رواية اياد من الفصل الاول للسادس
الفصل الأول
فى حى بسيط من أحياء عروس البحر المتوسط فى الصباح الباكر كان يعج ذلك الحى بالسكان والمارة فى الشوارع وفى أحد المنازل البسيطة جدا داخل بناية مهترئة تكاد تسقط بمن فيها تفتح تلك الشابة الجميلة ذات العشرون ربيعا كالبدر ليلة اكتماله بوجهها الأبيض الصبوح وليل عيناها البراق كأنها ليلة ممطرة سماؤها معتمة من شدة سوادهما تحيط بهما رموشها الكثيفة كحماية لتلك السماء الممطرة شعرها اسود طويل يصل حد خصرها ويطول تطل من نافذة غرفتها لتطالع أشعة الشمس الذهبية لتكتمل تلك اللوحة البديعة من صنع الخلاق
قمر الحتة كما يسميها أبناء وبنات حارتها انتبهت لوقوفها بدون حجاب فأسرعت بالتقاطه من السرير بجوارها ووضعته على رأسها كيفما اتفق لا تهتم لبعض الخصلات المتمردة من الشعر الفحمى التى تأبى الانصياع لقيدها تريد التحرر كالامواج الهائجة
عادت مرة أخرى تنظر من النافذة لتطالع أعينها أجمل ما يمكن أن ترى تكاد تقسم أنها لم ترى أجمل منه قط ولن ترى أجمل من هذا يوما بطلها المغوار أملها فى النجاة فهو حقا يشبه البطل بمطرقته الحديدة التى يطرق بها فى جدية وتركيز ذاك الشاب ذات الطلة البهية البالغ من العمر خمسة وعشرين ربيعا ظلت تتطلع له شاردة فى رجولته الطاغية هيئته الوسيمة ومظهره لا يليق به ابدا هذا الجمال لايناسبه نهرا العسل الذان يفيضان من عينيه يرويان ظمأها بنيته القوية التى اكتسبها من عمله كحداد ليلا ونهارا شعره الأسود القصير الامع بشرته البرونزية بفعل الشمس الحاړقة التى تلفحها كل صباح كان يشع رجولة ووسامة لا تليق ابدا بثيابه المهترئة والبيئة المحيطة به ببنطال جينز ردئ وقميصه الأبيض البالى والملطخ بالسواد بينما تتطابق هيئته مع هيئة تلك الملاك التى تتطلع له خلسة من نافذتها
ارتفعت عيناه لعينيها المراقبتين وسرعان ما اسبلت جفنيها لتنخفض رموشها الكثيفة وتوارى خلفها ليل عينيها حالك السواد تمنع احراجها من اكتشافه لمراقبتها فهو يعرف تمام المعرفة ما تكن له بقلبها تراه فارسا لاحلامها البسيطة المتناسبة مع كينونتها الهشة وتعلم هى كم هو هائما فيها عشقا متيما بها غارقا فى بحور عينيها السوداء التى لا يجيد السباحة بهما مهما تعلم وتدرب فيقع صريعا بهما ظل يطرق بمطرقته الحديدية على ما بيده وصدى صوتها يتردد فى اذنها كالترنيم وهو يختطف النظرات من وجهها الصبوح ويعلو ثغره ابتسامة تكاد تكون مهلكة من شدة ماتحمله من مشاعر لتلك الواقفة تطالعه بعشق تام عضت على شفتها السفلى وارتبكت عند سماعها صوت أمها اتيا من خلفها مهللا سلطانة بت يا سلطانة وفور دخول آمها الغرفة كانت تغلق أبواب نافذتها فى سرعة وارتباك وقابلت نظرات آمها التى تتطلع إليها بشك كنتى واقفة كده ليه يا بت ردت عليها سلطانة بتلعثم مفيش يا أمه بشم شوية هوا ع الصبح حرام ولا ايه اقتربت منها أمها نعمات وامسكت اذنها كعقاپا لها حسك عينك الاقيكى فاتحة الشباك ده تانى فاهمة يابت نعمات ورحمة ابوكى الغالى اللى مابحلف برحمته كدب لكون مقطعة من جتتك نساير اتلمى يابت ماتفضحيناش فى الحتة مش كفاية كل ما يجيلك عريس ترفضيه نظرت لأمها بذهول ممزوج بالصدمة ولكن سرعان ما تلاشى بفعل الامها الناتجة من ضغط أمها على اذنها الممسكة بها فى قبضتها فصړخت تستجديها آآآه حرام عليكى يا أمه سيبينى يعنى هو أنا كنت عملت ايه لكل ده
