حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة
من قصاصات ملابس طفولتنا. رتبت كل شيء على السرير بعناية.
حمل مايكل أكبر حقيبة ونظر حوله هل تحتاجين شيئا آخر
نظرت إلى الخزانة. فوقها علبة مجوهرات وصحن خزفي صغير فيه خاتم زواجيكنت قد نزعته الليلة الماضية ووضعته هناك بلا طقوسوورقة مطوية عليها اسم ورقم محامية كانت امرأة من الكنيسة قد دستها في يدي قبل شهرين بهدوء بعد درس الكتاب المقدس.
تقدمت التقطت الخاتم قلبته بين أصابعي ثم أعدته إلى الصحن.
قلت ليس هذا. فقط الضروريات. سأرتب الباقي لاحقا. مع محام.
أومأ مايكل لدي مكان في البيت. أمي تعرف أن شيئا ما يحدث. لم تلح لكنها تركت الباب غير مقفل الليلة الماضية إن قررت أن تأتي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مريرة طبعا فعلت.
حملنا الحقائب إلى الباب الأمامي. لم يتحرك دانيال من طاولة المطبخ. كان جالسا مرفقاه على ركبتيه يداه متدليتان بينهما ينظر إلى الأرض.
حين سمع صوت العجلات نهض وجاء إلى العتبة. نظر إلى الحقائب ثم إلي.
قال كأنه يدرك الأمر لتوه هذا يحدث فعلا.
قلت نعم.
قال وهو يشير برأسه إلى مايكل أنت تختارينه علي
قلت برفق أنا أختار نفسي. ومايكل هو الذي حضر حين طلبت أخيرا.
ابتلع ريقه. لثانية لانت عيناه إن خرجت من هذا الباب يا إميلي فقد لا نعود من هذا.
نظرت إليه لا ينبغي أن نعود ليس بهذه الحال.
أغمض عينيه وفتحها كأن الصدق لدغه.
قال بصوت منخفض وإن طلبت المساعدة إن رأيت مختصا إن تغيرت
قلت أتمنى أن تفعل. لأجلك ولأجل من سيكون في حياتك لاحقا. لكنني لا أعدك بالعودة مكافأة. ينبغي أن تتغير لأن ذلك الصواب لا لأنك تريد أن تربح شيئا.
بدت كتفاه وكأنهما هبطتا.
قال كأنه يحدث نفسه لم أظن أنك ستغادرين حقا.
قلت أعرف. وهذا جزء من المشكلة.
فتحت الباب. اندفع هواء بارد يحمل رائحة الصقيع وشيئا خافتا من دخان مواقد الحطب في الشارع. وقفت على الشرفة الصغيرة التي كنا قد نحتنا عليها القرع في أكتوبر ووضعنا عليها أصص الأقحوان في سبتمبر وعلقنا العلم الأمريكي في يوم الذكرى والرابع من يوليو.
كان الحي يبدو كما كان يوم انتقلنا صناديق بريد عند الأرصفة دراجات أطفال على الممرات كلب ريتريفر ذهبي يشم أرض حديقة. لكن المشهد بدا لي مختلفا كصورة أخرج منها بدل أن أغوص فيها.
حمل مايكل الحقائب في صندوق شاحنته وثبتها بعناية قرب مبرد قديم وصندوق أدوات. صعدت إلى مقعد الراكب وكان
نظرت إلى البيت عبر الزجاج الأمامي. كان دانيال واقفا على الشرفة ذراعيه مطويتين حول نفسه حافيا رغم البرد. تلاقت أعيننا للمرة الأخيرة.
كنا قد وقفنا في الموضع نفسه في مساء صيفي نضحك من رشاش الماء الذي أخطأ هدفه ورش أحذيتنا ونحن نصعد. وقفنا هنا بأوراق العقار في أيدينا والمفاتيح دافئة من كف السمسار سكارى بفرح البداية.
الآن كنت أجلس في هيئة أخرى في نوع آخر من البداية.
مد مايكل يده ووضعها بخفة على كتفي هل أنت مستعدة
قلت كنت مستعدة منذ زمن. فقط لم أكن أعرف ذلك.
أومأ وانطلق.
