حفل

لمحة نيوز

لثوان شعرت أن القاعة كلها تختفي وأنني وحدي مع الورقة بين يدي. أصوات الضحك صوت الزجاج المتحطم نظرات الناس كلها تراجعت إلى الخلفية. كان الخط في أعلى الصفحة واضحا أنيقا أحرف محفورة في ذاكرتي منذ أن كنت طفلا أرى هذا الاسم على جدران الشركة وعلى الملفات وعلى بوابة المقر الرئيسي 
ويليام كول.
جدي.
الرجل الذي مات وأنا ما زلت في بداياتي والذي لم يتحدث عنه أبي يوما إلا باعتباره المؤسس لا الجد.
قرأتها في سري أولا 
إلى حفيدي مايكل كول.
في تلك اللحظة انهار شيء داخلي ونهض شيء آخر مكانه. طوال عمري كنت الخطأ الزائد غير المرغوب فيه. وهذه أول مرة أقرأ فيها جملة مكتوبة بخط رسمي تقول إلى حفيدي. إلي أنا لا براندون لا أبي لا أحد غيري.
رفعت بصري فرأيت وجوها مترقبة ووجوها خائفة ووجوها تائهة لا تعرف مع من تقف لكن وجها واحدا كان يهمني وجه أبي.
كان شاحبا مشدودا كأن أحدهم سحب البساط من تحت قدميه فجأة فصار يتشبث بالهواء.
عمي توماس وقف إلى جانبي لم يلمسني لكنه كان حاضرا كجدار صامت يدعمني دون كلام.
عندها اتخذت قرارا لم أكن لأجرؤ عليه في أي وقت مضى 
لن أقرأ هذه الرسالة في غرفة مغلقة.
لن أواجه هذه الحقيقة بيني وبينه فقط.
لقد أهانني أمام الجميع.
إذا ستقرأ الحقيقة أمام الجميع.
رفعت رأسي وضبطت أنفاسي ثم رفعت الورقة قليلا لأعلى حتى يراها من يجلس بقربي وقلت بصوت سمعته أنا قبل غيري 
بما أن والدي اختار أن يجعلني

