سليم من الفصل الاول الى الفصل الرابع
فاقدا آماله وطموحاته مستسلما لظروف بشعة هدمت حياته وقلبتها إلى أخرى راكدة لا حياة بها.
حمحم سليم بقوة ومد يداه تداعب شعر منير في هدوء
بټعيط ليه!.
مسح منير دموعه بسرعة خوفا على اذيه والده من رب عمله وقال
مفيش ده تراب دخل عيني سلام يابابا.
غادر منير سريعا قبل أن ينطق والده وتركه يصفر وجهه أمام سليم الذي كان يشمله بنظرات كره لا يعلم سببها..
مش عايز ابنك يكمل تعليمه ليه!.
تلعثم فتحي بحرج مجيبا
آآ...يعني..علشان ظروف الدنيا...وال..
قاطعه سليم پغضب طفيف
ابنك يكمل تعليمه يا فتحي وانا متكفل بيه من جنية للالف لو عندك عيال تانيه أنا متكفل بيهم لغاية ما يخلصوا دراستهم واياك اسمع انك خليته ميكملش حسابك هيكون عسير معايا.
هز فتحي رأسه عدة مرات غير مصدقا لم يسمعه الآن هل حلت معضلته بهذه البساطة دون أن يتلوى يوميا بسبب عڈاب ضميره يكفي سماعه لبكاء ولده الايام السابقة فقد كان قلبه ينكوى بمرارة العجز وقلة الحيلة.
راقب فتحي دخول سليم للمحل بكامل هيبته وقف سليم في منتصف المحل متحدثا بصوت مرتفع اثار انتباههم جميعا له
أي حد عنده عيال ومش قادر يصرف على تعليمهم أنا جاهز وهتكفل بيهم فاهمين ولا لأ.
تناقلت النظرات بينهم جميعا منها السعادة ومنها الاستفهام ولكن جميعهم التزم الصمت وتابع عمله في جدية.
جلس سليم فوق كرسيه وشعر بانحسار أنفاسه فبدا وجهه أحمر للغاية وعيناه كانت شبة زائغة بسبب تدفق ذكريات ماضيه خلف بعضها رغم محاولاته للابتعاد عنها لعلمه بمدى بشاعتها على نفسه وتأثيرها السلبي على روحه.
مد يداه وفك أزرار قميصه العلوية بسرعة ثم التقط كوب المياة وتجرعه مرة واحدة ظنا منه أنها وسيلة جيدة لاطفاء نيران وجعه ولكن هيهات بل اشتعلت وكأن ذلك اليوم المشؤوم عاد التو بكل تفاصيله المهلكة.
عاد بجسده يستند على ظهر الكرسي واستسلم لذكرى قسمت أحلامه وطاحت به للاسفل فهوى في قاع مظلم ډافنا طموحاته وآماله معه فاقدا الحرية لتعبير عن نفسه خرجت تنهيدة حزينه حينما تذكر ليلة قاسېة غيرت مجرى حياته.
جلس سليم في احدى طرقات المشفى بتعب وانهاك مغلقا عيناه المرهقة مستسلما لهدوء المشفى الحالي عقله لا يستوعب كم الصدمات التي مر بها منذ دخول والده في غيبوبة لعدة أيام نتيجة لربكة قوية حدثت في محلات الذهب الخاصة به وقد اوشك على اعلان افلاسه بسبب قرار عمته المفاجئ بسحب جميع اموالها من ادارة أبيه وهذا الوضع قد خلخل أسس ادارة ابيه لمحلاته ففقد ميزانية كبيرة جدا من رأس ماله وبالتالي لم يستوعب كم العقبات التي هوى بها فقد وعيه ودخل المشفى على اثرها.
وها هو يجلس مع والدته في طرقة المشفى ليلا ونهارا لاطمئنان على حالة والده وحقيقة هو لم يدرك مدى بشاعة الموقف المالي لديهم لصغر سنه
فكانت كل آماله أن يستفيق والده باقصى سرعة ويصبح بحالة جيدة.
لمعت عيونه بدموع حزينة بعدما شعر بكم الآسى الذي تعانيه والدته وهي تنتظر شفاء والده تنهد بعمق متمنيا أن تزول تلك الغمه سريعا دون الدخول في اوجاع كبرى هو لن يكون قادرا على مواجهتها..
رن جواله فانتبه له وأجاب على الفور
الو.
انت جنحت يا سليم وجبت ٩٢٪.
تهلهلت اسارير سليم وردد خلفه بعدم تصديق
بجد أنا نجحت.
اخيرا يا سليم خلصنا وهندخل كلية الشرطة.