حين انعطفنا إلى الطريق الرئيسي رأيت البيت يصغر في المرآة الجانبية حتى صار شكلا بين أشكال ثم اختفى تماما عند المنعطف. شعرت بخفة غريبة تتسع في صدري مختلطة بحزن. تركت الشعورين يجلسان جنبا إلى جنب دون أن يزيح أحدهما الآخر.
استغرقت الرحلة إلى بيت والدي نحو أربعين دقيقة. مررنا بمتجر البقالة الذي كنت أتوقف عنده بعد العمل وبالمدرسة الابتدائية التي قضيت فيها ساعات لا تحصى أربط الأحذية وأقرأ القصص وبالكنيسة الصغيرة ذات البرج الأبيض حيث وقفنا أمام أهلنا ووعدنا بفي السراء والضراء.
كنت أودع المعالم بعيني.
قال مايكل بعد حين لا يلزم أن تتكلمي. لكن إن أردت أنا هنا.
حدقت من النافذة في الأشجار العارية على جانب الطريق أغصانها كالمخالب تمزق السماء الرمادية.
قلت كنت غاضبة منك يوما.
نظر إلي مستغربا مني لماذا
قلت من تلك الخطبة التي ألقيتها على دانيال يوم خطبتي. عن أنك إن آذاني ستعرف. وقتها ظننتك مبالغا ومسرحيا. قلت لأمي إنك ستخيفه. بل اعتذرت له عنك.
أطلق مايكل نفسا خفيفا كأنه ضحكة أذكر. قال شيئا مثل أخوك شديد قليلا وأسرعت لتطمئنيه.
قلت نعم. لكن لاحقا بعد أول مرة دفعني فيها ثم بكى تذكرت كلماتك. وفكرت إن أخبرت مايكل فهذه النهاية. ستصير القصة حقيقية. لن تعود مجرد ليلة سيئة. لذلك صمت. صمت حتى لا تظن أنني أخطأت الاختيار.
قال بحزم لم تخطئي. اتخذت قرارا بما كان لديك من معلومات وقتها. وهو اختار ماذا يفعل بذلك القرار. هذا عليه.
أومأت والدموع تعود لماذا لم تلح أكثر طوال تلك السنوات كنت تشك. لماذا لم تسألني مباشرة
ظل صامتا لحظة ويداه ثابتتان على المقود.
قال أخيرا سألت. ربما ليس بصورة مباشرة
مسحت وجهي بكم سترتي آسفة لأنني جعلتك تنتظر.
أكملنا الطريق في صمت غالب. وحين دخلنا شارع والديشارع هادئ تصطف فيه بيوت متواضعة من طابق واحد وبعض مشاهد الميلاد البلاستيكية في الحدائقانقبض صدري بطريقة أخرى.
كانت أمي واقفة عند النافذة الأمامية بالفعل جسدها الصغير مؤطر بستائر الدانتيل ويدها على فمها. كان أبي خلفها ذراع حول كتفيها. كان ضوء الشرفة مضاء رغم وضوح النهار كأنهما يرسلان إشارة إلى صباح عادي.
أوقف مايكل الشاحنة في الممر. كان صندوق البريد الذي يحمل اسم عائلتنا بخط أسود مائلا قليلا كما كان دائما. وأسقطت الريح أحد زينة عيد الميلاد في الحديقةغزالا مضيئا مستلقيا على جانبه كأنه قرر أن يأخذ قيلولة.
ما إن فتحت باب الشاحنة حتى ضرب البرد وجهي وأيقظني أكثر. خرجت أمي إلى الشرفة بحذائها المنزلي وسترتها غير عابئة بالبرد.
نادت بصوت مكسور إميلي.
مشيت نحو الدرج وصارت ساقاي ثقيلتين فجأة. حين وصلت أحاطتني بذراعيها بقوة حتى شعرت بنبض قلبها على صدري.
ابتعدت قليلا لتنظر إلى وجهي. وقعت عيناها على الكدمة الباهتة على خدي فتحول قلقها إلى شيء أحد وأوضح.
قالت بلا سؤال ضربك.
فتحت فمي وأنا مستعدة أن ألطف أن أقول كان خطأ أو انفلت الأمر كما كنت أتدرب مئة مرة. بدل ذلك نظرت في عينيها وقلت نعم.
أغمضت عينيها لحظة كأنها تدخل الكلمة إلى عظامها. وحين فتحتهما كانتا تلمعان بدموع وبشيء أصلب.