موضع سخرية أمام الجميع فأنا سأجعل الحقيقة تقال أمام الجميع أيضا.
سكتت القاعة.
حتى الموسيقى توقفت.
حتى النادل الذي كان يمر بين الطاولات تجمد في مكانه وهو يحمل الصينية.
نظرت في السطر الأول مجددا وبدأت أقرأ 
إلى حفيدي مايكل كول
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة الآن فهذا يعني أنني رحلت وأن رغباتي تأخر تنفيذها أو تم إخفاؤها عمدا.
في الصفوف الأمامية سمعت شهقات مكتومة.
تحرك أبي خطوة إلى الأمام وقال بصوت حاول أن يجعله حازما 
هذا يكفي اجلس يا مايكل. ليس هذا وقت المسرحيات.
لم أرد عليه.
تابعت القراءة وكأن صوته مجرد ضوضاء بعيدة 
بني
لقد بنيت شركة كول منذ أن كنت شابا بعرق السنين وسهر الليالي لم يكن هدفي أن تصبح مجرد إمبراطورية يتفاخر بها من يجلس في أعلى السلم بل أردتها بيتا كبيرا فيه قوة نعم لكن فيها أيضا عدل ورحمة.
توقفت لحظة كنت أسمع أنفاسي وأنفاس الآخرين.
ثم أكملت 
لم أكتب هذه الكلمات لابني ريتشارد ولا لحفيدي براندون بل كتبتها لك أنت مايكل
لأنني رأيت فيك ما لم أره فيهم جميعا 
رأيت إنسانا لا مجرد رجل أعمال محتمل.
رأيت قلبا يفهم معنى المسؤولية لا معنى السيطرة.
ورأيت عينين لا تنظران إلى الناس كأرقام بل كبشر.
كأن الجدار الذي صنعه أبي حول صورته بدأ يتشقق.
الهمسات اشتعلت في القاعة 
إلى حفيدي مايكل
هو يقصد مايكل فعلا
هل كان الجد يعرفه أكثر من أبيه
أبي صرخ هذه المرة 
كفى! لن يكمل أحد
قراءة هذا الهراء!
لكن صراخه لم يحمل نفس الهيبة السابقة.
كان صراخ رجل خائف لا رجل مسيطر.
عندها تقدم عمي توماس خطوة إلى الأمام وفتح ملفا أسود في يده وأخرج منه عدة أوراق مختومة وقال بصوت قانوني جاف اعتاد الناس أن يسمعوه فقط في قاعات المحاكم 
ريتشارد أنت تعرف هذه الأوراق.
لقد كنت حاضرا عندما وقعت.
هذه نسخة من التوجيه القانوني النهائي من والدك ويليام كول
ومع هذه الرسالة التي يقرأها مايكل الآن توجد وثائق نقل الحصص المسيطرة في شركة كول إلى حفيده مايكل وليس إلى براندون.
كأن الزمن توقف للحظات.
صوت واحد اخترق الصمت 
صوت أنفاس أبي المضطربة.
نظرت إليه.
كان يمسك بطرف المنصة بيده كأنه يحتاج سندا حتى لا يسقط.
عيناه كانتا تتحركان بيني وبين الأوراق في يد توماس وبين وجوه الحضور التي لم تعد تنظر إليه بإعجاب بل بدهشة وببعض الشماتة.
براندون لم يحتمل.
اندفع نحوي ويده ممدودة إلى الورقة كأنه يريد تمزيقها 
هذا تزوير! هذه لعبة قذرة! أبي قل لهم! قل لهم أن هذا غير قانوني! قل لهم أنني أنا الوريث الوحيد!
سحب توماس الأوراق قليلا إلى الخلف وقال بثبات 
كل شيء موثق ومصدق وموقع منذ سنوات.
لو لم تحاول إخفاء هذه الوثائق يا ريتشارد لكنت وفرت على نفسك هذا المشهد.
التفتت العيون إلى أبي.
لم يعد بإمكانه أن يختبئ خلف صوته العالي.
قال متلعثما 
لقد لقد كان أبي عجوزا لم يكن في كامل وعيه عندما كتب هذا.
ابتسم توماس
ابتسامة صغيرة خالية من السخرية لكنها مليئة بالحسم 
كنت أنت من قال للمحكمة بنفسك إنه كان بكامل قواه العقلية حتى تظل الشركة تحت يديك بعد وفاته. لا يمكنك تغيير روايتك الآن.
شعرت بقوة غريبة تسري في جسدي.
لطالما كنت الأصغر صوتا في هذه العائلة.
اليوم لأول مرة لم أكن بحاجة لأن أرفع صوتي حتى أسمع.
الحقيقة نفسها كانت تتكلم عني.
عدت إلى الرسالة أكملت بصوت أعلى قليلا هذه المرة 
مايكل
أعرف أن أباك لم يكن رحيما معك.
أعرف أنه حمل خططه عليك وأنه لم يغفر لك شيئا لم ترتكبه أصلا
أعرف أنه جعلك تؤمن أنك زائد أنك لا تستحق مكانا في هذه العائلة.
لذلك كتبت هذه الرسالة.
أحسست بحرارة تملأ عيني.
تابعت 
أترك لك أنا ويليام كول الحصص المسيطرة في الشركة وحق اتخاذ القرار الأول في مستقبلها.
لم أرد أن يرثها من يحولها إلى أداة قسوة بل من يجعلها سببا في رزق الناس لا في إذلالهم.
رفعت الرسالة قليلا ثم قلت بوضوح 
جدي ترك الشركة لي.
أوراق نقل الملكية موجودة.
والوثائق موقعة.
وهذا الحفل الذي أردته يا أبي لاستعراض قوتك أصبح الآن شاهدا على حقيقتك.
تعالت الهمسات مرة أخرى.
البعض انحاز فورا إلى الطرف الأقوى الجديد فبدأ يقترب مني أو يهمس بعبارات مجاملة خجولة.
البعض الآخر ظل متجمدا في مكانه لا يعرف إن كان يجب أن يصفق أم يغادر.
أما أبي فجلس.
نعم جلس.
الرجل الذي كان يقف دائما يأمر يوجه يقرر جلس على أقرب كرسي ووضع يده على
جبينه كأنه يحاول أن يستوعب أنه لم يعد الملك على رقعة الشطرنج.
براندون حاول آخر محاولة
 

تم نسخ الرابط