رواية الحكاية من 13-15
المحتويات
جلسة فى المحكمة لقضية التبديد وإحنا حنطالب بالتأجيل ... إتفضلي المذكرة دى عشان تقدميها بكرة فى المحكمة ..
مدت سندس يدها تلتقط الورقة التى يشير بها عيسى إليها قبل أن تجيبه ..
تمام يا أستاذ عيسى ... متقلقش خالص ...
كانت ستستطرد حديثها حينما قابلها عيسى بإنهاء الحديث ...
تقدرى تتفضلي إنت تروحي ... أنا لسه قاعد شوية ... و وإنت خارجة خلي عم شاكر يعمل لي كوباية شاى تقيلة ...
أنا ممكن أقعد .. أنا ...
قاطعها عيسى بصرامة ..
مفيش داعي ... إتفضلي إنت ...
زمت فمها الممتعض وهو تقضم شفتها السفلية بحركة لا إرادية بإضطراب لتضطر لمغادرة المكتب رغم أن مازال الوقت مبكرا إلا أنه حازم تماما بطلباته وهي لن تخالفة مهما تطلب الأمر فهي لا تريد سوى إرضاءه فقط ...
حي النعماني ...
كيوم روتيني أنهت شجن يوم عملها كالمعتاد بهدوء تام وبعض الحالات السطحية التى تعد على أصابع اليد الواحدة بهذا المستوصف قليل الإمكانيات ..
خلعت معطفها الأبيض ردئ الخامة وهي تلوح لرفيقتها رؤى مودعة ...
سلام بقى يا رؤى .. أشوفك بكره ...
سلام ... سلمى لي على أختك اللي بتحكي عليها طول النهار دي ...
إبتسمت شجن بالإيجاب لتنتبه أنها تتحدث عن نغم طيلة اليوم فهي تشعر بأنها مسؤولة منها رغم الفارق البسيط بين عمريهما إلا أن بساطة نغم وبرائتها يجعلانها تشعر بالقلق والمسؤولية تجاهها ...
خرجت من المستوصف متجهة مباشرة نحو المكتبة لإصطحاب نغم للعودة إلى البيت ...
ولقرب المسافة بين عمل كلاهما كانت شجن بدقائق قليلة تقف بمقدمة المكتبة لتدق رقم أختها تحثها على الخروج كما إتفقتا من قبل ...
ك يمامة وديعة خرجت نغم من المكتبة لمقابلة شجن وهي تلملم شفتيها الرقيقتان عن إبتسامتها المتحمسة للقاء أختها ...
جيتي بدري يا شجن ..!!
سحبت شجن ذراع أختها تعلقة بذراعها وهي تسألها كأم حنون وليست أخت كبرى ..
ها ... عملتي إيه النهاردة ...
ما كانت إلا بعفوية تلقائية وهى تجيبها بحماس هادئ ...
الشغل هنا حلو أوى ... أنا حبيته ...
بنظرة شقية إنقلبت بها شجن من إهتمام أم لأخت وصديقة ...
هو مين إللي حبيتيه بالظبط ...!!
قوست نغم حاجبيها بعدم فهم لمقصدها لتتسائل عن ذلك ..
مش فاهمة ... !!
ضحكت شجن بإبتسامتها المتسعة وهي تعيد خصلة شعرها القصير الذى تناثر
بفعل الرياح لتلك الليلة الشتوية ...
لا ولا حاجة ... خليك كدة زى ما إنت حتبقى الدنيا تمام .. طالما مش فاهمة يبقى هو ده المطلوب ...
ليست غبية أو محدودة الذكاء لكن بالفعل لم تدرك مقصد أختها فهي تحب الوضوح ولا يجذبها الغموض بالمرة فمن أراد قربه منها عليه التحرك مباشرة تجاهها فهي لا تحبذ أى من تلك التلميحات التى تجهد عقلها ...
وبرغم بساطتها ووضوحها التلقائي إلا أن شجن على النقيض منها تماما تفهم الغموض وتعشق الفضول والأفكار الضمنية هي فتاة ليست معتادة ولا سهلة التوقع كأختها البريئة وذلك ما يجعلها تخشى أن تنصدم نغم بواقع ليست معتادة عليه لكن حتى الآن فالأمور تسير بشكل طبيعي فى نصابها ...
