رواية حذر الفصول الأولى
المحتويات
بها لكنها اطمأنت عندما وجدته يسير في خطوات رزينة نحو أحدهم ملقيا التحية في ود مستحدث على ذاك الرجل الذي تستوطن الصرامة ملامح وجهه.
عاد لها متسائلا جهزتي نفسك!
نهضت تعدل من هندامها في عجالة دافعة بكل ما لديها لقلب حقيبتها فأشار لها لتتبعه وكذا صديقه الذي كان يكبره سنا والذي تطلع نحوها مستغربا لبرهة.
تعجب سعدون وهو يحيد بناظره عن سلمى موجها حديثه لأيوب هامسا في تساؤل مش كفاية عليك لعب دور المنقذ لحد كده!
ظهرت ابتسامة خفيفة على جانب فم أيوب هامسا بدوره منقذ! هي مرة وكان لها مبررها سعدون.
ابتسم سعدون متسائلا ويا ترى في مبررات للمرة دي كمان!
هز أيوب رأسه مؤكدا ولم يعقب بحرف وهو يسلم سعدون مفتاح السيارة حين غادروا جميعا صالة الوصول لتتنشق سلمى أخيرا أولى نسائم هذه البلاد عيونها تجول بكل موضع كطفل فضولي دخل محل ألعاب للمرة الأولى بحياته سائرة خلفهما جاذبة حقيبتها ورائها تخطو إلى مجهول لا تدرك على ماذا قد ينتهي!
٣
دخلت العربة حيز فيلا أيوب النورسي لتفتح البوابة الحديدية ليظهر ذاك الرجل الآسيوي خلفها ملوحا وابتسامة عريضة مرسومة على شفتيه هاتفا بلغة عربية مضعضعة يا هلا حمدا لله على سلامتكم.
هز أيوب رأسه يرد التحية في نزق يليق بمحياه وكذا ردها مرافقهما الذي ترك له مهمة القيادة والذي لا تعرف سلمى حتى اللحظة مدى قرابتهما.
مرت السيارة خلال طريق متوسط الاتساع معبد بالأحجار الملونة حتى وصلت للجراج الخاص بها والذي استقرت به بعد أن فتح بابه تلقائيا هبط أيوب ومن بعده رفيقه المدعو سعدون فلم يكن منها إلا الترجل من السيارة لتتبعهما في اضطراب علا نباح هزاع في قوة ما جعل سلمى تقفز من موضعها في فزع مستترة خلف سعدون الذي ابتسم في هدوء مطمئنا إياها مټخافيش! ده كلب أيوب بيه.
هتفت سلمى في سخرية ده كلب! ده أسد حضرتك.
اتسعت ابتسامة سعدون مؤكدا لا كلب بس من فصيلة ضخمة شوية معلش هو عشان أنت لسه غريبة عنه نبح عليك لكن أكيد لما يطمن لوجودك هتبقوا أصحاب.
هتفت سلمى ساخرة أصحاب! طب والأخ اسمه إيه بقى! نحب نتعرف.
ابتسم سعدون هاتفا الأخ اسمه هزاع.
أكدت سلمى ساخرة هزاع! سبحان الله لايق عليه فزاع أكتر..
نبح هزاع من جديد كأنه لم يتقبل عبثها باسمه ما دفعها لتتقهقر خطوتين للخلف هاتفة في الكلب خلاص يا عم متزعلش هزاع هزاع بس والنعمة فزاع أحلى فكر أنت بس فالموضوع وإن شاء الله خير.
قهقه سعدون لأفعالها مع هزاع الذي ظل نباحه عاليا حتى بعدما تحركا للداخل تنبه سعدون لنداء أيوب فأمر سلمى أن تتبعه والتي سارت خلفه بقلب وجل تخطو داخل فيلا أيوب النورسي لا علم لها هل كان قدومها إلى هنا هو عين العقل أم كان عليها رفض عرضه المغري في ظل ظرفها القاهر!
وهل كانت لها حيلة سوى القبول! على أي حال المصير واحد مۏت بطيء وهي بالمطار لا يعرف أحد عنها شيئا أو احتمالية حدوث ذلك هنا ببيت هذا الرجل العجيب الذي يمكن أن يخالف ظنونها ويكون طوق النجاة من مصير قاتم مجهول الملامح.
انتفضت عندما ناداها سعدون فيبدو أنها كانت غارقة في خواطرها ولم تنتبه لنداءاته التي تكررت لتسرع خلفه وهو يشير لباب جانبي أفضى بهما لصالة ضخمة فخمة الأثاث والتنظيم بنهاية أحد أركانها يقبع درج حلزوني يصل للطابق العلوي كان هذا الفراغ البديع أشبه بمتحف مصغر كل قطعة في موضعها بالضبط لتبدو القاعة أشبه بلوحة زيتية راقية من عصور النهضة أخرجها
توجهت نحوه حاملة حقيبتها ليأمرها من جديد سيبي شنطتك مكانها وتعالي.
