حكاية ايهم وورد بقلم الكاتبة ورد

لمحة نيوز

إليها بعض الدفء الذي فقدته. لا تعلم لماذا لم تفكر في ذلك من قبل وكأن عقلها كان مشغولا بالحزن أكثر من أي شيء آخر.
نهضت من مكانها واتجهت إلى الخارج ثم قالت دون أن تنظر إلى والديها
أنا هسافر إسكندرية يومين... أغير جو وده بعد إذنكم طبعا.
كادت والدتها أن تعترض لكن والدها قاطعها بحب وهدوء
طبعا يا حبيبتي غيري جو.
نظرت إليه زوجته پغضب لكن نظرة واحدة منه كانت كافية لتجعلها تصمت رغم أنها لم تكن راضية. 
يا بابا أنا عاوز أروح الحديقة!
نظر أيهم إلى ابنه الذي يتشبث بيده ويتطلع إليه بعينين تلمعان بالحماس ثم قال برفق
بلاش النهارده يا يونس يا حبيبي خليها يوم تاني.
لكن الطفل لم يستسلم اقترب أكثر وهتف بتوسل
وحياتي عندك يا بابا!
ضحك أيهم بخفة وهز رأسه قائلا
أنت عارف إني بحبك صح
هز يونس رأسه بحماس ليكمل والده بابتسامة ماكرة
وأنت عارف برضو إني مش برفضلك طلب صح
أومأ يونس بسرعة فتنهد أيهم وكأن الأمر صعب عليه ثم قال وهو يعبث بشعر ابنه
يبقى أكيد هنروح الحديقة علشان خاطر عيون يونس وحلاوة يونس!
قفز الطفل من الفرح ثم اندفع ليعانق والده قائلا بحب
أنا بحبك أوي يا بابا!
ضمھ أيهم بقوة وهمس له بحنان
وأنا بمۏت فيك يا عيوني.
مش هتيجي بقى يا بنتي قلبي قلقان عليك ده انتي بقالك أسبوعين هناك!
كان صوت والدتها يملأ المكان عبر الهاتف محملا بالاشتياق والقلق لكنها لم تكن مستعدة بعد للعودة فتنهدت ورد وردت بصوت هادئ
حابة الجو هنا يا ماما ومش عاوزة أنزل... حد يسيب الجنة دي ويرجع للكآبة سيبيني لحد ما أرتاح يا ماما.
صمتت والدتها قليلا قبل أن تهمس بندم
متزعليش مني يا بنتي...
أغلقت ورد عينيها تحاول أن تمنع دموعها ثم أجابت باستسلام
ربك يحلها ساعتها يا ماما... هقفل دلوقتي إيلول بتنده عليا.
أغلقت الهاتف وهي تتنفس بعمق لكن ما إن رفعت رأسها حتى وجدت صديقتها إيلول تقف عند باب الغرفة تنظر إليها بحزن. اقتربت منها واحتضنتها بحنان وهي تهمس
إن شاء الله خير يا ورد... حاولي تسامحي حاولي.
لكن ورد أغلقت عينيها پألم وارتعش صوتها وهي ترد
مش قادرة يا إيلول... مش قادرة! حاسة إن روحي هتطلع عيلتي مفتقداها أوي والسبب يكونوا أهلك! حتى هو.
.. حتى هو مش عارف أنا عايشة ولا لأ مش عارف إني هنا مش عارف إني مستنيا وإني لسه عايشة على الذكرى!
كانت تبكي في نهاية حديثها دموعها جفت من كثرة البكاء وكأنها لم تعد تملك سوى ألم متجدد. مرت ثلاث سنوات وعشرة شهور وخمسة أسابيع واثنتا عشرة ساعة وخمسه وأربعون دقيقه ... ولم تر أحدا منهم.
تنهدت إيلول قبل أن تمسح دموع صديقتها برفق ثم قالت بنبرة أكثر دفئا
تعالي إيلاف عاوزة تروح الحديقة ومش راضية تروح لوحدها... لازم ورد تكون معاها.
هزت ورد رأسها وقالت بصوت متعب
مش
هقدر والله يا إيلول... مش قادرة.