سويسرا الغابة ...
الغريب أعمى ولو كان بصيرا جملة لا خلاف عليها فمن يدرك مكانا لا يعرفه وسط جبال و طرق متداخلة وأشجار كثيفة و من يستطيع أن يعلم وجهته وسط تلك الأجواء والطقس السئ بدون توجيه ..!!
زاد الأمر سوءا إنقطاع خدمة الإنترنت ليبقى معتصم و عهد يتخبطان بطريقهم بحثا عن طريق العودة للكوخ الذى ضلوا وجهتهم له ..
فبعد بحث لوقت لا بأس به وتداخل الطرق بعضهم ببعض بمخيلاتهم إضطرا للوقوف محلهم فقد سقط غشاء الليل فوق رؤوسهم ولم يعد بإستطاعتهم إكمال بحثهم فهم لا يحملون أى حقائب بها وسائل مساعدة ..
إتجها نحو مجموعة من الأشجار الضخمة بجانب الطريق ليلجئا إليها تحميهم ولو بصورة قليلة من البرد الذى يحيط بهم ...
جلس معتصم مستندا بجذع أحد الأشجار لتنزوى عهد بعيدا عنه لتتخذ جذع آخر ليقضيا تلك الليلة فى العراء دون الوصول للكوخ ...
أغلقت سحاب سترتها السميكة ثم رفعت غطاء رأسها تحكمة بقوة لتغمض عيناها المنهكة بصمت محاولة إلتماس غفوة قليلة سرعان ما إستغرقت بالنوم فهذا موعد نومها المعتاد ..
لكن تلك الياقوتتان البراقتان بلونهما الأسود كانا يطالعانها من بعيد لم يسقطهما عنها وهى تستكين بوداعة تمحى شراستها التى تغلف حياتها ...
دنا منها ببطء شديد يطالع ملامحها الناعمة وسط ضوء القمر المتسلل من بين فروع الأشجار ليترك العنان لقلبه الذى سرقته لقد دق .. نعم دق قلبه لتلك المتوحشة فكيف له بإستعادة قلبه الذى إستولت عليه ...
بعد وقت طويل من إستراقه النظر لنعومتها الغير معتادة داعب النعاس جفنيه ليعود لجذع الشجرة خاصته مستغرقا بالنوم وسط الطبيعة والأجواء
الباردة ...
بيت النجار ...
تتوقت زكيه لعودة بناتها بحماس شديد لتنتظرهم بالشرفة كعادتها خشية وقوعهم بلقاء غير محسوب من صباح أو إبنتها ...
ردت روحها برؤيتهما تتقدمان بأول الحي كنجمتان تشعان بريق وتوهج كم هي محظوظة بهما لتتمتم بقراءة المعوذات بصوت خفيض لحمايتهن من شرور نفوس من تقع عيناه عليهما ...
دلفت بعد صعودهما بسلام لتقابلهم بوجهها البشوش وضحكتها الطيبة تستقبلهم بباب الشقة ...
حمد الله على سلامتكم .. ربنا يحرسكم من العين ..
ألقت نغم بنفسها على والدتها فقد إشتاقت لها ...
وحشتيني يا ماما ...
تلتها شجن بدورها بإختلاف طبع كل منهما لتقبلها بإشتياق ...
أخبارك يا زوزو .. وحشتيني ...
أغلقت زكيه الباب من خلفهم وقد أشرقت ملامحها بحماس وسعادة ممزوجتان ببعضهما البعض وهي تخبر إبنتيها بهذا الخبر السعيد ...
مبروك يا شجن ... أخيرا حنفرح يا بنات ...
تهلل وجه شجن بسعادة وإتسعت إبتسامة نغم فرؤية والدتهم سعيدة إلى هذا الحد أطلق بمخيلة كل منهما ما تتمناه لتهتف شجن على الفور ...
حنسيب البيت ...!
بينما هتفت نغم بحالمية ..
