رواية حذر الفصول الأولى

لمحة نيوز


تعالت الزغاريد من داخل ذاك البيت الشبه متهالك بعمق إحدى الحارات مؤكدة على مظاهر الفرح المتمثلة فالأنوار الملونة على واجهة المنزل التي جعلته أشبه بامرأة عجوز وضعت المزيد من أدوات التجميل على بشرتها الشاحبة في محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه من مظهرها الخارجي لتبدو أصغر سنا ارتفعت الزغاريد من جديد فانتفضت هي بموضعها أمام المرآة في حجرتها الضيقة التي بالكاد تحمل محتوياتها القليلة تتطلع نحو وجهها البض الذي لم تنته صديقتها من إكمال تجميله بعد هاتفة في اضطراب عروس ليلة عقد قرانها وبنبرة يملؤها الترقب واللهفة خلصي بقى يا صابرين شكل العريس وصل.. 
هتفت بها صابرين مؤكدة لا لسه متقلقيش دي شوية تفاريح من البنات شكلهم وصلوا وبيعملوا لك جو. 
كانت محقة تماما فما أن أنهت جملتها حتى اندفعت بعض الفتيات لداخل الغرفة لتنطلق سلسلة أخرى من الزغاريد وكل منهن تندفع لتحية العروس. 
هتفت إحداهن في فرحة أخيرا يا سلمى! ده إحنا قلنا مفيش أمل فالجوازة دي خمس سنين يا مفترية! 
هتفت سلمى في هيام ولو خمسين سنة كنت هستناه برضو لأني بحبه.
هتفت أخرى في حنق بلا حب بلا كلام فاضي أهو الكلام الأهبل ده هو اللي خرب عقول البنات وكله بينزل على مفيش فالأخر.
هتفت صابرين وهي تنظر للفتاة في حنق بقى ده كلام يتقال لعروسة ليلة فرحها! ده انتوا بنات غم صحيح زغرتي يا بت أنت وهي وكل واحدة تحط لسانها جوه بقها لو مش هتقول كلمة عدلة.
ارتفعت الزغاريد من جديد لتدفع صابرين بالفتيات لخارج الحجرة الضيقة التي ما كانت تساعهن حتى يتسنى لها إنهاء عملها وتزيين العروس استعداد لاستقبال عريسها لإتمام مراسم عقد القران.
ما أن همت صابرين بوضع آخر لمسات الزينة حتى جاء للعروس إشعار رسالة على جوالها المتواضع فتوقفت يد صابرين عن إتمام عملها حين مدت سلمى يدها نحو هاتفها في لهفة مستشعرة أنها بالتأكيد من فتحي حب عمرها وزوجها المنتظر فضتها في لهفة منتظرة بعض من الغزل المعبر عن اللهفة التي تتملك قلبه حتى يحين لحظة اجتماعهما تحت سقف شقتهما بعد ساعات قلائل تطلعت للأحرف في هوادة في محاولة لاستيعاب معناها وتسمرت عيناها لفترة على شاشة الجوال ما دفع صابرين لتسألها في قلق في حاجة يا سلمى! مالك متنحة في التليفون كده ليه! 
لم تنطق سلمى بحرف بل مدت كفها بالهاتف لصديقتها جذبته صابرين في عجالة لتقرأ بدورها الرسالة المرسلة لعلها تدرك ما يجري. شهقت صابرين وهي تخفي فمها بباطن كفها في محاولة لإخفاء صډمتها. 
لن يأت لما!.. لقد شعر أنه تسرع في اتخاذ قرار الزواج وأنه غير قادر فالوقت الحالي على تحمل مسئولية أسرة. 
تركت صابرين الهاتف على الطاولة واندفعت كتفي سلمى في محاولة بائسة للتخفيف عنها وهي ما تزل تجلس في سكون تتطلع لوجهها المزين بالمرأة شاردة في عالم آخر ترى عبر الزجاج الماثل أمامها أحلامها تطير بعيدا حيث اللا رجعة تلك الأحلام التي ظلت تبنيها وتعتق الصبر بروحها في انتظار لحظة تحقيقها هربا من واقع مرير وصحبة أمر فكل ما كان في جعبتها من أمنيات هو الاستقلال عن أخيها وزوجته سليطة اللسان كانت تلك أمنيتها الوحيدة والتي تبخرت أمام ناظريها الآن كبخار يتصاعد من مرجل مع ضياع سنوات ثمينة من عمر أثمن والكثير من الأعصاب والدموع وكذا مالها وشقى عمرها الذي كانت تدفع به كل شهر ما أن تقبض راتبها ليد فتحي ليسرع في تجهيز عش الزوجية لتتخلص من كابوس البقاء في بيت أخيها والفرار من لسان

زوجته الذي نال من كرامتها وعزة نفسها ما يكفيها وزيادة. 
