اهلي خدعوني

لمحة نيوز

لفيت ووقعت جنب باب المخزن.
هو اندفع ناحيتي تاني، دراعه خبط في صدري ووقعت على الأرض.
دماغي خبطت جامد، ونور أبيض فرقع قدام عيني.
"دانيال!"
ماما صرخت… بس برضه ما لمستوش.
قرب تاني.
زحفت ناحية التربيزة اللي عليها التليفون الأرضي.
مسك رجلي وسحبني.
صوابعي لمست الخشب… وبعدين ولا حاجة.
كان بيِنهج دلوقتي…
مش هادي… مش متحكم…
وشه بقى مكشوف… من غير أي قناع.
قال:
"يا كداب يا ناكر الجميل."
وساعتها فهمت…
آفا ما كانتش بتواجه أوهام…
كانت بتواجه ده.
نفس الشخص… بنفس القسوة.
ركلته بأي طريقة… أصابته في مكان خلاه يسيبني لحظة.
قمت وجريت.
لحقني في الصالة… وقعنا في ترابيزة.
أباجورة اتكسرت.
فاكر ماما بتعيط…
فاكر ريحة التراب والسخونة…
وفاكر إني فكرت ببساطة:
هو ممكن يقتلني بجد.
مش فاكر إزاي ركبت الشاحن والموبايل بيرعش في إيدي…
ولا فاكر ليه وقف شوية…
يمكن شاف الدم…
يمكن سمع حد برا…
يمكن خاف المشهد يتفضح.
المهم إن الشاشة نورت على 2%…
اتصلت بالرقم اللي حافظه من سنين.
آفا ردت من تاني رنة.
بصعوبة قلت:
"إنتي كنتي صح."
ثانية سكون…
وبعدين صوتها بقى ثابت وقوي:
"اسمعني كويس يا نوح… اطلع من البيت حالًا."

جريت من الباب الخلفي من غير جزمة.
هوا مارس كان ساقع وبيقطع،

وعدّى في التيشيرت على طول وأنا بعدي الجناينة ورا البيت وبنطت السور الصغير لحد جنينة الجيران.
أنوار البلكونات كانت بتولّع واحدة واحدة في الشارع.
من ورايا، سمعت ماما بتنادي اسمي… وبابا نده مرة كمان… بس ما جريش ورايا فورًا.
يمكن كان بيفكر…
يمكن كان بيحضّر القصة اللي هيقولها لو البوليس دخل…
يمكن عارف إن الكدمات بتروح… بس سمعته اللي بناها سنين لأ.
استخبيت ورا جراج بعيد شوية، والموبايل على ودني، نفسي مقطوع، وآفا معايا على الخط من كنتاكي.
قالت:
"تقدر تتحرك؟"
"أيوه."
"في نزيف جامد؟"
"دماغي… مش عارف."
"خليك صاحي. روح ماكدونالدز اللي في إيست برود. مفتوح ومتراقب بالكاميرات ومنوّر. أنا هكلم الطوارئ من هنا وهكلم خالتك إليس. ما ترجعش البيت مهما مامتك قالت."
حتى وقتها… جزء جوايا كان لسه عايز يدافع عنهم:
"يمكن هو بس اتعصب—"
قاطعتني:
"نوح… النهارده مش هتدافع عنه. مش هتفسّرهولي."
بدأت أمشي… بعدين أجري… وبعدين أتعثر تاني ناحية الشارع الرئيسي، وإيدي على دماغي.
لما وصلت موقف العربية قدام المطعم، عربية شرطة كانت وصلت.
ظابطة قابلتني عند الباب، وأول ما شافت رقبتي… وشها اتغير.
قالت:
"إيه اللي حصل؟"
بصيت على الشعار في الإزاز… وعلى وشي الشاحب…
ولأول
مرة… ما حاولتش أجمّل الحقيقة:
"بابايا حاول يخنقني."
الكلام نفسه كان غريب… زي الساعتين اللي بعدهم.
الإسعاف نظّف الجرح في دماغي،
والشرطة صورت الكدمات على رقبتي وصدري،
وظابط تاني خد أقوالي مرتين عشان كنت سرحان من خبطة دماغي.
بعد حوالي 20 دقيقة، بابا وماما وصلوا…
الاتنين متعصبين… بس بطريقتهم الهادية اللي تبين إن في ناس بتتفرج.
ماما بدأت تعيط:
"هو كان بيحاول يمنعك تأذي نفسك."
ضحكت… ضحكة مكسورة وغريبة.
بابا فضل هادي:
"ابني تحت ضغط… أخته الكبيرة عندها تاريخ من التوهم والتلاعب… بقالها سنين بتقلبه ضدنا."
نفس الكلام القديم… نفس السيناريو…
بس المرة دي… كنت شايف كل حاجة بوضوح.
الظابطة بصت من هدومه المرتبة للكدمات اللي عليا وقالت:
"لو سمحت… ارجع لورا."
خالة إليس وصلت قبل نص الليل، وخدتني المستشفى.
ارتجاج بسيط… كدمات… مفيش كسور.
آفا ساقت طول الليل، ووصلت مع الفجر… تعبانة، شعرها مربوط، ووشها ناشف.
لما دخلت الأوضة… كنت متوقع غضب… أو حتى شماتة…
لكن قعدت جنبي ومسكِت إيدي.
قلت:
"أنا آسف… إن الموضوع احتاج كل ده."
بصتلي شوية وقالت:
"أنا عارفة."
الرد ده وجعني أكتر من أي لوم.
خلال شهر… كل حاجة أهلي بنوها بدأت تقع.
خالة إليس ساعدتنا نجيب محامي وأخصائي.

