لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير وغيّر مصيرها
كانت إيفا تلعب على مسافة قصيرة تمسك بأوراق ملونة تحاول أن ترسم بها شكل الشمس كما وصفتها لمالك في أول حديث بينهما
جلس مالك بالقرب من طرف المقعد دون أن يلتصق بأحد يحافظ على المسافة نفسها التي اعتاد أن يحترمها مع الجميع
قال له هنري وهو ينظر إلى ابنته
تعرف يا مالك لو قال لي أحد قبل شهر إن طفلة لا تنطق ستقول لي كلمة بابا بهذه البساطة لما صدقته
ابتسم مالك ابتسامة خفيفة
الصوت ما بيضيع بس يختبئ لما يخاف
تأمل هنري هذه الجملة طويلا
ثم قال
أنا كنت أبحث عن العلاج في كل مكان إلا في المكان الوحيد اللي كان ممكن يبدأ منه
وين سأل مالك
أشار هنري إلى قلبه
هنا
لم يضف الكثير
لم يحتج
كان يعرف أن اعترافه هذا حتى لو لم يترجم إلى عناق أو دموع أو مشاهد مبالغ فيها يكفي بداية لتغيير الطريق كله
مع مرور الأيام تغير نظام القصر دون أن يعلن أحد عن ذلك رسميا
إيفا لم تعد تجلس
صوتها بات يسمع في الممرات لا بصراخ ولا بضجيج بل بكلمات قليلة لكنها حية
كانت أحيانا تمر من أمام مكتب هنري تقف عند الباب تقول كلمة واحدة
بابا
فيترك أوراقه يرفع رأسه ويجيب
نعم حبيبتي
فتقول
تعال شوف
وتقوده إلى رسمة جديدة أو كتاب ملون أو فكرة صغيرة في رأسها
وقد يحتاج منها الأمر عشر ثوان لتشرحها لكنها كانت تحاول وهو كان للمرة الأولى منذ سنوات حاضرا ومتاحا
أما مالك فلم يعد مجرد زائر
لم يسمه أحد رسميا فردا من العائلة ولم يعلن هنري ذلك في مؤتمر صحفي لكن طبيعة الحياة نفسها داخل القصر اعترفت بالأمر قبل أي بيان
في المطبخ لم يعد أحد يناديه الولد الغريب
في الحديقة صار بعض الحراس يتبادلون معه السلام عند مروره
وفي غرفة الألعاب كانت إيفا ترسم أحيانا ثلاثة أشخاص رجل طفلة وفتى أسمر يقف إلى جوارهما لا يلمسهما لكنه قريب بما يكفي ليظهر في الصورة
في إحدى الأمسيات
قالت بصوت منخفض
مالك
كان واقفا عند الباب كعادته لا يدخل دون إذن
نعم
قالت وهي تختار كلماتها ببطء
لما أجيت أنا ما كنت أقدر أحكي
ابتسم مالك
وأنا لما أجيت ما كنت أقدر أصدق إن في بيت كبير ممكن يسمع طفل مثلي
التفتت نحوه
في عينيها سؤال لم تنطقه بالكامل
فقال هو كأنه يفهم ما يدور في رأسها
أنقذتيني زي ما ساعدتيني أنقذك
هزت رأسها بخفة وكأنها لا توافق
ثم قالت جملة قصيرة لكنها صادقة
أنت علمتني ما أخاف
بقي واقفا في مكانه لا يقترب
لكنه شعر في داخله أن هذه الجملة أهم من كل الشكر الذي كان يتخيله
لم تتوقف التهديدات الخارجية ولم تختف ملفات الماضي
لكن شيئا محوريا تغير داخل هذا البيت
لم يعد
لم يعد الصمت هو اللغة الوحيدة
صارت الكلمات مهما كانت قليلة تقال
وصار الاستماع لا الصراخ هو طريقة التعامل الأولى
أما ذلك الفتى الأسمر الفقير الذي جاء من الحي الثالث حافي القلب واليدين
فلم يعد مجرد ظل يمر عبر بوابة خلفية
صار جزءا من قصة ترويها المدينة عن أب تعلم من طفل فقير كيف يكون أبا من جديد وعن طفلة صامتة اكتشفت صوتها عندما وجدت أخيرا من يراها كإنسانة لا ك حالة
لم تنطق ابنة الملياردير بكلمة واحدة منذ ولادتها
لم تفعلها الثروة ولا فعلها الطب ولا حققها السفر ولا أحدثتها الأجهزة
لكن حين جلس بجانبها فتى أسمر فقير
اقتسم معها شطيرة بسيطة
وتحدث إليها كما لو كانت طفلة عادية تماما
انكسر شيء كبير لم يره أحد
وانفتح باب لصوتها من جديد
ولأول مرة منذ سبع سنوات
لم يكن أهم ما في القصر هو المال
بل ذلك الصوت الصغير الذي يقول
بابا
وصدى تلك الكلمة في قلب رجل كان يظن أن كل شيء
إلا أن يملك فرصة ثانية مع ابنته
النهاية