تركت حقيبتها ممتثلة لأوامره وتحركت صوب الباب المشار إليه والذي سبقها لدخوله لتخطو خلفه عابرة لداخل حجرة مكتب لم تر أروع منها قط رفوف من الكتب بطول وعرض الحائط المواجه للباب الذي أمامه يقبع مكتب ضخم من خشب قيم بندقي اللون يجلس أيوب خلفه بينما ظل سعدون واقفا بالقرب من موضع جلوس أيوب الشامخ كأنه في انتظار أمر ما.
أشار لها أيوب بالجلوس على أحد المقاعد أمامه فنفذت فالتو ليعاجلها مستفسرا قولتي إنك حاصلة على ماجستير في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة!
هزت رأسها في حماس مؤكدة ايوه يا فندم وأهي أوراقي وشهادات الخبرة وبعض التوصيات لو حابب تطلع عليها مرة تانية.
أكد أيوب أنا مش هطلع عليهم أنا هحتفظ بهم.
أخرجت ملف أوراقها ومدت كفها بالملف هاتفة في تحذير طب خد بالك منهم دول مكلفني ثروة مش هعرف أخرج زيهم تاني إلا بطلوع الروح.
ابتسم سعدون لتلقائيتها بينما هتف أيوب متوجسا ليه! هو أنت مزوراهم عشان يكلفوكي ثروة!
قهقهت سلمى مؤكدة لا مش للدرجة دي يا فندم بس حضرتك عارف بقى الروتين والإجراءات والاكراميات وكل حاجة بحسابها.
هز أيوب رأسه متفهما وأكد في نزق اعتيادي تقدري تقولي أيوب بيه ولو أنت جاهزة! يبقى ياللاه عشان تشوفي شغلك وأعرفك على الولد اللي هيكون شغلك معاه.
تنحنحت متسائلة في حياء طب ممكن كباية ماية!
تنحنح أيوب بدوره معتذرا في لباقة آه أكيد معلش أنا مستعجل عشان عندي ميعاد مهم فمقمتش بواجب الضيافة كما يجب بس أنت خلاص بقيتي من العاملين هنا هااا.. تشربي إيه!
هتفت مبتسمة في أريحية طالما بقيت من العاملين وكده يبقى أطلب فطار بقى وابقوا اخصموه من مرتبي.
امسك سعدون ضحكاته بالكاد بينما تطلع لها أيوب في تعجب لتفسر هي في بساطة أنا واحدة بقالها يومين فالمطار يعني مكلتش بقالي أكثر من...
وأخذت تحسب على أصابعها كما الأطفال لتهتف مستطردة حوالي كده ٥٠ ساعة ده رقم قياسي يتحط فموسوعة جينيس ده أنا أطول مدة قطعت فيها الزاد كان صيام رمضان غير كده الأكل عندي كل ساعتين مش كل يومين معجزة بكل المقاييس.
لم يستطع سعدون إمساك ضحكاته هذه المرة بينما تطلع أيوب نحوها في صدمة.. استفاق منها سريعا وسعدون يتطلع نحو ساعة الحائط التي أعلنت لتوها التاسعة صباحا.
أشار أيوب أمرا سعدون قول لدادة نفيسة تحضر فطار متأخر للآنسة.
هز سعدون رأسه في طاعة وغادر غرفة المكتب في خطوات منتظمة لتتعجب أن علاقة سعدون بأيوب لا تتعد علاقة صاحب عمل بمرؤوسه رغم أن الأمر فالبداية كان يبدو لها عكس ذلك.
تنبهت عندما هتف أيوب محذرا الفيلا هنا لها نظام وقواعد صارمة أرجو إن ميكنش فيه مخالفة لأي قاعدة لأني بكره المبررات ومش هسمح بها من أساسه نفيسة مدبرة الأعمال بالمشاركة مع سعدون ولسه هعرفك ع الوالد ربنا يطول بعمره وطبعا ساجد سبب وجودك هنا واللي هتكوني برفقته معظم الوقت.
هزت رأسها بالإيجاب فلا حيلة لها إلا الموافقة فكل ما كان يعنيها اللحظة هو تأمين سقف يأويها وهي في ذاك البلد الغريب الذي لا تعرف فيه أحد غير زوجها المزعوم الذي لا تعرف أين يكون اللحظة وهذا الرجل العجيب الذي فتح لها أبواب بيته متأملا منها معالجة طفلا استنتجت أنه ولده.
