رواية عشق لا يضاهى بقلم أسماء حميدة
المحتويات
يائسة لتهدئة ذلك الألم لكن شيئا آخر تسلل إلى وعيه وجه سيرين ذلك الوجه الذي كان يشبه صفحة ماء ساكنة توحي بالطمأنينة لكنها تخفي في أعماقها تيارات جياشة لا ترى بالعين المجردة لم تكن جميلة فحسب بل كانت فتنة متجسدة لا بجمال
ناعم تقليدي بل بجاذبية حادة كحد السيف تأسر العيون وتفرض حضورها بقوة
تداعت الذكريات أمامه كفيلم قديم يتوقف عند مشهد لقائهما الأول كانت سيرين آنذاك فتاة هادئة ينسدل شعرها في جديلة أنيقة تتراقص مع كل حركة تخفي خلف خجلها بريقا غامضا في عينيها كأنهما تخفيان سرا لم يحن موعد الكشف عنه بعد
لكن أين اختفى ذلك البريق متى اختفت ابتسامتها التي كانت تضيء حتى أكثر اللحظات قتامة
شعر بانقباض في صدره وعقد حاجبيه في عبوس عفوي وكأن الإجابة التي يبحث عنها كانت قابعة في مكان ما داخل نفسه لكنه لم يجرؤ على مواجهتها
وقبل أن يتمكن من الڠرق أكثر في دوامة الماضي السحيق قطع رنين حاد سكون اللحظة انتفض من مكانه والتقط الهاتف ليظهر على شاشته اسم طارق
جاءه صوت صديقه عبر السماعة متوترا على غير عادته كمن يحمل خبرا لن يسر لدى سماعه
ظافر أشعر بالخۏف هناك شيء سيء حدث لسيرين وذلك فور خروجك من منزلها ليلة أمس
الفصل 15
ما إن تسللت كلمات طارق إلى مسامع ظافر حتى شعر وكأن سهما مسمۏما قد اخترق صدره بغتة ناثرا شظايا الألم في كل زاوية من روحه.
انتفض قلبه بين أضلاعه في نوبة هلع مفاجئة وتسارعت أنفاسه وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يستنشق... ومن ثم تراجع خطوة إلى الوراء وكأن صدمة الخبر زعزعت توازنه يتساءل بصوت مخڼوق بالكاد يجد سبيلا للخروج من بين شفتيه المرتجفتين
ماذا ماذا قلت!
ازدرد طارق لعابه بصعوبة وارتسمت على ملامحه ظلال التردد كمن تتخبط بداخله الكلمات تأبى الخروج أو تخشى أن تتحول إلى حقيقة بمجرد النطق بها.
خفض عينيه وأطلق زفرة ثقيلة قبل أن يهمس بصوت بالكاد يسمع
لست متأكدا لكن عندما ذهبت إلى المشفى اليوم أخبرني الأطباء أن سيرين قد ټوفيت.
ضړبت الحقيقة رأس ظافر كصاعقة سقطت عليه من السماء حاړقة كل خيوط الأمل التي تشبث بها.
شعر بكيانه يهوي إلى أسفل سافلين.. كحجر يسقط ببئر بلا قاع وهناك باليسار ثقل مريع يسحق ضلوعه.
أخذ يردد بشكل چنوني كمن يهزي بكلمات غير مفهومة
لا لا يمكن! بالأمس فقط كانت تضحك تتحدث كانت حية! كيف يمكن أن تمحى هكذا من الوجود!
ارتجف جسده وهو يتقدم خطوة مترنحة كأن الأرض فقدت صلابتها تحت قدميه فأصبحت كالهلام ثم تمتم بصوت تائه تحاصره دهشة العاجزين عن التصديق
كيف ما الذي حدث!
أجابه طارق بصوت مبحوح محاولا الحفاظ على ثباته
قالوا إنها نقلت إلى المشفى في ساعة متأخرة من الليل حاولوا إنعاشها لكنهم فشلوا.
قبضت أنامل
ظافر على حافة الطاولة كأنما تتشبث بحافة هاوية لا قرار لها.
أخذت عيناه تحدقان في الفراغ ونبضه يتسارع ثم
ودون أن ينطق بحرف انتزع معطفه وبخطوات متوترة غادر كعاصفة تائهة نحو المستشفى.
كان جسده يتحرك بآلية باردة أما عقله فكان غارقا في مستنقع من الذهول والرفض كأن وعيه يرفض تصديق ما سمعه.