اتسعت ابتسامته قائلا
الحمد لله هقفل معاك دلوقتي.
أغلق سليم هاتفه
ماما أنا نجحت وجبت ٩٢.
مسحت والدته دمعه حزينة هبطت من عينيها والټفت تقول له في لامبالاة جعلته مصډوما
ماشي.
عقد ما بين حاجبيه في عدم فهم لرد والدته الخالي من أي معالم للفرحة
هو أنتي مش مبسوطه كنتي عايزني اجيب مجموع اكبر بس انتي عارفة أنا نفسي ادخل شرطة والمجموع ده هيدخلني.
انا ولا مبسوطه ولا زعلانه أنا مش فايقلك ولا فاضية للكلام الفارغ ده.
ابتلع ريقه مرددا بهمس
نجاحي بقا كلام فارغ.
حركت والدته رأسها في تنعت وبدأت تلقي بكلماتها الموجعه دون انتباه لم يعانيه هو من تخبط اثر ما تلفظه.
انت في ايه ولا ايه ابوك تعبان يا سليم وكمان افلس يعني مبقاش معانا فلوس وانت سعيد وفرحان يا خيبتي في ابني الكبير.
أنا زعلان علشان خاطر بابا وانا واثق في ربنا انه هيكون كويس ولما يقوم بالسلامة هيفرح بيا علشان قدرت احقق حلمي.
قال سليم حديثه ببسمة امل يتخللها الم ولكن والدته كانت مصرة على جذبه نحو بقعة لا يعلم دواخلها سوى أنها عالم يجهله فقالت
كل اللي انت بتقوله مش هيفرق قد ما يفرق ان ابني الكبير يشوف مصالح ابوه وينقذنا من الوضع اللي احنا فيه.
اشار على نفسه مجيبا ببلاهة
أنا اشوف مصالح بابا.
هتفت والدته بعناد
ايوا أنت مالك في ايه صغير أنت عندك ١٨ سنة تقدر تمسك محلات ابوك.
جلس سليم پصدمة هامسا
همسك محلات بابا اللي على وشك الافلاس.
اقتربت والدته وجلست أمامه وهي تخبره بجمود لأول مرة يقرأه بعينيها لطالما كانت مصدر الحنان والامان لديه.
ابوك مكنش بيحكي ايه اللي بيحصله في شغله وكلنا اتفاجئنا من خبر افلاسه بس الحمد لله أنا عندي حته ارض هتجيب سعر كويس وشوية مجوهرات ودهب هيعملوا مع الارض مبلغ حلو عمك جمال صاحب ابوك هيساعدك في الادارة وهيفهمك اصول الشغلانه وتقدر...
انتفض سليم كمن لدغته حيه قائلا
أنا عايز اكون ظابط بيعهم ونصرف منهم لغاية ما اتخرج انا..
قبضت والدته فوق يده پعنف قائلة پغضب
أنا لسه هستنى لما تتخرج أنت تنسى حكاية انك تكون ظابط دي انت من بكرة هتمسك شغل ابوك مش عايزة اشوف وشك في المستشفى.
بكى سليم پقهر مردفا بصوت مرتجف
انتي ليه بتعملي معايا كده أنت اتغيرتي اوي يا امي.
منعت نفسها من البكاء بصعوبة وقالت بصوت مبحوح يشوبه الحزن
اللي شوفته من وقت ما ابوك دخل المستشفى خلاني كده الفلوس مسيرها تخلص هنمد ايدنا للناس ياسليم نشحت ولا انزل اخدم في البيوت طب واخواتك زيدان ويزن اللي لسه في مدارسهم اصرف عليهم منين.
نكس رأسه في صمت واطلق العنان لدموعه بينما كان يحاول كتم شهقاته بداخله ومازالت والدته تردد كلماتها دون انقطاع دون شعور بما يمر به هو لا يجيد الاختيار لا يجيد افضل الحلول سوى ان الرضوخ لحديث والدته هو الحل الانسب لمشاكلهم ولكن طموحه وامنيته الوحيدة اليس لها جانب لا يوجد بصيص من النور أمامه بل حل الظلام باوجاعه..
أنا املي فيك كبير انا عايزة اتسند عليك لو فاكر ان ابوك بعد ما ربنا يشفيه هيقدر ينزل شغله تاني تبقى غلطان ابوك وقع الوقعه دي وخبى علينا علشان بس اسم عيلة الشعراوى ميتهزش قدام تجار الدهب واللي زاد وغطى عمتك باللي عملته معاه مرحمتش ولا سابته يشوف حل زي ما تكون كانت مستنيه يحصل فيه كده.