اجبتها نعمات پغضب
احتدت الأخرى لتقول پغضب مماثل ويعنى مالوا الحداد ده احسن منه فى ايه ابن عمى عشان يرفضه مش احسن منه الخمورجى بتاع النسوان على الأقل ده عايش بشرفه
ردت الأخرى بزعر يابت الله يخربيتك هتفضحينا وطى صوتك ابن عمك يسمعك دلوقتى
ردت سلطانة پغضب بقدر مايشتعل داخلها لا يا أمه مش هوطى صوتى خليه يسمع عشان يخلى عنده ډم ويحل عن سمانا ورحمة ابويا يا امه لو تكونى موافقة على طلبه من الجواز من أميرة لكون وخداها وماشية وماهتعرفيلنا طريق جرة
احتدت نعمات والشرر يتطاير من عينيها طب اسمعى بقى عشان مش هتيجى على آخر السنين تهددينى جواز من المخفى اياد مفيش وانا اللى هقفلك واميرة اختك مش هتتجوز غير سعيد ابن عمك وأعلى ما فى خيلك اركبيه انتى وهى
وتركتها تغلى ڠضبا خارجة وصفقت الباب ورائها بقوة دون أن يهتزر لسلطانة رمشا ولم تستمع لردها فزادتها استعالا وهرولت دموعها للتسابق فى السقوط على وجنتيها الناعمتين ولم تجد مخرجا من همومها سوى رؤية عينيه ففتحت نافذتها مرة أخرى لتجده واقفا فى مكانه
ينظر لها بحزن وڠضب من نفسه لعدم قدرته على احتواء سلطانته وإعطائها الطمأنينة والأمان الذى ترجوه منه يلعن تلك
الظروف الذى جعلت منه عاجزا غير قادرا على اجتياز صعوباته لإحياء ابتسامتها من جديد بينما هى دموعها تنهمر أمام عينيه كمن وجب عليه فراق محتوم تناجيه لينقذها مما هى به تناجى عشقها له عشق ابن الجيران الذى يشبه والدها دائما ما كانت صورته تداعب خيالها فى معظم لياليها تتخيله منقذها الذى سوف يخرجها مما هى به وما زاد تعلقها به أكثر حبها والدها الشديد له فى الماضى منذ صغره وصاه والدها عليها قبل مۏته ولكن لا يعلم أحد ابدا بتلك الوصية سوى هو حتى هى لا تعلم عند تلك النقطة وازداد الڠضب فى عينيه لشعوره بالتخاذل من نفسه الا يدفعه حبه لها فضلا عن وصية أبيها ألا تكفى تلك الوصية التى يحملها فوق عاتقه ليأتي عشقه لها ويزيد همه اضعافا خرج من شروده بها على صوت سيد عمله يناديه اياد يا اياد ثم مسح تلك الدمعة الخائڼة التى انسابت على وجنتيه فى غمرة انشغاله بها ولم يلاحظه أحد عداها هى وذهب لعمله بعيدا عن ناظريها ايوا يا معلم صلاح جى أهو
بينما هى أغلقت نافذتها ووقفت تستعد للذهاب إلى عملها البسيط لعلها تريح اعصابها من ذلك التوتر المحيط بها فقامت أولا بأيقاظ أختها أميرة قبل ذهابها بت يا أميرة قومى يا بت عندك مدرسة
رفعت ذات كوكبين القهوة فى عينيها والشعر البنى الغجرى الغطاء من على وجهها وصاحت پغضب وهى تزفر بحنق صاحية ياختى صاحية وسمعت البوقين بتوعك انتى وامك على الصبح كان لزمته ايه السيرة اللى تغم النفس دى
استدارت الأخرى تعدل من حجابها أمام المرآة البالية المعلقة على الحائط قائلة قومى ياختى قولى لأمك ماتقوليليش أنا ادينى سايبهالكم مخضرة على الله تشبعوا بيها وخرجت من الغرفة تحت نظرات أميرة الساخطة لتواجه نظرات امها التى لم تخف حدتها ولم يهدأ ڠضبها بعد بينما فى توانيها يختبئ خوفا والما لا يشعر به سواها ثم اتجهت سلطانة لعملها وبداخلها حيرة وقهر من حياتها التى تدمرت بعد مۏت والدها لن تنكر هم لم يكونوا أغنياء إنما كانوا سعداء راضيين بما يأتيهم كان لهم أبيهم الدعم والسند