سكون عجيب شمل عالمها وأحاط بدنياها أين ذهبت الزينة والزغاريد! لما توقف العالم كله في لحظة عن إعلان الفرحة! 
علمت السبب ما أن تنبهت لمغادرة صابرين الغرفة فيبدو أنها قامت بإبلاغ أخيها بالأمر وهذا الصوت الجهوري القادم إليها مخترقا فقاعات شرودها ما هو إلا صوت زوجة أخيها والتي وصلها الخبر بالتأكيد وها هي تعلن بكل وضوح عن ڠضبها العارم بكل الطرق والألفاظ الممكنة والغير ممكنة وأخوها يحاول تهدئتها والتخفيف من ثورة ڠضبها القاهر. 
ابتسمت سلمى في مرارة وهي تسمع لصوته المستكين أمام جبروت زوجته حتى إنه لم يفكر فيها هي أخته العروس المغدورة المهانة كرامتها والمذل كبريائها والمطعونة أنوثتها فالصميم فلم يأت مسرعا في محاولة لاسترضائها وجبر خاطرها وتطييب قلبها المجروح. 
وصلها من جديد صوت خيرية الصداح لكن هذه المرة أكثر وضوحا ليزيد من قهرها وهي تصرخ في صدمة يعني بعد ده كله خلاص بح! مش هتتجوز وتغور! مش كفاية العمر ده كله وهي قاعدة على قلبي وكنت بصبر نفسي وأقول مسيرها تحل عني واستحملنا خمس سنين خطوبة جملي خمس سنين ونقول بكرة نخلص ولما قلنا خلاص تقولي العريس مش جاي وهرب من وشها وهتقعد في أرابيزي تاني! لا كده كتير عليا بقولك إيه يا صبحي يا أنا ياختك فالبيت ده النهاردة! أنا قلتها كلمة ومش هرجع فيها ولو رحت على بيت أبويا والله ما هتعرف ترجعني تاني ولو عملت إيه وأنت حر بقى عقلك فراسك تعرف خلاصك. 
انتفضت سلمى من سباتها على يد تربت على كتفها تنبهت فإذا بها المضيفة تسألها في لطف من فضلك اربطي الحزام عشان خلاص الطيارة على وشك الهبوط. 
اطاعت سلمى في اضطراب وكفاها ترتجفتان في توتر ما جعلها تستغرق وقت أكثر من المفترض لتضبط حزام الأمان متطلعة نحو النافذة أخيرا لعلها تلمح شيئا من تلك البلاد الغريبة التي جاءتها بحثا عن حياة أفضل لتكون عوضا جميلا عن كل ما مر بها من شقاء تمسكتا كفيها بيدي المقعد في ذعر وتخشب جسدها وهي تجز على أسنانها لحظة استشعارها لحركة الهبوط الخاطفة للطائرة والذي تجربه للمرة الأولى. 
تنهدت في راحة ما أن حطت الطائرة بسلام وردت على ابتسامة المضيفة الودود بابتسامة أكثر ودا وهي تهنئها في لطف حمد الله بالسلامة. 
لتتنهد وهي تدخل لأرض المطار منهية إجراءات الوصول كلها في سلاسة خرجت لقاعة الاستقبال باحثة عنه بين القادمين لكنها لم ترقب محياه بين المنتظرين لذويهم وأحبائهم باشتياق. 
تنهدت في حسرة وهي تتجه نحو المقاعد في قاعة الانتظار الواسعة الباردة تجر خلفها حقيبتها المتواضعة شاردة تمنحه الأعذار المختلفة بعقلها التي تبرر بها غيابه عن موافاتها لحظة وصولها.
ارتسمت السعادة على وجهها للحظة منتزعة إياها من حزن شرودها واتسعت ابتسامتها في فرحة ما أن تعالت زغاريد بعض النساء من هنا وهناك في لفتة رقيقة ما أن لمحنها وهي تسير صوب المقعد معبرات عن الفرحة لرؤيتهن عروس بثوب عرسها في انتظار قدوم عريسها الهمام. 
جلست على مقعدها بالواجهة تتطلع لكل ذاهب وآيب لعل وعسى يكون هو واحد منهم في محاولة لقتل وقت الانتظار الذي يذبحها في برود متأملة أن يحين الوقت الذي تغادر فيه هذه القاعة الباردة إلى عشها الزوجي الدافئ. 
لا يعلم أحد كم الۏجع الذي يعتري روحها وهي تحاول مواجهة العالم بعد كل ما حدث تحاول أن تتجاهل نظرات كل من حولها سواء الشامت منهم أو المتعاطف
كل النظرات تمزقها داخليا وتنزع عنها ستر الثقة الوهمية التي كانت تتزرع بها في مواجهة العالم وحدها دون داعم تحاول قضاء أكبر وقت ممكن داخل مركز التأهيل الذي تعمل به حتى تبتعد عن البيت وكل النظرات والكلمات المسمۏمة التي تذيب ثباتها الهش. 
