حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة
في الليلة التي ضربني فيها زوجي للمرة الأخيرة لم أصرخ. لم أسرع إلى حزم حقيبة ولم أرد عليه بشيء. صرت صامتة. صامتة أكثر مما ينبغي على الأرجح. مشيت في ممر بيتنا الصغير في ضاحية خارج كولومبوس بولاية أوهايو وأغلقت باب غرفة النوم برفق شديد كأنني أحاول ألا أوقظ طفلا نائما ثم استلقيت على جانبي من السرير وأنا بكامل ملابسي.
إلى جواري كانت مصباح الطاولة يرسم دائرة ناعمة من الضوء فوق صورة زفاف مؤطرة ونظارتي للقراءة وكتاب من المكتبة تأخر موعد إعادته. كان البيت ساكنا. اشتغلت المدفأة بآهة مألوفة ودفعت هواء دافئا في فتحات التهوية كأن شيئا لم يحدث. في مكان ما بالخارج نبح كلب وانغلق باب سيارة. أصوات عادية في ليلة غيرت كل شيء.
كان خدي يؤلمني حيث لامست يده وجهي. لم تكن المرة الأولى ولم تكن الأقسى. وذلك كان الأكثر رعبا. لقد صار الأمر شيئا يحدث أحيانا في بيتنا مثل صنبور يسرب الماء أو باب يعلق في رطوبة الصيف. دفعة هنا قبضة هناك صفعة حين يسبق غضبه حكمه ولا تلحق اعتذاراته بما فعل.
في البداية كانت اعتذاراته تبدو وعودا لن يتكرر ذلك. فقدت أعصابي. أنت تعلمين أنني أحبك. ومع الوقت صارت أشبه بتبريرات أنت تستفزينني. أنت تعلمين كم أنا مضغوط. أي رجل سيغضب.
في تلك الليلة لم يعتذر فورا. وقفنا في المطبخ تحت ضوء علوي يطن والحوض ممتلئ بالأطباق. بدأ الشجار بسبب شيء صغير مثل فاتورة دفعتها متأخرة ثم تحولكما كان يحدث دائماإلى قائمة بأخطائي مهملة شديدة العاطفة قريبة أكثر مما ينبغي من أسرتي لا أدعمه كفاية أرد الكلام حين ينبغي أن أصغي.
اندفعت يده قبل أن يبدو حتى أنه انتبه لذلك. انحرف رأسي إلى الجانب. اغرورقت عيناي بالدمع ليس من الألم وحده بل من شيء أعمق كأن سدا يتشقق في صدري. تجمدنا لحظة. خلت ملامحه أولا ثم ظهرت عليه إمارات الذنب ثم الدفاع.
تمتم أنت تعلمين أنك تدفعينني.
لم أجب. لم أسأل لماذا أو كيف يستطيع أو ماذا فعلت لأستحق ذلك. اكتفيت بالنظر إلى سطح الطاولة إلى لطخة صغيرة من صلصة الطماطم قرب الموقد وشعرت بأن شيئا في داخلي ظل ينحني سنوات طويلة قد توقف أخيرا عن الانحناء.
استدرت ومشيت من أمامه وذهبت إلى السرير.
تبعني بعد دقائق يتمتم بكلمات تدور في الغرفة بلا أن تستقر مبالغة متعب أسبوع قاس أسلوبك. انخفضت المرتبة تحت ثقله. استلقى وأدار ظهره
بقيت مستيقظة أراقب الساعة الرقمية فوق الخزانة تزحف من 1147 إلى 1203 إلى 118 والأرقام الحمراء تصبغ الغرفة بتوهج خافت. عند 134 مددت يدي فوقه بحذر شديد كيلا أوقظه وسحبت هاتفي من الشاحن على طاولته.
ارتجفت يدي وأنا أفتح الرسائل. تمررت حتى وصلت إلى الاسم الذي لم أحذفه قط حتى حين كان دانيال يشتكي من أن أخي يتدخل أكثر مما ينبغي في حياتنا.
مايكل هيوز.
أخي الأكبر. الذي كان يمسك يدي داخل قفازه في طريق المدرسة شتاء. الذي ساعدني على حمل صناديقي إلى هذا البيت يوم اشتريناه مازحا أنه سيزورنا كثيرا حتى كأنه يحتاج مفتاحا خاصا به. الذي في يوم زفافي سحب دانيال جانبا وقال كلمات ضحكت منها نصف ضحكة إن رفعت يدك عليها يوما فسأعرف. وحينها سنتحدث.