تقدمت منه وهى تتمتم بأسف آسفة والله يا عمى سلام ڠصب عنى الله يسامحها امى بقى مش هتتكرر تانى والله نظر لها بشفقة فهو يعلم كيف حالهم بعد مۏت ابيها يا بنتى الله يعينك أنا بس بطمن عليكى مش اكتر
نظرت له بحسرة تظهر جليا فى عينيها قائلة فيك الخير يا عمى سلام
نهض من كرسيه متجها للخارج قائلا طب يا بنتى أنا ماشى انتى عارفة بقى مبقدرش على القاعدة دى كتير ولو عوزتى أى حاجة اندهى على الواد خميس هو هيجيلك
سلطانة تسلم يا عمى سلام مع السلامة
وذهب تاركا إياها لعملها تتحرك بخفة الفراشات بين الأوراق والأدوات المختلفة
وحقا تشبه فراشة رقيقة عذبة ولكن طغت عليها الألوان القاتمة فصنعت منها فراشة باهتة فى أعين الكثيرين إلا بعينيه هو
ذلك الماثل أمامها يراقبها بابتسامة كما كانت تفعل معه منذ قليل
التفتت لتصطدم عينيها بعينيه المراقبتين لتجده أمامها بكامل هيئته الوسيمة يطالعها بحب جلى يخفى وراءه بعض خطوط الحزن الظاهر لا اراديا عليه
واقفا أمامها ممسكا بكيسا بلاستيكيا بداخله شئ ما وتعلو ثغره ابتسامة تؤكد لها عشقها المحفور بقلبه ويملأ عقله وكيانه
الفصل الثانى
طالعته بدهشة غريبة من تواجده بمحل عملها الآن واستقبلته بفتور خفى أسطى اياد اتفضل
رد عليها بحنو دون أن يغادر الحزن عيناه ولم تتأثر ابتسامته باستقبالها الفاتر عكس مراقبتها له منذ قليل مابلاش أسطى دى خليها اياد وبس
ابتسمت بمرارة بينما بداخلها تكبح رغبتها الشديدة ب البكاء حتى تتخلص من كم الطاقة السلبية المحيطة بها الآن قائلة صباح الخير يا اياد
إزدادت ابتسامته اشراقا وقال بصوته العذب الذى يبعث رجفة فى اوصالها لا تعرفها إلا به صباح النور على سلطانتى صباح كل حاجة حلوة
لم تستطع منع ابتسامتها الخجولة من الظهور وسرعان ما تحولت لضحكة افلتت منها قائلة طب يا سيدى فى حاجة مهمة جايباك لحد هنا
بهتت ابتسامته قليلا وهو يرد عليها باهتمام أيوه طبعا مهمة فى ايه مهم اكتر من أن سلطانتى نازلة من غير فطار
ادهشتها معرفته بنزولها دون طعام فقالت وهى رافعة حاجبيها وانت عرفت منين انى
نزلت من غير ما أفطر
اظلمت عيناه من جديد ولكن المرة ببريق مختلف عن سابقه به لمحه ڠضب لم يستطع كبتها أمامها الآن وبداخله يلعن ذلك الفقر اللعېن الموضوع به مش محتاجة ذكاء اللى يسمعكوا الصبح يعرف انك نازلة من غير فطار
اطرقت برأسها فى اسى قائلة انت سمعت
ثم رفعت رأسها واردفت مبررة بس والله هى ماتقصد هى بس مدايقة وخاېفة علينا
رد عليها بمرارة تقطر من كلماته ولا تقصد معدتش تفرق وأكمل فى حماسة يهبها لنفسه لعلها تعطيه بعضا من الأمل المفقود حاليا نعم حاليا فربما يتحول الأمل المفقود إلى يأس بعد بضعة أيام بس اوعدك يا سلطانة هشتغل كل يوم ليل نهار لحد ما أكمل طلبات ابن عمك الجشع ده واخلصك من
شعرت بوخز فى قلبها خوفا من المجهول وماهو آت فقالت بفتور قول انشاء الله
ابتسم من جديد عندما لمح الحزن فى نبرتها انشاء الله بس خودى افطرى عشان تقدرى تقفى