داخل السيارة كان الصمت خانقا لكن رأسه لم يكف عن الضجيج... تلك الكلمات الأخيرة قد تسللت إلى أذنيه كهمس المۏت.. بل كلعڼة ترفض أن تخمد
السيد نصران هل ستحزن إذا مت
عندها شعر ظافر بشيء يطبق على حنجرته أنفاسه متقطعة كأنه يغرق في هواء معډوم.
مد يده المرتعشة نحو ياقة قميصه يعبث بأزراره بحثا عن نسمة هواء تزيح هذا الثقل عن صدره لكن الاختناق ظل ينهش روحه بلا رحمة.
وحين وصل أخيرا كان طارق واقفا عند بوابة المشفى ملامحه شاحبة كمن يحمل خطيئة لا تغتفر وعيناه غارقتان في إرهاق يشبه الليل بلا قمر.
أين هي
خرج صوت ظافر أجوفا كطعڼة برد تخترق السكون.
الټفت طارق نحوه ببطء يخشى أن ينطق بالكلمة التي ستقلب عالمه رأسا على عقب.
الممرضات قلن إن شخصا ما أخذها بالفعل راجعت الكاميرات كان كارم.
تقلصت ملامح ظافر وانعقد حاجباه
في هذه الأثناء التقط طارق هاتفه مررا أصابعه فوق الشاشة ثم عرضه أمامه.
في منتصف الليل تقريبا أحضرت سيرين إلى المستشفى... ڼزفت كثيرا ولم يتمكنوا من إنقاذها.
الثانية عشرة!! أي بعد وقت قصير من مغادرته!!
جمدت الفكرة عقله للحظات كطلقة اخترقت جمجمته لكنه رفض التصديق.
وأسئلة لا إجابات لها تدور ككلاب مسعورة برأسه
لا هذا غير ممكن! كيف لها أن ټموت هكذا... كيف يمكنها أن تفعل هذا بي فقدان الډم لماذا ڼزفت أصلا
أخرج ظافر هاتفه من جيب منطاله وبمجرد أن لامست أنامله الهاتف انطلقت أصابعه بخفة لا تخلو من التوتر فوق الشاشة ينسج خيوط الاتصال بشبكته الخاصة باحثا في ثنايا الظلام عن أي خيط قد يوصله إلى الحقيقة.
كان على يقين بأن ثمة حلقة مفقودة أن شيئا ما يختبئ بين تفاصيل هذه الليلة المشؤومة وأنها لن تكون سوى بداية رحلة أخرى من الأرق والتساؤلات التي لا تنتهي.
طارق لم يكن أقل اضطرابا إذ راح يذرع المكان جيئة وذهابا خطواته المتعثرة كأنها تحاول أن تسابق أفكاره أن تفرغ في الأرض بعضا من ذلك القلق المتفاقم داخله... ومن ثم زفر پغضب يقول وصوته يرتجف تحت وطأة الانفعال
كيف يمكن لشخص أن ېموت بهذه الطريقة اللعڼة! ماذا فعل ظافر بسيرين هذه المرة!
لكن ظافر لم يكن في وارد الإجابة... عيناه كانتا مسمرتين في الفراغ عقله غارق في معادلة معقدة لا وقت لديه للشرح أو التبرير.
الټفت إلى طارق وحدق فيه بثبات قبل أن يقطع صمته بصوت منخفض لكنه نافذ
ابق هنا... راقب الوضع في المشفى.
ثم استدار وانسحب من المكان دون أن يمنحه فرصة للاعتراض تاركا طارق غارقا بين حيرته وقلقه يحاول أن يفهم ما يجري.
لم تمض سوى دقائق حتى بدأ موظفو المستشفى بتجميع التقارير الطبية الأخيرة لسيرين أيد مشغولة بأوراق تحمل بين طياتها أسرارا قد تقلب الموازين.
وعندما استلمها طارق تطلع إليها بعينين يملؤهما التوجس يتفحص السطور بعناية وكأن الكلمات تخبئ بينها المفتاح الذي سيفك شفرة هذا اللغز المتشابك.
استرخى طارق على كرسيه الخاص بالمدير التنفيذي ملقيا بجسده فوق مسنده الجلدي الفاخر ثم سحب بيده مجموعة الملفات المتناثرة فوق سطح المكتب.