سنوات كنت أحرص فيها ألا يضطر إلى الوفاء بذلك الوعد.
الآن توقف إبهامي فوق اسمه وأدركت أنني بصمتي كنت أحمي الشخص الخطأ.
كتبت ببطء ومسحت مرتين قبل أن أضغط إرسال.
هل تستطيع أن تأتي صباحا من فضلك لا تتصل قبلها. فقط تعال. أنا بحاجة إليك.
راقبت حالة الرسالة تتحول من تم التسليم إلى تمت القراءة. كان مستيقظا. وبعد ثانية جاءت إجابته
سأكون هناك. السابعة صباحا. لا تقلقي من أي شيء الليلة.
أعدت الهاتف إلى مكانه واستلقيت على ظهري. انزلقت الدموع من زاويتي عيني إلى شعري وبللت الوسادة بصمت. حدقت في شقوق طلاء السقف وفكرت كم كانت حياتي تشبه ذلك كسورا صغيرة تجاهلتها لأن السقف لم ينهر بعد.
وفي لحظة ما طالب جسدي بالنوم فسحبني إليه.
حين استيقظت كان ضوء الصباح باهتا رماديا. أدرت رأسي ببطء. كان دانيال لا يزال نائما بجانبي فمه مفتوح قليلا ونفسه ثقيل برائحة بيرة الليلة الماضية. الغضب الذي كان يشتعل عادة في صدري لم يكن هناك. كان شيء آخر ثابتا رصينا يشبه شعور الوقوف على أرض صلبة بعد سنوات من المشي على الجليد.
تسللت من السرير ولبست بنطالا رياضيا وسترة رمادية ناعمة ومشيت في الممر بجوارب سميكة. كان البيت ساكنا بتلك السكينة التي تسبق عاصفة أو قرارا.
في المطبخ أشعلت الضوء العلوي ووقفت لحظة أستمع إلى طنين الثلاجة والوشوشة الخفيفة للمدفأة ودقات الساعة فوق الموقد. كان هذا مجالي الغرفة التي طبخت فيها وجبات لا تحصى لرجل كان يتناوب بين مدح طعامي وانتقاد توقيتي وتوابلي
في ذلك الصباح أعددت الفطور كما لو أنني أستقبل ضيفالأنني كنت كذلك.
تناولت كيس الطحين وعلبة البيض وجرة الحليب. خفقت الخليط في الوعاء الأزرق الكبير الذي أهدتني إياه أمي يوم انتقلنا إلى البيت. أضفت الفانيلا ورشة قرفة كما يحب دانيال. سخنت الصاج وسمعت الأزيز حين سكبت العجين ورأيت الفقاعات تتشكل على سطح كل فطيرة.
قليت اللحم المقدد حتى التف وصار مقرمشا وامتلأ البيت بتلك الرائحة المالحة المألوفة. قشرت البرتقال وقطعته شرائح وغسلت الفراولة ورتبتها في دائرة زاهية على طبق. أعددت القهوة كما يفضلهاقوية مع قليل من القشطة وملعقة سكر واحدة تماما.
كان الأمر يبدو غير طبيعي تقريبا أن أعد فطورا متقنا لرجل آذاني قبل أقل من اثنتي عشرة ساعة. لكن مع كل حركةكسر البيض قلب الفطائر طي المناديلكنت أشعر بأن عقلي يستقر.
لم يكن الفطور عرض سلام. كان نقطة كاملة في آخر جملة طويلة ملتوية.
عند 652 مرت أضواء السيارة لحظات أمام نافذة الواجهة. مسحت يدي بمنشفة وذهبت إلى الباب ونظرت من الزجاج الجانبي. كانت شاحنة مايكل القديمةالتي بها انبعاج في باب الراكب وملصق باهت لجامعة ولاية أوهايوتقف في الممر.
فتحت الباب قبل أن يطرق.
كان واقفا بمعطفه الشتوي الثقيل ونفسه يخرج سحبا صغيرة في هواء ديسمبر البارد وشعره الداكن تكسوه شعيرات رمادية مبكرة عند الصدغين. جالت عيناه على وجهي وتوقفتا عند تغير اللون الخافت على عظمي الوجنة وانقبض فكه على نحو لم أره إلا مرات قليلة في حياتنا.