ومد يده لها بالطعام خودى
نقلت نظرها بينه وبين يده الممدودة بالطعام وهى مقطبة جبينها قائلة ليه كده يا اياد انت يوميتك فيها ايه عشان تجبلى أكل أنا كمان مش كفاية عليك علاج أبوك
عبس ثم قال محتجا يعنى عايزانى اعرف انك ماكلتيش واسيبك من غير أكل مش كفاية انى ساكت على حكاية الشغل دى
منعت ابتسامتها من الظهور بالقوة وبداخلها تبدل حالها قليلا ايوه بس ده كتير
اياد يا ستى ولا كتير ولا حاجة خودى بس يلا
نظرت له بتفكير حتى قالت بس بشرط
عقد حاجبيه فى تساؤل ايه هو
قالت مبتسمة اقعد أفطر معايا أنا عارفة انك ماكلتش كمان
خف عبوس وجهه وازداد اشراقا إثر اهتمامها به ومعرفتها لعاداته حاضر يا ستى يلا ناكول سوا
ردت مبتسمة يلا بينا
وجهزت مقعدين وجلسوا سويا يأكلان طعامهم وبداخلهم فرحة وسعادة من هذا الجمع البسيط لا تسعها الدنيا بما فيها يدعيان بداخلهم أن يأتى يوما ويجلسا جلستهما تلك على مائدة بيتهما ولم يخلو الوقت من مشاكسات اياد لسلطانته وغزله بها مع كلمة واحتجاجها عليه حتى مر وقتهم سريعا ولم يشعرا به حتى جاء أحد صبيان اياد اسطى اياد اسطى اياد
التف له قائلا بضيق عايز ايه فى ايه
رد عليه الصبى لاهثا المعلم صلاح بيدور عليك من بدرى ومحدش عارف انت فين وجيت اقولك
اياد طب ماشى روح انت
رحل الصبى فنهض اياد سريعا وهو يعدل من ملابسه البالية قائلا بابتسامة الواحد مابيشبعش من قعدته معاكى على الله ماتطردش بسببك انهاردة
ابتسمت له قائلة سلام فى حفظ الله
ثم ذهب سريعا وبداخله أمل أن تمر الأيام سريعا ويأتى اليوم المقدر له فيه أن تصبح سلطانته ملكا له ذهب لعمله وتلقى جام ڠضب سيد عمله عليه ولكنه لا يبالى من أجل إسعاد سلطانته
قامت أميرة واستعدت للذهاب لمدرستها وخرجت من الغرفة لتواجه امها الغارقة فى دموعها وبحار الامها الجسدية والنفسية فهرولت اليها بقلق مالك يا امه فيكى ايه
نظرت لها نعمات بحزن قائلة مفيش يا أميرة روحي على مدرستك يلا
ألقت الأخيرة حقيبتها المدرسية بإهمال انشالله تولع المدرسة على اللى فيها فيكى ايه انتى بس
وجلست جوارها ثم تكلمت نعمات بإرهاق يا بنتى أنا خاېفة عليكم من الزمن مش عارفة مخبيلكم ايه بس اختك مش عايزة تفهم كده اياد عامى عينيها عن الحقيقة هو مايقدرش يستحملها وبيوهمها بكده وهى مصدقاه ولا عايزة تتجوز ولا راضية تخليكى تتجوزى ابن عمك
ردت أميرة عليها بإشفاق مع احتجاج بسيط على مطالبها ياما جواز ايه اللى عايزة تجوزيهولى دلوقتى أنا يدوب 19 سنة وبعدين سعيد ابن عمى قد ايه وانا قد ايه هاترمينى لأى حد وخلاص ثم إن اياد بقى بيحب سلطانة وهيسعدها حاله من حالنا ومن نفس توبنا
نعمات باعتراض يا بنتى ده عايش هو وابوه بالعافية هيعيشها ازاى بس أنا تعبت منكم تعبت
احتضنتها أميرة بإشفاق لتهدأ من اڼهيارها قليلا ودموعها منسابة على وجنتيها بعذاب لا تدرى لمتى سيظل حالهم هكذا فأمها مثلها مثل أي أم تريد لبناتها الستر والأمان لا تلوم عليها إنما تنعى جظهم العاثر الذى وضعهم فى مثل تلك الظروف تتخيل أنها صعبة ولا تدرى بأن ما خفى كان أعظم ثم اخرجتها من احضانها قائلة بتساؤل اخدتى دواكى
ردت الأخرى
ويا للأسف انطلت عليها كڈبة امها التى سوف