لقيتي العقد
تطلعت زكيه بوجه كلاهما فما دار بمخيلتهما بعيد تماما عما كانت ستخبرهم به لتقل حدة حماسها بعض الشيء ثم أجابتهم ...
لأ .. ولا حنسيب البيت ... ولا لقيت العقد ... دى شجن جالها عريس ...
لم تكن أحلامهم متعلقة بزواج وهروب من مجهول لمجهول آخر فشجن تتلخص أحلامها بأمل وحيد .. الخروج من هذا البيت وترك كل مشاكلهم مع عمهم وزوجته وابنائه خلف ظهورهم لتردف بإحباط ..
جواز إيه وعريس إيه يا ماما ... كان نفسي تقوليلنا خلاص نسيب البيت ده ونمشي ...
بينما عقبت نغم بهدوء مستكين ...
أو نلاقي العقد ونبيع الشقة ونخلص ونبعد عن مرات عمي وقرفها ...
زاغت عينا زكيه بين بناتها اليائسات لتجيبهم بإستسلام ...
كان على عيني يا بنات ... بس من ناحية دى وصية أبوكم إني أحافظ على حقه ... ومن ناحية تانية معندناش القدرة إننا نسيب البيت ونسكن بره ... مسيرها حتتعدل ...
نظرت الفتاتان لبعضهما البعض بتحسر وتملل من البقاء على نفس الوضع لتدفع زكيه بحماسها المفتور بسبب إحباطهن لتغيير مجرى حديثهم والبحث عن أى مصدر للسعادة ..
بقولكم شجن جالها عريس .. دكتور ...
حركت الفتيات رأسهن بهدوء لتستطرد زكيه قصها لما حدث اليوم بالتفصيل وكيف علمت بهذا العريس المنتظر وسط إنصات الفتيات لها دون حماس يذكر
لتظل تعيد بكلماتها وترسم خطوطا بالخيال عما سيحدث وزواج إبنتها القريب الذى سيهل بالسعادة أخيرا ببيتهم ...
مستبدة أنا والأمر يروقني عنيدة لا أخضع لأسياد أشبه غزال لكني في الأصل أسد ...
لاح الصباح ليزعج ضوئه أعين عهد المغمضتان بسكون لتضغط عيناها بقوة وهي تحاول فتحهما لتستيقظ من تلك النومة المتعبة ..
لحظات لم تدرك بها أين هي وماذا تفعل وسط الغابة لتتذكر ليلة الأمس ولجوئهم لتلك البقعة ليناما بها ..
جلست بنشاط مجبرة عليه لتمد جذعها للأمام تحاول التطلع تجاه معتصم المستغرق بالنوم ...
مستكين هادئ يصل لحد الوداعة مختلف تماما عن صحوته فهو مثلها شرس مهاجم خصم عنيد بالفعل لا يستسلم بسهولة ..
وقفت بهدوء حتى لا تصدر صوتا يوقظه لتقترب منه بخطوات رشيقة متسللة لتنظر نحوه بتمعن فتحديقه بها على الدوام لم يعطها الفرصة للتحقق من ملامحه كتلك اللحظة ..
وسيم بالطبع لكن به جاذبية نزعت قلبها من بين ضلوعها ليستقر بين راحتيه بإستسلام فلم هو من إستطاع إمتلاك قلبها دون حتى جهد منه ..
وجدت نفسها بدون شعور تبتسم بخفة إنها سعيدة بدقات قلبها المتصارعة تجاه هذا الرجل حركة فجائية منه جعلتها تنتفض بقوة إزداد لها دقات قلبها المرتجف لتقفز مبتعدة عنه حتى لا يلاحظ إستراقها للنظر له ...
إستيقظ معتصم بوجه ممتعض من إثر نومته فوق تلك البقعة القاسية وشعوره بالبرد الذى لا يطيقه على الإطلاق ...
إعتدل باحثا على الفور عن تلك الشرسة خاصته ليجدها جالسة بعيدا عنه غير منتبهه له بالمرة ...
إستقام متقدما نحوها ليرى فيم إنشغلت متوحشته قائلا بصوته الشجي الذى يغلبه النعاس بعد ..
