أستطيع إصلاحه متسوّلٌ مشرّد يسمع بكاء مليارديرٍ فيعلّمه ما فشل فيه الجميع.
المهندسون قد أنهوا بناء المحاكاة. على الشاشة كانت الطائرة النموذجية تقف على مدرج رمادي يمتد تحت غيوم الصباح. بدت الأرقام المنتشرة على أطراف الشاشة مثل طيور صغيرة تستعد للطيران.
قالت المهندسة الرئيسية وهي تضغط شفتيها
سنجري أسوأ اختبار. نفس الحالة التي حطمت كل أفكارنا السابقة.
أومأ جونسون
ابدئي.
ساد صمت ثقيل في الغرفة حتى إن حراس الأمن مالوا قليلا إلى الأمام
ثلاثة اثنان واحد
بدأت المحاكاة.
اندفعت الطائرة الرقمية فوق المدرج ثم ارتفعت إلى الهواء وواجهت الرياح. اهتزت الشاشة وظهرت التحذيرات. الجميع يعرف هذه اللحظة. اللحظة التي كان النظام القديم يجبر فيها مقدمة الطائرة على الغوص في صراع عنيف.
لكن ويليامز لم يرمش. همس للشاشة بصوت يكاد لا يسمع
يد ناعمة
التقط المرشح الاهتزازات العشوائية ونعمها. تحققت الحساسات الثلاثة. دقات الفحص النبضي استقرت.
ثابت ثابت ثابت
غاصت مقدمة الطائرة قليلا ثم ظهر تدخل الطيار.
وهذه المرة استجاب النظام مبكرا.
تخلى عن عناده.
تصرف كما لو أنه شخص تعلم لأول مرة ألا يكون متكبرا.
بدأ الخط البياني الذي كان يصرخ بالأحمر طوال الأسابيع الماضية يتقوس كأنه موجة هادئة.
قال أحدهم هيا
ثم
توقف التيار الكهربائي لثانية.
انطفأ جهاز العرض.
حبس الجميع أنفاسهم.
جاءت صفارات إنذار UPS.
عاد الضوء ببطء.
عاد العرض الرمادي.
كان مربع النتيجة ما يزال هناك
على
همس جونسون
هل أصلحناه
نظر ويليامز إلى الشاشة ثم إلى اللوح الذي ازدحم بالخطوط البسيطة والحقائق الواضحة. لم يبتسم. لم يتكلم.
ثم
تبدل المربع من معلق إلى نجاح باللون الأخضر الساطع.
انفجرت الغرفة كلها.
صرخات تصفيق عيون متسعة أيد توضع على الأفواه.
كان المشهد يشبه قيام شخص من بين الأموات.
جلس جونسون مكانه مصدوما.
ثم انحنى قليلا وكأن روحا ثقيلة خرجت من صدره.
قالت مهندسة بصوت مخنوق
لقد نجح لقد نجح حقا.
ترك ويليامز القلم على حافة اللوح. كانت يداه ترتعشان ليس خوفا بل ذكريات تتزاحم في صدره.
لقد مرت سنوات طويلة منذ آخر مرة استمع فيها أحد.
وقف المهندسون تباعا.
صفقوا له وقوفا.
لم يكن التصفيق لشركتهم ولا لمليارديرهم ولا لمكاتبهم اللامعة.
كان لرجل قادم من الشارع
رجل يحمل حقيبة ممزقة
وعقلا لم يخفت رغم كل شيء.
تقدم جونسون بسرعة عيناه تلمعان بالدموع. لم يهتم لرائحة الغبار أو ثياب الرجل البالية. أمسك كتفيه بقوة .
قال بصوت متكسر
شكرا لك لقد أنقذت شركتي وربما أنقذت أرواحا لا نعرف عددها.
وقف الحراس عند الباب مذهولين. قبل دقائق كان هذا الرجل متطفلا
والآن أصبح المفتاح الوحيد للنجاة.
بعد دقائق جلس ويليامز على كرسي جلدي فاخر في مكتب جونسون. شعر بأن المقعد يبتلعه. لسنوات نام على خرسانة باردة والآن يجلس على شيء دافئ ناعم يشبه فراشا لم يحلم به.