وصلت متأخرة لبيتها كعادتها الأيام الماضية وما أن دفعت باب حجرتها حتى وجدت الحجرة في حالة يرثى لها كل حاجياتها ملقاة هنا وهناك بشكل عشوائي مقلوبة رأس على عقب وسريرها الضيق فالأساس أصبح الآن مأوى لأثنين من بنات أخيها الصغيرات همت بالحديث معترضة على ما يحدث لكن خيرية كانت قد لحقت بها تعاجلها الحديث إيه واقفة كده ليه! لتكوني مضايقة إن بنات أخوكي هيناموا معاكي فالأوضة ولا حاجة!
هتفت سلمى معترضة هي الأوضة فيها مكان ليا عشان جايبة اتنين من البنات يناموا معايا ده السرير مكفيني بالعافية أصلا ده أنا خدت السرير الصغير وسبت الكبير لعيالك قلت حرام بدل زنقتهم وكمان أنتي عارفة أنا مبحبش حد ينام جنبي. 
هتفت خيرية في هدوء سام طب هنعمل إيه! العيال كتروا وكبروا والشقة ضاقت علينا وكنت مواعدة البنات ياخدوا أوضتك بعد ما تفارقينا أقصد تتجوزي ومحصلش نصيب وقعدتي واتفاجئت بالبنات لموا حاجتهم وهيلا بيلا على أوضتك هعمل لهم إيه يعني! حقهم برضو يوسعوا على نفسهم والصراحة كده كبروا برضو ومبقاش ينفع يناموا مع الولاد فأوضة واحدة ولا إيه يا بتاعت التربية! مش بتقولوا كده برضو!
هتفت سلمى متنهدة في استسلام وانهاك بالغ طب هنام أنا فين دلوقت! 
هتفت خيرية مؤكدة هيكون فين يعني! احشري نفسك وسط البنات ونامي معاهم. 
وربتت على كتفها في حنق مستطردة وتعودي على كده بقى أصل شكل الحكاية مطولة وأنت مأنسانا حبة حلوين أصل معلش برضو متزعليش مني مين اللي هياخد واحدة عندها ٣٥ سنة وعريسها هرب منها يوم كتب كتابهم ربنا يعين أخوكي ع اللي بيسمعه كل يوم وهو ف ورشته من تحت راسك ويقويني أنا كمان على غمز ولمز النسوان فالرايحة والجاية. 
قرقرت معدتها ما دفعها لتعتدل في جلستها بعد أن أخذتها سنة من نوم تطلعت نحو النافذة الزجاجية لقاعة الانتظار لتكتشف أن المساء قد هل وهي تجلس هنا منذ بضع ساعات ولم يأتها أي خبر عن عريسها المزعوم كانت تتضور جوعا فهي من تعجلها واضطرابها لركوبها الطائرة للمرة الأولى لم تتناول طعامها كما يجب قبل أن تغادر بيت أخيها كما أن الطعام الذي تناولته بالطائرة لا يسمن ولا يغني من جوع. 
تطلعت نحو هاتفها القديم الذي تحمل ذاك الهاتف ذو الأزرار الذي ما عاد يستعمله أحد تقريبا وتذكرت كيف كانت مندفعة نحو باب الشقة وهتاف أخوها المتعجل بالأسفل يوترها لتهبط الدرج في حرص حين استوقفتها زوجة أخيها هاتفها خدي يا سلمى التليفون ده وهاتي بتاعك بسرعة. 
سألتها متعجلة ليه! 
أكدت خيرية أصل صبحي مكنش عايز يقولك بس أنا هقول وأمري لله مع إنه كان محرج عليا.
تطلعت لها سلمى في حنق تتعجلها الافصاح أصل الصراحة أخوكي استلف تمن تذكرة سفرك وده مبلغ كبير علينا فقلت تليفونك لو بعناه أهو يسدد تمنها أو حتى جزء كبير منها ويخفف عن اخوكي اللي فرقبته كوم اللحم ده.
همت سلمى بالرد عليها معترضة وهي تتطلع لهاتفها العزيز الذي ابتاعته من ادخارها لشهور طويلة من راتبها وذلك لدواعي الدراسة والبحث لا رغبة في رفاهية اقتناء هاتف حديث لكن صړاخ أخيها بالأسفل والذي كان
بانتظارها مع سيارة أجرة جاء بها خصيصا لإيصالها المطار جعلها تدفع بالهاتف
ليد خيرية في اضطراب وبدورها دفعت خيرية بكفها ذاك الهاتف العتيق لتندفع هي مهرولة تهبط درجات السلم المتهالكة على قدر استطاعتها. 