قالت إذن ستبقين هنا. انتهى. لا أحتاج أن أعرف أي شيء آخر الآن.
تقدم أبي ببطء ونعلاه يهمسان على الإسمنت.
قال ادخلي. سنحضر أغراضك. لا بد أنك تجمدت.
أنزل مايكل وأبي الحقائب بينما أدخلتني أمي إلى غرفة الجلوس الدافئة المألوفة. الأريكة البنية القديمة والكرسي الهزاز الذي يئن حين يجلس أبي ولوحة التطريز التي صنعتها جدتي منذ عقودكلها كما هي. شجرة الميلاد في الزاوية تتوهج بأضواء ملونة وأغصانها محملة بزينة جمعت عبر عمر كامل. بعضها كرات زجاجية قديمة من زمن جدي وبعضها ورق مقوى مغطى بلمعان تتوسطه صوري وصورة مايكل من المدرسة.
جلست على الأريكة وشعرت بأن الوسائد
قالت برفق لا يلزم أن تخبرينا بكل شيء. ليس اليوم. لكن اعلمي أننا في صفك. لن تعودي إلى هناك إلا إن اخترت أنت ذلك. وحتى إن اخترت سيكون لنا كلام طويل.
خرجت مني ضحكة صغيرة مرتجفة لكنها حقيقية لن أعود. لا أعرف ما سأفعله تماما بعد الآن لكنني أعرف هذا.
جلس أبي في كرسيه الهزاز وانحنى للأمام بمرفقيه على ركبتيه. بدا أكبر مما كان قبل عام خطوط فمه أعمق وشعره صار أبيض تقريبا. كان رجلا قليل الكلام يدخره لما يستحق.
قال ببطء حين كان عمركما عمرنا نحن كنا نقول لأنفسنا إن البقاء معا مهما كان هو علامة الزواج الصالح. لكن مهما كان لم تعن يوما أن يرفع أحد يده على الآخر غضبا. لو أنني ضربت أمك مرة لتوقعت أن يحضر أخي إلى بابنا. أنا سعيد لأن مايكل فعل لك ما كنت أريد أن يفعله أحد لها.
اغرورقت عيناي. قلت ظننت أنك ستخيب بي. لأنني لم أنجح في جعل الأمر ينجح.
هز رأسه أنا خائب به. وبنفسي لأنني لم أسأل أكثر. وبكل الطرق التي نقول بها للنساء أن يصبرن ويفهمن ولا نقول للرجال أن يكونوا لطفاء وآمنين. أما أنت لا. فعلت شيئا شديد الصعوبة اليوم. هذا ليس فشلا. هذا شجاعة.
قضينا بقية اليوم في ضباب لطيف. انشغلت أمي في المطبخ تعد شطائر جبن محمص وحساء طماطم لأنك تحتاجين شيئا دافئا في معدتك رغم أنني قلت إنني لم آكل سوى لقمة واحدة من الفطائر قبل أن أغادر. اتصل أبي بخالتي وعمي ليطلب منهما تذكر موعد طبيب أمي كي يستطيع أن يبقى معي. ذهب مايكل إلى المرآب يفتش في المخزن عن مدفأة إضافية للغرفة القديمة التي سأنام فيها.
في تلك الليلة وأنا في سرير طفولتي تحت اللحاف المألوف حدقت في نجوم مضيئة لا تزال ملصقة بالسقف. استمعت إلى همهمة المدفأة القديمة ونباح كلاب الحي البعيد. لأول مرة منذ سنوات لم يكن الظلام حولي مهددا. كان كغطاء.
اهتز هاتفي على طاولة السرير. ظهر اسم دانيال.
تركته يذهب إلى البريد الصوتي. وبعد دقائق ظهرت رسالة
نحتاج أن نتحدث. رجاء أجيبي.
ثم أخرى
أنا آسف. أنت تعلمين أنني لم أقصد. نستطيع إصلاح هذا.
ثم
إن لم تعودي إلى البيت لا أعلم ماذا سأفعل.
قلبت الهاتف على وجهه. أعرف هذا الإيقاع اعتذار إعلان حب تلميحات يائسة تجعلني أشعر أنني مسؤولة عن سلامته. في الماضي كان ينجح. كنت سأقوم وأمشي في الغرفة عقلي
هذه الليلة تركت الرسائل تتكدس دون