كانت الحقيبة
ظل جونسون يمشي ذهابا وإيابا مذهولا مما حدث.
قال له
دخلت غرفة اجتماعاتي من الشارع من أنت وكيف عرفت ما عجز عنه أفضل مهندسي
تردد ويليامز طأطأ رأسه ثم أخرج من الحقيبة كتابا مهترئا في هندسة الطيران. بدا كأنه كنز أنقذته السماء.
وضعه على المكتب وقال بصوت مكسور
هذا ما يذكرني بمن كنت.
جلس جونسون قبالته وقال حدثني.
تنفس ويليامز بعمق وبدأ
اسمي ويليامز أندرو.
كنت يوما ما كبير مهندسي الطيران في الولايات المتحدة.
عملت عشر سنوات.
بنيت أنظمة حللت أزمات عشت في قلب السماء.
كانت لي عائلة زوجتي وطفلاي ديفيد وجيريمي.
كنت أظن نفسي مباركا
ثم انخفض صوته
حتى دخل الشك بيتي.
شككت في زوجتي
أجريت فحصا للحمض النووي ضد نصيحتي لنفسي.
شهق جونسون.
لا أعرف كيف عرفت زوجتي لكن في صباح اليوم التالي أوقفتني الشرطة وأنا خارج للعمل. وجدوا مخدرات في حقيبتي لم أرها في حياتي. سجنت عامين.
وعندما خرجت
خسرت كل شيء.
مهنتي.
اسمي.
أبنائي.
زوجتي دمرتني تماما.
ثم رحلت إلى نيجيريا وعدت بلا شيء.
رفع الحقيبة قليلا وقال
لم يبق لي إلا هذا كتابي وشهاداتي وذاكرة شخص لم يعد أحد يصدقه.
أغمض جونسون عينيه للحظة.
ثم وقف فجأة وقال بصلابة
لن أتركك تعود إلى تحت الجسر.
لقد أعطيتني حياتي والآن سأعيد لك حياتك.
اتصل بسائقه فورا
خذه إلى أفضل حلاق. ثم إلى أفخم متجر.
حاول ويليامز الاعتراض
لكن جونسون رفع يده بإصرار
لا. لقد أنقذت شركة بأكملها. اسمح لي أن أنقذك أنت.
وبالفعل خرج ويليامز تلك الليلة بوجه جديد ولحية مرتبة وشعر أنيق وبدلة فاخرة.
وعندما عاد في اليوم التالي
لم يعد الرجل الذي يعيش تحت الجسر
بل عاد مهندس الطيران العظيم ويليامز أندرو في منصبه الجديد
رئيس مهندسي شركة الطيران الفضائي.
صفق فريق المهندسين له مجددا بعضهم بإعجاب وبعضهم بحسد
ومن بينهم عينان تشتعلان حقدا
أوبينا أوكوي كبير المهندسين السابق الذي سقط منصبه بين ليلة وضحاها.
ومن هنا تبدأ الظلال الأولى للصراع
كان ويليامز يمشي بين المهندسين بثقة جديدة لكن في زاوية الغرفة كان أوبينا يقف ساكنا ذراعاه معقودان وفكه مشدود وعيناه تلمعان بشيء يشبه السم. كل تصفيقة لويليامز كانت مطرقة تهوي على كبريائه. كان يشعر بأن منصبه وهيبته وسلطته سرقت كلها في ساعات. وفي داخله اشتعل غضب لم يعرفه من قبل.
ومع الأيام أثبت ويليامز عبقريته مرة بعد مرة. أصلح نظام الطيران وابتكر حلولا لمشاكل ظلت سنوات مدفونة وارتفعت العقود وأصبحت الشركة حديث الإعلام. كان جونسون فخورا به بشكل ظاهر والمهندسون الشباب رأوه معلما وأبا.
لكن بالنسبة لأوبينا
كان هذا إذلالا مستمرا.
وذات ليلة جلس في مكتبه المظلم يتمتم لنفسه
كل هذا كان يجب أن يكون
لم يكن يعلم أن الغضب حين يتغذى على النفس يخلق وحشا.
وفي