صباح الخير ...
إصطنعت عدم الإهتمام لتجيبه بثبات غير ما تشعر به من إضطراب ..
صباح الخير ... ناموسيتك كحلي ... إيه مكنتش ناوي تصحي ...!!
قالتها مستنكرة لتحفز رده المماثل ..
مستعجلة على إيه يعني ... وراك الديوان ...!!!
زمت فمها بإمتعاض وهي تنهض واقفه لتتقدم الطريق دون دعوته وهي تتمتم بصوت مسموع ...
صحيح هو أنا بكلم مين ... ما إنت لا تعرف ليل من نهار .. الصبح عندك بعد العصر ... يلا نشوف الكوخ المنيل ده راح فين ...
كلماتها اللاذعة وتقدمها الواثق جعلاه يتبعها بإبتسامة فقد أحب طريقتها المتصادمة معه ليهتف بها بحدة رغم إستمتاعه بذلك ...
طالما حنكمل مع بعض يا ريت الإسلوب يكون أحسن من كدة ... بلاش تستفزي لساني
لإنك مش قده ...
تشدقت برقبتها رغم موافقتها لطلبه إلا أنها لم تظهر ذلك ولن تنطق بالموافقة بتلك السهولة ...
والله إللي تقدر عليه ... إعمله ...
نطقتها بتحدي لكن بقرارة نفسها ستحافظ على لباقة حديثها معه فلا داعي لهذا السخط والحدة طوال الوقت أكمل معتصم سيره إلى جوارها وأوقات عدة يتخطاها فهو لم يعتاد أن تعطيه فتاة أمرا أو
يتبع أحدهم أيا كان ...
بعد سير لفترة من الوقت توقفا بمكان متسع بين الأشجار التى تحيط بئر جال معتصم بعيناه خلال هذا المتسع الدائري يحاول الوصول لوجهة هذا الكوخ الذى لا يستطيعان الوصول إليه ..
الظاهر إننا بنلف فى نفس المكان ... أنا رأيي نستريح هنا شوية ونحاول نشوف الإتجاه اللي حنمشي فيه ...
إيمائة خفيفة بعيناها كانت إجابتها فهي تود البحث بالفعل عبر شبكة الإنترنت ربما تستطيع تحديد مكان الكوخ عوضا عن تخبطهم بطرق مسدودة ...
جلس معتصم فوق إحدى الصخور مستندا بظهره إلى حافة البئر بينما أخذت عهد تبحث عن صخرة مماثلة لتجلس عليها ...
توقفت لبرهة تنظر عبر كثافة فروع الأشجار لتحدق بينها بقوة فقد خيل لها أنها ترى أحدهم تحرك من خلف الأشجار ...
حركة لم تدرك ماهيتها لكن على ما يبدو أن هناك شخص ما أو شئ ما يتبعهم ...
الفصل الرابع عشر ...
أقوى الصراعات تلك التي تتصارع داخل نفس واحدة تخبط بين جانبين متناقضين تماما فها هي عهد تعود لطبيعتها الشرسة الغير مكترثة بما يدور حولها تجبر نفسها ألا تبالي جانب طالما إعتادت عليه وأتقنته ببراعة حتى ظهر هذا الجانب الدخيل عليها جانب مضئ بدأ يتسلل لداخل قلبها الذى تناست وجودة حتى أعلن أنه مازال حي بداخلها يتضارب بدقات مسموعة لا تستطيع السيطرة عليه لكنها إستطاعت وببراعة عدم إظهار الأمر ...
فرض قوتها على إظهار مشاعرها كان له الغلبة لكن هذا الصغير الذى ينبض بداخلها مازال يصارع ويراوغ عقلها للوصول وإثبات أحقيته بالحياة ...
جلس معتصم يعبث بهاتفه باحثا عن إشارة جيدة للوصول لشبكة الإنترنت فيما أخذت عهد تبحث عن صخرة مناسبة للجلوس عليها حين لاحظت حركة غريبة خلف أغصان الأشجار الكثيفة أخذت
وجدت جذع شجرة مقطوع تستطيع الجلوس عليه لتحمله تجاه البئر لتجلس بروية
فوقه ممسكة بهاتفها للبحث عن طريق شبكة القمر الصناعي عن الكوخ ..
