رواية حذر الفصول الأولى
المحتويات
تحد عنه حتى غاب عن ناظريها وهو في اتجاه صالة المغادرة فتنهدت في هيام قبل أن ترحل مبتعدة بدورها معتقدة أنها فازت بجولتها الأولى في سبيل إخضاع قلبه العصي.
هدأت الحركة بصالة الوصول ما دفعها لجر حقيبتها خلفها والتوجه للحمام الذي دخلته في حذر وتنهدت في راحة حين أدركت أنها وحيدة به فما كانت لديها القدرة على إجابة أسئلة من أي نوع هي نفسها لا تملك عليها أي إجابة خلعت عنها ثوب زفافها تتطلع له في حسرة فلطالما حلمت أنها تخلعه عنها في وجل تحت سقف بيتها عشها الحبيب الذي سيجمعها أخيرا بشريك الحياة ورفيق الرحلة لم يكن الثوب الذي حلمت به على أي حال هكذا عزت نفسها فذاك الثوب الحلم كان باهظ الثمن على من هي في مثل ظروفها لتحصل على مثله لكنها تعتز بذاك الذي خلعته لتوها فقد وفرت ثمنه من جمعية كانت قد اشتركت بها على أقل تقدير ها قد قام بدوره على الوجه الأكمل حتى هذه اللحظة فشكرا على ما قدم لها من لحظات فرحة كانت في حاجة إليها لتستشعر ولو للحظات قصيرة أنها عروس في ليلة زفافها وأنها مرغوبة ومحبوبة بحق.
ألقت على ثوب الزفاف نظرة أخيرة ثم دفعت به دفعا لجوف حقيبتها تدفنه في قعرها مودعة وهي تدرك أنه ثوب المرة الواحدة وأن ارتدائها له مجددا لن يتكرر وأن هذه الفرحة المنقوصة لن تعود.
ارتدت بديل عنه ثوب بسيط وغطاء رأس يماثله بساطة وضعته جانبا ثم أغلقت الحقيبة في إحكام وقفت أمام المرآة لضبط حجابها ومحاولة إزالة ما علق بصفحة وجهها من أحبار الزينة الرخيصة التي غطت ملامحها والتي على الرغم من امتلاء وجهها كانت تتسم بالبراءة ما جعلها أشبه بملامح طفلة إلى حد كبير عبثت بأدوات زينة أمها في محاولة للتشبه بالنساء الناضجات.
كانت قسمات وجهها تحمل هما مستترا ما دفعها كما اعتادت لتذكير نفسها أنها من المفترض عروس والليلة ليلة زفافها وعليها أن تكون أكثر اشراقا وتألقا لذا ابتسمت لوجهها بالمرآة البلورية الفاخرة ثم اڼفجرت ضاحكة ساخرة من نفسها مقلدة أحد إعلانات كريم البشرة الباريسية وهي تزيح بعض الأصباغ عن وجنتيها سلمى بالبصل والثوم وها أنت امرأة جديدة كل يوم.
واڼفجرت ضاحكة من جديد وبدأت تدندن لحنا جال على خاطرها اللحظة حتى أنهت إزالة كل مكياجها على قدر استطاعتها لتكتشف أنه كان لحنا حزينا لا يليق بلحظات الفرحة التي من المفترض الاستعداد لها لكنها لم تتوقف عن الدندنة بل إنها رفعت صوتها قليلا تشدو بكلمات الأغنية في شحن
وعصير العنب العنابي العنابي..
نقطة ورا نقطة يا عذابي يا عذابي..
مدت كفها تتحسس ملامح وجهها بكف مرتعش وعيون دامعة وهي ما تزال تشدو
يكشفلي حبايبي وصحابي..
يوحدني وأنا في عز شبابي..
القلب على الحب يشابي..
والحب بعيد عن أوطانه..
بانوا.. ايوا بانوا..
تاهت في تفاصيل الوجه والعينين وتذكرت من جديد ما كان..
فبعد مرور حوالي العامين على خېانة وخذلان من ظنته حب العمر واكتشافها أنه تزوج بعد أقل من شهرين من وقت ارساله رسالته الحقېرة بليلة عرسهما تزوج بنفس الشقة وعلى أثاث اختارت كل جزء فيه بروحها ودفعت ثمن كل قطعة بدموع عينيها وسهر الليالي.
دخلت خيرية عليها في اندفاع صاړخة في سعادة عريس يا سلمى عريس!
انتفضت نحوها متسائلة عريس إيه!
هتفت خيرية في ود مصطنع يا بت بقولك جايلك عريس!