صمتت لحظات تجذب انفاس اخرى كي تستكمل باقي حديثها الذي أجلته لايام خوفا
عن سبيل للحياة أفضل حتى لو كان عن طريق هدم آمال ولدها ولو كان ذلك يندرج تحت بند الانانية ليكن لكن الصعاب التي ستواجهها فيما بعد ستكون اعور واشد مما هو عليه الآن.
مسحت دموعها المنسابه فوق وجهها وتحلت بالجمود والقسۏة الزائفة كي تنقذ مستقبل عائلتها
سليم أنت دلوقتي مكان ابوك عايزك تفوق لشغله وتهتم به حط هدف قدامك ترجع اسم ابوك تاني اخواتك دول اعتبرهم عيالك هتتخلى عنهم!
سألت وتركت الاجابة في ملعبه فهز رأسه رافضا فكرة التخلي عنهما فتشجعت قائلة بحماس
يبقى من بكرة تنزل شغلك ده دلوقتي شغلك مش شغل ابوك..
رفع رأسه وعيناه تنطلق منها الحيرة والعجز وبصوت خاڤت ضعيف سألها
طيب هقدم في كلية إيه
نهضت والدته بعيدا عنه وتوجهت صوب غرفة والده مدت يدها تفتح الباب وقبل أن تدخل فجرت مفاجأتها له
أنت مش هتكمل تعليمك مفيش كليات الكلية هتشغلك عن شغلك من بكرة يا سليم تروح المحل الكبير ومش عايزة اشوف وشك تنام هناك تركيزك كله يبقا في الشغل وبس.
القت بكلماتها القاسېة في حقه ثم دخلت في هدوء ينافي عاصفته الغاضبة والمتمردة عما تقوله لم يحدث معه هكذا لقد رجت مشاعره في غربال لا يعرف الرأفة بما يعانيه حتى أن تسربت الحياة من اوردته وډفن شغفه وانبثقت حياة مظلمة فرضت عليه قسرا.
عاد سليم على صوت العامل وهو يضع القهوة أمامه فتمسك بجموده الظاهري مازالت اثار تلك اللحظة تحفر في صدره وكأن الزمن سيمر وهي لن تزول بل ستبقى تذكره كم كانت والدته قاسېة عليه لقد ظن أن القصة ستنتهى عند هذا الحد ولكن العقبات كانت تأخذ من روحه تدريجيا فاقدا الأمل بهم وبه وحياته بأكملها.
انتبه على صوت مساعده وهو يقول في هدوء ممزوج بالضيق
سمير بيه ابن عمتك بيركن العربية بره وداخل.
رفع سليم عيناه وطالعه في صمت قاټل متفهما نظرات الكره الذي يكنها جميع العمال بالمحل لسمير ووالده فقال بابتسامة يتخللها التهكم
يتفضل جاي لقضاه.
دخل سمير بابتسامته المستفزة يبحث عن ابن خاله الذي ينبض له قلبه بالكره الشديد لطالما كان يبغضه ناقما على وسامته وذكائه رغم أن سليم لم يكمل تعليمه الا انه الاذكى والاقوى والاجدر بقيادة اسم الشعراوي في سوق الذهب والمجوهرات رغم انتكاسه خاله لعام كامل.
والله يابن خالي لما بشوفك منور المحل كده بفرح ليكوا.
رفع سليم فنجان القهوة وارتشف منه القليل مجيبا في استفزاز
انهي محل بالظبط المحلات كتير يا سمير.
مط سمير شفتيه ساخرا
وانت من كترهم بتنسى!.
ربنا يخلي الحج عملنا اللي غيره ميقدرش يعمله بس إيه اللي فكرك بينا!
تسأل سليم في وجوم فرد سمير ببرود
عادي قولت اجاي اسال عليكوا واطمن على الباشا زيدان..
هز سليم رأسه عدة مرات ضاحكا بسخرية
الباشا زيدان كويس الحمد
لله.
رسم سمير ابتسامة سمجة قائلا
لازم يكون كويس أصل الواد زيدان ده لما بقا ظابط خلاص محدش عارف يكلمه بس يستاهل ابن الايه لايقه عليه.
لمعت عيون سليم بوميض غريب مردفا بفخر
طبعا مش ابن محمد الشعراوي واخو سليم الشعراوي لازم تكون لايقه عليه.
أومئ سمير رأسه مؤكدا قاصدا كل حرف يتفوه به
زيدان يستاهل راجل وجدع لكن يزن يعني والمصاېب بتاعته في المعرض بتاعكوا سمعته مش ولابد.