تطلعت للهاتف اللحظة بين كفيها وهي تجلس وحيدة بلا رفيق لتكتشف أن الهاتف غير مشحون برصيد كاف لإجراء أي مكالمة بل إنه لا يحمل أي أرقام من الأساس وبالطبع لا يمكن التواصل بواسطته عن طريق الانترنت ما يعني أنها حبيسة ها هنا حتى يأتي زوجها الذي ما عادت تحمل له اعذارا لتبرر نسيانه موعد وصول طائرة زوجته واستقبالها الاستقبال اللائق بعروس. 
قرقرت معدتها من جديد بل زمجرت وزاد عليها الضيق الذي بدأ يشملها لنظرات المسافرين وذويهم وهي تجلس وحيدة بثوب زفافها الأبيض جاعلا منها محط أنظار كل ذاهب وآيب وقد ضاقت ذرعا بالابتسامات الدبلوماسية التي تبعثها هنا وهناك ردا على ابتساماتهم الودودة ما دفعها لتقرر الذهاب لأقرب حمام لتبديله فما عادت قادرة على تحمل نظرات البعض التي بدأت تحمل الكثير من الشفقة على العروس الوحيدة التي ما جاء عريسها لاستقبالها بكل الشوق واللهفة المفترضة عروس مهجورة تجلس وحيدة منبوذة بثوب عرس بلا شريك. 
كانت طائرته قد حطت منذ بعض الوقت فأنهى بعض المعاملات وسار مغادرا في ثقة بالغة يجر حقيبته الأنيقة خلفه يدق حذاءه البراق برنين منتظم لخطوات واثقة لا يلتفت لأي من كان وكأنما الكون قد خلى من قاطنيه تغيب نظراته الثاقبة خلف منظار شمسي أنيق يدس كفه اليمنى بجيب بنطاله الذي يظهر جسدا رياضيا رغم تخطي صاحبه حاجز الخامسة والأربعين من عمره بقليل.
همست إحدى المضيفات لصديقتها المعينة حديثا التي وجدتها تتطلع نحوه في انبهار كامل انسي متحلميش كله إلا ده.
هتفت المضيفة المشدوهة بنظراتها نحوه مجيبة في هيام بفرنسية رشيقة مستحيل هخطف قلبه. 
أكدت زميلتها متنهدة يا بنتي اسمعي ده واحد معندوش قلب من أساسه عشان تخطفيه كتير قبلك حاولوا وفشلوا فشل ذريع أنا قلت لك وأنت حرة بضيعي وقتك ع الفاضي. 
أكدت المضيفة الولهانة كفاية إني ألفت نظره.
تطلعت نحوها زميلتها ساخرة هو مش كنتي هتخطفي قلبه من دقيقة! 
هتفت المضيفة في نزق واتيفر المهم إن مش هيفوت كام اسبوع وهتلاقيه زي الخاتم في صباعي..
هتفت زميلتها ساخرة وضحكتها ترتفع في استهانة أدينا قاعدين وهنتفرج.
هتفت المضيفة بإنجليزية متقنة طب بصي واتعلمي. 
أخرجت من حقيبة يدها زجاجة عطر فرنسي مثير رشت بعض من شذاها هنا وهناك وأخرجت على عجل شيء ما من حقيبة يدها مهرولة تعترض طريق ذاك الذي كان في سبيله لقاعة الوصول هاتفة تستوقفه بنبرة رقيقة مغناجة كابتن أيوب.
توقف ولم يستدر نحوها بعد ندائها الثاني ما دفعها لتمد خطواتها لتقف قبالته هامسة له بنفس النبرة المدلهة كابتن أيوب حمد الله بالسلامة.
هز رأسه دون أن يجيب بحرف ملامح وجهه الصارمة ونظرات عينيه الحادة مختفية تماما خلف نظارته الشمسة التي لا يخلعها إلا فيما ندر وكذا مقدمة كابه الرسمي الذي يعتليه رمز النسر المحلق.
ساد الصمت المتعمد من قبلها لبرهة حتى قطعته بنبرة رقيقة وهي تمد له كفها في هوادة مدروسة مقدمة له إحدي الروايات اتفضل أنا قريت الرواية دي وعجبتني جدا ولما عرفت إن حضرتك قارئ جيد قلت أهديها لحضرتك وتقولي إيه رأيك في ذوقي يا ترى هيكون لنا نفس الذوق زي ما طلعنا زي بعض بنحب القراءة! 
أنهت حديثها بابتسامة مشرقة تذيب القلوب وسادت برهة من الصمت من قبله قبل أن يجيب بصوت رجولي رخيم هادئ النبرة تمام شكرا. 
تناول
الرواية وتحرك مبتعدا وهي تتبعه بنظراتها التي لم
تم نسخ الرابط