عيون القلب 2
الجزء الثاني
إشراق الأمل بعد طول عناء
دخلت فوزية غرفة ابنتها وقد تجاوزت الساعة الثامنة صباحا بعدما بسطت الشمس خيوطها في كل الأرجاء وبدأت حرارة الصيف تشتد تدريجيا. وجدت ابنتها غارقة في نوم عميق وهاتفها لا يزال في يدها. ابتسمت الأم في قرارتها وخمنت من الذي سهرت سمية معه في الحديث حتى غلبها النعاس. اقتربت منها توقظها
قومي يا سمية قومي يا بت.. البيت مكركب وعايز يتوضب يا بت قومي.
استيقظت سمية أخيرا ومسحت عينيها لتستعيد تركيزها وردت بصوت ناعس
أيوة يا ماما.. قايمة أهو.
قايمة أهو! يا بت قومي إحنا داخلين على تسعة.
يا نهار أسود!
انتفضت سمية من فراشها فزعة بينما ضحكت والدتها على رد فعلها وتابعت بمزاح
الله يكون في عونك هتحسي بالوقت إزاي بس وأنتي الليل كله ع التليفون مع سي حسين خطيبك أنا عارفة أنتوا بتجيبوا الكلام دا كله منين!
شعرت سمية بسخونة تسري في وجهها حياء وبدأت تتحرك بارتباك محاولة التهرب من نظرات والدتها ثم قالت بصعوبة
إيه اللي بتقوليه ده يا ماما يعني هنكون بنتكلم في إيه بس أهي حاجات بنتسلى فيها وخلاص أصله مكانش جايله نوم امبارح فحب يسلي نفسه بالكلام معايا.
تعالت ضحكة فوزية فرحا بحياء ابنتها بينما تذمرت سمية بخجل
يوووه عليكي يا ماما لازم يعني تكسفيني أنا ماشية أروح أشوف اللي ورايا أحسن.
نادتها الأم محذرة
طب استني يا مدهولة هتطلعي بيجامة النوم الضيقة دي مش خايفة لأبوكي ولا
شهقت سمية حين نظرت للمرآة ورأت شكلها بالمنامة الضيقة التي تخصصها للنوم فقط لتخفيف حرارة الجو وهرعت نحو الخزانة لتختار عباءة منزلية ساترة ثم التفتت لوالدتها قائلة
ممكن يا ست الكل تطلعي تشوفي اللي وراكي على ما أغير هدمتي
وما تغيري قدامي أنا أمك على فكرة يعني مش حد غريب.
يا لهوي أبوس إيدك انزلي ياما روحي وشوفي حالك أنا عايزة ألحق أعمل أي حاجة أبويا مش هيرحمني من نقأوزته النهاردة كفاية تأخير أكتر من كدة.
تراجعت فوزية أمام رجاء ابنتها وخرجت وهي تقول
ماشي يا بت فوزية أنا خارجة أهو.. يلا بقى هروح أسخن الأكل عشان نفطر على ما خلصتي.
بمجرد خروجها تفقدت سمية الساعة في هاتفها لتكتشف أنها لا تزال الثامنة تماما فعلمت أن والدتها خدعتها لتوقظها فتمتمت بغيظ
الله يسامحك ياما لا وجاية تغلس عليا في موضوع حسين وكلامه معايا.. الولية دي اتعلمت الشقاوة على كبر ولا أنا اللي مكنتش فاهماها
المواجهة اليومية
بعد قليل جلست سمية تفطر مع والدتها التي استمرت في ممازحتها
يا بت علميني بيقولك إيه سي حسين بتاعك ده ولا هو بيقول كلام عيب
يا لهوي عليكي ياما! إيه اللي أنتي بتقوليه ده أنا برضو هسمحله بحاجة عيب
ضحكت فوزية بصوت عال مستمتعة باحمرار وجه ابنتها كحبة طماطم يانعة حتى دخل الأب فجأة لينهي تلك الأجواء اللطيفة بحدة
يا ماشاء الله عليكم قاعدين تضحكوا ولا هاممكم شيء! طبعا هو أنتوا عليكم حاجة ما
توقفت اللقمة في حلق سمية فردت الأم مدافعة
في إيه يا عبده ما نفطر تسعة ولا عشرة أنت مالك مش ليك الحاجة تتقضي في البيت وخلاص ولا أنت تموت لو ما نكدتش
موتة لما تاخدك يا بعيدة! يعني عايزة تبرطعي فيها أنتي وبتك تقوموا ع الضهر وأنا الراجل الشقيان صاحي من الفجرية في الغيط لما اتحش وسطي في تنضيف الزرع وحش برسيم للبهايم وفي الآخر تقولي بتنكد!