هتفت سلمى ساخرة ومين المأسوف على شبابه! أكيد واحد من بتوع الشباب شباب القلب شاب فالسبعين من عمره!
قهقهت خيرية مؤكدة
هتفت سلمى مقاطعة هااا وأرمل ومعاه عيال عايزني أربيهم ولا مطلق وبرضو معاه عيال ولا مبيخلفش من أساسه ولا إيه ظروفه بالظبط ! ما خلاص مش هيجي إلا كده.
هتفت خيرية في حنق ما تصبري وتسمعي لا يا ستي متجوزش قبل كده وسمع عنك من واحد قريبه صاحب أخوكي صبحي شكر له في أخلاقك وأدبك و...
قهقهت سلمى وأكيد مشكرش فجمالي أصل بالخلقة دي وهيجامل ويفهم الراجل حاجة غير الحقيقة كده هقلق الصراحة.
ضړبتها خيرية على كتفها حتى تكف عن سخريتها مؤكدة مفيش فايدة فلسانك ده! أهو يا ستي بكرة تشوفيه ع الموبيل ويشوفك ويا رب المرة دي تظبط..
تطلعت نحوها سلمى في تعجب وما ألقت بالا لكلمات خيرية السامة التي أنهت بها حديثها متسائلة في دهشة أشوفه ع الموبيل!
هتفت خيرية في فخر أيوه يا بت ما هو مش عايش هنا ده قاعد فالخليج ومش قادر ياخد اجازة وينزل يخطب بنفسه أصله مقطوع من شجرة وعايز ونس بقى.
هتفت سلمى في استفهام اومال هاينزل يكتب الكتاب إزاي! اوعي تقوليلي هيعلقني معاه بالسنين زي اللي ما يتسمى فتحي!
هتفت خيرية في حنق قطع مطرح ما راح وقطعت سيرته تفي من بقك فتحي ده إيه! لا ده عايز يتجوز على طول وقال هيتعرف عليكي الأول واستئذن أخوكي يشوفك وتكلميه ويا رب يجعل فيه النصيب.
هزت سلمى رأسها في تفهم لا تعلم هل ما يحدث صواب أم عليها الرفض! لكن.. هل كان لمثلها أن يعترض على فرصة ذهبية مثل هذه الماثلة أمامها! ما جعلها تمتثل لسير الأحداث وقد كان فبعد عدة مرات شاهدته عبر أحد تطبيقات الأنترنت وتحدثا سويا أشاد بثقافتها وتعليمها وحسن خلقها وأكد على رغبته في إتمام الزواج وكانت اللحظة الفاصلة عندما أعلن عدم قدرته على القدوم لعقد القران واتفق مع أخيها على أرسال قريب له من بعيد بتوكيل لعقد القران بالطبع كانت هناك المزيد والمزيد من الصراعات والصدامات بينها وبين أخيها وزوجته لرفضها هذه الطريقة في الزواج لكنها رضخت أخيرا بعد الضغط عليها بشكل لا يحتمل وها هي اللحظة هنا في انتظار عريسها الغائب ولا تعلم لم لم يأت حتى هذه اللحظة!
تنهدت في قلة حيلة وقد أنهت مهمتها ودفعت ببعض الماء البارد لوجهها لعله ينعشها قليلا نظرت نظرة أخيرة للمرآة لكنها اشاحت بوجهها سريعا فقد تأكدت على الأقل أنها عادت سلمى التي تعرفها بلا أي رتوش لتسحب حقيبتها خلفها مغادرة الحمام عائدة نحو موضعها الذي كانت تحتله سابقا والذي ما أن دنت منه حتى وجدته قد شغل بغيرها ما اضطرها لتفكر فالانعزال بعيدا متخذة ذاك المقعد المتطرف هناك مجلسا ثابتا لها حتى إشعار آخر جلست تسند رأسها على العمود الرخامي لعلها ترتاح من زحام الخواطر السيئة التي تعربد بمخلتها اللحظة راسمة الكثير من السيناريوهات القاتمة والتي قررت قطع استرسالها بقراءة أحد الكتب في مجال تخصصها الذي كانت تتمنى لو استطاعت الوصول لدرجة الدكتوراه به بعد حصولها على درجة الماجستير بشق الأنفس.
وصل أيوب لقاعة الوصول متطلعا للرواية التي يحمل مقلبا إياها في لا مبالاة وقد تأكد وهو يقلب صفحاتها أنها إحدى الروايات الرومانسية التي تدفع بالناس ليعيشوا حياة حالمة وهمية هربا لبعض الوقت من واقع مرير مدركين تماما أن هذه النهايات السعيدة لا تأتي إلا في
مثل هذه القصص الساذجة.