قلب الأوراق بين أصابعه المرتجفة وعيناه تمسحان السطور بشراهة كمن يبحث عن شريان الحقيقة وسط متاهة الأكاذيب.
كان يعلم أن سيرين نقلت إلى المستشفى بعد محاولة انتحارها بتناول كمية من الحبوب المنومة.... كان هذا كل ما يعرفه حتى جاءت تلك الأوراق التي قلبت كل شيء رأسا على عقب.
سطور السجلات الطبية كشفت عن مأساة كانت تتوارى خلف ابتسامتها المتكلفة.
سيرين لم تكن فقط في صراع مع أفكارها السوداوية بل كان جسدها ذاته يعلن التمرد عليها... إذ كانت
تعاني من صمم متفاقم أمراض متغلغلة في أعماقها وكأنها لعڼة أبدية لا فكاك منها... أقلها الاكتئاب وتدهور الذاكرة والعقم نعم كانت عاقرا فكيف حملت إذا!
جملة واحدة ترددت في رأسه كناقوس خطړ العقم التام.
كيف إذا كانت تحمل طفلا في أحشائها سؤال أشبه بصندوق باندورا الملعۏن مجرد فتحه قد يطلق العنان لچحيم لم يتخيله يوما.
طارق الذي كان يظن أنه رأى كل شيء وجد نفسه محاصرا بين الأوراق يتسع أمامه الفراغ كمحيط شاسع بلا شط ولا قاع... عجز عن استيعاب الحقيقة كأنها موجة اجتاحت روحه وأسقطته في ظلام لا شعاع ضوء به يكسر عتمته.
بجواره لم يستطع محمود أن يتمالك نفسه فانهمرت دموعه في صمت حارق كأنها اعتذار متأخر عن كل ما لاقته تلك الفتاة المسكينة... فكيف لقلب صغير أن يحتمل كل هذا العڈاب كيف استطاعت أن تواجه كل هذه الأهوال وحدها
رفع رأسه المثقل بالندم وحدق في طارق بعينين تضجان بالعتاب
طارق قبل أربع سنوات... أنقذتك سيرين بروحها كان ينبغي عليك أن ترد لها الجميل بأي ثمن.
تجمد طارق للحظة وكأن الكلمات اخترقت جدار ذاكرته فأجبره الذهول على التحديق في وجه محمود مليا.
عن أي شيء تتحدث! الشخص الذي أنقذني لم
انعقد حاجبا محمود في ارتباك ثم تنهد وهو يخرج صورة من جيبه ومن ثم مدها إلى طارق بصمت دام للحظات قبل أن يقول
لا أنا متأكد. كانت هي... أتذكر ذلك بوضوح... أتذكر كيف ڼزفت بغزارة عندما اندفعت لإنقاذك ... هذه الصورة ستثبت لك كل شيء.
نظر طارق إلى الصورة بتوجس وكأن الحقيقة بدأت تتسلل إليه خيطا بعد آخر بينما استرجع محمود المشهد الذي لم يبرح ذاكرته منذ ذلك اليوم.
ملامحها لم تعرف للخوف طريقا بل ظلت عيناها مركزتين على إنقاذ الأرواح التي تطايرت بين الحياة والمۏت... لم تهتم بچراحها لم تذرف دمعة واحدة لم تتراجع.
في ذلك الوقت لم يكن محمود قد صار المخرج الذي هو عليه اليوم مجرد طبيب يحاول انتزاع الأرواح من قبضة المۏت.
كان الحاډث مروعا والضحايا كثر ولم يكن يعلم أن من بين المصابين وريث عائلة شومان طارق!
لكن حين نظر إلى وجه سيرين عرف أنها لم تفكر للحظة في هوية من أنقذته لم تهتم إن كان شخصا عاديا أو وريثا لإمبراطورية... كانت روحها مخلصة للإنسانية وهذا وحده ما كان يعنيها.
مرت السنوات لكن صورة ذلك الوجه الشاحب المتوشح بالعزيمة لم تفارقه... ظلت الندبة شاهدة على
كل شيء نقشا أبديا على ذراعها وطيفا لا يمحي من ذاكرته.
وبينما كان محمود يذكره بتلك العلامة التي خلدت لحظة الإنقاذ انخفض نظر طارق إلى الصورة يمعن النظر فيها وبدأت الحقيقة ترتسم أمامه ببطء قاټل.
هناك على الذراع النحيلة برز أثر الچرح الذي لم يختف تماما رغم مرور الزمن.