إستطاعت بمهارة شديدة التوصل إليها وتحديد موقع الكوخ بشكل متقن عن طريق الولوج إلى الخرائط المحفوظة به ...
كان معتصم منهمك أيضا بالبحث عبر هاتفه بتركيز شديد حتى أنه لم ينتبه لعهد التى رفعت رأسها تطالعه منذ بعض الوقت ..
وللمرة الثانية شعرت بأن هناك من يحوم حولهم من خلف الأشجار تمعنت مرة أخرى حتى تتأكد من ذلك وأن الأمر ليس من وحي خيالها تلك المرة أيضا لتدقق نظرها بصوب معين لتلاحظ حركة غريبة ...
فاجئتها رؤيتها لكاتينا تلك الشقراء التى يبدو أنها لن تتخلص منها ثبتت مقلتيها بتلك الباهتة التى بالتأكيد عادت لتسترد ما تظنه حقها بمعتصم ...
مكان ساحر وسط الطبيعة يبعث على الرومانسية وتلك العاطفة التى لابد وتتجلى بأعين الشقراء فهي بالتأكيد على وشك رؤية مشهد عاطفي جياش الآن ...
ضغطت بأسنانها بقوة فوق شفتها السفلى وهى تزداد حنقا لتلك المشاعر التى عصفت بها إنها مشاعر الغيرة التى دبت بقلبها لكن عقلها أخذ يحفزها بالثبات وأن تتعامل مع الأمر بقوة وعقلانية فما عليها سوى الصمت والترقب ..
تقدمت كاتينا بخطوات خفيفة متعجلة صوبهم لكن عهد لاحظت نظرة مغايرة بأعينها الزرقاء لم تكن نظرات تلهف وعاطفة كما كانت تظن بل هي نظرات يملؤها الكراهية والشر ..
من خفة خطواتها ظنت أنها تحلق فوق الأرض دون لمسها لتتسع عينا عهد بفزع حين أشهرت كاتينا سلاحها الناري تجاه معتصم الغافل عما يحدث ...
بيت النجار شقة فريد النجار ...
دلفت حنين على عجالة تاركة باب شقتها مفتوحا من خلفها فهي لا تغلقه في العادة لتراقب القادم والمغادر من البيت تحت أبصارها حتى لا يغيب عنها أمرا تجهله من خلف ظهرها حين سألها فريد متثائبا بنعاس وهو يقف بمقدمة الصالة بشعر أشعث ومنامة غير مهندمة ...
إيه ده ...! إنت كنت بره يا نونه ...!!
زمت فمها بإستياء من مظهره المنفر لتزفر بقوة قبل أن تجيبه ...
أه ... كنت عند أمك ...
ليه على الصبح ...
سألها بنوع من التقليدية لا أكثر وهو يجلس غير عابئ بمظهره المغثى للنفس لتحرك حنين رأسها بنفور قائله ...
يا أخي قوم غير هدومك دى وروح الوكالة زى الناس ... قاعد تسأل رايحة فين وبتعملي إيه ... يا ستااار ... أنا طهقت ... شوف حتى منظرك فى المراية
... أعوذ بالله ...
إعتدل بجلسته وهو يفتح عيناه الناعستان بذهول قائلا بنبرة مهتزة ..
حاضر يا نونه ... أنا كنت قايم أهو ... متزعليش إنت بس ...
دلف فريد للداخل لتتشدق حنين برأسها تتطلع بذات الإتجاه الذى دلف إليه وهي تخرج حقيبة بلاستيكية من حقيبة السوق خاصتها قائلة بإستمتاع ...
وأدى كمان شوية هدوم ومكياج من بتاع حماتي ... حاجة كدة اتروق بيهم ...
مصمصت شفاهها وهي تحلل لنفسها سرقة أغراض والدة زوجها دون علمها كما تفعل بالعادة من وقت لآخر ..