الشرطة رجعت لبلاغات قديمة،
ومنها بلاغ من 4 سنين ما كملش عشان آفا اتقال عليها إنها “مبالغة”.
رواية بابا بدأت تضعف…
قصاد الصور… والرسايل… وكلام الجيران… والتقارير الطبية.
ماما فضلت تحاول تكلمني…
كل رسالة نفس الأسلوب: خوف… إحساس بالذنب… وتغيير للحقيقة.
"باباك بيحبك"
"العيلة بتمر بظروف"
"إنت عارف آفا بتبالغ"
سمعت 3 رسايل… وبعدين عملت لها بلوك.
بابا اتحبس على قضية خنق وعنف أسري.
المحامي قال:
"سوء تفاهم عائلي."
الجملة دي فضلت في دماغي أيام…
سوء تفاهم؟
يعني إيد حوالين رقبة ممكن تتفهم غلط؟
في الصيف… نقلت أعيش قريب من آفا.
في الأول كنا غُراب عن بعض…
الثقة مش بترجع مرة واحدة.
أوقات كنت مستنيها تنفجر… زي ما اتعلمت عنها.
وأوقات هي كانت تسكت نص الكلام… كأنها مستنية إني ما أصدقهاش.
بس كملنا.
مرة في آخر أغسطس… قاعدين على سلالم بيتها، سألتها:
"إزاي ما سيبتينيش؟"
بصت قدامها وقالت:
"عشان هما كانوا عايزينك لوحدك… وأنا عارفة ده معناه إيه."
بس كده.
أهلي قضوا سنين يقنعوني إن أختي مكسورة…
عشان هي الوحيدة اللي ما قدروش يتحكموا فيها.
قالوا عليها غير مستقرة عشان فاكرة.
قالوا عليها خطرة عشان بتتكلم.
قالوا عليها مجنونة…
عشان لو كانت عاقلة… يبقى كل اللي
في بيتنا ليه اسم…
وهم مش عايزين يسمّوه.
وفي الآخر…
الشخص اللي حذروني منه…
هو الوحيد اللي قال الحقيقة بدري كفاية…
عشان ينقذ حياتي.

تم نسخ الرابط