كانت الندبة شاحبة لكن وجودها وحده كان كفيلا بأن يضيق صدره أن ېخنقه الشعور بالذنب أن يجعل قلبه ينقبض كمن طعن بخنجر الغدر ولكن من غدر من! هو الغادر وهو أيضا من يتألم.
لقد كانت هي... ولم يعرف ذلك إلا بعد فوات الأوان.
الفصل 16
ها هي المصادفة تعبث بمصائرهم
كأنها يد القدر الخفية التي تكتب فصول الحكاية دون إذن من أبطالها.
لا يمكن أن تكون إلا
صدفة لا بد أن تكون كذلك!
لكن إذا كانت سيرين هي من أنقذت حياة طارق في ذلك اليوم فلماذا التزمت الصمت كل هذه السنوات لماذا لم تخبره ولو لمرة واحدة
وإن كانت هي حقا فما الذي فعله بها الزمن حتى باتت مجرد ظل باهت كيف سحقتها الأيام حتى صارت ذكرى عابرة بدلا من أن تكون اسما محفورا في وجدانه كيف انتهى بها الحال ضحېة لمن كان أولى الناس بحمايتها
الندم ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى روحه كخنجر صدئ.
ألقى طارق التقارير الطبية جانبا ثم ارتد إلى الوراء مستندا إلى الكرسي عينيه مثبتتان على سقف الغرفة بينما تتلاطم الأفكار داخله كأمواج عاتية ترفض أن تهدأ.
بدا الليل طويلا مرهقا ممتدا كعقود متتابعة وكأن الزمن رفض أن يمنحه مهربا من دوامة الأسئلة التي تنهشه.
وحين انبثق ضوء الفجر من رحم الظلام استجمع شتات ذهنه والتقط هاتفه طلب رقم دينا بصوت بدا خاڤتا لكنه مشحون بصرامة لا تخطئها الأذن
دينا علينا أن نتحدث. هناك أمر لا يحتمل التأجيل.
بعد ساعات في أحد المطاعم الفاخرة جلست دينا أمامه.
كانت تبدو متألقة كعادتها بفستان أنيق يعكس ذوقها الرفيع ومعطف أزاله النادل بحركة سلسة.
وقع نظر طارق على وجهها الناعم المشرق بلا أثر لأي ندوب.
ندوب حاډثة دماء.
أربع سنوات مضت حين كانت الحياة تتلاعب به كدمية واهية... ضجت رأسه بذكريات أليمة حاډث سيارة مروع المعدن يلتوي الزجاج يتحطم الألم ينهش جسده الوعي يتلاشى رويدا رويدا.
لكنه يتذكر بوضوح تلك اليد الصغيرة أنامل مرتعشة تمتد عبر النافذة المهشمة تحاول فتح الباب بعزم لا يليق بجسد نحيل.
. يتذكر صوت محمود وهو يقول يومها إن الچرح يحتاج إلى غرز عاجلة وإن تلك الندبة لن تزول أبدا.
لكن أين ذهبت الندبة الآن
رفع نظره إليها مجددا وعيناه غارقتان في التساؤل في الشك في ارتباك لم يجد له تفسيرا بعد.
لاحظت دينا نظراته المتفحصة فحاولت أن تتماسك أن تبقى طبيعية لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاشة خفيفة في يديها.
طارق قلت إن لديك أمرا
انتفض من شروده كمن أفاق من حلم ثقيل وأدار وجهه بعيدا وكأنه يهرب من عينين تترقبان ما سيقوله بنفاذ صبر... وحين تكلم انسل صوته باردا قاطعا كحد السيف يحمل بين طياته صرامة لم تألفها منه من قبل
سيرين... ماټت.
تجمدت ملامح دينا واتسعت عيناها في صدمة مفتعلة وكأن وقع الكلمات ارتطم بها پعنف لم تتوقعه.
شهقت ثم تلعثمت تبحث عن الكلمات وسط
العاصفة التي لم تهب يوما في داخلها
متى كيف... كيف حدث ذلك فجأة!
كانت نبرتها لا تخلو من الدهشة والذهول لكن بين الشقوق التي لم ترممها الصدمة تسلل شعور آخر أكثر خبثا... راحة.
نعم راحة دافئة كنسيم ليلي يزيح عن كاهلها عبء صخرة جثمت طويلا على صدرها... مۏت سيرين كان المفتاح الأخير الباب الذي أغلق أخيرا ليمنحها طريقا ممهدا نحو ظافر دون عوائق... دون أشباح.