هي يعني حتعمل إيه بده كله ... دى عندها هم ما يتلم ... دى عمرها حتى ما أخدت بالها إن فيه حاجة ضاعت منها ... من كتر إللي عندها ...
نظرت لإنعكاس صورتها بالمرآة بتحسر وغرور بذات الوقت ..
حسرة عليا ... بقى قمر زيي تندفن كدة مع واحد زي فريد ... أه يا ميلة بختي ...
تنهدت بتحسر وهى تخبئ الحقيبة البلاستيكية بأحد الأدراج قبل أن تدلف للداخل لتعطي أوامرها لفريد قبل توجهه للوكالة ...
خرجت زكيه لشراء بعض من مستلزمات البيت التى تحتاجها اليوم خاصة بغياب إبنتيها للعمل ..
تتوقت عيناها بسعادة وهي تلتقي بمحض الصدفة بجارتها أم يوسف لتتجه صوبها بوجه بشوش ..
صباح الخير يا أم يوسف ..
زاغت عينا السيدة وهي تجيب ببعض الحرج ...
صباح الخير يا أم شجن ...
دايما كدة نتقابل صدفة ...
قالتها زكيه تبدأ به حديثها لتدفع رفيقتها بمجاراتها للحديث عن موضوع الطبيب المتقدم لزواج إبنتها دون أن تظهر أنها تود التحدث عنه حتى لا تقلل من قيمة إبنتها ..
لكن خاب ظنها حينما وجدت أم يوسف تتحدث بأحاديث مشتتة دون التطرق للأمر لهذا إضطرت زكيه بأن تلجأ لسبيل واحد سؤالها مباشرة ...
صحيح ...بقولك يا أم يوسف ... كنت حنسى ... إبقي قولي للدكتور يروح يكلم عم شجن بقى ...
بهتت السيدة وهى توارى عيناها عن زكيه بحرج شديد لكنها بالنهاية وبعد تلعثم وتردد أجابتها بما تستطيعه من لباقة لإخبارها برفضه الزوج من إبنتها ...
والله ما عارفه أقولك إيه والله ...ده أنا وشي منك فى الأرض ... بس أقول إيه ... هو الخسران ... أكيد هو الخسران ...
دقات قلبها المتوجسة و غصة علقت بحلقها وهى تردف متسائلة بشك ..
خير يا حبيبتي !! ... قولي على طول ...
بللت أم يوسف شفاها بإضطراب لتصمت لوهلة تستجمع كلماتها
المتحشرجة قبل أن تبتلع ريقها قائله ..
أصل اااا ... متزعليش مني إنت عارفة غلاوتك وغلاوة بناتك عندي ... بس ... الأمر لله بقى .... حقولك وخلاص ... أهل الدكتور صرفوا نظر عن جواز إبنهم من شجن ...
برودة إجتاحت جسد زكيه لتعلو الدماء الثائرة برأسها لتشعر ببعض الدوار وألم برأسها من أثر إرتفاع ضغط الدم به بهت وجهها بصدمة لتجاهد بسؤالها المنكسر ...
ليه يا أختي ... إيه السبب ... ده هو اللي كان مستعجل ...!!!!
ضغط ينافي حدود اللياقة بأن تجيبها بما سمعته منهم لتحاول التملص من إجابتها رغم إصرار زكيه ...
خلاص بقى يا أم شجن ... مفيش نصيب ... هو يلاقى زى إسم النبي حارسها ...
قولي بس ... عايزة أعرف إيه إللي حصل بين يوم وليلة ...
إكفهرت ملامح أم يوسف بإمتعاض لتجيبها مضطرة ...
أستغفر الله العظيم ... والله ما أنا إللي بقول ... ده كلامهم هم ... لكن أنا عارفه إنتوا أحسن ناس يا أختى وأنا قلت لهم الكلام ده ... بيقولوا ... يعنى ..
شهقت زكيه بقوة وهى تضرب صدرها من هول ما تسمع ...
إخص عليهم ... بنتي أنا ....!!!!!!! ده أنا بناتي الشرف كله ... هو فيه زيهم فى الحته ...!!!