فتح الصفحة الأولى وقرأ بنبرة ساخرة أحد المقاطع
لن ينل الحب إلا من منكريه ولا يصاب بسهم العشق إلا غافل
اتسعت ابتسامته الساخرة وهمس في استهزاء أكيد اللي بيقرا العته ده واحد مخبول.
دفع بالكتاب من خلف ظهره نحو سلة المهملات التي مر بها لتوه في نفس اللحظة التي مالت هي نحو جيب حقيبتها الخارجي لتخرج كتابها كادت أن تطلق صړخة مذعورة لكنها لحسن الحظ لم تخرج من الأساس فقد استطاعت كتمانها عندما أدركت ما الذي يحدث..
تطلعت لبرهة لذاك الكتاب الفخم الذي ألقي لتوه بقلب سلة المهملات التي كانت تجاورها مباشرة بعض السنتيمترات الخاطئة كانت لتدفع به ليسقط مباشرة على أم رأسها لكن الله سلم.
تطلعت بحنق نحو ظهر ذاك الذي قڈف بالكتاب وكأنه لاعب كرة سلة محترف مصيبا الهدف في سلاسة يبتعد متبخترا بانتصاره بزيه الرسمي ذاك وحقيبته الأنيقة خلفه مشفقة على الكتاب ذي الغلاف القيم تطلعت نحو كتابها الهزيل الذي كانت قد أخرجته بالفعل والذي يحمل غلافا باهتا وبقعة ما بأحد أركانه ما دفعها لتركه جانبا بالقرب منها تتطلع نحو غلاف الرواية الزاهي الذي جذب أنظارها مدت كفها في تردد تتناول الكتاب لتقرأ عنوانه في تمهل.. !
هتفت ساخرة كعادتها إيه يا عم ما بالراحة حصلنا الړعب وبعدين تحذير حضرتك جه متأخر والله.
فتحت أولى الصفحات وقرأت
لن ينل الحب إلا من منكريه ولا يصاب بسهم العشق إلا غافل..
توقفت عن القراءة تضحك في أريحية ساخرة من نفسها كالعادة مش بقولك جيت متأخر هو أنا مقلتلكش! مش أنا باب قلبي خلعوه وباعوه الديانة ياللاه يعني كان باب زويلة! أحسن .. أهو كان كل ما يتوارب حتى يترزع فوشي حتة رزعة ربنا ما يوريك آه والله.
فتحت أولي الصفحات وبدأت في قراءة المقدمة..
قال شكسبير.. لا تفتح بابا يؤذيك ولو كان الطارق شخصا تحبه..
لتهتف متنهدة الأخ شكسبير مرة واحدة! شكلها رواية حلوة.. رماها ليه الأخ العجيب ده! ياللاه أهي طلعت من رزقنا.. خلينا نقرأ مورناش غير كده لحد ما يجي الڤرج أين أنت يا فرج!
هتفت بندائها الأخير في نبرة مرحة قبل أن تشرع بالقراءة متناسية ما هي فيه لعل الڤرج بالطريق!
٢
صوت نفير العربة الفارهة الذي تردد عدة مرات كان كفيلا بدفع البواب الهندي إلى القفز من موضعه والاندفاع نحو بوابة الفيلا ليجذب إحدى ضلفتيها الواسعتين مفسحا المجال للعربة حتى تمر للداخل نحو باب الجراج الذي فتح أوتوماتيكيا ما أن اقتربت السيارة منه ترجل منها أيوب النورسي دافعا بمفتاح السيارة نحو البواب سائرا في تؤدة نحو باب الفيلا الداخلي ليتوقف للحظة متطلعا نحو هذا الذي ظل ينبح في استماتة لجذب انتباهه ابتسم أيوب سائرا نحو ذاك الۏحش الضخم المتحفز والذي من المفترض أنه كلب من فصيلة شيبرد وقد تحول فجأة لحمل وديع أخذ فالتمسح بأيوب في شوق يقفز دافعا أقدامه لتطال كتفي صاحبه في محبة وهو يلهث في عجالة هازا ذيله الرفيع في حماسة ربت أيوب على رأس كلبه الضخمة أمرا في وداعة يا هلا يا هزاع اهدا ولينا فسحة سوا.
هدأت حماسة الكلب بالفعل وكأنما قد وعى مقصد أيوب فقرر البقاء مستكينا حتى لا يحرم من الخروج برفقة صاحبه ورفيقه المفضل.
ترك أيوب كلبه الذي جلس القرفصاء في وداعة مخالفة تماما لمظهره الشرس واندفع يخطو للداخل مناديا على مساعده الخاص يا سعدون سعدون!
