اهلي خدعوني

لمحة نيوز

اهلي فضلوا سنين يقنعوني إن أختي مجنونة، وبتتوهم، وخطرة.
وأنا صدقت كل كلمة… لحد الليلة اللي أبويا كان هيأذيني فيها أذى كبير.
في اللحظة دي، وأنا فاكر إني خلاص هموت، فهمت الحقيقة أخيرًا:
هي عمرها ما كانت بتحاول تدمّر العيلة…
هي كانت بتحاول تنقذني أنا.
طول طفولتي تقريبًا، أهلي كانوا مبرمجيني إني أسمع صوت أختي كأنه دوشة ملهاش معنى.
"ما تسمعش كلام آفا"، أمي كانت تقول كل ما تحاول تاخدني على جنب بعد العشا.
"هي دايمًا بتلف الكلام."
أبويا كان يضحك ضحكة هادية كده تخليه باين عاقل جدًا:
"أختك طول عمرها عندها مشاكل مع الواقع يا نوح. إنت عارف ده.
بتبالغ، بتتخيل حاجات، وبعدين تحاول تجر غيرها معاها."
أنا صدقتهم… لأني كنت عندي 12 سنة ساعتها،
ولأن الأطفال بيصدقوا اللي بيربّيهم وبيأكلهم وبيوقّع لهم على ورق المدرسة.
وقتها كانت آفا عندها 19 سنة، وكانت على طول متعصبة.
كانت بتعترض على كل حاجة.
تجادل في مواعيد الرجوع، تتخانق على الفلوس،
وتتهم بابا إنه مسيطر على كل حساباتنا،
وتقول إن ماما بتكذب حتى من غير سبب.
في التجمعات العائلية، أهلي كانوا بيقولوا للناس إن آفا غير مستقرة.
لما غابت عن عيد الشكر مرة، ماما قالت وهي متنهّدة:
"آفا عندها نوبة تانية."
ولما ظهرت

في الكريسماس وحاولت تقول لخالتنا إن بابا كسر موبايلها في خناقة،
بابا مال ورا وقال:
"شايفين أنا بعيش إزاي؟"
والناس بصتله بإحراج…
وأنا كمان كنت محرج منها.
دا كان الأسلوب…
آفا كانت بتتكلم كأنها بتحاول تكسر باب مقفول،
وأهلي واقفين بهدوء وأناقة يخلّوها تبان مجنونة لمجرد إنها بتحاول.
بس كان في حاجات عمري ما فهمتها:
ليه آفا كانت دايمًا بتديني ورق متني قبل ما تمشي؟
ليه كانت تقولي أخبّي فلوس في شنطتي؟
ليه أصرت أحفظ رقمها حتى بعد ما نقلت كنتاكي؟
وليه مرة مسكت كتافي جامد وقالتلي:
"لو حسيت إن في حاجة غلط يا نوح… حتى لو قالولك إنه غلطك… كلّمني أنا الأول."
كان عندي 16 سنة لما أول شرخ ظهر.
بعد ما آفا سابت البيت، بابا بدأ يقرب مني زيادة.
يتابع مكاني، يراجع رسايلي، يسألني بكلم مين.
هو كان بيسميه حماية… وماما كانت بتقول تربية صح.
ولما كنت أعترض، كانوا يبصوا لبعض ويسألوا:
"آفا بتملا دماغك بالكلام ده؟"
لحد ليلة جمعة…
رجعت البيت متأخر 20 دقيقة بس، عشان موبايلي فصل.
لقيت بابا مستنيني في المطبخ.
النور كان قوي وبارد،
وماما قاعدة بتلعب في منديل بإيدها من غير ما تبصلي.
قال:
"كنت فين؟"
رديت بسرعة…
قرب خطوة.
ولأول مرة في حياتي…
شفت في عينيه حاجة خلت كل تحذيرات
آفا تبقى مش جنان…
بل خريطة لمكان أنا كنت واقف فيه من زمان.
...يتبع 👇