نهض من خلف مكتبه بعد أن أودع أوراقها أحد الأدراج
توقفت لبرهة متطلعة حولها وتحركت إلى حيث أشار ليتناهى لمسامعها حوار يدور على مقربة تتبعت الصوت حتى وصلت لأعتاب المطبخ إن كان هذا الفراغ الراقي يمكن أن يدعوه أحدهم بالخطأ مطبخ كان أشبه بتلك المطابخ التي تراها في الأفلام والمسلسلات التي تدور أحداثها في بيوت الطبقات المخملية من المجتمع كل ما هو موجود مبهر الخزائن الخشبية وألوان الحوائط الطاولة المستطيلة التي تتوسط الفراغ حتى أدوات الطبخ الموزعة هنا وهناك لها رونق خاص.
همت بالتحدث لكنها سمعت المرأة التي توليها ظهرها اللحظة والمدعوة نفيسة على ما تتذكر تسأل سعدون في نبرة قلقة وهي أي واحدة يلاقيها يجبها كده عشان مشكلة الولد! لمجرد أن المعالجة اللي فاتت بتعتذر كتير عن جلسات العلاج!
أكد سعدون أنت عارفة أيوب بيه دقيق أد إيه وبيفضل التعامل مع الشخصيات الملتزمة وهي كمان بتقول إنها واخدة ماجستير في تخصصها هو مش باين عليها الصراحة بس ډمها خفيف وشكلها بنت حلال.
اندفعت سلمى لداخل المطبخ هاتفة في أريحية وبنبرة مازحة أه والله يا عم سعدون طيبة وبنت حلال ومليش فالنكد وبموووت فالأكل ها فين بقى فطاري اللي وصاك عليه أيوب بيه باشا ولا عايزني أقول عليكم بخلة!
تطلع كل من نفيسة وسعدون لبعضهما وعلى شفتيهما ابتسامة ولسان حال سعدون يقول ألم أخبرك!
هتفت نفيسة في نبرة أمومية من عنايا يا بنتي حالا يكون أحلى فطار قدامك بس مقلتليش اسمك إيه!
تطلعت سلمى نحوهما بعد أن جلست للطاولة في انتظار طعامها هاتفة متنهدة طيب أنا هحكي الحكاية من تاني بس يا ريت نمنع الضحك..
ابتسم كلاهما لا إراديا لتهتف بهما سلمى مازحة أنا لسه مقلتش حاجة على فكرة.
اتسعت ابتسامتهما فهتفت باسمة بدورها وبداخلها كمية كبيرة من التصالح مع الذات سلامات.
هتفت نفيسة بطيبة طيبين يا حبيبتي وأنت كويسة!
قهقهت سلمى مؤكدة اسمي سلامات سلامات سلامة عبدالسلام السلاموني.
تطلع كل من نفيسة وسعدون لبعضهما واڼفجرا ضاحكين لتشاركهما سلمى الضحك لتهتف نفيسة وهي تربت على كتفها في تعاطف عاشت الاسامي يا حبيبتي.
هتفت سلمى بابتسامة رضا تعيشي يا حجة.
ابتسمت نفيسة قوليلي يا دادة نفيسة وده سعدون اكيد اتعرفتوا.
تطلعت سلمى نحو سعدون البالغ من العمر ما يقارب الستين عاما وتعجبت كيف لا يحمل لقبا ولو على سبيل الاحترام حتى وهو يكاد يكون في سن والدها رحمه الله! فقررت منحه لقبا ولو لم يكن هذا معتادا.
وضعت نفيسة الأطباق أمام سلمى لتبدأ في التهام الطعام بنهم شديد ما جعل نفيسة تهتف في نبرة حانية يا حبيبتي يا بنتي ده أنت جعانة أوي!
هتفت سلمى والطعام بفمها مؤكدة كنت ھموت من الجوع مش جعانة أنا عندي استعداد اتبرع لبتوع المجاعات عشان المجاعة اللي كنت فيها بقالي يومين ده أنا كنت بنام عشان أحلم إني باكل أهو تصبيرة.
قهقه سعدون فتطلعت إليه نفيسة عاتبة ما دفعه ليبتلع ضحكاته تاركين إياها تتناول طعامها في هدوء وأخيرا وضعت نفيسة كوب الشاي أمامها ما أن توقعت انتهاءها من ملء
معدتها لتهتف بها سلمى مادحة الله عليك يا دادة نفيسة كباية الشاي دي جت فوقتها بس يا سلام بقى لو عليه شوية لبن ولا هنا اسمه حليب كده تبقى جبرت.
لم يستطع سعدون أن يكتم ضحكاته هذه المرة حتى أن نفيسة نفسها ضحكت وهي تضع لها بعض الحليب على كوب الشاي لتتناوله
ضغطت على أسنانها في حنق وعيونها تفيض بالدموع هامسة بنبرة حاقدة أنا قلت إن قدمها نحس مصدقنيش وادي أخرتها ربنا يعديها على خير..