لكن صديقتها لم تستسلم شدت يدها بلطف وهي تقول بإصرار
يلا بقى يا ستي! من ساعة ما جيتي وإنت قاعدة جوه الأوضة مبتخرجيش! أمال إيه فايدة تغيير الجو
قبل أن ترد ورد جاءها صوت طفولي محمل بالبراءة
يلا يا ورد علشان خاطري!
التفتت نحو إيلاف تلك الطفلة الصغيرة التي لم تتجاوز الثالثة بعد تنظر إليها بعينيها الواسعتين المليئتين بالرجاء.
ابتسمت ورد وسط دموعها وانحنت قليلا لتقترب من طولها ثم قبلت وجنتها بحب وقالت بلطف
علشان عيونك بس يا ست إيلاف... ما تجيبي بوسة بقى!
ضحكت إيلاف بسعادة قبل أن تطبع قبلة طفولية على خدها. 
أهو جينا أهو يا عم يونس!
ماما!
ربنا يرحمها بقى.
ماما!
صړخ الطفل بصوت مرتجف يركض پجنون نحوها كأن الحياة تتوقف عند تلك الكلمة التي تمزقت من قلبه. كان جسده الصغير يرتجف وعيناه تلمعان برجاء لا يفهمه أحد سواه.
أيهم الذي تبعه بخطوات متلاحقة لم يستطع استيعاب ما يحدث لكنه شعر بقلبه يعتصر بقلق غريب كأن هذه اللحظة تحمل أكثر مما تبوح به. نظراته كانت متوترة تتنقل بين الصغير والمرأة التي بدت وكأن الزمن توقف عندها.
أما هي فما إن وصل ذلك النداء إلى مسامعها حتى ارتجف قلبها بين أضلاعها شعرت وكأن صوتا ما يناديها من أعماق ماض مجهول كأن شيئا كان مفقودا وعاد للحياة. لم تقو على منع نفسها من رفع رأسها لم تستطع مقاومة ذلك الشعور الجارف الذي اجتاحها.
وعندما وقع بصرها على الطفل شعرت بأن أنفاسها تعلقت في صدرها وكأن روحها كلها تجمدت للحظة. كان يركض نحوها ذراعاه الصغيرتان ممدودتان وعيناه ټغرقان في الدموع كأنه كان يبحث
عنها طيلة عمره. لم تفهم كيف ولماذا لكنها شعرت أنها تريده أن يكون ابنها أن يكون هو ذاك الجزء الضائع منها.
وفجأة اندفع الصغير نحوها ارتمى بين أحضانها بقوة كأنما يخشى أن يفلت منها مرة أخرى. التصق بها بشدة ډفن وجهه في ركبتيها لشده صغر حجمه. 
شعرت برجفة تسري في كل خلية من جسدها قلبها يكاد يخرج من صدرها من فرط النبضات التي تسارعت پجنون.
كل الأنظار كانت مصوبة نحوها ولكنها لم تر أحدا سواه. ولم تشعر سوى بحرارة جسده الصغير وهو يرتعش بين أحضانها. للحظة شعرت أنها استردت شيئا ثمينا شيئا لم تكن تعلم أنه مفقود من الأساس.
ترددت رفعت يديها المرتعشتين ببطء ثم أبعدته عنها قليلا تبحث في ملامحه الصغيرة عن إجابة عن يقين يثبت لها أن هذه اللحظة حقيقية وليست مجرد حلم نسجه قلبها المشتاق.
خاف... خاف أن تكون مجرد وهم خاف أن يكون قد أخطأ أن يخذله قلبه الصغير فامتلأت عيناه بالدموع واڼفجر بالبكاء لكنه لم يجرؤ على رفع عينيه إليها.
أما هي فشعرت أن روحها تنتزع من مكانها ركعت أمامه ببطء تمسكت بذراعيه بقوة وكأنها تخشى أن يتلاشى بين يديها ثم همست بشفاه مرتعشة بصوت خرج كأنه رجاء كأنه دعاء طال انتظاره
أنت يونس
لم يجب بل ازدادت دموعه فهزته برفق كأنها تحاول أن توقظه من خوفه من تردده ورددت بصوت أكثر يأسا
أنت يونس
ببطء رفع رأسه التقت عيناه الغارقتان في الدموع بعينيها وهز رأسه اعترف بصمت لكنه لم يجرؤ على قولها بصوت مسموع.