لم يقل ماذا حدث ولم يقل هل الأمر أسوأ مما يبدو كان يعرف ما يكفي.
قلت بهدوء ادخل.
خطا إلى الداخل رمق إكليل عيد الميلاد الذي أصر دانيال أن نعلقه بعد عيد الشكر ثم وجه انتباهه كله إلي.
سأل هل أنت قادرة على الكلام
قلت ليس بعد. لكنني سأكون. ما زال نائما.
أومأ مايكل مرة واحدة كأن ذلك أكد شيئا كان قد أعد نفسه له. خلع معطفه وعلقه بعناية على ظهر كرسي المدخل وتبعني إلى المطبخ.
اتسعت عيناه قليلا حين رأى الطاولة. كنت قد رتبتها بعناية أطباق شوك مرطبان شراب القيقب مزهرية صغيرة فيها آخر زهور الأقحوان العنيدة من حديقتنا التي لم تستسلم للصقيع بعد. ثلاث أماكن. واحد لي وواحد لدانيال وواحد لمايكل.
قال بصوت خفيض لقد طبخت.
قلت نعم.
قال له
قلت لي. ولك. ولأنني سأقول أشياء
نظر إلي مايكل لحظة يقرأ وقفي نبرتي ثبات يدي.
قال أنا فخور بك. وأنا هنا. أيا يكن ما سيحدث بعد هذا لن تفعليها وحدك.
التفت الكلمات حولي كغطاء دافئ.
جلس في الكرسي المواجه للممر كي يرى من يدخل. سكبت له القهوة سكر واحد بلا قشطة كما يحب. جلسنا في صمت بينما كانت الساعة تزحف نحو السابعة.
عند 719 سمعنا باب الحمام يفتح في آخر الممر. رنت الأنابيب حين اشتغلت الدش. بعد عشر دقائق انطفأ. فتحت أبواب الخزانة وأغلقت. انزلق درج. صوت شفرة تحك اللحية. روتين الصباح المعتاد في بيت على وشك ألا يعود معتادا.
خفق قلبي لكن يدي ظلتا ثابتتين مطويتين فوق الطاولة. كانت نظرة مايكل تتنقل بيني وبين الممر وجسده مسترخ لكنه مستعد مثل لاعب يراقب بداية مباراة كان يتوقعها منذ زمن.
سمعنا خطوات على الخشب. ظهر دانيال عند عتبة الباب مرتديا لباس عمله المعتاد بنطالا كحليا وقميصا أزرق باهتا وربطة عنق يعقدها دائما رخوة قليلا. شم الهواء وأشرق وجهه برائحة اللحم المقدد والفطائر.
قال بابتسامة رضا وهو يمر بعينيه على الطاولة ها! انظري إلى هذا فطور كامل وقهوة وشراب القيقب الجيد. يبدو أن أحدا فكر الليلة الماضية.
دخل الغرفة ولم ينتبه بعد للشخص الثالث. استقرت عيناه علي. تلك الثقة المتعالية التي كانت تجعل معدتي تنقبض والتي كانت تدور بي في حلقات من الاعتذارات التي لا أستحقها.
قال وهو يسحب كرسيه المعتاد جيد. أخيرا فهمت.
ثم رفع نظره فرأى أخي.
تبدل كل شيء فورا. انزلقت ابتسامته كما ينزلق الماء عن الزجاج. تجمدت يده على ظهر الكرسي. تصلبت كتفاه. تحركت عيناه بين مايكل وبيني ثم عادت.
سأل بصوت أكثر برودة ما الذي يفعله هنا
لم يقف مايكل. لم يضرب الطاولة ولم يرفع صوته. اكتفى بنظرة ثابتة بذلك الحزم الهادئ الذي كان يخصصه لمتنمرين أيام طفولتنا.
قال صباح الخير يا دانيال. اجلس. ينبغي أن نتحدث.
لم يتحرك دانيال. كدت أرى الحسابات تجري في عينيه. أمضى سنوات يصوغ قصة زواجنا كما يشتهي زوج مضغوط زوجة حساسة خلافات متبادلة. كانت أسرتي تسكن في الطرف الآخر من المدينة وكان يحب الأمر كذلك. حين نزورهم يروي حكايات لطيفة عن عمله وبيتنا وحياتنا المزدحمة. وحين يتصلون كثيرا ما يجيب هو ويقول
والآن ها هو أخي يجلس