نمرتي ونمرة دادة نفيسة وسعدون طبعا لك حرية إضافة أي أرقام تاني بس أي اتصال هيكون خارج ساعات عملك الرسمية طبعا الكارت مشحون برصيد كافي لاستخداماتك.
أعادت الهاتف الثمين لموضعه داخل الكيس الكرتوني ثم تركته على المكتب هاتفة في نبرة واثقة مكنش في داعي تكلف نفسك يا أيوب بيه أنا بإذن الله من أول راتب هشتري لنفسي واحد على أد امكانياتي ده غالي أوي عليا عشان اسدد تمنه من مرتبي وحضرتك مش ملزم إنك..
قاطعها في حزم الهاتف من مقتضيات العمل يا آنسة ده مش هدية ولا جايبه عشان تسددي تمنه تقدري تعتبريه حاجة بتستلميها مع استلام شغلك بتقولوا عليها ايه في مصر! .. آه.. عهدة.. اعتبريه عهدة .. تمام!
هزت رأسها موافقة ولم تنبس بحرف وما أن همت بمد كفها لتناول الهاتف لتغادر إلا واستوقفها مجددا مشيرا لملابسها أمرا وهو يحيد بناظريه عنها رجاء خاص الخروج من أوضتك والتواجد طول اليوم هيكون بلبس رسمي الروب ده للخروج من أوضة النوم للضرورة القصوى غير كده يا ريت بلاش.
وهل كان هناك من ضرورة قصوى أكثر من تعجلها حتى تلحق بموعد العشاء المقدس! تطلعت لمئزرها القيم من وجهة نظرها والذي ابتاعته في تخفيضات الشتاء كقطعة ثمينة بجهاز عرسها متعجبة ما الغريب في مئزرها الفاخر حتى يمنعها ارتدائه والتجول به فالفيلا! .. لكنها في الأخير هزت رأسها في طاعة رغم عدم اقتناعها واستأذنته وغادرت أخيرا لتتسع ابتسامته وهو يعاود القراءة بكتابه الذي تركه جانبا عند دخولها متعجبا من مئزرها الذي كان أشبه بقماش إحدى المظلات الهوائية التي
يتبع