قال طارق بصوت خال من أي انفعال وكأنه يسرد تقريرا طبيا لا يعنيه في شيء
حدث ذلك بالأمس. ڼزفت حتى آخر قطرة ولم تفلح أي محاولة لإنعاشها.
وراح يراقب الدوامات الحمراء وهي تدور في الكأس كأنها تحكي قصة الأخير
لكن عبر زجاج الكأس التقط وميضا... شرارة خاطفة في عيني دينا برق عابر لم يكن من المفترض أن يراه لكنه لاحظه بوضوح... فرح مختبئ كطيف سريع اختفى في اللحظة التالية لكنه كان هناك للحظة... وكان كافيا.
تنهدت دينا ببطء وأسقطت جملتها كما لو كانت حقيقة مطلقة صوتها مشوب بنبرة فلسفية مصطنعة كمن يستدرج نفسه ليبرر القدر
أعتقد أن هذا هو المصير المحتوم لشخص گ سيرين.
ثم تابعت دينا وقد تأججت عيناها ببريق متعال كأنها تقف على منصة القضاء تصدر حكمها بلا تردد
ولدت سيرين وفي قبضتها مفتاح الحياة التي يحلم بها الجميع. كل شيء جاءها بلا عناء حتى زواجها من ظافر لم يكن سوى امتداد لسطوة اسمها ونفوذ عائلتها. ربما كان مۏتها صورة من صور القصاص عقۏبة خفية لإعادة التوازن المختل في هذا العالم.
القصاص
ترددت الكلمة في عقل طارق كوقع أقدام على ممر طويل في ظلام دامس لكنها لم تكن مجرد صدى بعيد بل صړخة مكتومة تزلزل أعماقه.
للمرة الأولى تسلل إليه إحساس بأن كلمات دينا تخفي بين حروفها ظلالا مرعبة.
هل يعقل أن تكون چريمة سيرين الوحيدة أنها ولدت في كنف الثراء
كان يعلم يقينا أن زواج سيرين وظافر لم يكن سوى صفقة التقاء مصلحتين في قالب مصقول بالمظاهر.
ومع ذلك لم يكن هناك من يستطيع إجبار ظافر على شيء لا يرغب فيه فكيف تجرؤ دينا على اعتبار مۏت سيرين استحقاقا! أي عبث هذا الذي تنطق به!
في تلك اللحظة أدركت دينا أنها انزلقت في زلة كلامية فاندفعت على الفور لتصحيح موقفها كمن يحاول إنقاذ كأس كريستالي من الټحطم على الأرض.
قالت بلهجة مفعمة بالتبرير
طارق أنت تعلم أنني كنت أقصد سيرين فقط حين قلت ذلك لم يكن في نيتي التعميم... في النهاية هي من كانت تتقن المكر إلى حد الإتقان.
اكتفى طارق بهمهمة
خاڤتة أشبه بصدى أفكار تتصارع داخله... رفع كأسه إلى شفتيه يرتشف القليل ثم صب لنفسه كأسا آخر كأنه يحاول أن يغسل داخله من آثار الكلمات العالقة في ذهنه.
تسلل إليه سؤال خبيث كما يتسلل الدخان عبر شقوق باب مغلق
هل كانت سيرين تخطط حقا
راح يغوص في بحر شكوكه مستعيدا كل ما قيل عنها... ثم أدرك في النهاية أن دينا هي المصدر الوحيد لهذه الروايات عن ألاعيب سيرين إذ لم يكن قد شهد بعينيه أيا من تلك الحيل التي زعم أنها تمارسها.
نعم لم ير من سيرين سوى حبا عارما لظافر حبا جعلها تلتف حوله كما تلتف الكرمة حول جذع شجرة... كانت على استعداد لفعل أي شيء لإرضاء عالمه حتى لو شمل ذلك هو نفسه.
لكن... هل يعد ذلك مخططا!
لقد وضع طارق ثقته في دينا لأربع سنوات كاملة كانت أقرب إليه من ظله من المستحيل أن تكون قد خدعته... أليس كذلك كيف يمكن لإنسانة خاطرت بحياتها من أجله أن تكون شخصا سيئا
خرج صوته أجشا على غير المتوقع كأنه يخرج من جوف قلب مثقل بالأفكار
دينا
صمت للحظة ثم
متابعة القراءة