مصمصت أم يوسف شفاهها وهى تربت بكتف زكيه المنفعلة لتكشف عن الأمر كافة لتهون عليها مصابها بسمعة سيئة تنال بناتها ...
والله وما ليك عليا حلفان قولت لهم كدة ... هو فيه فى كمالهم ولا أخلاق بناتك ... بس تقولي إيه ... هي مرات عمهم العقربة .. هي إللي راحت للست أم الدكتور وفهمتهم كدة ...
ثم إستكملت بتصحيح وإخلاء ضميرها من شهادة حق .. لكن أنا والله مسكتش وقلت لهم اللي يخلص ضميري من ربنا ... بس هم قالوا وعلى إيه ... نبعد عن الشر ونغنى له ...
نكست زكيه عيناها بإنهزام فهي كانت متيقنة أن ذلك سيحدث فتلك ليست أول مرة يطالهم إفتراء صباح عنهم ونشر أكاذيب عنها وعن بناتها ..
حاولت أم يوسف ترميم خاطرها المنكسر قائله ..
والله بكره يجيلهم عدلهم
ويجازيكم على صبركم ده كله ... إنتوا طيبين وتستاهلوا كل الخير ... سامحيني يا أختي أنا مكنتش عاوزة أقولك ...
منعت دمعة إنهزام من
السقوط من عيناها وهى تردف قبل مغادرتها على الفور ...
وإنت ذنبك إيه ... كتر خيرك يا أم يوسف ... بعد إذنك يا أختى ...
تركتها زكيه عائدة للبيت بحيرة وغصة فهل تنجو ببناتها وتترك بيتها وصية زوجها أم تبقى وتتحمل ما فاض الكيل به لترضخ بإستسلام لما حدث فليس لها القدرة على مجابهة صباح وجبروتها وظلمها لتتؤثر البقاء وإخفاء الأمر عن بناتها فلا داعي لتزيد همومهم وكرههم لهذا البيت بمن فيه ...
سويسرا ..
هل ترى أعيننا ما نراه حقيقة أم أننا نرى ما نود رؤيته بأى عين كنا نراهم فالآن فقط رد إلينا بصرنا ...
ركضت كاتينا صوب عهد ومعتصم المنشغل بتركيز تام بمحاولة الوصول بهاتفه لشبكة الإنترنت ليغفل عمن تتقدم صوبه بسرعة جنونية كما لو كانت الأرض بساطا ينطوى تحت أقدامها الخفيفة المتسارعة ..
رفعت سلاحها الناري بوجه معتصم توجهه نحوه بأعين يملؤها الشر والدقة بذات الوقت لم تكن تلك الفتاة الناعمة البريئة الآن بل كانت تتحرك بخطوات مدروسة تعلم تماما ما هي مقدمة عليه كما لو كانت تدربت على ذلك من قبل فثقتها بحمل السلاح واضحة بدون شك ..
حينما وقعت عينا عهد على كاتينا أدركت بفراستها أنها ستغدر بمعتصم لتسرع بدون تهاون تطلق ساقيها الطويلتان بركضها السريع وجسارة لا حدود لها كانت قوية مهيبة لم تخشى هذا السلاح المصوب تجاههم وربما كانت لتتلقى الرصاصة دون خوف أو خشية من الإصابة أو الموت ...
أطلقت صيحة صارخة وهي تركض لتعود لتلك الشخصية الشرسة المتوحشة التى كادت تضمحل منذ مجيئها لتلك البلدة صيحة افزعت معتصم المنهمك بجهازه دون الإنتباه لما يجري حوله ..
رفع معتصم رأسه بإندهاش تجاه عهد المندفعه ليظن أنها تندفع تجاهه لكنه سرعان ما أدرك أنها لا تقصده حينما عبرت من جواره ليتبع الإتجاه الذى ركضت نحوه ليحاول إدراك ما يحدث دون أن ينتبه ..