تنهدت في حسرة وهي تتطلع نحو ذاك الجسد المسجي على فراش طبي موصول به الكثير من الأنابيب والخراطيم الطبية من خلف حائط زجاجي ..
اهتزت حقيبتها التي تحملها ما دفعها لفتحها والتطلع نحو شاشة جوال ذاك الممدد بالداخل بلا حراك فقد استلمت أغراضه ما أن وطأت قدمها باب المشفى عند إبلاغها بالخبر المشؤوم ضغطت زر إغلاق الرنين في حنق وما أن انتهى حتى أغلقت الهاتف برمته وألقته في قاع الحقيبة من جديد هامسة في غل ما تغوروا بقى وتريحونا بترنوا على إيه! أهو ده اللي خدناه منكم ومن وش النحس اللي بعتوها..
أعادت التطلع نحو الحائط الزجاجي لعل وعسى يتحرك مريضها معلنا عن استفاقته بعد ذاك الحاډث المروع الذي قضى على السيارة تماما متضرعة إلى الله أن يحفظ سائقها الذي تبصره اللحظة على نفس الحالة منذ ما يقارب اليومين ولا جديد في حالته يلوح بالأفق كما أخبرها الأطباء.
كادت أن تسقط الكوب أو ما تبقى منه على ملابسها عندما تناهى لمسامعها صوته مناديا سعدون الذي انتفض ملبيا النداء في لمح البصر عائدا إليها على جناح السرعة مؤكدا لسلمى أيوب بيه طالب حضرتك وأنت معاها يا دادة نفيسة.
انتفضت من موضعها تسير خلفه نحو موضع انتظار أيوب الذي جمعهم ووقف يملي عليهم أوامره الجديدة التي ما كانت بالجديدة على كل من نفيسة وسعدون لكن للإعادة إفادة في عرفه بالتأكيد.
وقف سعدون وسلمى ونفيسة في صف واحد متجاورين وهو يجيء ويروح أمامهم معقود اليدين خلف ظهره هاتفا في حزم طبعا الكل عارف إحنا فين! .. فيلا أيوب ناصف شيرين النورسي..
هتفت سلمى متعجبة شيرين مين! هو اسم الوالدة بيعمل إيه هنا!
اڼفجرت نفيسة ضاحكة لكنها أمسكت ضحكاتها على قدر استطاعتها بينما استطاع سعدون كتمانها في مهارة رغم احمرار وجهه لكظم قهقهاته تطلع أيوب في حنق لنفيسة متعجبا في حاجة يا دادة نفيسة!
هزت رأسها نفيا محيدا ناظره نحو سلمى هاتفا في فخر شيرين ده اسم جدي شيرين باشا النورسي.
لم تستطع سلمى كتم ضحكاتها هاتفة مستفسرة ده بجد! اسم جدك شيرين! وكنت بتتريق على اسمي!
هتف أيوب وهو يجز على أسنانه آنسة سلامات! أرجو التزام الهدوء.
هزت رأسها موافقة وبدأ في سرد قواعد العمل داخل الفيلا لتهمس سلمى في سخرية قال شيرين قال! اومال أمه اسمها إيه!
همست نفيسة اسمها برلنتي هانم.
همست سلمى ساخرة برلنتي هانم وشيرين باشا! إيه جو ليالي الحلمية اللي أنا وقعت فيه ده!
كتمت نفيسة ضحكاتها مجددا وأيوب مستمر في سرد الممنوعات والتعليمات الخاصة بالعمل وما أن انتهى حتى هتف بسلمى في صرامة مفهوم يا آنسة سلامات!
هتفت سلمى التي كانت شاردة بالفعل بقوة أشبه بعسكري يؤدي التحية تمام يا فندم!
كتم الجميع ضحكاتهم ليصرفهم أيوب ما عداها استوقفها مؤكدا زي ما قلت يا آنسة اديني بأكد الفطار الساعة ٨ صباحا والغدا الساعة ٣ والعشاء الساعة ٨ مساء ومفيش خروج من أوضتك بعد الساعة تسعة مساء لأي سبب أوضتك فيها كل اللي هتحتاجيه فأرجو الالتزام.
هزت رأسها في إيجاب ليستطرد قائلا أي حاجة خاصة بساجد اطلبيها أنا منتظر أشوف تطور فالحالة عن قريب.
همست مؤكدة إن شاء الله.
همت بالمغادرة للمطبخ من جديد إلا أنه استوقفها مجددا
أخرجت هاتفها من جيبها مشيرة له مؤكدة للأسف
متابعة القراءة