معلش يابا ربنا يعينك إحنا في إيدنا إيه بس تدخلت سمية لتهدئته فصرخ فيها بغشم
هو دا يا اختي اللي ربنا قدرك عليه دا بدل ما تقومي تهزي طولك وتدخلي عربية البرسيم اللي واقفة في الحوش الوراني تأكلي البهايم ولا أنتي فالحة في أكلك أنتي بس قومي يا ختي اعملي على الله يجيب فايدة ولا تخسي شوية.. ما تقومي يا بت!
نهضت سمية بسرعة لتنفذ أوامره والدموع تترقرق في عينيها. لم يتغير والدها رغم خطوبتها ظل يلقي بكلمات كالرصاص خاصة وأنه أصبح يحمل هم تكاليف جهازها التي تضاعفت أسعارها عما دفعه لشقيقاتها من قبل.
عاتبت فوزية زوجها بعد انصراف ابنتها
تاني برضو يا عبده أنت يا راجل أنت مفيش فايدة فيك أبدا لازم تسممم بدن بتك كل يوم بكلامك ده
هو أنتي اللي عليكي حاطط عليها حاطط عليها! أمال مين اللي يقدر ويحس بيا يا ولية يا خرفانة البهايم دي اللي طالع عيني وبدفع دم قلبي في علفها مش عشانها برضو عشان
ردت فوزية بقهر
يعني إيه بتحاسبها عشان هي بنت ومتقدرش تجهز نفسها زي الولاد طب دا أنت معاك شحط كبير وقاعد نايم فوق جمب مراته ومهاينش عليه يساعدك.. وحياة النعمة اللي في إيدي دي حرام عليك مسمم بدنها ومفيش مرة يقدرك ربنا على كلمة حلوة ولا حتى هزار زي اللي بتهزروا مع مضروبة الدم مرات ابنك مايسة!
تاني هتقولي مايسة طب دي لونه وحركة لوحدها بتعرف تاكل عيشها معايا ومع أي حد مش زيك أنتي وبتك.. داهية تنكد عليكم أنتوا الاتنين.
كانت مايسة تقف على درج السلم تسمع الحديث بابتسامة نصر تشعر بالزهو لأنها تفرض سيطرتها بدلالها ومكياجها الذي لا يفارق وجهها بينما تعمل سمية في الزريبة والحوش.
مكالمة حسين وسط الشقاء
كانت سمية تمسك بخرطوم المياه لتملأ الأحواض والدموع تنهمر من عينيها تعبا وقهرا. فجأة جرت نحوها ابنة أختها الصغيرة عالية وهي تمسك بالهاتف
خالة سمية.. خالة سمية.. عم حسن بيتصل.
أسرعت سمية لتأخذ الهاتف وهي تعاتب الصغيرة خشية سقوطه ثم ردت على حسين الذي كان يمزح معها
إيه يا مجنونة الصوت ده لا دا أنا كدة خدت مقلب فيكي.. سمعيني ضحكتك الحلوة دي عشان متعصبش عليكي وأقلبها خناقة.
تقلبها خناقة ليه يا حسين
عشان مش معبراني يا سمية من الصبح شغال أرن عليكي وأنتي ولا سائلة دا بدل ما كان جات منك واتصلتي أنتي تطمني عليا بعد ما قولتلك
اعتذرت له سمية موضحة