في تلك اللحظة لم يعد هناك ما يمنعها لم تعد هناك قوة في هذا العالم تستطيع أن تفصلها عنه مرة أخرى.
احتضنته بقوة كأنها تريد أن تدمجه داخل روحها تبكي بحړقة تقبل كل شبر في وجهه الصغير تشده إلى صدرها وكأنها تحاول أن تعوضه عن كل لحظة ضياع.
كان مشهدا مؤثرا لدرجة أن من حولهم لم يتمالكوا أنفسهم امتلأت العيون بالدموع دون أن يعرف أحد السبب لكن ما كان واضحا للجميع أن هذا اللقاء سيظل محفورا في الذاكرة لسنوات طويلة.
ورد!
سمعت صوتا نادى اسمها اسمها الذي ظنت أنها لن تسمعه بهذه النبرة مجددا. رفعت عينيها المغرورقتين بالدموع لتراه يقف هناك ملامحه مرهقة لكنها تحمل شيئا لم تره منذ زمن شيئا يشبه الأمان.
لم تفكر
لم تتردد ركضت نحوه بقوة كأنها تحاول اختراق المسافة التي تفصلها عنه. ارتمت داخل أحضانه بكل ضعفها بكل خۏفها بكل الحب الذي لم تفقده يوما.
لكن قدميها خانتاها كأنها لم تعد تملك القوة لتقف فسقطت معه على الأرض لكنها لم تهتم لم تشعر بشيء سوى دفء ذراعيه وهو يحتضنها يحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن تضيع منه مرة أخرى.
كان يبكي... وهي تبكي... لكن هذه المرة كانت دموعهما تشبه الغيث بعد جفاف طويل.
عندما تعلقت زليخة بيوسف حبا حرمها الله منه وحين تعلقت بالله إخلاصا وهبها الله يوسف.
وهكذا كانت ورد حين تعلقت بالله في الآونة الأخيرة وهبها الله زوجها وابنها من جديد...
..4..
استيقظ أيهم على يد صغيرة تهزه برفق فتح عينيه ببطء ليجد صغيره يونس يقف أمامه عيناه متورمتان من البكاء. جلس سريعا حمله بين ذراعيه وربت على ظهره بحنان.
أنا حلمت حلم جميل أوي بابا... حلمت إني شفت ماما.
ازدادت دقات قلب أيهم مسح دموع صغيره وهو يهمس
دي ماما فعلا يا يونس مش حلم يا حبيبي.
ارتسمت الدهشة على ملامح الطفل ثم سأل بلهفة
بجد أمال هي فين
أنا أهو يا حبيبي.
كان صوت ورد دافئا وهي تخرج من الحمام تنظر إليهما بحب واشتياق. لم ينتظر يونس بل ركض نحوها وارتمى في حضنها وهي تحمله وتقبل وجهه پجنون كأنها تعوضه عن كل لحظة غابت فيها عنه.
أوعي تسبينا تاني يا ماما!
أنهكت روحها وهي تتخيل هذه الكلمة آلاف المرات والآن تسمعها منه حقيقة. شدته إليها أكثر تغرقه بحبها وتهمس بصدق
عمري ما هسيبكم تاني عمري يا يونس.
اقترب أيهم قبل رأسها بحب ثم ضمهما معا وكأنما يعيد جمع العائلة التي تفرقت.
تذكرت ورد أحداث الليلة الماضية عندما أخذها أيهم وذهبا إلى المأذون ليعقدا قرانهما مجددا كلمات العقد كتبت وكأنها لا تمحى تربطهما إلى الأبد.
لم تتردد رفعت هاتفها واتصلت بوالدتها وما إن أجابت حتى جاء صوتها القلق
وعليكم السلام فينك يا ورد برن عليك من الصبح مبترديش ليه
ابتسمت رغم دموعها وأجابت
أنا آسفة يا ماما كنت حابة أطمنك وأقولك إني رجعت لجوزي اللي حرمتوني منه ومن ابني رجعت وروحي رجعت معايا يا أمي!
صمتت للحظة ثم تابعت بصوت متهدج
حاسة إني بقيت ورد المراهقة تاني اللي كانت بتبص
لحب عمرها من بعيد والنهارده اتجوزته من جديد. أنا مبسوطة أوي يا ماما! ابني كبر وبقى نسخة من أيهم
تم نسخ الرابط