كانت كاتينا تركض بإتجاههم بينما قابلتها عهد بالإتجاه المضاد كلا منهما تركض بقوة وشراسة نحو الأخرى حتى أصبحت المسافة الفاصلة بينهم أمتار قليلة أثنت عهد جذعها بقوة مستكملة إندفاعها
نحو كاتينا لتزيد من سرعتها بقوة كفهد أسود وجد ضاريته إقتحمت حيز كاتينا بكتفها لتدفعها من بطنها تجاه الأرض وهي بأعصاب قاسية من فولاذ ..
تلك الصدمة أسقطت السلاح من كف كاتينا قبل أن ترتطم أرضا بالأرض الموحلة و عهد معها
حيث طبقت بجسدها الطويل فوقها وبالطبع كانت لها الغلبة في الجسم والقوة ..
إحتدت زرقاوتيها بلؤم وحقد تجاه عهد وهى تنهرها بقوة ظهر بها عدوانية وغضب كما لو أنها تبدلت بإنسانة أخرى تماما ..
صرخت بها كاتينا بحدة ...
إبتعدي عني أيتها البلهاء ...!!
كيلت لها عهد لكمة قوية وقد عقصت بوجهها بملامحها الغاضبة مستنكرة من أين تأتي بهذه القوة وهي ملقاة أسفلها بهذا الشكل من أين لها تلك الجرأة والمناكفة ألكمتها عهد بكامل قوتها قائله ..
إخرسي يا متخلفة ... بقى أنا هبله ...!!!!
لكن يبدو أن الطبيعة هذه المرة ساعدت كاتينا وتحالفت ضد عهد لتنزلق ركبتها التي كانت تستند عليها فوق الوحل لتهبط أرضا لتسنح الفرصة لكاتينا بالتملص من أسفلها و الإعتدال وقد إعتلت عيناها نظراتها الشرسة تتطلع نحو عهد و قد تهدجت أنفاسها بقوة فعهد بالفعل خصم قوي أقوى منها وأكثر حدة وشراسة .
نهضت كاتينا بسرعة وقد تلاحقت أنفاسها لمصارعتها مع عهد التي
تفوقها قوة وجسما لم تكن تظن أن تلك البلهاء ستتصدى لها مطلقا فقد أساءت بتقدير قوتها ولم تتوقع أن تواجهها خاصة وهي من تحمل السلاح .
دفعت كاتينا بعهد وهي تحاول نهرها بقوه لتبعدها عنها مردفة بغيظ ...
إنك لمجنونة بالفعل ...!!!
أنا مجنونة ... طب أنا حوريك الجنان على أصوله ...
لم تعطي كاتينا نفسها فرصة لإلتقاط أنفاسها حتى فسارعت تستدير نحو معتصم الذي يبدو أنه هو هدفها الذي تسعى إليه وقبل أن تتوجه نحوه جذبتها عهد بقوة من ساقيها نحو الخلف لتقع على وجهها مرة أخرى لتزجر كاتينا بنفور ...
يا إلهي ...ألن أتخلص منك أبدا ...!!!
عقصت عهد ملامحها بضراوة و هي تجيبها باستهزاء ...
تتخلصي من مين يا روح ماما ... ده أنا عهد مسعود....!!!
رفعت كاتينا وجهها تبعده عن الوحل وهي تلتفت جانبا لتتفاجئ بلكمة أخرى من قبضة عهد أفقدتها توازنها وتشوشت رؤيتها في الحال لتسقط غائبة عن الوعي .
استقامت عهد تنفض يديها وهي تتأكد من تلك الساكنة بأنها قد غابت تماما عن وعيها ولا تدري بما يحيط حولها ...
مش ناقصة غير الصفر كمان ...
قالتها عهد ساخرة من كاتينا وهي تحاول الإتزان حتى لا تنزلق بالأرض الموحلة بفعل بقايا مياه الأمطار ...
اشرأبت بعنقها وهي ترفع رأسها بشموخ لانتصارها عليها لكن لكنه
هذا الصراع ما كان إلا بضع دقائق أمام أعين معتصم
وهو يتابع إنقاذ عهد له من بين أيدي كاتينا وشجاعة ساحقة لم يرها مثلها بأي فتاة على الإطلاق لكن ذلك لم يمنعه من التهكم على رؤيتها ملطخة
متابعة القراءة