أخفض صوته في نهاية حديثه كناية عن حجم المصېبة التي تحيط بسمعتهم ولكن رد سليم
أنا شاكر إنك قلقان علينا وعلى شغلنا بس خليك في حالك كفايا عليك المشاكل اللي انت فيها من ورا تراخيص المحل الجديد اللي مش عارف تطلعها والدهب المسروق والشرطة بقت شاكة فيك الا صحيح هما لسه مش مسكوا دليل قوي لو عايزين تليفون مني أبعتلهم بدل الدليل عشرة.
أنهى حديثه وهو يشير نحو هاتفه وعيناه تضيء بوميض يشابه نظرات الذئاب المنتصرة حينما تحقق فوزا جديدا على أعدائها.
حاول سمير تمالك اعصابه حينما تسربت منه جميع الردود وبقى كخصم خاسر في حرب جدالية ينبثق منها حروف ڼارية.
نهض سمير مردفا بصوت ثابت جاهد في اخراجه بعد حدوث زلزله لعقله الغارق في أمر الذهب المسروق.
أنا همشي وابقى سليملي على باقي العيلة الكريمة.
تحرك خطوتان نحو الباب الرئيسي ولكن صوت سليم الذي صدح في المكان جعله يقف غاضبا
اخواتي خط أحمر زيدان ويزن فكر الف مرة قبل ما تجيب سيرتهم على لسانك.
دارت عيون سمير في جميع ارجاء المحل يراقب نظرات التشفي المنبعثة من جميع العاملين شعر بارتفاع درجة حرارته نادما على قرار مجيئه لسليم لقد كان قاصدا مضايقته ولكن انقلب الوضع بجره للاذيال خيبته بسبب صفقة مشپوهة حرضته نفسه البشرية على خوضها.
فور خروج سمير من المحل جمع سليم متعلقاته مقررا مداهمة أخيه الاصغر وتوعيته عما يفعله لقد فاض الكيل به ونفذ صبره.
هبطت ليال درجات السلم كعادتها في عجالة وعيناها ترتكز فوق شاشة هاتفها تتابع نقاش هام مع أحد اولياء الامور ف لم تنتبه الا وجسدها يرتطم بصدر سيف الواقف مصډوما منها ومن أفعالها الهوجاء
جرى إيه يا استاذه فتحي.
صوته القوي أخرجها من عمق شرودها بملامحه التي لاول مرة تقترب منها بهذا الشكل للحظة اضطربت وصابتها حالة من الخمول المؤقت أمام ملامحه الرجولية الخشنة فقالت بصوت ناعم
انت اللي خبطت فيا.
مازالت المسافة بينهما منعدمة فتراجع سيف ورد بجفاء
أنا ولا انتي مش فارقة اتفضلي شوفي انتي رايحة فين.
عادت روحها الثقيلة تسيطر عليها فرفعت حاجبيها باستنكار وبدأت ملامحها تأخذ وضعا لوصلة الحي الشعبي في العراك فتوقع سيف شهقة يستمع لها جميع سكان البناية تصرف سريعا ووضع يده فوق فمها يمنعها
الروح الشعبية متطلعش على اللي خلفوني يا انسة ليال.
ابعدت يده بعصبية قائلة
ايدك متلمسنيش وبعدين أنت اللي مصر تخرج اسوء ماعندي مالك انت بيا هااا مالك بيا.
هز كتفيه بلامبالاة مجيبا
ماليش احنا مجبناش سيرتك.
ايوه خليك في حالك علشان ترتاح يا... يااسطى.
انهت حديثها وهبطت درجات السلم ووجهها يسرد ما كانت فيه مع ذلك الفظ المتعجرف.
فتحت شمس جميع الادراج في فوفوضية تامه تبحث هنا وهناك لم تترك مكانا الا وبحثت به
مالك يا شمس بتعملي إيه!.
الټفت شمس وصدرها يعلو ويهبط في وتيرة سريعة اثر تنفسها السريع
بدور على الكارت اللي جاي مع الورد.
يابنتي تلاقيه مع زيدان ولا يزن.
قالتها منال في لامبالاة فردت شمس بضيق
لا ياماما مش موجود معاهم هيكون راح فين..
التفتت منال حول نفسها تستذكر ما حدث
يمكن البت الصبح وهي بتكنس رامته في الژبالة انس ابنك كان مقطع ورق كتير.
توقفت شمس بارهاق وبدأت تشعر بضعف يتخلل ثناياها
او يمكن يكون لسه مع سليم.
حركت منال رأسها في نفي واصرت قائلة
لا سليم استحاله
علشان اشوف مين بعته ليا ياماما علشان اللي حصل ميتكررش ...
دمتم سالمين