صوت بابا كان واطي… وده كان مخوف أكتر.
هو مش من النوع اللي يحتاج يزعق عشان يسيطر على المكان.
كان شغال مدير إقليمي في شركة مستلزمات طبية، دايمًا لبسه شيك حتى في الويك إند،
وعارف كويس إزاي يبان هادي ومتزن وهو بيخلّي اللي قدامه ينهار.
الليلة دي كان واقف في المطبخ، كُم القميص مرفوع لحد دراعه،
وبيصلي بنظرة باردة كأن تأخيري أكدله حاجة وحشة كان شاكك فيها من زمان.
قلت:
"ما أنا قلتلك… كنت عند ميسون. موبايلي فصل."
قرب خطوة:
"ورّيني الموبايل."
"فاصل."
"ورّيهولي برضه."
اديتهوله. ضغط على الزر، بص للشاشة السودة، وبعدين رجع بصلي:
"مريح أوي."
ماما اتكلمت أخيرًا… بس عشان تزود الضغط:
"يا نوح، باباك كان قلقان عليك جدًا… إنت عارف ده مأثر عليه إزاي."
مأثر عليه هو…
مش عليا أنا اللي واقف تحت النور، وقلبي بيدق في زوري…
مش على المراهق اللي بيتحقق معاه عشان 20 دقيقة غايب…
عليه هو.
جوايا حاجة شدت.
يمكن كنت تعبت…
يمكن كلام آفا القديم كان لسه في دماغي…
يمكن أخيرًا بقيت كبير كفاية أفهم أنا في إيه.
قلت تاني:
"كنت عند ميسون… ممكن تكلمه."
ابتسم ابتسامة مفيهاش أي دفا:
"إنت فاكر الموضوع عن 20 دقيقة؟

"
ساعتها فهمت إنه خلاص قرر إني غلطان… في حاجة أكبر.
في بيتنا، البراءة ملهاش قيمة أول ما بابا يقرر قصة على مزاجه.
الدليل بييجي بعد كده… على حسب مزاجه.
وماما تكمل التفاصيل…
وأنا يتقالي أنا عملت إيه وحسيت بإيه.
طلب الشنطة.
اديتهاله.
فضّاها على الأرض… كراسات، أقلام، سويتشيرت، شوية فكة…
ومن الجيب قدّام طلع الأربعين دولار اللي آفا ادتهوملي من شهرين "احتياطي".
مسكهم بين صباعين:
"جابهم منين دول؟"
اترددت…
وده كان كفاية.
وشه اتغير… وبعدها كل حاجة.
زق الشنطة ومسكني من هدومي عند الياقة.
خبطت في الرخامة جامد، ووجعتني.
ماما قامت… بس ما قربتش.
قال:
"إنت بتكلمها؟"
أول مرة أسمعه يقول اسم آفا كده…
مش بعصبية… بكُره.
"لأ."
زقني تاني:
"ما تكدبش عليا."
"أنا مش—"
إيده مسكت رقبتي.
في الأول… مخي رفض يصدق.
ده أبويا.
الأبهات مش بيخنقوا ولادهم في المطبخ لحد ما النفس يضيق.
مسكت إيده… كان أقوى بكتير مما كنت فاكر.
سمعت ماما بتقول:
"دانيال… كفاية…"
بس صوتها كان بعيد… ضعيف… كأنه تمثيل أكتر منه خوف.
الدنيا بدأت تزوغ من حواليّ…
وفجأة… الذكريات ركبت جنب بعض:
آفا وهي عندها 19 سنة بتحاول تقول إن موبايلها اتكسر.
آفا وهي عندها 21 بتقول إنه دخل على حساباتها.
آفا واقفة جنبي
قبل التخرج تقول:
"هو محتاجك تبقى تايه… كده بيكسب."
رفعت ركبتي بعفوية… خبطته في رجله.
مش بقوة كفاية، بس فك إيده شوية.

تم نسخ الرابط