اندفعت نفيسة مدبرة المنزل متوسطة العمر من الردهة المفضية للمطبخ
تنهد أيوب متذكرا أن سعدون بالفعل بالقاهرة حيث يقضي إجازته السنوية مع أولاده وموعد طائرة العودة ستكون غدا صباحا بالفعل.
هز رأسه متفهما خالعا كابه الرسمي عن رأسه تاركا إياه جانبا لتلحق به نفيسة متسائلة أحضر لك الغدا يا أيوب بيه!
تطلع أيوب نحو ساعة الحائط القيمة التي يتأرجح بندولها الذهبي في هوادة مشيرا نحو الساعة متعجبا من إمتا بتغدا قبل ميعادي يا دادة نفيسة!
هتفت نفيسة مبررة في سرعة أصل شيفاك جاي تعبان قلت اجهز الغدا بدري عن ميعاده دي نص ساعة مجراش حاجة.
تطلع لها في نظرة معبرة عن تعجبه لمخالفتها عاداته اليومية وأمرها منهيا الحوار الغدا يجهز فميعاده بالدقيقة يا دادة اتفضلي.
هزت رأسها في طاعة تاركة له المكان لينعم فيه بوحدته قبل أن يحين موعد الغذاء إلا أنه تحرك في ثقة نحو غرفة مستقلة بذاتها في ركن قصي بالفيلا كان يأتيه منها بشكل شبه دائم صوت أم كلثوم تشدو بواحدة من روائعها والذي يأتيه اللحظة مع تنهيدة شوق
أهرب من قلبي أروح على فين! ليالينا الحلوة فكل مكان..
طرق الباب في تأدب منتظرا الإذن بالدخول وحين لم يحصل على جواب أصابه القلق ففتح الباب في بطء حذر دافعا رأسه متطلعا للداخل في استطلاع ليطرق الباب من جديد مع ابتسامة وقورة حلت على محياه ما أن وعى ذاك العجوز الذي كان جالسا على كرسيه المدولب شاردا في كلمات الأغنية مدركا صوت الطرق أخيرا مرحبا بالقادم في حفاوة أيوب! يا هلا بالغالي تعال.
تحرك أيوب صوب والده وانحنى مقبلا ظاهر كفه التي مدها الوالد للتحية ليستطرد الوالد في وحشة طولت الغيبة هالمرة!
ابتسم أيوب مؤكدا تلات أيام ما هي غيبة!
همس الوالد تلات أيام! ظنتها أكتر والله!
ربت أيوب على ظاهر كف والده متسائلا في مودة كيف الحال!
ابتسم الوالد هازا رأسه في لا مبالاة ولم يعقب وكأنما يخبره أنه ما من جديد هناك وأخيرا ربت على كتف أيوب في مودة مشيرا لساعة الحائط أمرا قوم يا ولدي جهز نفسك قبل ميعاد الغدا قوم.
هز أيوب رأسه في طاعة وغادر الغرفة في هدوء متوجها صوب الدرج الذي اعتلاه في هوادة كأنما يحاول تأجيل أمر ما لا يرغب في مواجهته سار الردهة الطويلة نسبيا حتى توقف أمام حائط زجاجي تطلع منه نحو طفل في الخامسة من عمره يجلس في هدوء قاټل بأحد الأركان كان قد صمم هذا الحائط ليستطيع الاطمئنان على الصغير دون الحاجة لإزعاجه نظرا لظروفه المړضية التي تدفع الجميع للابتعاد عنه طواعية.
ظل متسمرا موضعه لم يتزحزح يطالع الصبي الذي يقوم بحركات رتيبة يهز رأسه في إصرار عجيب ولا يغادر موضعه إلا فيما ندر.
تنهد أيوب في قلة حيلة متطلعا نحو ساعة يده الثمينة ليدرك أن ميعاد الغذاء قد حان تحرك عائدا نحو الطابق السفلي متطلعا صوب المائدة الضخمة التي تساع على أقل تقدير عشرة أفراد لم يكن عليها إلا بعض الأطباق منسقة بشكل غاية في الدقة توجه نحو غرفة والده مجددا دافعا كرسيه المدولب أمامه ليضعه على رأس المائدة بينما أحتل أيوب المقعد الذي على يمينه ليشرعا في تناول طعامهما مع دقات الساعة الثالثة تماما وحيدين كعادتهما.
ليلة كاملة قضتها وحيدة ها هنا داخل صالة الوصول بالمطار على أمل حضور زوجها المزعوم لكنه لم يحضر حتى هذه اللحظة لا تعلم ما الذي يحدث حاولت أن تلتمس مئات الأعذار انتهت كلها حتى هذه
متابعة القراءة